متاهة فرانز.. لماذا يعيش «كافكا» بعد 100 سنة من موته؟
- أصبحت «الكافكاوية» موجودة فى العديد من اللغات بما فى ذلك الألمانية والإنجليزية
يُعد فرانز كافكا أحد أشهر كتّاب اللغة الألمانية فى العالم، على الرغم من مرور أكثر من مائة عام على وفاته، إلا أنه لا يزال يتمتع بشعبية كبيرة حتى اليوم، وخلال الفترة الأخيرة أصبح «كافكا» حاضرًا أكثر من ذى قبل، والأغرب أنه لفت انتباه «GenZ» فى أماكن متفرقة من العالم، فتصدرت اقتباساته التيك توك، وتحدث عنه كثير من المؤثرين حول العالم.. فلماذا تذكر العالم «كافكا»؟ وما الذى رآه كافكا فى نفسه؟ وكيف رأى هو العالم؟.. الكتابة عن «كافكا» تشبه كتاباته.. متاهة غامضة من الأسئلة التى من الصعب إيجاد إجابات دقيقة لها.

يذكرنا بحياتنا
ولد فرانز كافكا فى براغ عام ١٨٨٣، وكان ينتمى إلى الأقلية اليهودية الناطقة بالألمانية، مما ساهم فى عزلته، وعدم شعوره بالتآلف الكامل مع محيطه، فضلًا عن علاقته المعقدة بوالده، وعلاقته غير الواضحة معالمها بوالدته، مما ساهم فى الغموض نوعًا ما حول نشأته، وجعلت من الصعب تتبع الخيط الدقيق الذى ساهم فى تكوين كافكا كما نعرفه.

علاقته بكل من حوله اتسمت بشىء من التعقيد وعدم الوضوح، فكان يعمل فى وظيفة لا يحبها لكنها كانت تؤمن له دخلًا ثابتًا لكى يتفرغ للكتابة فى المساء، ورغم هذا سواء اعتراف كافكا أو لا، فإن ظيفته كموظف تأمين ضد الحوادث جعلته يتعرض بشكل يومى لقصص موظفين يحاولون الحصول على تعويضات عن حوادث تعرضوا لها، فكان كافكا يرصد عن قرب المعاناة حوله رغمًا عنه وهو ما يمكن اعتباره أنه ساهم بشكل ما فى نظرته للحياة والمجتمع.
كتابات كافكا تناولت مواضيع خالدة، كالبيروقراطية والتعامل مع السلطة، أو بالأحرى، الشعور بالخضوع لها، وكذلك التجارب الإنسانية القاسية، التى يصفها بشكل متكرر بشعور الضياع والوحدة والعجز فى هذا العالم.

ربما هذه المشاعر وتلك القضايا ما جعلت «كافكا» متداولًا بعد ١٠٠ عام من وفاته، فهذه المشاعر عالمية، تنطبق على الناس فى الماضى والحاضر، فى جميع أنحاء العالم، وهى مستقلة تمامًا عن السياقات الثقافية أو الأنظمة السياسية. ولذلك يُقرأ كافكا ويُفهم فى جميع القارات.
كما أن لغته البسيطة فى الكتابة والتى يزعم أنها سهلت على المترجمين تكييف نصوصه مع لغات أخرى، وقد منح المؤلفين الذين أتوا بعده هدية عظيمة للغاية، إذ علمهم كيف يكتبون عن أغرب المواضيع وكأنها أكثر الأمور طبيعية فى العالم، فكان كافكا يروى الأزمة والمأساة وعدم العدالة كأنها شىء نمطى يوجد بشكل تلقائى.

ربما تذكر العالم والشباب كافكا فى أنحاء العالم، بسبب الاضطرابات السياسية والصراعات وموضوعات العزلة والاغتراب التى باتت تناسب الشباب فى جميع أنحاء العالم، هذا فضلًا عن قضايا الهوية التى تناولها فرانز كافكا، فهى حاضرة بقوة اليوم، بعد مرور قرن على وفاة الكاتب.
بإمكاننا أن نقول إن كافكا كان رائدًا فى الأدب الحديث خلال الربع الأول من القرن العشرين، فما قدمه كافكا من صراعات مع البيروقراطية القمعية، وقضايا الهوية وقيمة الذات، كانت مبتكرةً فى عصره، ووجدت مكانها فى الأدب المعاصر بفضله، والحالة الإنسانية التى يصورها فى أعماله مخيفة وغريبة، ولا معنى لها، ويائسة؛ وسميت بـ«كافكاوية»، وهو مصطلح يناسب حال كثيرين اليوم.

