السيرة أطول من العمر... «داود عبدالسيد.. سيرة سينمائية».. تشريح مشروع سينمائى متفرد
عبر أفلامه القليلة، استطاع المخرج والمؤلف السينمائى داود عبدالسيد أن يصنع لنفسه مسارًا خاصًا فى السينما المصرية، فهو فيلسوف، ومراقب اجتماعى ، ومُشَرِّح نفسى، طرح أسئلة خاصة، وعبّر عن هموم أفراد غير قادرين على التوافق مع واقعهم الاجتماعى الضاغط.
فى كتابه «داود عبدالسيد.. سيرة سينمائية» يحاول الناقد الفنى محمود عبدالشكور الوقوف على أبرز ملامح مشروع داود عبدالسيد الغنى، فيقدم قراءة تأويلية وتحليلية لأعماله معتبرًا إياها «فيلمًا واحدًا طويلًا» تدور حول محاور مركزية مثل: الحرية، الاختيار، العجز، القدرة، وتحولات المجتمع المصرى من خلال عدسة الفرد.

يضع عبدالشكور إصبعه على النبض الأساسى لأفلام داود؛ أنها تبدأ من التفاصيل اليومية من الناس، ثم تتسع لتستوعب أسئلة وجودية كبرى. ويموضع عبدالشكور مشروع داود عبدالسيد ضمن جيل تشكّل وعيه بين أحلام كبرى وواقع كثير الانكسار. جيل دخل الحياة العامة محمّلًا بمشروعات قومية وطموحات واسعة، ثم وجد نفسه، على نحو مفاجئ، أمام خيبات عميقة وتحولات اجتماعية وسياسية بدت فى كثير من لحظاتها عبثية. هذا الاصطدام بين الحلم والواقع لم يُجهِض الموهبة بقدر ما وفّر لها مادة ثرية للإبداع، وصنع دراما واقعية كثيفة تحتاج إلى عين تراقب التفاصيل وعقل يتأمل المعنى، فى عالم يتحرك فيه الصعود والهبوط بسرعة لافتة، وعلى مسافة قريبة من فقدان اليقين.
لم يكن هذا الجيل يتوقع أن تنتهى سنوات الصعود القومى فى الخمسينيات والنصف الأول من الستينيات بهزيمة يونيو ١٩٦٧، التى مثّلت نقطة كسر فى الوعى الجمعى المصرى. وفى سياق أوسع، تزامنت هذه الصدمة مع تحولات عالمية كبرى أعقبت الحرب العالمية الثانية، وانهيار منظومات قيم كاملة، ما أفرز اتجاهات فنية جديدة، من بينها مسرح العبث عند صموئيل بيكيت ورفاقه، الذى عُد تعبيرًا عن قلق الإنسان وعجزه أمام عالم فقد منطقه. بين صدمة الداخل المصرى والتحولات العالمية، تبلورت أسئلة هذا الجيل، وانعكست بوضوح فى أعمال داود عبدالسيد السينمائية.

من التسجيلى إلى الروائى
يعود محمود عبدالشكور فى قراءته لتجربة داود عبدالسيد إلى أعماله التسجيلية الأولى، معتبرًا أن فهم مشروعه السينمائى لا يكتمل من دون التوقف عند هذه المرحلة التأسيسية. فقبل أن ينجز أفلامه الروائية، قدّم داود عبدالسيد ثلاثة أفلام تسجيلية يرى عبدالشكور أنها تشكّل مفاتيح مبكرة لوعيه الفنى والفكرى.
يضع عبدالشكور الفيلم التسجيلى «وصية رجل حكيم فى شئون القرية والتعليم» (١٩٧٦) فى قلب هذا التشكّل المبكر، معتبرًا إياه هجاءً لاذعًا لأصوات محافظة تسعى إلى إعادة إنتاج الجهل باسم الحكمة والخبرة. يحقق الفيلم هذا الهجاء عبر خيار فنى بالغ الدلالة، يقوم على مفارقة حادة بين الصوت والصورة؛ صوت «الرجل الحكيم»، الذى يؤديه جميل راتب، يهاجم تعليم الفلاحين، ويصفه بالوباء والبدعة المدمرة، بينما تصر الصورة، فى المقابل، على تمجيد المدرسة، والمعلم، والتلميذ، بوصفهم أفقًا للتحرر والمعرفة.
إلى جانب هذا الفيلم، أنجز داود عبدالسيد فيلمين تسجيليين آخرين هما «العمل فى الحقل» (١٩٧٩)، عن الفنان التشكيلى حسن سليمان، و«عن الناس والأنبياء والفنانين»، عن الفنان راتب صديق وزوجته النحاتة عايدة شحاتة. ويعتبر محمود عبدالشكور أن هذين الفيلمين لا يقلان أهمية فى قراءة سينما داود عبدالسيد، لأنهما يمثّلان لحظة انتقال حاسمة بدأ فيها داود يطرح على نفسه، من خلال مسيرة الفنانين، أسئلة الفن ذاته.

