المحرر العام
محمد الباز

مع خالص تحياتى.. أنا وأنيس منصور.. افتراءات كاتب فى صحيفة «الأخبار»

حرف

وصل هذا الخبر للأستاذ أنيس، فغضب الأستاذ غضبًا شديدًا وكتب مقالًا لم يذكر فيه أى شىء عن المسرحية.. لكنه اتهمنى بأننى إنسان «مادى» ولا يهمنى أى شىء سوى المادة.. والدليل على ذلك أننى بنيت ثلاث عمارات بمصر الجديدة وأننى وأننى.. واتهمنى اتهامات لا أساس لها من الصحة.

فى عام ١٩٦٩ رشحنى الأستاذ محمود السبّاع للقيام ببطولة مسرحية من إخراجه وتأليف الأستاذ أنيس منصور بعنوان «جمعية كُل واشكر»، وهو دور جميل جدًا لرجل جرىء ومغامر وقد يتهم بأنه أفّاق.

كانت حِرفة هذا الرجل هى ارتداء بدلة أنيقة سوداء مثل علية القوم، ودخول الحفلات والأفراح بدون دعوة بوصفه قريبًا لعائلتى العريس أو العروس ثم يندمج بسرعة وذكاء مع المدعوين، وكان أصحاب الحفل أو الفرح يعاملونه باحترام، خاصة أنه يتقن التظاهر بأنه شخصية مهمة، ويستطيع أن يخرج سالمًا من أى مأزق يقع فيه.

كانت مهمته حشو جيوب بنطلونه وبدلته السوداء بكل ما لذ وطاب من على المائدة الكبيرة المخصصة للمدعوين، وذلك دون أن يراه أحد، وكانت الجيوب غير عادية، كأنها أكياس كبيرة تتسع للدجاج والحمام واللحوم والجاتوه وقطع التورتة، وكانت معه أكياس بلاستيكية يضع فيها أطباق الخضروات المطبوخة.

يُنهى الرجل هذه المهمة، ثم يقف فوق كرسى لإلقاء كلمة، يزعم فيها أنه عضو فى جمعية لمساعدة الفقراء والمساكين والمحتاجين، وكان مقنعًا فى خطبته، فتلين له قلوب الحاضرين، وحين يعود إلى منزله يفرغ ما فى جيوبه من أصناف الأكل والحلوى، ويعطيها لمساعده ليبيعها.

اشترك معى فى تمثيل هذه المسرحية كل من الفنانة عقيلة راتب وميرفت أمين وسلامة إلياس ومحمود الألفى وآخرون.

وأثناء البروفات كنا كثيرًا ما نتعطل، لأن هناك بعض الجُمل فى الحوار غير مفهومة أو غير واضحة، فكنا نعود إلى نسخة المؤلف، لنجد أنه لا فرق بين نسختنا ونسخته.

وأخيرًا عرفنا أن لهذه المسرحية أصلًا أجنبيًا، وأن وزارة الثقافة كانت قد كلفت أحد المترجمين بترجمتها إلى العامية، فكان لا بد من الرجوع إلى هذه النسخة، وكانت موجودة عند الأستاذ السبّاع.

المؤلف يحتجّ 

بعد أن قمنا بتدقيق النسخة التى نمثلها فى ضوء نسخة وزارة الثقافة المأخوذة عن النص الأجنبى، وذلك تحت إشراف الأستاذ محمود السبّاع مخرج المسرحية، وضحت أمامنا معالم المسرحية تمامًا، فقد كانت المشاهد التى قمنا بتصحيحها تمثل أكثر من نصف المسرحية.

عدنا إلى بروفات المسرحية، واستطعنا أن نزيد من مساحة الفكاهة فيها، وعُرضت المسرحية على مسرح الجمهورية، ونجحت والحمد لله، وفى الموسم الصيفى عرضت على مسرح الشاطبى، وقبل انتهاء الموسم حضر الأستاذ أنيس منصور لمشاهدة المسرحية.

وبعد انتهاء العرض، كان من المفترض أن يصعد الأستاذ أنيس إلى خشبة المسرح ويصافح المشتركين فى المسرحية، لكنه لم يفعل! بل قال إننا أضفنا إلى المسرحية التى قدمها بعض المشاهد، كانت سببًا فى فشلها وسقوطها.

وتعجبت من هذا الكلام! فالمسرحية نجحت نجاحًا كبيرًا، حتى إن عرضها استمر شهرًا، فى حين كان مقررًا أن تعرض لمدة أسبوع واحد فقط.

وكان السبب الحقيقى لغضب الأستاذ أنيس هو أننا لجأنا للتصحيح من النسخة الأصلية، ومن ثم اتهمنى على صفحات جريدة الأخبار - التى كان يعمل بها آنذاك - بأننى السبب فى كل ما حدث لمسرحيته.

حين علم الزملاء والزميلات بما حدث، احتجوا جميعًا على هذا الاتهام، وعلى رأسهم الفنانة الكبيرة عقيلة راتب، وقرروا الانسحاب من المسرحية، خاصة بعد نجاحها وإقبال الجمهور عليها، لكنى استطعت أن أهدئ من ثورة الجميع وإعادتهم إلى العمل.

وانتهى موسم الإسكندرية، وعدنا إلى القاهرة، وبعد عدة أسابيع اتصل بى سكرتير «المسرح الكوميدى»، وأبلغنى أنه تقررت إعادة مسرحية «كُل واشكر» على مسرح الجمهورية لتسجيلها للتليفزيون، فاعتذرت ورفضت الاشتراك فى المسرحية بعدما كُتب عنى فى الجرائد.

ووصل الخبر إلى الأستاذ أنيس منصور، فغضب غضبًا شديدًا، وكتب مقالًا لم يذكر فيه أى شىء عن المسرحية، لكنه اتهمنى بأننى إنسان مادى، ولا يهمنى أى شىء سوى المادة، والدليل على ذلك أنى بنيت ثلاث عمارات بمصر الجديدة، وأننى.. وأننى.. واتهمنى اتهامات لا أساس لها من الصحة.

وبعد أيام طلبنى مدير هيئة المسرح، وقال لى إن الأستاذ أنيس يطلبنى لإعادة المسرحية وتسجيلها للتليفزيون، فأجبته بأننى أرفض العودة إلى هذه المسرحية، وحكيت له ما حدث يوم مشاهدة الأستاذ أنيس المسرحية فى الإسكندرية، وما قاله ونشره فى صحيفة الأخبار من تجريح شخصى، بعيد تمامًا عن الحقيقة من ناحية، ومن ناحية أخرى لا علاقة له بالمسرحية، فغضب مدير هيئة المسرح، واتصل فورًا بالأستاذ أنيس، وعاتبه على ما فعل، وقال له: 

- إيه دخل إن الأستاذ مدبولى عنده ٣ عمارات بالمسرح يا أستاذ أنيس؟.. لا لا، ما يصحش أبدًا.. طبعًا من حقه يزعل وما يرجعش للمسرحية.

وبعد أن أنهى السيد مدير هيئة المسرح المكالمة مع الأستاذ أنيس قال لى:

- هو غلطان.. خلاص يدوروا على واحد تانى يعمل الدور. 

فشكرته وانصرفت، واتصلت هيئة المسرح بالفعل بالزميل توفيق الدقن، الذى قام بتمثيل الدور بدلًا منى.