الأربعاء 11 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

سيدة القرن الأولى.. يوم أن اتشحت الصحافة بالسواد على الست أم كلثوم

حرف

- بوكس يومى لمتابعة حالة أم كلثوم الصحية يزاحم أخبار النشاط الرئاسى قبل وفاتها بأسابيع

- الصحف أصيبت بحالة صدمة يوم الوفاة فظهرت العناوين صريحة قاطعة دون أى صيغ جمالية

- وقائع صحفية من جنازة الست.. أهم حدث فى منتصف السبعينيات 

- الصحافة سارعت لاقتناص حوار طازج مع رفيق العمر الفنى أحمد رامى بعد خبر الموت بساعات

- رئيس تحرير «آخر ساعة» كشف سر وصول فاروق إبراهيم لعالم الست بعد أن طلبت منه «مصور عفريت» 

- «آخر ساعة» قدمت عددًا تاريخيًا بعد التقاط الأنفاس عن عالم الست بعد الوفاة بـ٩ أيام

- أنيس منصور فتح خزانته عن حوار مع ثومة لم تأذن له بنشره فى حياتها.. والتابعى حكى عن أيام الصبا

لم يكن شهر فبراير سنة ١٩٧٥ ليمر مرور الكرام على الشعب المصرى والعربى، فقد حمل على عاتقه خبرًا مشئومًا لم يود أحد سماعه أو قراءته على صفحات الجرائد، لكنها الأقدار المحتومة..

ماتت أم كلثوم «الأخبار»

وفاة أم كلثوم «الجمهورية»

وفاة أم كلثوم بعد صراع مرير استمر ١٠٠ ساعة «الأهرام»

ما سبق كانت مانشيتات الجرائد اليومية الثلاث صباح يوم ٤ فبراير ١٩٧٥.. عنوان كبير صريح قاطع ليس فيه أى تجميل أو استخدام لتركيبات لغوية صحفية، خالٍ من أى صنعة صحفية.. وكان الكل مصدومًا، ولسان حال الجميع «ليس هناك ما يقال»، جلال موت الست يخيم على العقول فقط «ماتت أم كلثوم».. أغلب مانشيتات هذا اليوم كانت بنفس الكيفية.

على الرغم من أن الخبر لم يكن مفاجئًا على الصحافة، والدليل أن جريدة مثل «الجمهورية» مثلًا كانت تخصص مربعًا يوميًا فى بؤرة الصفحة الأولى «مرفق نماذج» كل وظيفته متابعة يومية لحالة الست، وذلك قبل الوفاة بأيام كثيرة.. ستجد مربع أم كلثوم يزاحم يوميًا التغطية الإخبارية لنشاط رئيس مصر المنتصر فى حرب أكتوبر قبل شهور أنور السادات.. متابعة حالة هرم مصر الغنائى تقف على نفس أهمية أخبار توابع الحرب الأهم فى تاريخ مصر.

إلى أن جاء يوم الوفاة، فانقلبت الآية، فأصبح عنوان وفاة أم كلثوم بالبنط العريض بعرض الصفحة- أو بلغة الصحافة على ٨ عمود- وتحته عناوين شارحة عرضية وتتوسط صورة الست قلب الصفحة.. فى حين أن أخبار النشاط الرئاسى للسادات قد انزوت فى جانب الصفحة الأيسر وأسفلها فى أخبار قصيرة دون صور كالمعتاد، مثل «الرئيس يجتمع بأعضاء مجلس الشعب»، وخبر آخر «الرئيس يزور الكويت فى الربيع»، وثالث «الرئيس يزور أسرة المشير أحمد إسماعيل»، وغيرها من الأخبار الرئاسية التى كان وما زال مكانها الطبيعى مانشيتات الصفحة الأولى.

بعد أن استوعبت الصحافة الصدمة بدأت الصحف والمجلات توثق الحدث الجلل بملفات كبيرة وأعداد خاصة عن الست أم كلثوم.. وما زلنا فى «الجمهورية» مثلًا ستجد ملحقًا مجانيًا داخليًا توثيقيًا لحياتها وعنوانًا صحفيًا مميزًا شكلًا ومضمونًا..

«أم كلثوم.. الوديعة الغالية التى استردتها السماء»

«تحفة العصر.. ومعجزة الدهر»

لاحظ هنا أن الصنعة الصحفية بدأت تظهر فى العناوين.. فالست ذهبت إلى خالقها ولا بد أن تأخذ حقها فى التاريخ بعد وفاتها.. فلا أقل من ملفات وصفحات تحمل كل الأشكال الصحفية؛ أخبارًا وتقارير وصورًا وتحقيقات ومقالات.. الكل فى خدمة الست التى طالما كانت فى خدمة الفن المصرى.

