بخط يد فاروق شوشة.. مثقفون بلا ثقافة.. أم ثقافة بلا مثقفين؟
- هناك من يُدْعوْن بالمثقفين وهم فى حقيقة الأمر بعض عوائقها وأبرز سلبياتها
يواصل الكاتب الكبير إبراهيم عبدالعزيز عطاءاته الأدبية، كاشفًا لنا بين الحين والآخر عن كنوز نادرة من ذاكرة الثقافة العربية، عبارة عن حوارات ومقالات ومخطوطات تحمل وهج الإبداع، والتى ستُنشر تباعًا.
ويوصف ما يقدمه «عبدالعزيز» باعتباره إعادة إحياء لروح الأدب، حيث يضع بين أيدينا وثائق وكتابات لم تطلع عليها العيون من قبل، لتصبح شاهدة على زمنٍ من الجمال والصدق الفنى.
واختص إبراهيم عبدالعزيز «حرف» بمجموعة من مقالات الشاعر الكبير فاروق شوشة لتكون بمثابة رحلة متجددة فى أسرار الكتابة، ونافذة على ما ظلّ حبيس الأدراج لعقود.
تمثل هذه السلسلة إضافة نوعية للمشهد الثقافى، لأنها كما تقدم التوثيق، تمنحنا فرصة للتأمل فى مسيرة كبار المبدعين، وتعيد وصل ما انقطع بين الأجيال.
فى هذا العدد، ننشر كشفًا أدبيًا نادرًا بخط يد الشاعر الكبير والإذاعى الراحل فاروق شوشة، ليكون شاهدًا جديدًا على حضور الكلمة الحية، وعلى قيمة المخطوطات التى تحمل بصمة أصحابها، وتُعيد إلينا صوتهم وملامحهم فى أبهى صورة.

ليس هناك من ينكر أن المشهد الثقافى الآن فى مصر، وفى كثير من أقطار الوطن العربى، مشهد مُربك ومرتبك معًا. فهو مشهد يقوم على التشتت والفرقة بأكثر مما يهيئ للوفاق والتجانس، وتتعالى فى كل يوم أصوات نماذجه السلبية، التى تتسلح بلغة مُسفّة فى الحوار، وتهجم على القيم والأعراف والأصول.
وتُصنف الآخرين، طبقًا لحساباتها ومصالحها ومطامعها. يمينا ويسارًا، وطنيين وخَوَنة، سادة وسوقة فى جوّ من التنابذ والتلامس والنفى المتبادل.

وتتمادى هذه النماذج السلبية فى ضراوة ما تمارسه نتيجة لافتقادها- فى ذاتها- لمعنى التحقق، ولإحساسها بأن كل ما تجيده هو هذا الغبار الذى تثيره، وهذه الجلبة التى تتسبب فيها، فكل إبداع حقيقى يكشفها ويُعريها، وكل إنجاز أصيل يفقدها معنى وجودها ويحاصرها فى دائرة صراعاتها الموهومة، وزعاماتها الزائفة المُدعّاة، وكل حركة فى الاتجاه الصحيح تثير فيها نوازع الحقد الدفين. على كل من يُجسد معنى الثقافة الحقيقية وضميرها وشرف مقاصدها، ولا يجتمع مثقفونا الآن فى مجلس أو مؤتمر أو مناسبة لحوار، إلا وهناك اختلافات عميقة على البديهيات، ونقاط البدء والانطلاق، ومنهج الحوار ولغته وأدبياته، كأنهم يمثلون أممًا شتى، وثقافات عديدة، وتكوينات لا يقوم بينها جامع أو رابط، ولا تحركها أهداف وغايات واضحة.
من هنا كانت عزلة من اعتزل، سعيًا وراء إنجاز مشروعه الخاص، بعيدًا عن الانغماس فى أجواء موصومة بالكراهية والتخلف وفقدان بوصلة الاتجاه. وقد يلتقى هذا المشروع الخاص مع مشاريع خاصة أخرى، أو لا يلتقى، المهم أن يحمى هؤلاء المعتزلون رءوسهم وحركتهم من معوقات كثيرة، يسببها أدعياء الثقافة، والأعلى صوتًا فى ساحاتها ومنابرها.
