المحرر العام
محمد الباز

مع خالص تحياتى.. محمد سعيد محفوظ: مذكرات عبدالمنعم مدبولى «تدبير إلهى»

محمد سعيد محفوظ
محمد سعيد محفوظ

- نعمل على تحويل المذكرات الصوتية لوثائقى درامى إنتاج «المتحدة»

- أردت أن يشعر القارئ بأن «بابا عبده» يجلس معه

- استعنا بـ«جبرتى المسرح المصرى» لتوثيق وتدقيق كل الأحداث

- المذكرات عبارة عن أجندات متناثرة بخط يده و18 ساعة تسجيلات بصوته

- إعداد الكتاب استغرق 3 سنوات من العمل الشاق والممتع

- كنت حريصًا على أن أكون «خادمًا» أمينًا للنص وليس «مؤلفًا» له

- أنيس اتهمنى بأننى إنسان مادى والدليل على ذلك أنى بنيت ثلاث عمارات بمصر الجديدة!

أصدر الإعلامى الدكتور محمد سعيد محفوظ مذكرات الفنان الكبير عبدالمنعم مدبولى، تحت عنوان «مع خالص تحياتى.. مذكرات عبدالمنعم مدبولى»، فى أول كتاب تصدره دار «ميدياتوبيا» وتستهل به مشوارها فى النشر.

هذه المذكرات كتبها الفنان الكبير عبدالمنعم مدبولى بخط يده، وعثر عليها «محفوظ» وجمعها ورتبها وصقلها وأخرجها فى كتاب ثرى قيّم، يكشف عن الكثير من حياة الفنان الراحل، إلى جانب فصل عن أبنائه، فى نهاية الكتاب.

«حرف» التقت الإعلامى الدكتور محمد سعيد محفوظ لسؤاله عن المذكرات، وكواليس العثور عليها بالصدفة البحتة، ثم المراحل التى مرت بها حتى تحريرها فى صورة كتاب نهائى، فكان الحوار التالى:

■ كيف جاءت فكرة كتاب «مع خالص تحياتى.. مذكرات عبدالمنعم مدبولى»؟

- الأمر بدأ بما يشبه «التدبير الإلهى» أو «الصدفة القدرية»، فقبل سنوات، جمعنى لقاء عابر بالسيدة أمل عبدالمنعم مدبولى، فى رحلة بالهواء الطلق نظمتها رابطة للشخصيات العامة تحمل اسم «دوار العمدة».. يومها أخبرتنى السيدة «أمل» أن والدها الفنان القدير عبدالمنعم مدبولى ترك مذكرات بخط يده وتسجيلات بصوته، وأنها ظلت مفقودة لسنوات طويلة لدى كاتب لم ينجز صياغتها.

حينئذٍ شعرت بنوع من المسئولية الأخلاقية والمهنية. لم يكن الأمر مجرد مشروع نشر، بل كان رحلة بحث وتنقيب عن كنز وطنى مخبوء. استمر التفتيش والبحث بالتعاون الوثيق مع الأسرة حتى عثرنا على الأجندات التاريخية السبع، وبدأنا رحلة استعادة هذا الإرث، لنقدم للناس قصة كفاح ملهمة بدأت من الصفر وبلغت عنان السماء، لنثبت للأجيال الجديدة أن الحلم الصادق لا يحده سقف ما دام اقترن بالسعى والإخلاص.

■ ما المراحل التى مر بها الكتاب حتى خرج للنور؟

- عشنا مع هذا الكتاب القيّم ٣ سنوات كاملة من العمل الشاق والممتع، مرت بـ٤ محطات رئيسية:

١- مرحلة التجميع والترميم: كانت المذكرات عبارة عن خواطر متناثرة فى أجندات قديمة تعود لعقود، ما تطلب دقة فائقة فى التصنيف والربط.

٢- الرحلة الصوتية: وهى المرحلة الأكثر تأثيرًا، وتضمنت ترميم والاستماع لنحو ١٨ ساعة مسجلة على ٦ شرائط «كاسيت» بصوت الفنان الراحل. كان استشعار نبرة صوته وهو يحكى عن انكساراته ونجاحاته تجربة وجدانية هزت مشاعرى.

٣- الصياغة والتحرير: محاولة خلق وحدة سردية متماسكة تربط بين المادة المكتوبة والتدفق الوجدانى فى التسجيلات الصوتية، مع الحفاظ الكامل على روح صاحب المذكرات.

٤- التدقيق العلمى: بالتعاون مع المؤرخ المسرحى المخضرم الدكتور سيد على إسماعيل، لضمان خروج وثيقة تاريخية دقيقة تؤرخ للحركة الفنية والمسرحية منذ ميلاد «مدبولى» عام ١٩٢١ وحتى رحيله.

