السبت 25 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

«ساحر الكرملين».. جود لو يستعيد توهجه فى ظل بوتين

حرف

- منطق الفن.. فيلم فرنسى عن رواية لإيطالى لشخصيات روسية والجميع يتحدثون الإنجليزية دون أن يعترض أحد

- حاصره المخرجون فى أدوار الوجه الوسيم المرشح للاختفاء السريع.. لكنه يثبت أنه «الضامن للجودة» ومن يبقى بعد أن يتلاشى ويتراجع الجميع

أعادتنى مشاهدة الفيلم الفرنسى «ساحر الكرملين» إلى مسألة طالما اختلف حولها المبدعون العرب، وصولًا إلى الشتم والنفى والاتهام بالجهل والتضليل وتزوير التاريخ، وما إلى ذلك من عبارات وأفعال لا تعرف شيئًا عن منطق الفن والإبداع.

الفيلم الذى صاحبه الكثير من علامات الاستفهام منذ لحظة التفكير فيه، وبدأ عرضه فى السينمات البريطانية الجمعة الماضية، مأخوذ عن رواية أولى لكاتب إيطالى سويسرى، وتم تصويره بإنتاج فرنسى أمريكى مشترك، وتدور أحداثه فى كواليس السلطة الروسية، ورغم ذلك جاء حواره كاملًا باللغة الإنجليزية دون أن يعترض أحد، ودون أن يربط أحد بين واقعية الأحداث التى تتضمن ظهور شخصية الرئيس الروسى فلاديمير بوتين باسمه ورسمه ومناصبه ورحلة صعوده إلى كرسى الرئاسة، وبين اللغة التى تنطق بها شخصيات الفيلم، ودون أن يتحدث أحد عن حتمية تحدثها باللغة الروسية أو يتهم صناع الفيلم بتشويه التاريخ أو إهانة اللغة الروسية، بينما لا تتوقف خناقاتنا هنا حول العامية والفصحى، وبصورة تصل إلى نفى الأعمال التى يدور حوارها بأى لهجة عامية ومنعها من التقدم لعدد كبير من مسابقات وجوائز الأدب العربى، ما يعكس جهلًا بمنطق الفن وأساليب عمل الفنون والإبداع التى تقوم على اتفاق ضمنى بين الكاتب أو المؤلف والسيناريست وبين جمهوره من القراء أو المشاهدين، وأهم بنود هذا الاتفاق أن الأعمال الفنية عمومًا تنبنى على افتراضات خيالية تحاول الاقتراب من الواقع لتقريبه من المتلقى، هذه الافتراضات ربما لا تكون واقعية أو مطابقة لما يحدث على أرض الواقع، لكنها تنبنى وفق منطقها الخاص، منطق الفن والإبداع، وهو المنطق أو القانون الذى لا يجوز التعامل مع الفنون والآداب بغيره، فيما تكمن براعة الفنان فى جعل متلقيه لا يشعر بذلك الاختلاف بين منطق الواقع ومنطق الفن، وجذبه إلى التركيز على عناصر أخرى أكثر أهميةً وتأثيرًا.

على أية حال فإن أكثر ما لفت نظرى فى هذا العمل السينمائى الذى تم تصوير مشاهده الرئيسية فى مارس ٢٠٢٥، أى قبل ٥ أشهر فقط من عرضه الأول فى مهرجان البندقية السينمائى، وترشحه لجائزة الأسد الذهبى لأحسن فيلم، هو إعادة اكتشاف ممثل كبير كان مرشحًا لنجومية طاغية فى بداياته، هو جود لو الذى بدأ عامه الثانى والخمسين، وجسد فى الفيلم شخصية الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، وقال فى مؤتمر صحفى إن تجسيده لشخصية الرئيس الروسى أقرب ما يكون إلى تسلق قمة «إيفرست»، «الآن أنا عند سفح الجبل، وأنظر إلى الأعلى وأقول، يا إلهى، ما الذى أشارك فيه؟ هذا ما كنت أشعر به معظم الوقت، عندما أقول نعم، أفكر، كيف يمكننى القيام بذلك؟ لكنى سأكتشف ذلك على أى حال»، وقال إنه لم يخش عواقب تقديم شخصية زعيم سياسى على قيد الحياة، «كنت مطمئنًا إلى المخرج، وإلى أن القصة سوف تروى بذكاء ودقة، فالأمر لم يكن مجرد سعى لإثارة الجدل»، والحقيقة أنه فى هذا الشريط السينمائى قدم ما يمكن اعتباره دور عمره، إذ تبدو لا مسافة بين الممثل وبين السياسى ورجل الاستخبارات الصارم، وذلك رغم أنه لم يكن يعرف الكثير عن حياة بوتين وشخصيته، وقال إنه اعتمد على الصور ومقاطع الفيديو الكثيرة المتداولة له، مؤكدًا أن «الأمر تحول إلى ما يشبه الهوس فى مرحلة ما».

