سفر العذارى.. الدين والجنس وأحداث يناير فى رواية يوسف زيدان الجديدة
- الرواية توظف التاريخ لتُسقط عليه رؤية مسبقة عن الانحدار المتدرّج فى البنية الاجتماعية والفكرية
ثمة مناطق أثيرة لدى يوسف زيدان تجمع بين الفكر الدينى والتحليل الفلسفى والاجتماعى والتاريخى لا يغادرها فى مختلف أعماله الروائية وغير الروائية مهما اختلفت الفترة التاريخية أو الشكل الروائى. فى كتبه الفكرية مثل «اللاهوت العربى وأصول العنف الدينى»، و«دوامات التدين» يضع جذور القضايا الفكرية والدينية، مستعرضًا تصادم السلطة بالدين وإعادة صياغة الخطاب لتبرير النفوذ. وفى أعماله الروائية ثمة استقراء لمظاهر الإرهاب الفكرى والدينى وصراعات المذاهب والسياسة فى مواجهة العقل والمنطق.
فى روايته الأحدث «سفر العذارى» يخوض زيدان تجربة جديدة فى رواية الأجيال، متتبعًا حياة عائلة عبر قرنين من الزمن، من الجد المؤسس بطاى إلى آخر العذراوات، ليعرض صعودها وانحدارها، وعلاقة الإنسان بالزمن، بيد أنه من خلالها يقدّم رؤية مركبة عن التحولات الاجتماعية والثقافية والإنسانية على امتداد الزمن، ويطرح أفكاره الشائكة عن مظاهر التقدم الزمنى نحو الأسوأ.

رواية الأجيال
فى ثلاثية روائية سابقة ضمت روايات «فردقان: اعتقال الشيخ الرئيس» عن حياة ابن سينا، و«حاكم: جنون ابن الهيثم» عن الحاكم بأمر الله والحسن بن الهيثم، و«الوراث.. أمالى العلاء» عن ابن النفيس، استند يوسف زيدان إلى شخصيات وأحداث تاريخية حقيقية من مخطوطات وكتب ليُسائل جذور الأزمات المستشرية فى الراهن على شتى المستويات، وفى روايته الأحدث «سفر العذارى» يعود إلى التاريخ ولكن هذه المرة عبر رواية أجيال ليحقق الهدف نفسه.
تختلف الرواية التاريخية التقليدية عن رواية الأجيال فى طرائق تناول الأحداث والتعاطى مع الزمن، فبينما يرتكز السرد فى الرواية التاريخية على حدث بعينه أو حقبة محددة تضم وقائع سياسية واجتماعية بعينها تتمحور حولها الرواية، فإن رواية الأجيال تمتد عبر عقود وربما قرون، وتتتابع فيها الأجيال بما يجعلها صورة للزمن الاجتماعى والتاريخى والإنسانى وللتحولات الكبرى عبر القرون.
تنطلق رواية «سفر العذارى» من أواخر القرن الثامن عشر مع الجد بطاى الذى يرتحل إلى الصعيد، ووصولًا إلى العقد الثانى من الألفية الثالثة. ومن خلال تتبع حكايات الأجيال المتتالية تتبين ملامح من التحولات فى أشكال السُلطة وأنماط القيم وطبيعة الوعى، ويتوارى الأمل البهيج مع الجيل الأول رويدًا رويدًا مع كل جيل تال حتى يتلاشى تمامًا مع الجيل الأخير الذى يصير إلى اليأس أقرب وإلى الانحدار أدنى.
تُشبه رحلة الجد الذى ينطلق نحو المجهول ليؤسس عائلته الممتدة لحظة «الخروج» أو التأسيس فى الأسفار القديمة، فى طموحها وتفاؤلها، لكن هذا الصعود لا يستمر خطيًا، إذ يبدأ التآكل التدريجى عبر الأجيال، وكأن التاريخ يعيد توزيع القوة ثم يسحبها، فتتبلور مأساة الضعف وأشكال التردى فى المجتمع المصرى عبر قرنين.
فى هذا السياق، يصبح حضور «العذارى» فى العنوان مهمًا، فالعذارى فى الرواية لسن فقط الفتيات اللاتى يحتمين بالوهم من قسوة الواقع، وإنما العذرية هى رمز البراءة الإنسانية فى كل جيل، إذ يبدأ كل جيل «عذريًا» بمعنى ما، ثم يدخل فى شبكة السلطة والمجتمع والتاريخ، فيتورط، ويفقد من صفائه شيئًا. ومن هنا يتحول «السِفر» إلى سجل لفقدان متكرر للبراءة عبر الزمن على مدى قرنين.

