كريسماس.. لا يزال أمل دنقل يثير الدهشة
رغم أن رحلة الشاعر والمبدع الكبير أمل دنقل كانت قصيرة للغاية، بل أقصر رحلات كل شعراء الستينيات من مجايليه، وكذلك عاش عمرًا أقل منهم بكثير، إذ رحل فى بدايات عقده الخامس «٤٢ عامًا»، بينما تجاوز رفاقه السبعين والثمانين من أعمارهم- فإن تجربته القصيرة ما زالت تكشف عن مفاجآت قد خفيت عن القراء والمحبين والمتخصصين فى الدرس النقدى لأشعاره. ورغم أننى نشرت سابقًا بعض قصائد أو مقالات كانت مجهولة له، أو أنها فى طى النسيان، وربما التجاهل، مثل قصيدته فى اغتيال يوسف السباعى، أو قصيدته «أغنية للاتحاد الاشتراكى» التى نشرها فى مجلة «صباح الخير» عام ١٩٦٥- فإننى اندهشت كثيرًا لأن الشاعر لم يدرج أيًا منها فى أى ديوان من دواوينه، وما لحق بكثير من قصائده، لحق أيضًا بقصيدة «كريسماس» التى نشرتها مجلة «إبداع» فى الذكرى الثانية لرحيله المبكر، أى فى مايو ١٩٨٥ دون أى معلومات عنها، سوى التاريخ الذى تم تذييل القصيدة به، وهو عام ١٩٦٣.
القصيدة ليست مدرجة فى أى ديوان من دواوينه: «البكاء بينى يدىّ زرقاء اليمام ١٩٦٩، تعليق على ما حدث ١٩٧١، العهد الآتى ١٩٧٥، أقوال جديدة عن حرب البسوس ١٩٨٣، أوراق الغرفة رقم ٨»، بالإضافة إلى ديوان «مقتل القمر» الذى ضم قصائد الشباب التى كتبها أمل فى سنوات التجربة الأولى، أى فى مطلع عقد الستينيات عندما كان فى الإسكندرية، وكان عضوًا فى إحدى الجماعات الأدبية، وكانت تلك القصائد تتسم بروح تجربة عاطفية واضحة، تلك المرحلة التى كتب فيها أشهر قصائده المتمردة «كلمات سبارتاكوس الأخيرة، أبريل ١٩٦٢»، وقال فيها:
المجد للشيطان .. معبود الرياح
من قال «لا» فى وجه من قالوا «نعم»
من علّم الإنسان تمزيق العدم
من قال «لا».. فلم يمت،
وظلّ روحًا عبقرية الألم!
كانت تلك القصيدة بكل ما تحتويه من تمرد ونزق وغضب، تحفيزًا على التأمل والتفكير وشغف التغيير، رغم المفردات التى تشى ببعض اليأس، لكنها مفردات عندما وضعت فى سياق بناه أمل باحترافية شديدة الإحكام، كانت محفزة ومحرّضة، وما زالت الأجيال التالية له ترددها بيقين كبير، وكأنها لم تكن عنوانًا لجيل أمل دنقل فقط، بل أصبحت عنوانًا لكل الأجيال التى جاءت فيما بعد.
ورغم أن الناقد نسيم مجلّى، صاحب كتاب «أمير شعراء الرفض» عن أمل دنقل، كتب مقالًا نقديًا فى مجلة «أدب ونقد» فى يوليو ١٩٨٥ تحت ذات عنوان الكتاب، ليرصد عناصر فى القصيدة، التمرد والسخرية وإدانة الخنوع، وعقد مقارنة بينه وبين الشاعر الإنجليزى «ميلتون»- فإن الناقد الدكتور مصطفى رجب كتب مقالًا هاجم فيه نسيم مجلّى، مما دفع مجلّى للرد عليه ردًا مطولًا.
وفى حوار أجراه موقع «الأقباط متحدون» مع الناقد نسيم مجلّى فى ٢٥ يونيو ١٩٢٥، استدعى فيه الناقد كل تفاصيل ما حدث بعد كتابة دراسته عن أمل، وتحدث باستفاضة عن حياة أمل، مستقيًّا معلوماته من الشاعر وصفى صادق الذى كان صديقًا شخصيًا لأمل، وذكر مجلّى أن وصفى صادق هو الذى أعطاه قصيدة «كريسماس»، وتم نشرها إلكترونيّا فى الموقع، ولكن لم يذكر أحد أنها نشرت فى مجلة «إبداع» فى حدود علمى، وكذلك لم تخبرنا مجلة «إبداع» كيفية الحصول على القصيدة، كذلك لم يتكرر نشر القصيدة- فى حدود علمى- مرة أخرى إلا فى مواقع إلكترونية، إلا إذا فاجأنا أحد وأخبرنا بغير ذلك، لأن قدرة أى باحث لا تستطيع أن تلم بكل المطبوعات،
لكن المدهش أن القصيدة- فى نظرنا- تعتبر من أكثر قصائد أمل المنشورة وغير المنشورة فى دواوين جمالًا، وربما تكون أيضًا مكتملة، وذروة التجربة الشبابية الأولى مثلها مثل قصيدة «كلمات سبارتاكوس الأخيرة»، وفائقة فى تقنياتها عن قصائد كثيرة نشرت فى دواوينه التى نشرت تباعًا، خاصة ديوان «مقتل القمر».