طبيعى أن يكون للمناخ السياسى، وللوضع الاقتصادى، وافتقاد معنى العدالة، وسوء توزيع الأرزاق والحظوظ وانقلاب سُلم القيم فى المجتمع، واختلاط الرؤى والمفاهيم وإقحام غير المثقفين أنفسهم فى مواقع المثقفين، والاستقواء بالسلطة وأصحاب النفوذ- أن يكون لهذا كله تأثيره الطاغى فى كل ما حدث ويحدث، وبخاصة أن أجهزة الإعلام- فى كل ما تنضح به وتفور وتمور- لا تمارس دورًا كاشفًا أو نقديًا، يفرز ويصحح ويصوّب- يعزل ويُصنّف ويُقيّم، فهى- على العكس من ذلك كله- معنية بملء الوقت، وحشد أصحاب الصوت العالى، والالتفات إلى ما تقرّره دولة الإعلان والمعلنين صاحبة النفوذ والسطوة والجاه، والمتحكمة فى سوق العطاء والحجب، والإغراق والتجفيف، والإطلاق والتقييد.

هكذا تتكشف معالم الصورة الآن، لمن يتأملها دون أن ينغمس فيها أو يشارك، حرصًا على سلامته، ونأيًا عن مواطن الشبهات وبؤر الفساد: مثقفون لا يمثلون ضمير الثقافة الحىّ وجوهرها الحقيقى ولا يعنيهم منها إلا القشور والعناوين والتسميات، أما المضامين فغائبةٌ أو مغيبة، وأما المنطلقات الحقيقية التى يجب أن تكون رسالة المثقف وقدره ودوره، فتداس بالأقدام، سعيًا وركضًا وراء العائد السريع. والمكاسب العابرة. وثقافة تراكمت على مدار القرن العشرين، وقام على أساسها مشروع النهضة فى العقود الأولى من القرن، هو المشروع الذى تمثلت إنجازاته فى الدستور، والجامعة، وتعليم المرأة وعملها، وقيام الأحزاب السياسية الحقيقية، وقيام مشروع اقتصادى وطنى بإنشاء بنك مصر، وانطلاق قاعدة الفكر والفنون والأدب، وازدهار الصحافة، وثورة الحريات، ثم قام من بعده- فى العقود المتأخرة من القرن العشرين والعقد الأول من هذا القرن- مشروع التنوير، ترسيخًا لمفهوم الدولة المدنية، وتوسيعًا لأفق الحريات، وإرساءً لمعنى المواطنة، ومواجهة لفكر الخرافة والتخلف ودعوة إلى العدل الاجتماعى، وانطلاقًا إلى آفاق العصر الذى طال تخلفنا عنه.. هذه الثقافة المتراكمة، بمشروعيها فى النهضة والتنوير، محنتها الحقيقية الآن، هى من يُدْعوْن بالمثقفين، ويُظن أنهم قادة القاطرة ومحرّكوها، والنافخون فى نارها ووقودها، والقابضون على جمرها، وهم فى حقيقة الأمر بعض عوائقها وأبرز سلبياتها!
تُرى، لماذا نجح مشروع النهضة، وتجسّد فى بناء دولة وطنية عصرية؟ ولماذا تعثّر ويتعثر مشروع التنوير، ويلقى بسببه المثقفون الوطنيون الحقيقيّون أهوالًا من كل كون ومن كل صوُب واتجاه؟ هذا هو السؤال!

اللغة العربية والإعلام
تدين اللغة العربية الحديثة والمعاصرة للإعلام العربى بالكثير. فمنذ بدأت الصحافة العربية وانتشرت فى سائر الأقطار العربية، وجهود الإعلاميين العرب متواصلة من أجل تحقيق لغة جديدة لوسائل الإعلام، تتحرى الصواب، وتستجيب لثورة الاتصال اللغوية، عن طريق الترجمة والتعريب، والتوسّع فى القياس والاشتقاق والنحت، وجعل هذه اللغة الجديدة تتسع لمتطلبات العصر وحاجاته الأساسية، وتكون جديرة بالتعبير عنه، فى كل المجالات، دون عنت أو مشقة.
لا بد أن يكون هذا التدريب شاملًا للعاملين فى الإعلام فيما يتصل بتنويع الصوت واستخدام النبر والتنغيم
من هنا يصبح للإعلام العربى دور بارز فى إثراء هذه اللغة، وإمدادها بالكثير من عناصر الحيوية، وأصبحت اللغة العربية فى وسائل الإعلام العربية- المقروءة والمسموعة والمرئية- وعاء العصر فى كل المجالات العلمية والثقافية والأدبية والفنية، بالإضافة إلى المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فكل ما ينتجه العصر ويبدعه يصبّ فى خطاب اللغة العربية فى الإعلام العربى، الذى يضخ فى كل يوم مئات الكلمات والتعابير الجديدة، تصبح فى اليوم التالى جزءًا من متن اللغة الحية فى الاستعمال على ألسنة الناس وأقلامهم.