استدعاء محطات محددة
لا يتتبع السرد فى الرواية ترتيبًا تاريخيًا كرونولوجيًا مباشرًا، بل ينتقى فترات بعينها من التاريخ لتبيان أثرها على مسار حياة الأفراد ومآلات العائلة. تبدأ أولى هذه المحطات الإشكالية من أصول الجد بطاى نفسه، إذ تتداخل الأساطير والروايات المختلفة مع لحظات تاريخية متباينة تجعل من نقطة البداية محل استشكال، ففى أصل بطاى أقوال من أشهرها أنه من بقايا الانكشارية أو من أحفاد المماليك المعروفين بالفروسية، نجا من غدر محمد على حين لم يذهب إلى الوليمة الشهيرة، فارتحل جنوبًا إلى الصعيد. وقيل إنه عاش قبل مجىء الحملة الفرنسية، وترك القاهرة إثر خلاف مع أحد الولاة العثمانيين. بينما تذهب رواية أخرى إلى أنه من فرسان الأمازيغ القادمين من الواحات الغربية، لم يسترح فى القاهرة، فاتجه منها إلى الصعيد.
لا تسعى الرواية إلى تثبيت أصل واحد للجد المؤسس، بل تجعله نقطة التقاء لتواريخ متعددة وسردية متنازع عليها بين روايات متضاربة، فيغدو الأصل نفسه حكاية قابلة للتأويل، ومن ثم تتقوّض فكرة الجذر الثابت أو الهوية النقية، ليحل محلها تصور تركيبى تراكمى للتاريخ. ومن خلال هذا الالتباس فى نسب بطاى، تلمّح الرواية إلى فكرة أوسع مفادها أن مصر ليست كيانًا ذا أصل واحد، بل طبقات متداخلة من الأزمنة والشعوب والتجارب، تشكّل معًا هوية مركّبة لا يمكن اختزالها فى سردية واحدة.
يمر السرد، الذى يجرى على لسان الراوى العليم، على محطات تاريخية مثل الحرب العالمية الأولى، والحرب العالمية الثانية، وحرب ١٩٤٨، وانتشار وباء الكوليرا، مرورًا سريعًا، من خلال حديث عابر أو خبر تتناقله الجرائد، بما يتوافق مع جعل هذه الأحداث خلفية للمشهد وصدى بعيدًا لا يبلغ مركز الحياة اليومية فى النجع إلا خافتًا.
لكن هذا العبور السريع على محطات تاريخية كبرى لا يظهر أثرها المباشر فى حياة الأفراد داخل النجع، يقابله حضور كثيف لأحداث أخرى تمس البنية المحلية للسلطة والتفكير الدينى والاجتماعى. ومن أبرز هذه اللحظات ثورة يوليو ١٩٥٢، التى تُستدعى بوصفها لحظة فاصلة يعاد عبرها تشكيل موازين القوة فى النجع.
يوظف يوسف زيدان هذه اللحظة ليرصد أثر التحول السياسى على الحفيد خالد، الذى يُنحّى من موقع العمدة بعد إلغاء هذا المنصب، لتحل محله أشكال حديثة من السُلطة ممثلة فى مراكز الشرطة ونقاطها. غير أن الرواية، فى هذا الموضع، لا تكتفى بتجسيد أثر التحول، بل تنحو إلى الخطاب المباشر، إذ يصف الكاتب الثورة بأنها استيلاء على السلطة، وسلب للأموال، وتمكين لفئة على حساب أخرى، ثم ربطها بتدهور الأحوال وانتشار التدين كرد فعل، وتفشى أنماط من الإجرام، وهى رؤية جاهزة يُعلنها الكاتب أكثر مما يتركها تتشكل عبر مصائر الشخصيات وتفاعلاتها.
فى الثمانينيات تلتقط الرواية تحولًا آخر، هذه المرة فى البنية الفكرية والدينية، مع انتشار ما يُسميه الكاتب الفقه الصحراوى ذى النزعة الوهابية بين بعض شيوخ الصعيد. يتجسد هذا التحول ماديًا حين يُفتى بهدم مقبرة الجد بطاى.