سينما المؤلف
يحدد عبدالشكور موقع داود عبدالسيد فى خريطة السينما المصرية، فهو مخرج «السينما المختلفة»، فى مقابل السينما السائدة، وهى السينما التى ترفض قوالب «الحدوتة» التقليدية ذات البداية والذروة والنهاية، وتبتعد عن الإجابات الجاهزة والعظات المباشرة، لتعمل على خلق حالة من التأمل والانفعال الفكرى لدى المشاهد.
يقدم الكتاب تحليلًا دقيقًا لأبرز السمات المميزة لعالم داود عبدالسيد، مجسدًا إياها فى ثلاثية تشبه خريطة خلاص لشخصياته المأزومة. يتسم عالم داود عبدالسيد بالنزوع نحو الخلاص الفردى، فرغم براعة داود فى رسم تأثير الظروف السياسية والاجتماعية القاسية مثل الستينيات، والنكسة ثم الانفتاح والتحولات الطبقية، فإن شخصياته لا تكون مجرد ضحايا، فكل نموذج إنسانى «حالة مستقلة» تبحث عن مخرجها الخاص من عقدها ونقاط ضعفها وقوتها، مما يعطى لأفلامه عمقًا نفسيًا نادرًا.
من جهة أخرى، يظل الحب هو العنصر الثابت والمخلص الوحيد عند داود فى هذا العالم المضطرب، وهو فى عالمه السينمائى فعل مقاومة يُحرر من العجز، كما فى علاقة يوسف وفاطمة فى «الكيت كات»، أو يمنح الأمان مثل علاقة يحيى وفريدة فى «أرض الخوف»، أو يستحق التضحية مثل علاقة أحلام وعوض فى «سارق الفرح»، كما أنه وسيلة الحفاظ على الذكرى والإنسانية مثلما نجد فى علاقة قابيل وبيسة فى «رسائل البحر».
ويأتى اهتمام داود عبدالسيد بالعقل والروح كأحد أبرز السمات المميزة لعالمه، إذ يحتاج العقل عند داود إلى حسم الحيرة بخوض التجربة والاختيار، حتى لو كان مؤلمًا أو خاطئًا. الفعل نفسه، والمحاولة، هما ما يعنيه. أما عزاء الروح فيتحقق عبر الحلم والأمل، ليس الأمل الساذج، بل ذلك الذى يعترف بمشقة الوجود وعبثيته، ولكنه يصر على أن «غدًا يوم آخر»، وأن جرعة من التفاؤل تخفف من وطأة الرحلة.
ومن جهة التكنيك، يشير عبدالشكور إلى أن داود عبدالسيد لا يحرك الكاميرا كثيرًا، يفضِّل بدلًا من ذلك الاعتماد على كاميرا ثابتة، تعادل العين الهادئة والمتأملة، كما أن الممثلين أيضًا لا يتحركون لمجرد الحركة، ولا يلهث بعضهم وراء بعض، فهو لا يريد أن يشغل متفرجه بالحركة، ولا يفضل أبدًا اللقطات القصيرة، وإنما يحتفظ المشهد عادةً وإلى حدٍّ كبير بتماسكه البصرى، دون تفتيت، ويحتفظ إيقاع أفلامه بالهدوء اللازم للتأمل.