الواقع الراهن للغة العربية فى برامج الإعلام العربى تختلط فيه الإيجابيات بالسلبيات
ولا أعتقد أن المجال يتسع للاستشهاد بعدد هائل من النماذج المؤكدة لهذا الأمر. ويكفى أن نتخيّر من عناصر الثروة اللغوية العصرية: الخصخصة، الاستنساخ، العقوبات الذكية، القتل الرحيم، غسل الأموال، ثورة المعلومات، جماعات الضغط، النشطاء «جمع ناشط»، اقتصاد السوق، الإغراق الاقتصادى، العورْبة، العولمة، الكونية. بالإضافة إلى تعابير تندرج تحت ما يطلق عليه اللغويون توليد الأفعال، فى مثل: تصويب المسألة، تعذيب مياه البحار، تحضير الكرة، تدويل القضية، تجذير الأفكار، تفويج الحجاج، تثمين مواقف الدولة، تفعيل العمل العربى، تهميش الدور، تعظيم الدور، تسريع النمو، تسييل الغاز، تحجيم العجز فى الميدان التجارى، ترسيم الحدود بين الدولتين.
بالإضافة إلى مصادر صناعية جديدة لم تعرفها اللغة العربية من قبل: تبادلية، تراجعية، تراكمية، تكاملية، تواطؤية، تحاورية، تصادمية، تعادلية، تلقائية، تفاوضية.
ومن التعابير الجديدة أيضًا، شخْصنَة الأزمة، العوربة فى مواجهة العولمة، حوسبة المشروع، عقلنة العقل العربى، عصرْنة المجتمع، تكريس المفاهيم الأجنبية، بلورة الفكرة.. وهكذا.
وحين نلقى نظرة على الواقع الراهن للغة العربية فى برامج الإعلام العربى، فلا بد من مراعاة عدة أمور:
الأول: برامج يتضمنها الإعلام العربى، موضوعها اللغة العربية، ومدار اهتمامها هو الحديث عن هذه اللغة، والكشف عن مواطن الجمال فيها، والاستشهاد بنصوصها الشعرية والنثرية التى تؤكد هذا الجمال، والعمل على تنمية الذائفة اللغوية عند القارئ والمستمع والمشاهد، ومحاولة تصويب كثير من الأخطاء الشائعة على الألسنة والأقلام، وتضييق الفجوة بين النشء العربى ولغته القومية، يجعلها تدور فى فلك الواقع اليومى بكل تفاصيله وزواياه، وتلتحم بكل أشواقه ومطامحه، وتعبّر عن كل احتياجاته.

وفى هذا المجال، يمكن القول بأن الإذاعات العربية- من بين كل وسائل الإعلام العربية الأخرى- هى الأكثر اهتمامًا بقضية اللغة العربية، فى جوانبها المختلفة، والأكثر اتساعًا لها من حيث عدد هذه البرامج وتنوعها ومساحتها على خرائط الإرسال، والتفكير المستمر فى أساليب جديدة، وصور إذاعية مختلفة، حتى يصبح هذا الاهتمام باللغة االعربية حيَّا ودائمًا وعلى أسس فنية صحيحة. ويكفى أن تصافح أسماعنا عبر إذاعاتنا العربية أسماءٌ للعديد من هذه البرامج، مثل: لغتنا الجميلة، ولسان العرب، وسحر البيان، ولغة القرآن، ولغة الضاد، وروائع الشعر العربى، وخماسيات، ومن أمثال العرب وغيرها.
الثانى: وضع اللغة العربية فى برامج الإعلام العربى المختلفة، من حيث الاهتمام والتخطيط والحرص القومى على الثقافة والتراث والهوية، وهو أمر يرتبط ارتباطًا شديدًا بالسياسات الإعلامية الراهنة وتوجهاتها المعبِّرة عن الواقع العربى الراهن. وهنا يكون السؤال: إلى أىّ حدِّ أصبحت اللغة العربية- باعتبارها وعاء للثقافة العربية المشتركة وحاملة للتراث العربى عبر العصور- تشغل الحيز المناسب من اهتمامات البرامجيين فى وسائل الإعلام العربى؟ وهل لدينا بالفعل طموح إلى أن يصبح لهذه اللغة مكانها المرموق ووضعها اللائق فى المنظومة الإعلامية العربية؟.
وهنا يتسع الأمر للحديث عن البرامج التدريبية اللغوية للعاملين فى الإعلام، ومستويات هذا التدريب، وتنوع مجالاته، وما يتفرع عنه من فنون الحوار وعلم السؤال وصوتيات النطق والأداء فضلًا عن إتقان القواعد والوعى بهندسة التراكيب وتدريب الذائقة على التعامل مع النصوص الأدبية وتحليلها والكشف عن جمالياتها.