وتأتى ثورة يناير بوصفها ذروة تتقاطع فيها حركة التاريخ مع مصير الجيل الأخير، تصير الأحداث قوة مباشرة تمس حياة الشخصيات، وتتكثف كل التحولات السابقة فى لحظة انفجار، يظهر فيها أن ما جرى عبر قرنين لم يكن سوى تراكم بطىء لانهيار مؤجل.
يمنح السرد مساحة واسعة لثورة يناير وما جرى بعدها من أحداث عظام واشتباكات بين مختلف الأطراف، وذلك عبر الدفع باثنين من العذراوات؛ «الدكتورة» التى تسافر إلى القاهرة رفقة «زهرة» للبحث عن خطيبها الذى صمم على المشاركة فى الثورة، والذى وافته المنية فى خضم أحداثها. ويستعيد السرد مناخ الثورة؛ آمالها ومخاوفها باستدعاء مخاوف الفتاتين فى لحظة عاصفة: «شعرن على نحوٍ لم يُسارعنَ بالتعبير عنه، بأن العالم ينهار، خصوصًا بعدما شاهدنَ الشباب الثائر يُقتل فى الشوارع والميادين، وأصحاب اللحى الذين هدموا مقبرة الجد بطاى يتصدَّرون المشهد العام». كما يزج السرد بالفتاتين لاستعادة حدث كشوف العذرية التى جرت آنذاك: «ثلاثة عساكر طبيبٌ مكفهر الوجه معقود الحاجبين، قيل لهن إنه سيقوم بفحص التأكد من العذرية، لأن الطبيبة المختصة لم تتمكَّن من الحضور. علا صراخُ البنات وتجمَّعن فى زاوية الحجرة (العنبر) فأخذهن العساكر عنوة».
لا تبدو الرواية إذن معنية بالتاريخ بوصفه مادة لإعادة التخييل بقدر ما توظفه لتُسقط عليه رؤية مسبقة عن الانحدار المتدرّج فى البنية الاجتماعية والفكرية، إذ تتضخم لحظات بعينها لأنها تخدم أفكار الكاتب عن تبُدل السلطة، وصعود التدين الزائف، وانهيار القيم، ليسبق الخطاب الجاهز تشكُل المعنى من داخل التجربة الإنسانية للشخصيات.

الدين والتغيرات الفكرية
لا يقتصر الأمر فى «سفر العذارى» على توظيف التاريخ لنقل الحمولة الفكرية للمؤلف فى سياق خطابى أكثر منه فنى، بل تستدعى كذلك محطات من أفكار المجددين للفكر الدينى بهدف تأسيس مقابلة أثيرة لدى الكاتب بين الدين والعلم. غير أن هذه الثنائية لا تتشكّل دراميًا من داخل صراعات الشخصيات وتجاربها المعيشية، بقدر ما تُقدم بوصفها أطروحة ذهنية جاهزة يجرى إسقاطها على الوقائع.
يظهر هذا من خلال شخصية «قاسم»، الذى جاء حضوره فى المتن السردى محدودًا من حيث الفعل الدرامى، لكنه يتضخم من حيث الوظيفة الخطابية. فالحوار الذى يدور بينه وبين والده يأتى أقرب إلى تمثيل للصدام بين التعليم الأزهرى والتعليم الجامعى، إذ يُمنح الأب خطابًا تقليديًا مغلقًا يربط الأزهر بصلاح الدين والدنيا، ويقرن الجامعة بالكفر والتفرنج والانفلات الأخلاقى، فى صيغة تقريرية حاسمة.
وعندما يستعيد السرد أجواء الاحتدام بين مشايخ الأزهر وأساتذة الجامعة، ثم يُحيل إلى واقعة الفتك بشخصيتين تاريخيتين هما طه حسين وعلى عبدالرازق بوصفهما مثالًا للاتجاه الجامعى، تنتقل الرواية من مستوى التخييل إلى الاستدعاء المباشر لرموز فكرية معروفة، لتسند عبرها أطروحتها عن الصراع بين النقل والعقل، دون أن يُعاد تشكيل هذا الصراع داخل النسيج الروائى، وليظل أقرب إلى شاهد تاريخى يُستحضر لتدعيم موقف ذهنى سابق.