أطرف الأخبار داخل الملف كان بعنوان «التقييم العلمى لصوت أم كلثوم»، وجاء فيه بالنص:

«ماذا يقول العلم فى صوت أم كلثوم؟

قام المعهد القومى للقياس والمعايرة فى مصر بتجربة فريدة ومثيرة سنة ١٩٧١، استعان بألفىّ أسطوانة سجل عليها المطربون والمطربات أغانيهم منذ نصف قرن، والهدف وضع سلم للموسيقى العربية على أساس علمى»

ويكمل الخبر بأن «صوت أم كلثوم كان أكثر الأصوات ضبطًا، لأن معادلته الرياضية تكاد تتطابق مع المعادلة الرياضية للسلم الموسيقى الطبيعى، وحصل على المركز الثانى صوت الشيخ محمد رفعت، والمركز الثالث كان صوت المرحوم صالح عبدالحى».

وأطرف صور الملف كانت صورة إحسان، وصيفة كوكب الشرق، وهى تساعدها على ارتداء القرط «الحلق».

وظهر فى نفس العدد أن الصحف والمجلات أدركت أنها وقعت على منجم صحفى بوفاة أم كلثوم وتوزيع مضمون، وهنا كان لا بد من الأعداد الخاصة، وبدأت تظهر الإعلانات التنشيطية ثانى يوم الوفاة لتعلن عن أعداد خاصة من المجلات، مثل الإعلانين المرفقين لـ«صباح الخير» و«روزاليوسف» المنشورين فى الجمهورية ٤ فبراير ١٩٧٥.

ومر يوما ٤ و٥ فبراير وقد امتلأت الجرائد اليومية بالمعالجات الطبيعية للحادث الجلل، حتى دارت المطابع لتخرج لنا أعداد يوم ٦ فبراير بالجنازة التاريخية، وهنا تظهر العناوين الجمالية المركبة: 

الشعب يودّع فنانة الشعب «الجمهورية»

وداعًا.. كوكب الشرق «المساء»

مليون مواطن فى وداع أم كلثوم «الأهرام»

كانت الصورة هى بطل التغطيات الصحفية المختلفة للجنازة.. ربما فرضت هيبة المشهد الذى أفرز صورًا استثنائية فكان لا بد أن تحتل عدسات المصورين دور البطولة.

مرت جنازة أم كلثوم وبدأ يظهر دور المجلات، تحديدًا فى صناعة أعداد تذكارية خاصة.. وإن لم تكن هناك أعداد خاصة عن الست.. فلمن تكون إذن؟!.

وإن كان لنا أن نقلب فى أحد الأعداد التذكارية التى صنعتها الصحافة المصرية فى منتصف السبعينيات، تأريخًا وتوثيقًا، لحياة واحدة من أهم الشخصيات النسائية فى تاريخ مصر.. فليكن عدد «آخر ساعة» التذكارى الصادر بعد الوفاة بـ٩ أيام فقط.. وتحديدًا بتاريخ ١٢ فبراير ١٩٧٥.

الحقيقة أن من شاء حظه السعيد أن يقتنى هذا العدد فليدرك أنه يقتنى كنزًا توثيقيًا هائلًا فيه كل الأشكال الصحفية الممكنة من يد كبار صناع وصنايعية الصحافة المصرية عبر تاريخها.

وذكر الكلمتين صنايعى وصانع مقصود، لأن مبدعى هذا العدد كانوا مؤسسى أهم التجارب الصحفية فى عهد الصحافة الذهبى: 

على أمين ومصطفى أمين صاحبا «أخبار اليوم» 

ومحمد التابعى صاحب «آخر ساعة» 

وأنيس منصور صنايعى الكتابة الإنسانية الأهم

هذا بخلاف أن كل واحد من هؤلاء العمالقة صنع لنفسه ذائقة خاصة فى الكتابة لا تخطئها العين القارئة.. وإذا أضفنا إليهم حارس صور المشاهير فاروق إبراهيم كشريك فى صناعة هذا العدد، فيمكنك أن تدرك الآن قيمة وأهمية عدد «آخر ساعة» الصادر بتاريخ ١٢ فبراير ١٩٧٥ عن دار «أخبار اليوم»، تحت رئاسة مجلس إدارة على أمين.. ورئاسة تحرير أنيس منصور.

دعونا نقلب فى العدد ثم نعاين مرفقاته..

