الإثنين 08 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

التجربة اليونانية.. كيف انتصر الكتاب الورقى على «عاصفة الإلكترونى»؟

حرف

- استقر عدد الإصدارات الجديدة عند نحو 11 ألف عنوان سنويًا

تشهد صناعة النشر والكتاب فى اليونان مرحلة تجمع بين الحفاظ على الإرث الأدبى التقليدى ومحاولة التكيف مع التحولات الرقمية العالمية، فى وقت لا تزال فيه الثقافة والكتاب يحتفظان بحضور واضح داخل المجتمع اليونانى، رغم انخفاض أعداد القرار خاصة بين أوساط الشباب، رغم التحديات الاقتصادية وتغير عادات القراءة عالميًا.

رغم انتشار المكتبات فى أثينا، خاصة فى منطقة «إكسارخيا» التى تضم المثقفين والكتاب وشارع «أكاديمياس» الذى يوجد به الجامعات، فإن نادرًا ما تجد يونانيًا يقرأ فى مقهى، وعندما سألت اليونانيين: أجابوا بأن القراءة فى المقاهى هى ثقافة أوروبا الغربية أكثر، لكنّ اليونانيين يفضلون الجلوس فى المقاهى للقاءات مع الأصدقاء وليس للقراءة، لكن على الرغم من ذلك فإن الأرقام تحكى قصة أخرى.

ووفقًا لبيانات منصة IBISWorld الصادرة فى يونيو ٢٠٢٥، بلغ حجم سوق صناعة النشر فى اليونان نحو ٣٠٨.٥ مليون يورو فى عام ٢٠٢٦، مع معدل نمو سنوى فى الإيرادات بلغ ٠.٦٪. وتشمل الصناعة إنتاج الكتب المطبوعة، والكتب الإلكترونية، والكتب الصوتية، والمنصات الرقمية، إلى جانب عمليات إنتاج المحتوى وتوزيعه وبيعه.

وتشير تحليلات السوق إلى أن الكتب الورقية لا تزال تحافظ على مكانتها داخل المجتمع اليونانى، مدفوعة بعودة الاهتمام بالتجارب الثقافية الملموسة فى مواجهة التوسع الرقمى. كما يظهر هذا الاتجاه بشكل أوضح بين القراء الشباب الذين ينظرون إلى الكتاب الورقى بوصفه جزءًا من أسلوب الحياة والهوية الثقافية، وليس فقط وسيلة للقراءة. وتسهم معارض الكتب والفعاليات الأدبية والمكتبات المستقلة فى دعم هذا الحضور، خاصة فى مدينتى أثينا وسالونيك.

كما ترتبط هذه الحالة بطبيعة المجتمع اليونانى واهتمامه التاريخى بالأدب والتعليم، حيث تلعب المكتبات المستقلة دورًا ثقافيًا يتجاوز بيع الكتب، من خلال استضافة الفعاليات الأدبية والترويج للمؤلفين المحليين. وتساعد الجغرافيا المتنوعة لليونان، بما فيها الجزر والمناطق الريفية، فى الحفاظ على حضور النشر المحلى والقصص المرتبطة بالهوية المجتمعية لكل منطقة.

وفى عام ٢٠٢٤، أُعيدت هيكلة المؤسسة اليونانية للثقافة لتعود تحت اسم Hellenic Foundation for Books and Culture، أو المؤسسة اليونانية للكتب والثقافة، فى خطوة أثارت آمال مجتمع النشر بإعطاء الكتاب والأدب حضورًا أكبر داخل السياسات الثقافية الرسمية، بعد سنوات من تراجع الدعم المؤسسى.

وتوضح بيانات المؤسسة واتحاد دور النشر اليونانية أن البلاد تضم ٨٦٣ دار نشر نشطة، بينما تشير بيانات منصة BookPoint إلى أن ٣٨ دار نشر فقط تُصدر نحو ٤٥.٧٨٪ من إجمالى الكتب الجديدة سنويًا، ما يعكس وجود عدد محدود من دور النشر الكبرى القادرة على قيادة السوق، إلى جانب شبكة واسعة من دور النشر الصغيرة والمتوسطة.

وخلال السنوات الأخيرة، استقر عدد الإصدارات الجديدة عند نحو ١١ ألف عنوان سنويًا، يشكل ثلثها تقريبًا كتبًا مترجمة، وهو ما يعكس انفتاح السوق اليونانية على الأدب العالمى إلى جانب استمرار الإنتاج المحلى.

ويعد أدب الأطفال واليافعين من أكثر القطاعات نشاطًا داخل سوق النشر اليونانية، بعدما شهد عام ٢٠٢٤ إصدار ٢٧٦٩ عنوانًا جديدًا، وهو رقم قياسى مقارنة بالأعوام السابقة. كما لا يزال الشعر يحتفظ بمكانة خاصة داخل الثقافة اليونانية، حيث تشكل الدواوين الشعرية نحو ثلث الإصدارات الجديدة، فى امتداد للعلاقة التاريخية الطويلة بين المجتمع اليونانى والشعر.

ورغم التحول الرقمى العالمى، لا تزال الكتب الإلكترونية تمثل نسبة محدودة داخل سوق النشر اليونانية. وخلال جائحة كوفيد-١٩ ارتفعت نسبة الكتب الإلكترونية إلى نحو ٩٪ من إجمالى الإنتاج، لكنها بدأت بالتراجع بعد عام ٢٠٢٢، فيما شهد عام ٢٠٢٣ إصدار ٩٧٧ كتابًا فقط بصيغة إلكترونية، مقابل استمرار الاعتماد الأكبر على الكتب المطبوعة.