وما دام الإعلامى العربى هو ركيزة الأداء اللغوى والارتقاء بواقع اللغة فى الإعلام، فإن الاهتمام باختياره أولًا وتدريبه ثانيًا، ومتابعة هذا التدريب فى مستويات أرقى ثالثًا، يصبح ضرورة واجبة.
الثالث: النظر فى النسبة التى تشغلها اللغة العربية فى برامج الإعلام العربى، فكلما ازدادت هذه النسبة واتسعت مجالاتها، كان ذلك دليلًا على رقى هذا الإعلام وتحقيقه لرسالته القومية الصحيحة.
وهنا لا بد من التعرض للوضع اللغوى فى هذه البرامج بصورة عامة.
فهناك فصحيان مستخدمتان هما فصحى التراث أو الفصحى التراثية وفصحى العصر أو الفصحى العصرية، أولاهما أكثر شيوعًا فى البرامج الدينية والدراما الدينية، وثانيتهما أكثر شيوعًا فى البرامج الإخبارية والثقافية والأدبية. ثم هناك اللهجات أو العاميات التى هى أكثر شيوعًا فى برامج الإعلام الدرامية والمنوعة والغنائية والموسيقية، والتى تفرض وجودها على نطاق واسع ومؤثر، وبخاصة بعد انفجار ما يسمى بالبث المباشر الذى يقوم على حوارات مباشرة مع المستمعين والمشاهدين تستخدم اللهجة المحلية، وتنكمش فى مقابلها مساحة المواد التى تبث بالفصحى التراثية أو العصرية. هذه اللهجات أو العاميات ليست مستوى واحدًا، فهناك عامية المثقفين التى تعدّ النموذج الأقرب إلى الفصحى، من حيث معجم المفردات والتراكيب، ولا تختلف عن الفصحى إلا عن طريقة نطق بعض الأصوات ومخارج الحروف والبعد عن التزام الإعراب، وتكاد تكون لغة الحوار فى كثير من البرامج السياسية والاجتماعية والثقافية والأدبية والفنية، حيث لا يُلتزم الإعراب أو الدقة اللغوية بصورة كاملة. ثم هناك مستوى عامية المتنورين وعامية الأميين، وهما يستخدمان فى حوارات المستوى الأقل جدية والتزامًا من المستوى السابق، كما يشيعان فى مجال الدراما الشعبية التى تقدم نماذج من قاع المجتمع وطوائفه الدنيا.
وكلما حدث صعود فى المستوى الاجتماعى والثقافى لمن يتعامل باللغة، كان طبيعيًا أن ينتقل إلى مستوى لغوى أعلى، يلائم وضعه الاجتماعى الجديد.

وتبقى اللغة العصرية من بين هذه المستويات اللغوية الخمسة- التى تمثل الاسخدام اللغوى فى برامج الإعلام العربى- تبقى هذه اللغة هى الوعاء الكبير الذى يضمّ معجم اللغة المعاصرة، الذى يتسع باستمرار لكل ما هو جديد صحيح فيها، ويغتنى بالمجالات المعرفية التى لم تكن معروفة من قبل.
مع ملاحظة أن الإعلام العربى المسموع هو الإطار الوحيد الذى تمارس فيه اللغة الصحيحة ممارسة عملية بصورة تنشد الكمال وتتحرى الصواب، وهو أيضًا المجال الذى يُدرَّب العاملون فيه لغويَّا، لمتابعة أدائهم وتقويم ما ينحرف على ألسنتهم وأقلامهم، وأن هذا الإعلام العربى هو المستجيب الأول لاحتياجات الجماهير التعبيرية، والمبتدع الأساسى لمعظم المادة اللغوية المستحدثة، والمضخة التى تقذف فى شرايين اللغة آلاف الكلمات والتعبيرات الضرورية التى قد تعجز المجامع اللغوية- بسبب حركتها البطيئة عادة- عن ملاحقتها ومتابعتها والكشف عن الصحيح منها الذى يتفق وقواعد اللغة وأصولها. فالإعلام العربى هو الذى يقود حركة المجامع اللغوية على مستوى العالم العربى، وهو الذى يتقدم مسيرتها إلى مزيد من الثراء اللغوى. وزاد من دور لغة الإعلام اتساعها لحصاد الترجمة الآنية، وترجمات أصحاب التخصصات المختلفة «من أدبية وعلمية وسياسية وثقافية وفنية وغيرها» فى الميدان، على مدى عقود متتابعة، نتيجة لجهود ذاتية مستمرة.