■ بذكر تسجيلاته الصوتية.. ما الحالة التى كشفها لك صوت «مدبولى» ولم يكن الورق قادرًا على نقلها؟

- الصوت هو «ترمومتر الصدق»، وفى الـ١٨ ساعة المسجلة، لم أكن أسمع كلمات، بل كنت أستشعر «انفعالات» لم تكن الحروف لتصفها بذاك الوضوح. سمعت «تنهيدة» الألم وهو يتحدث عن يتمه المبكر وكفاح والدته، ولمست «رعشة» الحماس فى صوته وهو يسرد كواليس تأسيس «المسرح الحر».

التسجيلات كشفت لى عن عبدالمنعم مدبولى «المبدع القلق»، والأستاذ الصارم الذى يقدس الانضباط، وهو جانب قد يختفى خلف قناع الكوميديا الذى عهده الجمهور. هذا العمق الوجدانى هو ما حاولت نقله للقارئ عبر اختيار صياغة تجعل الكلمات المكتوبة «تنبض» بنفس حرارة وتدفق صوته الحقيقى.

■ إلى أين وصلت حدود تدخلك فى المذكرات خاصة أن الفنان الراحل كان يكتب بضع صفحات فى كل أجندة على شكل خواطر؟

- كنت حريصًا على أن أكون «خادمًا» أمينًا للنص وليس «مؤلفًا» له، فالفنان عبدالمنعم مدبولى كان يتمتع بلغة أدبية رصينة وقدرة فائقة على التعبير، لذا اقتصر دورى على «الهندسة»، والتحرير التنسيقى، وبناء الجسور اللغوية بين الفقرات المتناثرة.

الكتاب موثق بنسبة ١٠٠٪ لأن كل ما ورد فيه هو انعكاس دقيق لما دوّنه الراحل فعليًا بخط يده أو قاله بصوته، وأنا تدخلت فقط لتدقيق التواريخ التى قد تخون الذاكرة أحيانًا، ولضمان أن يخرج «وعاء» التقديم بشكل يليق بقيمة المبدع، لكن «الجوهر» ظل خالصًا لـ«مدبولى» وحده.

■ ولماذا أوردت صياغة الكتاب بضمير «الأنا»؟

- كان هذا لكى يأتى سياق الحديث وكأنه من عبدالمنعم مدبولى مباشرة للقارئ، هذا كان رهانى الأكبر فى المشروع، فالفنان الراحل كان دائمًا قريبًا من الناس، يشبه آباءنا بملامحه وصوته وحنانه وحتى صرامته. أردت للقارئ أن يشعر وكأن «بابا عبده» يجلس معه فى «صالة بيته»، يروى له حكاياته بصدق شديد ودون حواجز.

استخدام ضمير «الأنا» منح المذكرات حميمية ومصداقية تتجاوز أسلوب السيرة الغيرية، وجعلنا نرى «مدبولى» الإنسان خلف قناع الكوميديا، ونشعر بآلامه فى لحظات الإحباط، وانتصاراته فى لحظات التوهج. المذكرات هنا ليست مجرد كتاب، بل هى «لقاء شخصى» مباشر بين المبدع وجمهوره.

■ ذكرت السيدة أمل مدبولى أن والدها كان يبعدهم تمامًا عن المجال الفنى.. كيف فسر الكتاب هذه الرغبة لـ«بابا عبده»؟

- الكتاب يفك شفرة هذا الموقف الذى قد يراه البعض غريبًا، فـ«مدبولى» فى مذكراته يعترف بمرارة بأن رحلته كانت شديدة القسوة ومليئة بالعقبات والحروب الفنية والمنع. كان يرى الفن «مهنة شاقة» تحرق أعصاب صاحبها وتستنزف وجدانه، ولم يكن يريد لأبنائه «أمل وأحمد ومحمد» أن يمروا بنفس هذه المعاناة.

أيضًا كان يفصل تمامًا بين المسرح والبيت، ففى المنزل هو رب أسرة حازم يقدس الخصوصية والاستقرار. وكان يرى نجاح أبنائه فى مجالات بعيدة عن الفن هو أكبر «جائزة» استطاع تحقيقها فى حياته.

■ وماذا عن إسهامات الدكتور سيد على إسماعيل فى الكتاب؟

- الدكتور سيد على إسماعيل هو «جبرتى المسرح المصرى»، ووجوده فى هذا المشروع منح الكتاب صبغة مرجعية وأكاديمية هائلة. رؤيته كانت تتجاوز مجرد التصحيح، فقد أضاف هوامش توثيقية وضعت كل عمل فنى فى سياقه التاريخى والسياسى، وصحح وقائع ربما التبست على الذاكرة.