تاريخ الأدب
من الصعب استيعاب أن الإشادة المتأخرة التى نالها كافكا، لم يعرف بها، بل لم ير نفسه يستحقها فى المقام الأول، فهو كان يرى أن كتاباته هراء.. وعندما اشتد به مرض «السل» أوصى صديقه «ماكس برود» قائلًا: «أحرق كل كتاباتى .. لا يستحق العالم أن يرى هذا الهراء».
كان كافكا يكتب فى المساء والليل: مذكرات، قصص قصيرة، وروايات. أدرك صديقه المقرب، ماكس برود، الذى تعرف عليه أثناء دراسته للقانون، موهبة كافكا الأدبية وشجعه على نشر أعماله، لكن كافكا كان يشك فى قدراته الكتابية.
عقب وفاة «كافكا» كان «ماكس برود» مؤمنًا به ومحتارًا، فقضى ٦ سنوات فى إعادة تحرير كتابات كافكا وتنظيمها، وبدأ بنشرها، وكانت هذه أعظم خيانة فى تاريخ الأدب، بسببها نشرت أعمال مثل «المحاكمة». واليوم، تُعدّ هذه الرواية غير المكتملة من أشهر أعمال كافكا، لولا تدخل ماكس برود، لما كانت رواياته بين أيدينا، التى ترجمت لاحقًا إلى لغات عديدة فى العالم.
تُقرأ أعمال كافكا اليوم فى جميع أنحاء العالم. ففى ألمانيا، يدرسها الشباب فى المدارس كجزء من المناهج الدراسية، وفى الهند، يُعرف فى الأوساط الفكرية، كما يحظى بشعبية واسعة فى المكسيك وكولومبيا والأرجنتين. والقائمة تطول.
يشير العديد من الكتاب العالميين إلى كافكا فى رواياتهم، ويعتبرونه أحد أهم كتّاب القرن العشرين. حتى إن الكاتب الكولومبى الحائز على جائزة نوبل، جابرييل جارسيا ماركيز ، الذى توفى عام ٢٠١٤، صرّح بأن قراءة رواية كافكا «المسخ» هى التى ألهمته لكتابة رواياته.

كيف ينظر للعالم؟
كما يبدو أن نظرة كافكا لنفسه التى تعانى من سوء تقدير الذات، لم تكن نظرته السلبية الوحيدة، فكافكا نظر للعالم أيضًا بعين سوداوية، كمكان عبثى، فوضوى، من الصعب التعايش فيه، فرأى «كافكا» الحياة «متاهة» كبيرة، فقرر مواجهة هذه المتاهة بالكتابة.
ذات يوم كتب «كافكا» فى رسالته إلى صديقه: «أعتقد أنه ينبغى علينا قراءة الكتب التى تجرحنا وتطعننا فقط. إذا لم يوقظنا الكتاب الذى نقرأه بضربة على الرأس، فلماذا نقرأه؟»