وتتم طباعة معظم الكتب داخل اليونان، حيث تُعتبر تكلفة الطباعة المحلية منخفضة نسبيًا مقارنة بعدد من الدول الأوروبية، ولا تقدم أسعارًا أقل من اليونان سوى بلغاريا، ما يساعد دور النشر على الحفاظ على استمرارية الإنتاج رغم الضغوط الاقتصادية.

أما فيما يتعلق بأسعار الكتب، فتصف المؤسسة اليونانية للكتب والثقافة السوق بأنها «ميسورة التكلفة»، بينما تشير بيانات الإدارة الجماعية اليونانية للأعمال الأدبية لعام ٢٠٢٤ إلى أن متوسط سعر الكتاب بلغ ١٧.٦٣ يورو، وهو ما يعادل تقريبًا تكلفة وجبة غداء داخل أحد المقاهى المتوسطة فى أثينا.

وفى ملف حقوق الملكية الفكرية، تمثل القرصنة الرقمية تحديًا مستمرًا لصناعة النشر، وهو ما دفع منظمة OSDEL، التابعة للمنظمة الدولية IFRRO، إلى لعب دور أساسى فى حماية حقوق المؤلفين والمترجمين والناشرين.

 

وتعمل المنظمة على رصد انتهاكات حقوق النشر، وجمع الإحصاءات، وتعويض صناع المحتوى جزئيًا عن الأرباح المفقودة الناتجة عن النسخ غير القانونى للمحتوى. ويتم تمويل هذه التعويضات من خلال رسوم تُفرض على الأجهزة التى تحتوى على خصائص النسخ أو تخزين المحتوى، مثل الهواتف المحمولة، والأجهزة اللوحية، وأجهزة الكمبيوتر، والطابعات، والماسحات الضوئية، وفقًا للتشريعات اليونانية الخاصة بحقوق الملكية الفكرية، حيث يدفع المستوردون نسبة تتراوح بين ٢٪ و٤٪ من قيمة هذه الأجهزة لصالح منظمات حقوق النشر.

وفى المقابل، تواجه اليونان نقصًا واضحًا فى المترجمين من اللغة اليونانية إلى لغات أخرى، خاصة اللغات غير الأوروبية مثل العربية والهندية. وبينما تتمتع الترجمات من الإنجليزية والفرنسية بحضور قوى داخل السوق المحلية نتيجة انتشار اللغتين داخل المجتمع اليونانى، لا تزال الترجمات من اليونانية إلى لغات أخرى محدودة نسبيًا بسبب نقص المترجمين المتخصصين.

وتُعد عودة برنامج الأدب اليونانى، الذى تشرف عليه المؤسسة اليونانية للكتب والثقافة، من أبرز الخطوات الإيجابية خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد إغلاق برنامج دعم الترجمة السابق والمركز الوطنى للكتاب عام ٢٠١٣، وهو القرار الذى أثر على انتشار الأدب اليونانى فى الخارج لسنوات.

وتشير البيانات إلى أن أغلب الترجمات داخل اليونان تأتى من اللغة الإنجليزية، بأكثر من ١٨٠٠ عنوان مترجم خلال عام ٢٠٢٣، تليها الفرنسية والإيطالية والإسبانية والألمانية، مع ملاحظة انخفاض عدد الكتب المترجمة من الألمانية بداية من عام ٢٠٢٣.

كما أظهر استطلاع أجرته المؤسسة اليونانية للكتب والثقافة عام ٢٠٢٤ أن ٣٢٪ فقط من الناشرين المشاركين فى معارض الكتب لديهم خبرة فى بيع حقوق النشر والترجمة إلى الخارج، وهى نسبة يرى العاملون فى القطاع أنها تأثرت بإغلاق برامج دعم الترجمة السابقة.

رغم هذه التحديات، لا تزال الحياة الأدبية فى اليونان نشطة من خلال معارض الكتب والمهرجانات الثقافية. ويُعتبر معرض سالونيك الدولى للكتاب الحدث الأدبى الأكثر حضورًا على المستوى الدولى، خاصة بالنسبة للناشرين والمترجمين، مقارنة بمعرض أثينا للكتاب والفعاليات المحلية الأخرى.

وفى الوقت نفسه، تواجه دور النشر اليونانية منافسة متزايدة من الثقافة الأنجلو- أمريكية والمنصات الرقمية العالمية، إذ يفضّل بعض القراء، خاصة المهتمين بالأدب الإنجليزى، شراء الكتب مباشرة باللغة الأصلية عبر مواقع مثل Amazon بدلًا من انتظار الترجمة إلى اليونانية.

وعلى مستوى المحتوى الأدبى، لا يقتصر الأدب اليونانى المعاصر على الصورة المرتبطة بالسياحة والجزر المتوسطية، بل يتناول أيضًا موضوعات أكثر تعقيدًا تتعلق بالحرب الأهلية، والأزمات الاقتصادية، والهجرة، والتحولات الاجتماعية.

وترى الكاتبة والمترجمة اليونانية Vasiliki Tzanakari أن الأدب اليونانى أكثر قتامة ووجودية وتعقيدًا مما يتصوره كثير من القراء فى الخارج، مشيرة إلى أن الأدب اليونانى بعد الحرب العالمية الثانية ظل لعقود منشغلًا بالحرب الأهلية والصراع بين القوى اليمينية والشيوعية، قبل أن تنتقل الأولوية بعد عام ٢٠١٠ إلى الأزمات الاقتصادية والشعور باليأس والهجرة.

وقد تركت هذه التحولات أثرًا واضحًا على الرواية والشعر والحياة الثقافية عمومًا، وأسهمت فى جذب اهتمام متزايد بالأدب اليونانى خارج البلاد، خاصة باعتباره أدبًا يعكس التحولات الاجتماعية والسياسية التى عاشها المجتمع اليونانى خلال العقود الأخيرة.