وفى ظنّى أن الشاعر لم ينشرها، كما أنه لم ينشر قصيدته الشهيرة «سبارتاكوس» حينها فى أى مطبوعة ثقافية، لسببين، الأول: التمرد الواضح والبارز فى القصيدة، وكانت الأجواء آنذاك ملبدة بالغيوم، مما كان سيجلب له بعضًا التساؤلات فى تلك المرحلة الحرجة، والسبب الثانى- فى ظنّى-، أن قصيدة «سبارتاكوس» قد كفّت وأوفت بكل عناصر التمرد التى جاءت فى قصيدة «كريسماس»، مع طغيان وهيمنة عنصرى التساؤل والرمزية الواضحين بقوة، والاتكاء بقوة على مفردات من التراث اليونانى، قبل أن ينتقل إلى مرحلة أخرى فى عقد السبعينيات، وهى المرحلة التى ركّز فيها على استدعاء مفردات التراث العربى بشخصيات مثل المتنبى وأبونواس، وحالات مثل حرب البسوس وخلاف ذلك من مواقف عربية فاعلة.
وأخيرًا فالقصيدة كانت- بالنسبة لى- عندما قرأتها فى حينها، مفاجأة فنية على كل المستويات الفكرية والجمالية والأسلوبية واللغوية، مما يجعلنى أندهش أكثر من عدم إدراجها فى أى من دواوينه، وهذا يثبت أن أمل دنقل ما زال يثير الدهشة دائمًا.
اثنان.. لم يحتفلا بعيد ميلاد المسيح:
أنا.. والمسيح.
غرفتنا لم تنطفئ أنوارها عند انتصاف الليل
لأنها لا تعرف الأنوار!
غرفتنا لا تعرف الليل من النهار
عين المسيح فى دجاها قمر حزين
فى الصمت ينزف الدموع
يسوعنا فى حاجة إلى يسوع
يمسح عن جبينه كآبة الأحزان
لأنه فى عيده السجين
مدّ يديه، لم تصافحا سوى القضبان، والقضبان!
النور ميت بلا شواهد الذكرى، بلا ضريح
أين المسيح؟
أين؟ يا مَن تجرعون باسمه الأنخاب
يا أيها الذين يرقصون فى ذكرى القتيل
استمتعوا بالرقص.. والأنغام.. والشراب
فالناس يرقصون دونما أسباب
لكنَّ فى صفوفهم من يقرع الطبول،
لحنًا بدائيًا!
الناس يرقصون فى مدينتى،
لأن غيرهم يصفقون!
ومَن يصفقون قد لا يعرفون..
من أجل مَن يصفقون!
لا تسألوا أين يسوع وابتسامة الوديع
فمن رثاه ميتًا.. لم يرثه حيًا
يموت فى زنزانة بلا عيون
وضجة الميدان تنتهى إلى آذانه وتضمحل..
صمتًا خرافيًا
أنا انتظرت أن يموت الموت، أن يموت..
أسكتُّ فى لسانى الحروف حتى يورق السّكوت!
- هل تتكوّن الحروف فى فم ما زال يمضغ اللجام؟
أنا تركت طفلتى تجوس فى شوارع المدينة
تسألكم أن تبتسموا لها، مجرد ابتسام
لكن.. رددتم دونها نوافذ البيوت
لو كنت.. ريحًا لاختنقتم حين لا تهب!
لو كنت نوحًا فوق لجة الطوفان
طردتكم من السفينة!
لو كنت نيرون لطهرت قلوبكم.. على ألسنة اللهب!
لكننى أحبكم
أعرف أنكم تقاتلون مَن يحبكم
لكننى.. أحمل نعش الحب فوق كاهلى الصغير
أمشى به.. لعل هذا الجسد الهامد يومًا يسير!
باسم الذين يولدون ميتين
ومَن يضاحكون وجه الشمس فى الحقول
ومَن يقاتلون دون سيف
ومَن يضاجعون هذا الخوف،
ينجبون منه كل صيف!
أسألكم أن تفتحوا الأبواب للمسيح
لكى تباركوا زمانكم به، تعمدوا أطفالكم فى دمعه المنهل
أخشى إذا مرّ الربيع
وانفض رقصكم.. وخيّم الصقيع
يكون قد مات يسوع!
أمل دنقل «1963»