تؤسس الرواية لثنائية العلم مقابل الدين مرة أخرى من خلال حديث قاسم مع مالك، الذى يريد التوسع فى دراسة الحيل الفقهية ليُبرر علاقته بمعشوقته، فيقول له قاسم: «المشايخ السابقين دول كانوا فاضيين، واشتغلوا على دماغ الناس العبيطة، وبعدين علم إيه يا عمدة؟ العلم دلوقت بقى حاجة تانية غير الحكاوى دى، النهاردة العلم هو الهندسة والمكن والمواتير، والطب والدوا والعلاج، الكلام البكش بتاع المشايخ، زمنه راح خلاص، ودلوقت الحرب خلصت وكل الدنيا بترتب أمورها، وأنت جاى تقولى حيل فقهية!».
يُظهر الحوار تأسيسًا لصدام بين الفكر التقليدى والعقلانية الحديثة، ويُجسد الصراع بين الماضى الدينى والعلم الحديث، ليُصبح العلم أداة لتحرير الفكر، بينما يظل الدين فى موقع التقييد والجمود، ومن ثم تجعل الرواية الشخصيات وسيلة لإيصال آراء المؤلف المعروفة فى نقد السلطة الدينية وتأكيده أن العقلانية مرتكز للمعرفة والحرية.
المرأة والعذرية
تحتل العلاقات الجنسية فى الرواية مساحة واسعة عبر كل جيل، بدءًا من الجد بطاى وأبنائه ثم أحفاده. وفى خضم سرد هذه العلاقات تظهر نساء قادرات على التعبير عن رغباتهن وحدودهن بحرية كاملة، غير أنه مع تقدم الأجيال، تقل هذه العلاقات، ويصبح معظم البنات عذراوات، فيستبدل الخيال الجنسى بالواقع المحدود الذى لا يسمح لهن بتجربة شىء، بما يعكس فكرة الرواية حول تآكل الحرية عبر الأجيال، فكما يتراجع نفوذ العائلة، تتقلص حرية الفرد فى اختياراته وعلاقاته، ويصبح الخيالُ البديلَ الوحيد للرغبات المكبوتة.
النساء العذارى لسن محورًا أساسيًا على امتداد الرواية، إذ يتشكل دورهن بشكل واضح فى الجزء الأخير منها. ومع ذلك، فإن مفهوم العذرية فى الرواية يحيل إلى ما هو أبعد من الحالة الفردية، فقد تمثل جيلًا كاملًا، أو مجتمعًا فى لحظة براءته الأولى، أو وطنًا قبل أن يُنتهك. ومن ثم، تتحول رواية «سفر العذارى» إلى تأريخ لمراحل فقدان البراءة، ليصبح الجسد ساحة تتقاطع فيها السلطة، والتقاليد، والعنف، وفكرة الشرف، وكل البُنى التى تضغط على الفرد. وتتحول التجربة الجنسية فى الرواية إلى رمز أوسع لتداعيات الزمن والتحولات الاجتماعية والسياسية على الأفراد والأجيال.
وفى هذا السياق، تأتى النهاية لتتويج هذه الرؤية الرمزية حول فقدان البراءة وتآكل الحرية عبر الأجيال، إذ ترى «زهرة» فى منامها جدها بطاى فى هيئة ضعيفة، وجلبابه الأبيض السابق يلطّخه الزمن، ويكرر عليها كلمة «معلش»، فى لحظة تستحضر ماضى العائلة والحرية التى توارت عبر الأجيال.
بصورة عامة، يمكن القول إن ثمة عناصر قوية تستحق التوقف عندها فى الرواية، مثل السرد المتدفق الذى يحمل روح التراث ويجيده زيدان ببراعة، والبدايات الفلسفية التى تهدف إلى تقديم خلاصة تجريدية لمعانى المصائر والأقدار، كما تبدو رغبة المؤلف واضحة فى تتبع مراحل الانحدار الاجتماعى والثقافى والفكرى للأجيال، ورصد كيفية تلاشى الحرية والقيم عبر الزمن. لكن هذه الرغبة لم تكتمل تمامًا، إذ ظهر انفصام بين حياة الشخصيات وصراعاتها اليومية وبين الخطاب الفكرى الذى يسعى الكاتب لتقديمه، فقد استغرقت الرواية فى وصف الأماكن والعلاقات أحيانًا بما جاء على حساب بلورة الشخصيات، فصار السرد غنيًا بالتفاصيل لكنه أضعف القدرة على تكثيف تجربة الفرد، وبدت بعض التحولات الفكرية والاجتماعية معزولة عن تفاعلات الشخصيات الحقيقية، ما جعل الرواية رغم اتساع رؤيتها التاريخية والفلسفية، فاقدة لبعض التوازن بين الطرح الفكرى والدراما الروائية.