وفى مجال التدريب اللغوى الذى تقوم به برامج الإعلام العربى وخططه وسياساته، فلا بد من أن يكون هذا التدريب شاملًا للعاملين فى الإعلام فيما يتصل بتنويع الصوت واستخدام النبر والتنغيم ودرجة الصوت ومعدل السرعة ونوعية الصوت والوقف والسكتة، والتفرقة بين الأصوات المجهورة والمهموسة، والأصوات المرققة والمفخمة، و«ال» الشمسية و«ال» القمرية، والتخلُّص من الانحرافات الصوتية التى يتركز معظمها فى ضبط عين الفعل الثلاثى المجرد، وفى صيغ جموع التكسير، والتركيز فى مجال قواعد اللغة على أبواب المعرب والمبنى والأعداد والتمييز وغيرها؛ مما يكون فيه الخطأ أو الانحراف عن الصواب.

إن الواقع الراهن للغة العربية فى برامج الإعلام العربى، واقع تختلط فيه الإيجابيات بالسلبيات، ومن ثمَّ فهو يواجه تحديات كثير. بعضها يتصل بأنظمة تعليم اللغة العربية فى المدارس والجامعات التى تشكل حجر الأساس فى تهيئة الإعلامى وإعداده لعمله الذى يعتمد اعتمادًا أساسيَّا على اللغة، وعلى اكتمال وعيه بها وإتقانه لها. وبعضها يتصل بما يسمى واقع التغريب الذى بدأ يغزو كثيرًا من المجتمعات العربية، ويشيع فى مستويات اللغة المستخدمة والمنطوقة، الأمر الذى من شأنه أن يؤدى إلى زعزعة الهوية العربية وركائز الانتماء العربى، كما أنه يصرف النشء الجديد عن ثقافته وتراثه، ويستبدل بهما اهتمامات اتصالية حديثة لا علاقة لها بسلامة اللغة أو صحتها. وفى إيثار كثير من الأسر العربية تعليم أولادهم وبناتهم فى مدارس أجنبية، حتى يجيدوا لغة العصر وبالتالى التعامل معه.
وتعلم اللغات الأجنبية أمر توجبه حياتنا العصرية بشرط ألا يكون على حساب تعلم اللغة القومية، والأمر هنا يحتاج إلى حكمة وبعد نظر فى تأمل المصير أو المستقبل الذى ينتظر هذا النشء، وبخاصة من سيعملون منه فى مجالات الإعلام العربى مستقبلًا، ومن سيمثلون الحقيقة الثقافية والحضارية لأوطانهم عندما يصبحون رجال المستقبل.

حاجتنا إلى جمع لغوى جديد
الجمع اللغوى الجديد بالنسبة إلينا الآن ضرورة حياة، نواصل به ما صنعه الخليل بن أحمد فى القرن الثانى الهجرى وهو يشرع فى إنجاز أول معجم لغوى عربى هو «معجم العين». لقد قام الخليل صاحب العقلية الرياضية الفذة والفطرة اللغوية السليمة والحسّ اللغوى الأصيل بما لا تقوم به اليوم إلا قاعدة بيانات ضخمة وأجهزة حاسوبية حديثة.
الجمع اللغوى الجديد هو الحل الأساسى والمهاد الطبيعى لصنع معجم لغوى عربى جديد
فهذا الجمع اللغوى الجديد، الذى يتطلب تعاون المؤسسات اللغوية والثقافية العربية، هو السبيل الوحيد للتعرف على تطور اللغة العربية فى استخداماتها الحضارية والمعرفية والاجتماعية، وفى تجلياتها الإبداعية عبر عصور ما بعد انتهاء عصر الاستشهاد، وهى العصور التى أُغلقت دونها المعاجم اللغوية فلم تتسع لهذه الذخيرة اللغوية الهائلة، وصولًا إلى معرفة الحاضر اللغوى فى مجالاته الميدانية.
لقد كانت نتيجة إغلاق الباب فى وجه المادة اللغوية لعصور ما بعد الاستشهاد أن صارت معاجمنا اللغوية وحدود معرفتنا باللغة، نقلًا عن نقول سابقة، وتكرارًا لما صنعه السابقون. وصار كثير مما تمتلئ به هذه المعاجم، وما يُراد له الاستخدام، لغة سلبية أو مهملة أو مُماتة، لا تدور على الألسنة والأقلام، وظل الكثير جدَّا من المادة اللغوية- التى اتسعت لها ذاكرة الحضارة العربية طوال قرون- بعيدًا عن ذاكرة المعجم العربى، بالرغم من أن لها مظانها فى كتب الرحلات والطبقات والتراجم والشروح والتفاسير. فكتب الرحلات- على سبيل المثال- لم تكن مجرد وعاء معرفى وحضارى- وإنما هى وعاء لغوى اتسع لحاجات هذه العصور وأزمنتها فى بيئاتها المختلفة والمتنوعة. ولم يجد الرحالة العرب العظام من أمثال: ابن بطوطة وابن جبيْر والبغدادى وغيرهم، بُدَّا من استخدامه وتدوينه، فكانت هذه الثروة اللغوية الهائلة، فى ثنايا هذه الكتب، وظلت حبيسة فى تضاعيفها، من غير أن يتاح لها الاستخدام الحى، أو العرض على احتياجاتنا الحديثة والمعاصرة.