ولهذا ركزت أعماله الأدبية على أمرٍ أتقنه هو نفسه، لكن الكثيرين كانوا يخشونه وينفرون منه، ألا وهو وحش البيروقراطية، حيث تعكس روايتاه «المحاكمة» و«القلعة» تجاربه فى عالم البيروقراطية والشعور بالعجز الذى تُرسخه فى نفس المواطن العادى.
ثم أصدر لاحقًا قصة «الحكم»، التى كتبها فى ليلة واحدة خريف عام ١٩١٢، والتى تكشف عن أسلوب كافكا الكئيب المعهود، أما أشهر أعماله، «المسخ» ، فتحكى قصة بائع متجول يستيقظ ذات صباح ليجد نفسه قد تحول إلى حشرة عملاقة.
أرست هذه الأعمال أسلوبًا جديدًا يتطلب من القراء مواجهة الجوانب المزعجة، بل والمخيفة، للوجود الإنسانى، والمواقف العبثية التى لا يمكن تفسيرها بالتجربة الواقعية، بل بالخيال الجامح.
فى العديد من أعماله، يتجلى الطابع البيروقراطى فى صورة آليات مظلمة تعمل وفق مبادئ غامضة لا تصب فى مصلحة المواطن، أو فى شخصيات تخدم هذه الآليات، لقد كان أسلوب كافكا فى الكتابة مختلفًا تمامًا عما كُتب قبله، من المحتمل أنه كان على دراية بهذا الأمر، وهو ما قد يكون أحد الأسباب التى دفعته إلى رفض نشر معظم أعماله، بل وحتى توصية صديقه بتدميرها.
بينما يحاول «كافكا» أن يرشدنا بأعماله، إلا إنه كشف لنا عن المتاهة العظيمة التى هو نفسه عالق بها، فأصبح كافكا وأسلوبه الكافكاوى هو دليل لكل من يشعرون بالتيه والضياع والاغتراب.
فأصبحت «الكافكاوية» موجودة فى العديد من اللغات، بما فى ذلك الألمانية والإنجليزية والكورية والتركية والفرنسية واليابانية والروسية والإيطالية، فهى تصف شيئًا يبدو مهددًا بشكل لا يُصدق - عبثيًا وغريبًا وغير قابل للتفسير. لكن رغم ذلك تظل «الكافكاوية» هى الضوء الذى ألقى على جوانب الطبيعة البشرية ولا يُمكن إغفالها بمجرد رؤيتها، بدونه، لن نكون نائمين فحسب، بل سنكون عميانًا أيضًا
متاهة كافكا
عندما كتب كافكا لصديقه كافكا أن العالم يحتاج لضربة فأس على رأس الجليد، كانت هذه الضربة، وهذا التحطيم هو ما حمسه ليكتب واحدة من أعظم الروايات التى كُتبت على الإطلاق، وهى رواية المحاكمة، وقدم للأدب واحدة من أكثر شخصياته إثارة للاهتمام، جوزيف ك، وهو كاتب بنك كبير محكوم عليه بمصير مأساوى، بسبب جريمة لا يعرفها.. ولم يعرفها على الإطلاق.
فى جملها الافتتاحية، تُرسخ الرواية فرضيتها بسرعة خاطفة، فى صباح أحد أيام العمل، يستيقظ ك. ليجد رجلين غريبين فى غرفة نومه، يقومان باعتقاله دون سبب واضح. لاحقًا، يُحكم عليه بالإعدام لجريمة لا يعلم عنها شيئًا، من قِبل قاضٍ لم يره قط.
تتكشف مأساة جوزيف ك. المروعة فى مدينة مجهولة الهوية، يُرجح أنها مستوحاة من براغ، مسقط رأس كافكا، بينما جردها كافكا من أى تفاصيل نمسساوية مجرية، حتى باتت مجرد هيكل بدائى ذى طابع وحشى، وهو ما حير الباحثين لاحقًا، هل كان كافكا يرى براغ مكانًا يثير كل هذا الغرابة والرهبة، وكل هذه القوة النفسية؟.
بعد مرور مائة عام على نشرها فى ٢٦ أبريل ١٩٢٥، لا يزال صدى تلك الضربة يتردد، ويتلخص الشعور الذى تولده فى صفة واحدة: «كافكاوية». وهى صفة أصبحت شهيرة كشهرة كافكا نفسه.
وصف الكاتب التشيكى ميلان كونديرا، الذى تأثر شبابه بالشيوعية الستالينية، السرد الكافكاوى بأنه حالة من العجز عند الوقوع فى متاهة لا حدود لها. كما رأى فيه انقلابًا على رواية دوستويفسكى «الجريمة والعقاب»، فلم يعد يُعاقب على الجريمة، بل إن العقاب فى حالة كافكا هو الذى يبحث عن جريمة.
فطالما كان كافكا يشعر بأنه مذنب فى شىء ما مخطىء فى شىء ما، دون أن يكتشف حقًا ما هو، فلو كان «ديستوفيسكى» يحب العزلة لأنه يشعر أنه أفضل من العالم، فإن كافكا أحب العزلة لأنه كان يشعر أنه أقل من العالم.
فى رواية المحاكمة يروى كافكا نظرته للعالم.. كمكان غير عقلانى وعشوائى، وخبيث: آلة لإنتاج جنون الارتياب، بينما يحاول البطل فى المحاكمة والقلعة أن يكون هو الرجل الذى يحاول الحفاظ على عقله فى عالم جنّ جنونه.. فكانت هذه طريقة كافكا لرفضه استيعاب قيم نظام منحرف.. حتى يفشل فى النهاية فى توقف مفاجئ فى شكل الفعل النهائى لإغلاق المأساة وهو: الموت.
تُعدّ عملية إعدام ك. بلا شكّ واحدة من أكثر الفصول رعبًا فى الأدب، حيث تحمل سمات التضحية، لكنها تضحية بلا معنى، بلا سبب أو تفسير، عشية عيد ميلاده الحادى والثلاثين، بعد عام من اعتقاله، يظهر جلادوه، رجال صامتون يرتدون السواد، فى غرفته، يقتادونه خارج المدينة إلى محجر مهجور، حيث يمدّدونه على حجر، وتحت ضوء القمر، يطعنونه فى قلبه.
كل ما يتعلق بالإعدام بدائى، طقوسى، متخلف، ما طبيعة هذا العالم الكابوسى، حيث يمكن أن يحدث مثل هذا الإعدام التعسفى؟ إنه ليس مجرد عالمٍ يسوده الكذب، عالمٍ ضلّ فيه العقل طريقه، بل هو أسوأ من ذلك بكثير. هذا العالم الكابوسى يعمل بوعى فى كل نقطة ضد العقل، ضد الإيمان وضد التنوير.
يتجلى هذا فى المشهد الأخير من الرواية، يستسلم ك. فى النهاية لمصيره ويموت، على حد تعبيره، «كالكلب». بهذه الطعنة، يُطلق كافكا طلقة النهاية، بعد أن هُزم بطله على يد نظام أخلاقى فاسد، لم يتمكن من تجاوزه أو حتى مجاراته.
ربما شعر كافكا بأن كتاباته ستنجو من الضياع، فكب يومًا إلى ميلينا.. محاولًا تحذيرنا قائلًا: «براغ لا تتخلى عنى .. ولا أنتِ».