فى البداية يبدأ العدد بملف كاتبه أنيس منصور وعنوان كبير ليس له أى شوارح: 

«لم أستأذنها فى نشر هذا الحديث»

مع مقدمة على أرضية صورة نادرة لأم كلثوم ضمن كنوز فاروق إبراهيم لرجل يحمل الست على شاطئ بحر.. الغريب أن هذه الصورة متداولة على الإنترنت دون أى خلفيات تعريفية بها، وتستخدم استخدامات رخيصة بعناوين صفراء فاقع لونها.. تعليق «آخر ساعة» على الصورة يفك لغزها:

«عمرو الدسوقى يحمل خالته إلى القارب فى رحلة فى مياه الخليج العربى»

ثم فى باقى الملف يحكى أنيس منصور، عبر ٧ صفحات من المجلة مطعمة بكنوز فاروق إبراهيم وبإخراج فنى غاية فى الروقان والرقى والشياكة تميزت به «آخر ساعة» على مدار تاريخها- فى أسلوب سلس بديع خلاصة حوارات خاصة دارت بينه وبين الست أم كلثوم، ورأيها بصراحة فى مطربين جيلها، وهو أمر ليس مطروقًا فى الحديث عن الست.. قليلة الحديث عن نفسها، فما بالك بالآخرين، فمثلًا قالت عن شادية، وفقًا لحكاية أنيس: «شادية صاحبة صوت ظريف حلو وسط بين الغناء والوشوشة.. وربما كان هذا هو سر شعور الناس بالراحة لأغانى شادية».

وفى النهاية يحكى أنيس منصور القصة التى بدأت من عندها هذه الصور الجميلة لأم كلثوم فى حفلاتها المختلفة عبر العالم.. والتالى بنص ما كتب أنيس منصور: 

«فى يوم من الأيام طلبتنى أم كلثوم وقالت لى: أريد منك خدمة

- أى شىء.

- أريت عفريتًا.

- الدنيا مليئة بالعفاريت.

- عفريت مصور.. هذا هو الذى أريده فورًا.

وكان العفريت المطلوب هو مصور شاب ممتاز ليرافق أم كلثوم فى رحلاتها الفنية.

ووجدت العفريت وطلبت إلى فاروق إبراهيم أن يذهب لأم كلثوم.. لأنها تريده، وكان فاروق قد ذهب إلى الإسكندرية ليشهد إحدى حفلاتها.. ولعبت الكاميرا فى يده والتقط لها عدة صور أعجبت بها أم كلثوم، وسألتنى عن المصور الذى التقط لها هذه الصور البارعة، فقلت لها: هو فاروق إبراهيم.. شاب عفريت وسوف يكون شيئًا مهمًا إذا إنت عرفتيه وشجعتيه وكلمة منك ترفعه من الأرض إلى السماء ويصبح واحدًا من الشبان الذين احتضنتهم.

وضحكت أم كلثوم وهى تقول: أنا أرفعه فوق.. والباقى عليه هو.

وحرص فاروق إبراهيم على الباقى هذا، فرافق أم كلثوم فى الشرق والغرب، وقفز حولها وأمامها، والتقط لها مئات الصور التى تنفرد (آخر ساعة) بنشرها».

ويكمل أنيس: 

«وأقام فاروق معرضًا لأم كلثوم فى الكويت، وافتتحت أم كلثوم المعرض.. وفى إحدى المرات قال فاروق لأم كلثوم إن سيدة من الكويت طلبت إليه أن يترك صور معرض أم كلثوم مقابل بضعة ألوف من الدنانير.

وانزعجت أم كلثوم وهى تقول له: وهل وافقت؟

فقال: طبعًا لأ.. إن أم كلثوم فى نظرى أغلى وأعز.

ونسى فاروق إبراهيم أن يصور الأضواء والمعانى والامتنان على وجه أم كلثوم فى تلك اللحظة.. وهذه هى الصورة الوحيدة التى نسى فاروق إبراهيم أن يصورها».

انتهى مقال رئيس تحرير «آخر ساعة» عن أم كلثوم، وبدأنا فى مرحلة أخرى من الحكى الطازج الذى رافق الآنسة أم كلثوم الفلاحة بنت طماى الزهايرة منذ بدايتها على لسان معاصريها ليكتب محمد التابعى مقاله بعنوان: 

«خرجت من قرية مغمورة لتصبح مطربة هذا العصر». 