هذا الجمعع اللغوى الجديد- باستخدام تكنولوجيا الحاسبات والمعلومات - هو مدخلنا الأساسى لإحصاء ما لدينا من تراث لغوى أولًا، وما لدينا من مُعاصرٍ لغوى ثانيًا، والوارث الرشيد- كما يقولون- هو الذى يبدأ ممارسته لميراثه بإحصاء التركة التى آلت إليه. ونحن- حتى اليوم- لا نملك أن ندّعى القيام بإحصاء التركة واستيعابها ومعرفتها حق المعرفة.

هذا الجمع اللغوى الجديد، والتوصل إلى قاعدة بيانات جديدة وشاملة، هو مدخلنا الصحيح إلى إنجاز المعجم العربى التاريخى، بوصفه قاعدة بيانات ضخمة تحتوى على كل المفردات العربية. وفى هذ المجال لا بد من الإشارة إلى إسراف المجمعيين العرب فى الاهتمام بالمصطلحات، حتى أصبحت لدينا عشرات المعاجم العلمية فى شتى جوانب المعرفة مما أنجزته المجامع- وبخاصة مجمع اللغة العربية فى مصر- لكنها بعيدة عن الدوران والاستخدام والتداول- كأنها عملة غير مرغوبة، فى الوقت الذى نرى المشتغلين بالترجمة والتعريب بعيدين عن استخدام هذه المعاجم التى أنفقت فى إنجازها سنوات طويلة، وأعمار مبذولة وميزانيات مرصودة. والأصل فى موقف معاجمنا اللغوية من هذه المصطلحات التى تفجّرت بها العلوم والمعارف الحديثة، أن تقوم بجمع ما تمتلئ به الحياة من حولنا- من هذه المصطلحات- والبحث فيها إقرارًا وإجازة أو تصويبًا أو اعتراضًا، وليس اللجوء إلى المعاجم الموضوعة فى اللغات الأجنبية لهذه العلوم والمعارف- كالطب والهندسة والصيدلة والجيولوجيا والنفط والفيزيقا على سبيل المثال- وبذل الجهود الضخمة فى ترجمة مصطلحاتها، منتزعة من سياقاتها التى تبرز وجوه استعمالها وتكشف عن دلالاتها وظلال معانيها المختلفة.
لا بد إذن من مدخل لغوى يركز على كُلّية اللغة لا على جزئياتها
والملاحظ أن السلف المجمعىّ- من علمائنا الأُوَل الذين استضاءت بهم مجامعنا- كانوا أكثر جرأة على اللغة، لأنهم كانوا أوفر علمًا ووعيًا بضرورات الاجتهاد والتجديد، وكان الطبيعى أن نواصل ما قاموا به من جهد فى مجالات القياس والنحت والاشتقاق والتعريب والمجاز اللغوى، لا أن ننكفئ عليه ونتنكر له، ونعجز عن الإتيان بمثله بحجة التمسك والحفاظ والخوف من القيل والقال، فى الوقت الذى نملك فيه من وسائل البحث وآلياته وتكنولوجيا المعرفة ما لم يملكه هذا السلف العظيم، حين شرع أعلامُه فى فتح أبواب الاجتهاد، والقيام بما نعجز نحن عن بعضه اليوم. بعد أن أصبحنا ينطبق علينا ما قاله الطبيب العالم اللغوى الدكتور محمد كامل حسين فى كتابه «اللغة العربية المعاصرة» الذى ضمنه مشروعه عن النحو المعقول كما سماه: «الذين يريدون المحافظة على اللغة، فيرفضون كل جديد، مَثُلهم كمثل الذى يريد أن يحافظ على جمال الأزهار وطيب رائحتها بوضعها فى خزائن حديدية، فتؤدى تلك المحافظة إلى ذبولها، والمحافظة الصحيحة على الكائنات الحية لا تكون إلا بتطويرها وجعلها مطابقة للبيئة التى تعيش فيها». وهو كلام يدعو إلى أن نطلق لروح الاجتهاد العنان، وألا نضيق- فى مجال البحث اللغوى والنظر إلى الواقع اللغوى- بالرأى المختلف والفكر الجديد الشجاع، وألا ننكفئ على ذواتنا نردد فكر القدماء متشبثين به باعتباره من المقدسات. فليس فى اللغة ما هو مقدس، فهى فعل إنسانى، يحيا ويتجدد بالإنسان ويجمد ويتخلف بالإنسان، فأىّ الموقفين نختار؟

لقد ثبت بما لا يدع مجالًا للشك، أن تعليم النحو أو ما يسمى بدرس القواعد، ليس هو الأساس فى اكتساب اللغة الصحيحة، وإنما القراءة لنصوص مختارة، يتم من خلالها التعرف على الأنظمة والأبنية والعبارات وهندسة التراكيب وأنواع الكلام والمفردات. وبتحليل هذه النصوص من خلال مناقشة حرّة ومحكمة- فى الوقت نفسه- يتم الدرس اللغوى والنحوى والبلاغى والصرفى والعروضى الموسيقى.