ولعلها هى المرة الأولى التى يجسد فيها ممثل كبير بحجم جود لو دورًا لشخصية حقيقية وحية بسعة انتشار وحضور الرئيس الروسى، وبأداء وصفه النقاد بأنه «متقنٌ بالغ الدقة، يعتمد على دراسة باردة ومعقدة للشخصية، خصوصًا فيما يتعلق بتعابير وجه سيد الكرملين وحركة جسده»، وهو النجم الذى تعرض لسوء تقدير من قبل كثير من نقاد السينما لفترة طويلة، وحصره المخرجون والمنتجون فى الوجه الجذاب أو الوسيم، قصير العمر، وتعاملوا معه كمجرد واجهة عرض إعلانية، مرشحة للاختفاء والتلاشى السريع، أو للتراجع إلى هامش الصحافة الصفراء وبرامج الكلام والنميمة الصباحية، ينحصر حضوره الإعلامى والعام فى تفاصيل حياته الشخصية، بداية من طلاقه المضطرب، ووصولًا إلى علاقته العابرة بمربية أطفال، ومرورًا بكل ما شابه ذلك من قصص ومواقف لا علاقة لها بفن التمثيل.. لكنه هنا يكشف عن أعماقٍ خفيةٍ لشخصيةٍ صعبة ومعقدة، ويستخرج منها دهاءً غريزيًا، ومشاعر تستعصى على الظهور إلى العلن، يعتمد فى ذلك على أداء هادئ ومتحفظ، يقول عنه أحد النقاد «عادة ما يميل الممثلون فى أدوار الشخصيات التاريخية أو الأشرار إلى الاستعراض، لكن لو يختار النبرة الخافتة، الرتيبة تقريبًا، ويدفعنا إلى الاقتراب أكثر للإنصات.. يقدم بوتين كشخصية محدودة، باهتة ظاهريًا، لكنها عصية على الإمساك.. هل هو رجل ثانوى حالفه الحظ فاعتلى العرش؟! أم لاعب مهيمن يتقن التمويه خلف قناع التواضع ليضلل خصومه؟!».

جود لو هنا يقلب الطاولة، ويخالف التوقعات، فيتحرر من القوالب التى ظن الجميع أنه سوف يصبح أسيرًا لها، ويُظهر كيف أنه دائمًا ما كان ممثلًا أعمق مما توحى به صورته الأولى، وأنه العنصر الذى يمنح العمل تماسكه، الضامن للجودة، سواء تصدر اسمه العناوين التمهيدية أم حل فى الدرجة الثانية، وهو من يبقى بعد أن يتلاشى ويتراجع الجميع، وهذا بالضبط هو ما حدث مع بوتين كما نراه من خلال هذه القصة الأقرب إلى حقيقة الأحداث الواقعية، حيث أتقن دور الساذج المطيع، إلى أن تمكن من حجز موقعه فى الصدارة، رآه الجميع مجرد جندى مناسب للأدوار الصغيرة، ولم يدرك أحد أن بوتين لا يقبل بأن يملى عليه أحد ما يفعل، لا ينسى التجاوز فى حقه، ويسجل فى ذاكرته كل شىء، خصوصًا ما يراه كإهانة أو تجاوز، ولا ينساه أبدًا، فيعيش حياته باحثًا عن متنفس لغضبه.

الفيلم مأخوذ عن الرواية الأولى للكاتب الإيطالى السويسرى جوليانو دا إمبولى، أستاذ العلوم السياسية فى باريس، والتى صدرت عام ٢٠٢٢، وأثارت ردود أفعال واسعة حين صدورها، وفازت بالجائزة الكبرى للرواية من الأكاديمية الفرنسية، كما وصلت إلى القائمة النهائية لجائزة «جونكور» الأدبية، وتمت ترجمتها إلى كثير من لغات العالم من بينها اللغة العربية، وفيها يتتبع دا امبولى رحلة صعود بوتين إلى كرسى الرئاسة، ويشير فى مقدمتها إلى أنها «مستوحاة من شخصيات حقيقية، وهبها حياة خاصة، ونسب إليها أحاديث من نسيج خياله»، وقيل إنه لم يخش انتقام بوتين لمجرد أنه يعرف أن الرئيس الروسى لا يعير الصحافة المكتوبة أى اهتمام، وأقل من ذلك الكتب.. وتردد أن المؤلف استوحى ملامح شخصية روايته الرئيسية «فاديم بارانوف»، الذى قام بدوره فى الفيلم النجم بول دانو، من شخصية فلاديسلاف سوركوف، أحد أقرب مساعدى بوتين قبل استقالته واختفائه بدون سبب واضح من ساحة الأحداث العامة، وتحوله إلى مجرد رجل متقاعد قبل صدور الرواية بعام واحد، ما رجح لدى الكثيرين أنه المصدر الرئيسى للرواية، خصوصًا أن أحدًا لم يستطع الفصل بين ماهو حقيقى وما هو متخيل من أحداث تناولتها الرواية، وكان سوركوف مخرجًا ثم منتجًا تليفزيونيًا لبرامج تليفزيون الواقع قبل أن يصبح «ظل بوتين» ومستشاره السياسى، الذى تلقبه الرواية بـ«ساحر الكرملين»، فيما يعتبره الغرب «شيطان الكرملين»، والذى تنسب إليه فكرة «الديمقراطية المدارة»، السمة المميزة لحكم بوتين، وكثيرًا ما وصف بأنه عقل السلطة، والرجل الثانى بعد الرئيس، إلا أن أحدًا لا يعرف إذا ما كان سوركوف هو مصدر المؤلف أم لا، خصوصًا أنه تم وضعه تحت الإقامة الجبرية بتهمة اختلاس أموال فى أوكرانيا، وفى ذات توقيت صدور الرواية فى أبريل ٢٠٢٢.