وينهى التابعى مقاله الجميل بفقرة أجمل:

«إنها قصة الكفاح والعمل والصبر، قصة الفتاة الفقيرة التى خرجت من دار متواضعة فى قرية مغمورة لكى تصبح كبيرة مطربات هذا العصر.. بل وعصور عديدة قادمة، فما أظن أن الزمن سوف يجود على مصر بأم كلثوم أخرى بعد قرن.. ولا بعد قرنين».

ثم يأتى دور الصديق الوفى للست، مصطفى أمين، ليدلى بدلوه فى حكاية كوكب الشرق عبر ملف غاية فى الجمال والثراء فى ٥ صفحات بعنوان: 

«أسرار وراء الصور: ملف أم كلثوم».. وهو عبارة عن مقدمة كتبها مصطفى أمين، ثم مجموعة صور تحكى قصة أم كلثوم من البداية للنهاية، بداية من صورتها مع أخيها خالد فى بداية عهدها حتى أصبحت كوكب الشرق، مرورًا بصورها مع رفاق دربها وعبدالناصر والسادات، وتحت كل صورة نادرة تعليق وافٍ شامل يحكى حكاية من حكايات أم كلثوم.. حوالى ١٧ صورة نادرة مخدومة إخراجيًا بشكل مذهل، حتى إنك لا تشعر بأن هناك صورة قد ضاعت منها تفاصيل كان لا بد أن تظهر.

وفى نهاية الملف المصور يحكى مصطفى أمين قصة بعنوان «فضل أم كلثوم على أخبار اليوم»، يحكى فيه «أمين» حكاية فضل أم كلثوم على «أخبار اليوم».. ووفقًا لكلامه فإن الست عندما علمت أن الدار تمر بأزمة مالية طاحنة ورفضت كل البنوك إقراضها نتيجة أزمة معركة صحفية خاضتها الجريدة ضد إحدى الحكومات.. فما كان من الست المؤمنة بدور الصحافة إلا أنها استدعت على ومصطفى أمين فورًا، وأحضرت ٢٠ ألف جنيه، وهو مبلغ ضخم بمقاييس الأربعينيات، وقالت إنها مستعدة أن تبيع مصوغاتها وأسهمها وبيتها وتقدم لهم حتى ١٠٠ ألف جنيه دون أى ضمانات، وعندما قال لها مصطفى أمين- على حد قوله: «إنت مجنونة المبلغ ده ممكن يضيع؟».

قالت له: إن الذى يهمنى هو ألا تموت جريدة مصرية.

ثم تنتقل «آخر ساعة» لشكل صحفى آخر، وهو حوار من أروع ما يكون مع شاعر أم كلثوم المفضل والصديق الصدوق للست، أحمد رامى، الذى كان قد تخطى الثمانين لكنه كان متدفقًا وهو يحكى عن أقرب الناس، التى فارقته لتوه، وكيف غنت له وحده فى رأس البر، وحينها يستمع لها رامى بستة آلاف أذن.. وفقًا لتعبير رامى نفسه.

ثم يأتى دور على أمين ليكشف عن خبيئته الثمينة عن أم كلثوم.. وهى مذكرات الست بخط يدها، يحكيها «على» فى ١٢ صفحة كاملة فى المجلة، وتزينها ريشة الفنان الاستثنائى بيكار.. تخيل قيمة هذه الدرة إذن.. وهذه بعض من العناوين التى تقلب فيها كوكب الشرق فيما اختزنته الفلاحة بنت طماى الزهايرة بداخلها:

- تصورت الشيخ عبدالعزيز هو مخترع فكرة التعليم

- منعت الشيخ أبوالعلا من ركوب القطار

- أصبت أنا وأخى بنوبة من الضحك أمام المصوراتى

- أهل القاهرة سرقوا منى تحويشة العمر٪.

لم يكن ما كتبه أنيس منصور ومحمد التابعى ومصطفى وعلى أمين هو كل شىء فى عدد «آخر ساعة» التاريخى عن الست، فقد حفلت صفحاته بكل ما هو غالٍ ونفيس وجدير بالاقتناء بكل الأشكال الصحفية التى تستحق التأمل والدراسة، وتعلم كيف تصنع الأعداد التاريخية.

وأغلق العدد على ملف صور لأم كلثوم من إبداع المصور العفريت «فاروق إبراهيم».. لقطات خطفها «فاروق» من الزمن لكى يحفظ بها زيارات الست لعواصم العالم فى حفلاتها المختلفة «تونس والمغرب وباريس والكويت وغيرها»، كل صورة تستحق أن تصبح غلافًا لعدد تاريخى آخر عن الست التى لا تنتهى حكاياتها.