وليس صحيحًا أن العلاج يكمن فى إعطاء النحو ساعات أكثر فى الجدول المدرسى، أو تناطُ به درجات أكبر فى اختبارات التقييم والامتحانات التى يتوقف عليها المصير. المدخل الحقيقى لعلاقتنا وعلاقة النشء المتعلم مع اللغة مدخل لغوى لا نحوى، هذا ما تقوله دروس الواقع وتؤكده الدراسات الحديثة.
لا بد إذن من مدخل لغوى يركز على كُلّية اللغة لا على جزئياتها المبعثرة التى تدور فى فراغ. ونظام الورشة اللغوية هو الحل الأمثل لتدريس قواعد النحو فى سياق التناول المتكامل للنص، بشرط تدريب المعلمين على هذا الأسلوب، ووضع كتب مدرسية تحقق هذا المنهج.
ولقد آن الأوان للكشف عن منظومة القواعد النحوية الأكثر شيوعًا فى ألوان الكتابة المعاصرة فى كل المجالات المعرفية، فى نشرات الأخبار والتعليقات السياسية وكتابات الأدباء والكتاب والصحفيين، والكتابات العلمية، والمؤلفات الجامعية والصحف اليومية والمجلات الفنية.

استخدام الحاسوب فى الكشف عن هذه المنظومة، يؤكد أن مجموعة القواعد المستخدمة بالفعل- وظيفيَّا- هى أقل القليل من المادة النحوية الهائلة التى تحتوى عليها الكتب المدرسية والجامعية. فلا بد إذن من الانتفاع بما يكشف عنه هذ الاستبيان الحاسوبى فى وضع مناهج النحو، والتركيز على الشائع المستخدم فى يسر وطواعية، وترك التفريعات والتعقيدات لمن سوف يتخصص فى العربية وعلومها المختلفة.
أما المتعلم غير المتخصص فتكفيه الأبواب العشرة من القواعد التى يؤكدها الاستبيان.
هل نضيف إلى هذا كله مطلبًا قوميَّا ملحَّا هو أن تصبح التنمية اللغوية فى كل مجتمعاتنا العربية شعارًا ومطلبًا وضرورة حياة، بالقدر الذى تهتم فيه هذه المجتمعات بألوان التنمية الأخرى: السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وهو شعار يعنى طرحُه فْتح أبواب الاجتهاد إلى أقصى حد فى قضايا اللغة الأساسية من قياس ونحت واشتقاق وتوليد وتعريب وترجمة. عكوفًا على متن اللغة ومفرداتها وتراكيبها، واهتمامًا بلهجاتها وأصواتها ومعاجمها، وتيسيرًا لنحوها وقواعدها، وامتدادًا إلى تطوير مناهج تعليمها فى إطار تطوير النظام التعليمى كله، بحيث تصبح هذه اللغة وافية بمطالب العصر واحتياجاته، متسعة لعلومه وفنونه وآدابه، قادرة على الاتساع لألفاظ الحضارة الحديثة- الشائعة والمتداولة فى الحياة العامة- ومصطلحات العلوم.

علماء اللغة يتحدثون عن أسلوبين فى تحقيق هذه التنمية اللغوية.
أولهما أسلوب التنمية الأفقية، الذى يعنى العمل والسعى الحثيث نحو توسيع آفاق اللغة الفصيحة الصحيحة، فاكتساب اللغة لا يكون إلا بالتعامل والحوار معها، بالسماع الصحيح والإسماع الصحيح، حين نتعلمها حية منطوقة مسموعة، والقراءة الجهرية الصحيحة وتفعيل اللسان وتجريب الأداء باللغة العربية.
وثانيهما أسلوب التنمية الرأسية، بتعميق أصول لغتنا وإثراء محصولها اللفظى، والأسلوب بوسائله المعروفة عند الثقات من الدارسين، والبدء بحسم فى تعليم العلوم باللغة العربية فى التعليم العالى، والاهتمام بالترجمة، وتفعيل طاقات اللغة والتوليد منها بالاشتقاق والتصريف والنحت، وتمحيص صلاحيته وضمّه إلى جسم اللغة.