مرايا للتحولات الاجتماعية
يتعامل عبدالشكور مع أفلام داود عبدالسيد باعتبارها مشروعًا فكريًا واحدًا، إذ يتتبع تطور رؤية المخرج عبر أفلامه، كاشفًا كيف تحولت كل تجربة سينمائية إلى مرآة لمرحلة من تاريخ مصر، وفى الوقت نفسه إلى اختبار أخلاقى للإنسان فى علاقته بالحرية والمسئولية والقدرة على الفعل.
يرى عبدالشكور أن داود عبدالسيد قدم من خلال فيلم «الصعاليك» (١٩٨٥) شهادة قاسية على زمن الانفتاح والصعود الطبقى السريع فى السبعينيات، إذ يعد الفيلم تحليلًا لآليات الثراء والانتهازية، ومرثية لصداقة انهارت تحت ضغط المصلحة والفساد الناشئ. ومن ثم، لا تأتى الصعلكة تعبيرًا عن الحرية فقط، بل انحدارًا أخلاقيًا وصعودًا بلا أجنحة، وفرصة للمقارنة بين سرقات الستينيات الصغيرة وانتهازية السبعينيات والثمانينيات الضخمة التى تكشف تحولًا جذريًا فى منظومة القيم، مع رصد مبكر لتشكل شبكات الفساد وارتباط الثروة بالسلطة، وصولًا إلى الحصانة البرلمانية بوصفها درعًا واقية للمال.
أما فيلم «البحث عن سيد مرزوق» (١٩٩١)، فى قراءة عبدالشكور، فيمثل لحظة بلورة حاسمة للثيمات الكبرى فى عالم داود عبدالسيد، ففيه تتشكل بوضوح شخصية المراقب الذى ينجذب إلى قلب التجربة فيتورط فيها، وتبرز ثنائية العجز والقدرة، والصراع بين القيود والحرية. كما تبدو شخصية سيد مرزوق نفسها تجسيدًا لأشباح الثراء القديم والثراء الجديد، ويتداخل النفوذ بالعنف، والملكية بالتهديد، لتغدو السينما مساحة لتحطيم الأغلال النفسية والاجتماعية والسياسية معًا.
وفى «الكيت كات» (١٩٩١) يرسم داود، كما يلاحظ عبدالشكور، لوحة جماعية لعالم هامشى فى قلب العاصمة. تتقاطع مصائر نحو ست عشرة شخصية لتكشف مجتمعًا مألوفًا ومخفيًا فى آن واحد، إذ تتجاور ثلاثة أجيال؛ جيل الشيخ حسنى المقاوم بالسخرية، وجيل عم مجاهد المراقب المتأمل، وجيل يوسف العاجز عن الفعل، فتغلّف المأساة بالضحك، وتزداد عمقًا مع موسيقى راجح داود التى تمنح الشيخ حسنى حضورًا طاغيًا، وترافقه حتى لحظة التحليق الشهيرة على الموتوسيكل، حيث يبلغ التمرد ذروته الرمزية.
ورغم أن سيناريو «أرض الأحلام» (١٩٩٣) من تأليف هانى فوزى، يرى عبدالشكور أن عالم داود عبدالسيد يتجلى فيه بوضوح، فشخصية نرجس، التى تجسدها فاتن حمامة، تنتمى إلى عائلة أبطال داود تبدأ مراقبة لحياتها، وتنتهى فاعلة داخلها، ورحلتها ليست سوى تحرر تدريجى من قيود داخلية، ومن حياة عاشت معظمها لإرضاء الآخرين، لتصبح البطولة هنا فعل استعادة هادئ للذات.
ويضع عبدالشكور فيلم «أرض الخوف» (١٩٩٩) فى صدارة أفلام داود عبدالسيد، بوصفه من أنضج نماذج «دراما الأسئلة الكبرى» فى السينما المصرية، فرعم أنه يمكن مشاهدة الفيلم كحكاية مشوقة عن عالم المخدرات، فإنه ينفتح على مستويات أعمق من التأمل الفلسفى فى الخير والشر، والحرية والمسئولية، والطاعة والاختيار، كما أنه لا يقدم إجابات جاهزة، بل يترك المشاهد محمّلًا بالأسئلة والشكوك، ما يمنحه قوته واستمراره.
أما «مواطن ومخبر وحرامى» (٢٠٠١) فيراه عبدالشكور التعبير الأكثر سخرية ومرارة عن عقدين كاملين من التحولات الاجتماعية فى مصر، وعلى الرغم من أن الكوميديا والأغنيات تخفف من صدمته، فإنها لا تلغى عبثًا عميقًا، ولا تخفى نبوءة بمستقبل أكثر فوضوية.
وفى «رسائل البحر» (٢٠١٠) يعود داود عبدالسيد إلى الحب بوصفه ملاذًا أخيرًا من الوحدة والاغتراب، مستلهمًا الإسكندرية كذاكرة وزمن جميل آفل، ومحاولة للتشبث بمعنى إنسانى مهدد بالانطفاء. أما «قدرات غير عادية» (٢٠١٥) فيطرح سؤالًا مقلقًا ومباشرًا: لماذا نتخلى عن قوتنا الداخلية، ولماذا نصدق عجزنا المفترض، بينما نملك القدرة على الفعل؟

سينما أخلاقية
يخلص عبدالشكور إلى وصف سينما داود عبدالسيد بأنها «سينما أخلاقية»، لكن ليس بالمعنى الوعظى الضيق. إنها أخلاقية لأنها تنتصر لجوهر الإنسان العاقل، المسئول، صاحب الإرادة والقدرة على الاختيار. هى سينما تحترم عقل المشاهد، تطرح عليه أسئلة محرجة ولا تمنحه إجابات جاهزة، وتدفعه لتأمل القيم السائدة ومدى قدرتها على إطلاق طاقات الإنسان لا تكبيله.
ويقول: هذه الأفلام أخلاقية لأنها تحترم العقل، وتجعلك تتأمل مأزق الوجود الإنسانى، وتطرح عليك أسئلة محيّرة، ولا تفرض أى إجابات جاهزة، صحيح أن انحيازات داود واضحة وراء الأقنعة التى يلبسها من خلال شخصياته التى رُسمت ببراعة واقتدار، ولكنه لا يفرض شيئًا على متفرجه، لا يعظه أو يرشده، وإلا ناقضَ إيمانه.