كما أثرى المتن بمراجع أصيلة، مثل نصوص الخطابات التى أرسلها «مدبولى» فى شبابه للفنان فتوح نشاطى، ونصوص الكلمات التى كان يكتبها فى مطويات عروضه الأولى. هذه الإضافات حولت المذكرات من حكايات شخصية إلى وثيقة تاريخية تسجل تطور المجتمع والفن المصرى على مدار ٨ عقود.

■ قلت إنه بعد انتهائك من المذكرات، وقبل نشرها مباشرة، وجدت فصلًا تائهًا يتحدث فيه «مدبولى» عن زواجه ومولد ابنته «أمل».. ما الخصوصية التى يمثلها هذا الفصل؟

- هذا الفصل كان بمثابة «مكافأة القدر» لنا قبيل صدور الطبعة الأولى بأيام، فهو قطعة وجدانية نادرة تفيض بالرقة، يحكى فيها بفيض من المشاعر عن جارته «نجاة» التى أصبحت زوجته، وعن اللحظة التى غير فيها ميلاد ابنته السيدة أمل مدبولى ملامح حياته.

كان «مدبولى» يقدس خصوصية بيته وأسرته ويخفيهما عن الأضواء، وهذا الفصل يكشف لنا «الوجه الأبوى» الأكثر رهافة فى مسيرته.. وبكل تأكيد، أصبح هذا الفصل هو «درة تاج» الطبعة الأولى، ليكتمل به «البورتريه الإنسانى» لشخصية استثنائية أخلصت لفنها بقدر ما أخلصت لبيتها.

■ لماذا خلا الكتاب من مواقف الحب والمرض وغيرها من المواقف الإنسانية واهتم فقط بالمحطات الفنية؟

- الفنان الراحل كان ينتمى لجيل يقدس خصوصية البيت ويرى أن قيمته الحقيقية أمام جمهوره تكمن فى رسالته الفنية، لذا كان يميل فى كتاباته للتوثيق المهنى أكثر من البوح الشخصى. مع ذلك، المذكرات مشحونة بالمواقف الإنسانية لمن يقرأ ما بين السطور، فهى تروى مرارة اليتم، وقوة تأثير والدته التى كانت محور حياته وكافحت لتربيته.

أما فيما يخص المرض، فقد كان صارمًا فى إخفاء لحظات ضعفه. لكن الفراغ الوجدانى الذى قد يشعر به البعض سيتم تعويضه بالكامل عبر «الفصل التائه» المكتشف حديثًا، الذى يسلط الضوء على «مدبولى الجار والزوج والأب» بكل ما يحمله من عاطفة.

■ استخدمتم خط يد الفنان عبدالمنعم مدبولى فى عنوان الغلاف وفى مقتطفات تتصدر كل فصل.. لماذا؟

- هذا الاختيار لم يكن مجرد لمسة جمالية، بل كان قرارًا نابعًا من فلسفة «تجسيد الروح» فى صفحات الكتاب. فخط يد المبدع هو بصمته الإنسانية التى لا تُقلد، وأردت للقارئ منذ اللحظة الأولى التى تقع عيناه فيها على الغلاف أن يشعر باتصال مباشر وحميم مع «مدبولى». لذا جمعنا كلمات العنوان «مع خالص تحياتى» من بين سطور مذكراته الأصلية ليخرج الغلاف بتوقيعه الشخصى.

أما المقتطفات التى وضعناها فى صدارة كل فصل بخط يده، فهى بمثابة مفتاح وجدانى يمهد للقارئ الدخول إلى عالمه الخاص. هذه التفاصيل جعلت صفحات الكتاب تنبض بالحياة، وتؤكد للقارئ أن ما بين يديه ليس مجرد نص مطبوع، بل هو قطعة أصيلة من ذاكرة وقلب هذا الفنان العظيم، كُتبت بمداد كفاحه وصدقه.

■ قال الدكتور سيد على إسماعيل إن كتاب عبدالمنعم مدبولى يفتح الباب للكثير من الكتب الأخرى عنه.. هل يمكن أن نرى كتابًا آخر قريبًا؟

- حياة عبدالمنعم مدبولى لم تكن مجرد رحلة فنان، بل كانت تاريخًا لنهضة فنية كاملة، ومدرسة قائمة بذاتها تحمل اسم «المدبوليزم». ثراء مسيرته وتنوع مواهبه كممثل ومخرج ومؤلف ونحات ورسام يجعلان من الصعب حصر إرثه فى مجلد واحد.

نعم، الباب مفتوح لمشروعات أخرى، ونحن فى «ميدياتوبيا» نعمل حاليًا على تحويل المذكرات الصوتية إلى فيلم وثائقى درامى «دوكيو دراما» من إنتاج «المتحدة» والقناة «الوثائقية»، يحمل نفس العنوان «مع خالص تحياتى»، ليروى فيه قصته بصوته الحقيقى، بمشاركة السيدة أمل مدبولى، التى تظهر فى الفيلم لتمثيل دورها الحقيقى كابنة لهذا العملاق.