بوتين يفضل الأعمال التاريخية والوثائقية

عندما سُئل المتحدث الرسمى باسم الرئاسة الروسية ديميترى بيسكوف عن الفيلم والرواية علق قائلًا: إن صناع الفيلم لم يتوجهوا مطلقًا إلى الكرملين بطلب استشارة، أو متابعة بشأن العمل، مضيفًا: «شاهدنا تقارير عن الفيلم، لكننا لا نعلم عنه شيئًا».

ونقلت عنه وكالة «تاس الروسية» أن «الرئيس بوتين لا يشاهد الأفلام أو يقرأ الكتب التى تتحدث عنه»، وأن «الرئيس يفضل الأعمال التاريخية والوثائقية»، وحسب الموقع الرسمى للكرملين، فعندما سئل بوتين نفسه عن الفيلم خلال مؤتمر صحفى فى بكين مطلع سبتمبر الماضى، وإذا ما كان قد شاهد الفيلم الذى يجسّد فيه الممثل البريطانى جود لو شخصيته، أجاب بأنه لم يشاهده، وأن هذه أول مرة يسمع عنه.

بول دانو: علىَّ اكتشاف وجهة نظر الشخصية لا محاكمتها

الفيلم الذى يصل زمن عرضه الرسمى إلى ١٥٢ دقيقة، تم عرض ١٤٤ دقيقة منها فى مهرجان البحر الأحمر السينمائى فى جدة فى سبتمبر الماضى حسب الموقع الرسمى للمهرجان، وذلك ضمن برنامج «فينيسيا سبوتلايت» المدعوم من صندوق البحر الأحمر.

وعندما سُئل نجمه بول دانو فى المؤتمر الصحفى السابق لعرض الفيلم فى مهرجان فينسيا، عما إذا كان قد وجد أى إيجابيات فى شخصيته، قال: «لا أعتقد أنه يجب محاكمة الشخصية أو البحث عن الجانب الإيجابى فيها، لكننى أعتقد أنه يجب أن تكون مستعدًا لاكتشاف وجهة نظر الشخصية، إذا ما وصفت شخصية مثل بارانوف بالسوء، فسيكون ذلك تبسيطًا مفرطًا، ما يضر أكثر مما يفيد».

من جانبه أجاب جود لو عن السؤال ذاته ضاحكًا: «تعلمت الجودو، وهذا أمر إيجابى بالنسبة لى»، وأضاف أن هدفه لم يكن تقليد بوتين حرفيًا أو استخدام مكياج وتقنيات تنكرية، بل تقديم أداء يركز على الجوهر الإنسانى للشخصية، إن أحد التحديات التى واجهتها تمثلت فى تصوير شخصية مبهمة، لا تكشف صورتها العامة عن المتحكم فيها بشدة، لا شىء سوى القليل عن الرجل الذى يقف وراءها، الجانب المُعقّد بالنسبة لى هو أن الوجه العام الذى نراه لا يكشف إلا القليل جدًا. هناك مصطلح يُطلق عليه، وهو «الرجل بلا وجه». هناك قناع، من المفهوم أن المخرج أوليفييه أساياس أراد منى أن أجسّد هذا أو ذاك فى مشهدٍ ذى عاطفةٍ معينة، وشعرتُ بصراعٍ فى محاولة إظهار القليل جدًا.

الموسكوفى كما يراه دا امبولى

الموسكوفى يتمتع بقوة وراحة برجوازيتين، مستندة دائمًا إلى قاعدة صلبة من القمع. فموسكو، كما يصفها الراوى، أجمل عاصمة إمبريالية كبرى وأشدّها حزنًا. ففى هذه الجنة كل شىء مسموح ما عدا الحشرية. كمن يعيش بين الحيطان الشفافة كأنها منسوجة من الهواء المتلألئ، على مرأى من الجميع. مغمور دائمًا بالضوء. ليس لأحد ما يخفيه عن الآخرين. لا يوجد مقهى يمكن التعليق فيه على الصحف، أما الأخبار فتتغيّر دائمًا بحسب المعلق خافت الصوت.

رجال أقوياء قادرون على الجلوس على أى طاولة دون «عُقَد سياسيى الغرب المهلهلين ورجال أعماله العاجزين»! رجال مكتملون قادرون على استخدام جميع الأدوات التى تهدف لإنتاج التأثير على الواقع: السلطة والمال وحتى العنف؛ عندما يكون ضروريًا».