وما أكثر هذا الجديد الذى انفسح أمامه المجال، واستخدمه الناس دون تردد، بعد أن اتسع له متن اللغة، وهيأ له الاحتياج العصرى فى مجالات المعرفة المختلفة وضرورات الحياة المجتمعية الجديدة، مثل: الخصّخصة، والاستنساخ، والحُمىّ القُلاعية، والعقوبات الذكية، والقتل الرحيم، وغسل الأموال، وتجميد الأموال، وجماعات الضغط، والنشطاء «جمع ناشط»، واقصاد السوق، والإغراق الاقتصادى، والجمرة الخبيثة، والهندسة الوراثية.
وفى مجال توليد الأفعال هناك ما يشيع الآن من مثل: قنابل مُسيلة للدموع، وتعذيب مياه البحار، وتحضير القرى، وتقنين التبرع بالأعضاء، وتجذير الأفكار، وتفويج الحجّاج، وترفيق الأراضى «أى تزويدها بالمرافق» ويقولون أيضًا: مرفقة الأراضى، وتثمين مواقف الدولة، وتهميش الدور وتعظيمه، وتسريع النمو، وتديين السياسة وتسييس الدين، وتسييل الغاز، وتحجيم العجز فى الميزان التجارى، وترسيم الحدود، وشخصنة الأزمنة، والعوربة فى مواجهة العولمة، وجدولة الديون، وحوسبة المشروع، وعقلنة العقل العربى، وعصرنة المجتمع، وقرضنة الموقف «أى محاكاة نمط قرضاى فى الحكم»، والوطننة قبل العولمة.

وما طرأ على متن اللغة العصرية من مصادر صناعية جديدة مثل: تبادلية وتراجعية وتراكمية وتعاملية وتكاملية وتواطؤية، وتصادمية، وتعايشية، وتفاوضية، وتحاورية.
ومن الظروف مثل: التحتية والدونية والوسطية.
ومن أسماء الفاعل مثل: الجاذبية والعائلية والفاعلية والتابعية.
ومن اسم المفعول مثل: المحسوبية والمديونية، والمستقبلية، والمُفوضية.
ومن اسم التفضيل مثل: الأحقية والأفضلية والأسبقية والأهمية.
ومن صيغ المبالغة مثل: الفعّالية والمصداقية.
ومن أسماء الزمان والمكان مثل: الموسمية والمحلية المركزية والموضعية.
ومن الجموع مثل: الجماهيرية والحدودية والرجالية والشبابية والاستخباراتية والعملياتية.
ومن الضمائر مثل: الهُوية نسبة إلى هو، والأنانية نسبة إلى أنا.
وصيغ جمع الجمع مثل: بيوتات ورجالات وطرقات وأهرامات وحجوزات وشحومات ووصولات ورسومات وفحوصات وزهورات وكشوفات وأذونات وشروحات وسُحوبات «من البنوك» وضغوطات وطروحات.
ومثل النسب بزيادة الواو مثل: سلطوى، ونُخبوى، ونهْضوى، وإسلاموىّ، وفئوى، وجهوىّ.
ومثل النسب إلى ألفاظ الجموع «جموع التكسير أو الصحيحة» مثل: ثورة معلوماتية، وعمل مؤسساتى، وأخطاء مفرداتية، ودورة مخابراتية، وإجراءات عملياتية.

ومثل: أسلمة وأقلمة وأرجحة، وتطبيع وتمْسكُن.
تبقى الإشارة إلى عناصر المحافظة أو السلفية الغالبة على أداء المجامع اللغوية العربية. ذلك أن فصحى التراث هى الأكثر شيوعًا واستخدامًا فى الخطاب المجمعى العربى- أما فصحى العصر أو الفصحى العصرية فبعيدة عن أن تكون لغة الخطاب المجمعى فى شتى مجالاته- وهو خطاب ينبغى أن يقوم بنفى الحوشى والمهجور والممُات من مادة اللغة، من أدبياته جميعها ومن معاجمه التى يُصنفها الآن على وجه الخصوص.
وأعود فأذكّر بأن الجمع اللغوى الجديد أو الثانى- فى تاريخ هذه اللغة- هو الحل الأساسى والمهاد الطبيعى لصنع معجم لغوى عربى جديد. هذا المعجم العصرى يتسع لمواجهة مشكلة المصطلح العربى والعمل على توحيده، ومشكلات تجديد اللغة العربية واستنباتها فى متْن اللغة العربية المعاصرة.