■ هل يكون كتاب عبدالمنعم مدبولى فاتح شهية لكتب أخرى على غرار مدبولى بالنسبة لك؟

- بالتأكيد، ومشروعى الثقافى الذى أؤمن به يضع استعادة ذاكرة مصر المبدعة فى مقدمة أولوياته. لقد كانت مذكرات «مدبولى»، وقبلها الفيلم الوثائقى «الوصية» عن الشيخ محمد رفعت، تأكيدًا لتعطش جمهورنا لاستعادة سير عظمائه بمنهجية علمية وصدق وجدانى. نحن بحاجة لأن نعيد تقديم هذه «القدوات» للشباب، ليروا كيف تُبنى السير الذاتية المشرفة بالاستقامة والمبدأ والتضحية. عبدالمنعم مدبولى كان «فاتح الشهية» الأجمل، وسأظل مدينًا لهذه التجربة بأنها جعلتنى أشعر بأننى أصبحت جزءًا من عائلة هذا الفنان العظيم.

■ بموازاة إصدار مذكرات «مدبولى» كانت هناك مغامرة أخرى تتمثل فى تأسيس «دار ميدياتوبيا للنشر».. كيف كانت كواليس هذه التجربة؟

- الحقيقة أننى كنت حريصًا أشد الحرص على أن أُصدر هذه المذكرات بنفسى ومن خلال «ميدياتوبيا»، وفاءً لهذا الكنز الذى ائتمنتنى عليه أسرة الفنان الراحل، ورغبةً فى أن يخرج للنور تمامًا كما تخيلناه. لكن هذه الرغبة وضعتنا فى سباق مرير مع الزمن، فقد كان علينا استيفاء كل الإجراءات الرسمية فى وقت قياسى قبل انطلاق معرض الكتاب.

هنا تجلت عظمة القوة الناعمة المصرية فى تكاتف الجميع، فقد تحمس الأستاذ فريد زهران، رئيس اتحاد الناشرين المصريين، للمشروع بشكل استثنائى، ودعمنا بقوة لتعجيل موافقة أعضاء مجلس الإدارة، رغم وجود بعضهم خارج القاهرة، ليمنحنا العضوية فى أسرع وقت ممكن.

لم يتوقف الأمر عند ذلك، بل وجدنا دعمًا كبيرًا من الدكتور أسامة طلعت، رئيس دار الكتب والوثائق القومية، الذى ساعدنا كثيرًا فى الحصول على رقم الإيداع بسرعة فائقة، حتى شعرت بأن روح «مدبولى» تحيطنا، وأن الكل مدفوع بمحبة فطرية لهذا الفنان، ويريد لمذكراته أن تخرج للنور بأفضل صورة.

ولأننا كنا نخطو خطواتنا الأولى فى عالم النشر، لجأنا لدار «ديوان» العريقة، التى تولت توزيع المذكرات خلال معرض الكتاب وفى كل فروعها بالمحافظات، لتصل الرسالة إلى كل محب لـ«مدبولى».

توج هذا الدعم الدكتور أحمد مجاهد، المدير التنفيذى لمعرض القاهرة الدولى للكتاب، الذى خصص ندوة لمناقشة الكتاب فى المعرض، وكانت المفاجأة فى الحضور الجماهيرى الطاغى، والزحام الشديد من الصحفيين والقنوات والمواقع الإخبارية التى غطت الحدث بشغف. كانت كواليس مفعمة بالمحبة الصادقة للفنان الكبير عبدالمنعم مدبولى، أثبتت لى أن الإخلاص فى تقديم قيمة حقيقية يحول كل عقبة إلى جسر للنجاح.

■ هل هناك «صيد ثمين» آخر تسعى «ميدياتوبيا» لتقديمه للجمهور قريبًا؟

- نحن فى «ميدياتوبيا» نعتبر أنفسنا فى سباق مع الزمن لاستعادة رموزنا المنسية. نعم، هناك مشروعات تحت التنفيذ تخص شخصيات وطنية أثرت فى الوجدان المصرى، ولديها جوانب تاريخية لم تُحك من قبل. مشروعى القادم يميط اللثام عن شخصية استثنائية لها علاقة وطيدة بدولة إفريقية، وهى قصة إنسانية ووطنية من الطراز الأول. هدفى أن تتحول مذكرات عظمائنا من مجرد أوراق مهملة فى خزائن منسية إلى «منارات» تضىء طريق المستقبل للشباب، وتنمى لديهم قيم الانتماء والفخر برموزهم الحقيقية.

اقرأ أيضًا:

أنا وأنيس منصور.. افتراءات كاتب فى صحيفة «الأخبار»

إمبراطورية الضحك.. «بابا عبده» يروى حكاية صعود وانهيار مسرح التليفزيون