رد غيبة معرض الكتاب.. الأثر المصرى بين النقد المشروع ومحاولات التقزيم
- مصر دائمًا تحت مجهر النقد وأحيانًا تحت ضغط المقارنات غير المنصفة
- الرقم الاقتصادى للمعرض أكثر من مجرد حساب مبيعات
تمهيد لا بد منه حول ثروة مصر التى تمشى على الأرض
أكبر ثروة تملكها مصر لا تختزن فى باطن الأرض، ولا تقاس باحتياطى نقدى أو بحجم استثمارات عابرة. ثروتها الحقيقية تسير فى شوارعها، وتملأ قراها ومدنها، وتتكلم بلهجات متعددة، لكنها تنتمى إلى روح واحدة. هذه الثروة هى الإنسان المصرى، بذاكرته الطويلة، وقدرته على التكيف، وطاقته التى تتجدد كلما ظن البعض أنها استُنفدت.
عبر قرون طويلة، لم تكن قوة مصر فى وفرة الموارد بقدر ما كانت فى كثافة المجتمع وحيويته. كل أزمة مرت بها البلاد تحولت مع الوقت إلى خبرة جماعية، وكل صدمة أعادت تشكيل الوعى العام، ثم خرج منها المجتمع بقدرة جديدة على الاستمرار. هذا التراكم الإنسانى هو الذى صنع الشخصية المصرية، وهو الذى منحها تلك القدرة الخاصة على امتصاص التوتر، ثم العودة إلى الإيقاع الطبيعى للحياة.
من هذا النسيج البشرى خرج تأثير مصر الثقافى فى محيطها العربى والإفريقى والإسلامى. هذا التأثير نتيجة طبيعية لحيوية مجتمع ينتج اللغة، والفكرة، والصوت، والصورة. الكتاب المصرى وصل إلى عواصم بعيدة، والأغنية المصرية سكنت بيوتًا فى قارات مختلفة، والجامعة المصرية استقبلت طلابًا من عشرات البلدان، ثم عادوا إلى أوطانهم حاملين جزءًا من روح القاهرة.
وهذا الامتداد الثقافى كان حالة تصدير لمنتجات فنية أو فكرية، وكذلك حالة تعبير عن مركز جذب حضارى. مصر كانت مساحة تلتقى فيها الطرق واللغات، ويجد فيها القادم من الخارج بيئة قادرة على استيعابه وإعادة صياغته داخل إطار محلى واسع. لذلك، ظل تأثيرها الثقافى ممتدًا حتى فى الفترات التى تراجعت فيها قدرتها الاقتصادية أو السياسية.
الميزة الأعمق فى هذا المجتمع أنه يختلف كثيرًا فى داخله، لكنه يحتفظ بخيط يربط أجزاءه ببعضها. النقاشات لا تتوقف، والجدل حاضر فى كل زاوية، لكن فكرة الانتماء إلى مكان واحد تبقى أقوى من كل الاختلافات. هذا ليس تماسك شعارات، تعريفه الأصح أنه نتيجة عادات متراكمة وذاكرة مشتركة وإحساس عام بأن الجميع يعيشون فى قصة واحدة، مهما اختلفت فصولها.
كلما ظهرت هذه الخصوصية المصرية بصورة واضحة، سواء فى حدث ثقافى أو رياضى أو وطنى، ظهرت فى المقابل محاولات للتقليل من معناها. يتحول الحشد الشعبى إلى مادة للتهكم، ويتحول النجاح التنظيمى إلى موضوع للتشكيك، وكأن الصورة نفسها تثير حساسية لدى بعض الخطابات.
فى السياق الإقليمى الحالى، تبدو التجربة المصرية مختلفة عن كثير من محيطها. دولة كبيرة، ذات ثقل سكانى وثقافى، قادرة على جمع ملايين الناس حول حدث واحد، دون أن تفقد الإيقاع العام للحياة. هذه الحالة لا تتكرر بسهولة فى الجغرافيا القريبة، ولذلك تصبح مصر دائمًا تحت مجهر النقد، وأحيانًا تحت ضغط المقارنات غير المنصفة.
حين ننظر إلى أى حدث جماهيرى فى مصر من هذه الزاوية، يتضح أنه يعكس أكثر من مجرد فعالية عابرة. هو يكشف طبيعة المجتمع، وطبيعة العلاقة بين الناس والدولة، وطبيعة الفضاء العام الذى ما زال قادرًا على استيعاب هذا العدد من البشر حول فكرة مشتركة.
من هنا، يصبح الحديث عن معرض القاهرة الدولى للكتاب امتدادًا لهذا السياق الأوسع. المعرض لا يمكن فصله عن طبيعة المجتمع الذى يحتضنه، ولا عن الطاقة البشرية التى تمنحه معناه الحقيقى. هو صورة من صور هذه الثروة التى تمشى على الأرض، وتجتمع كل عام حول الكتاب. ومن هذه النقطة يبدأ الحديث عن المعرض نفسه.
لذا لنتحدث قليلًا عن معرض القاهرة الدولى للكتاب من عدة مناظير لربما كانت خافية عن البعض
ولنبدأ بالبديهيات..
هل معرض القاهرة الدولى للكتاب حدث قابل للانتقاد؟
الإجابة بالطبع نعم.
هل هو معرض مثالى بلا أخطاء؟
الإجابة أيضًا لا.
هل يمكن تطويره بشكل أفضل، وتحسين نواحيه المهنية والدولية، ورفع مستوى بعض الندوات والخدمات؟
الإجابة كذلك نعم.
لكن السؤال الأهم يظل:
هل هو الحدث الثقافى الأكثر قدرة على الحشد والتأثير الشعبى محليًا وإقليميًا؟
هنا لا يتردد أى عاقل فى قول: نعم.
نحن إذن أمام حدث يتجاوز فكرة المعرض التقليدى، ليدخل فى نطاق المهرجانات الثقافية الكبرى. حدث يجمع ملايين البشر فى مساحة واحدة، خلال أيام معدودة، حول عنوان واحد هو الكتاب.
وهنا تبدأ المفارقة.. المشكلة ليست فى العدد، إنما فى المعنى. لأن حدثًا بهذا الحجم لا يمر كأى مناسبة عابرة، هو يرسل رسائل عميقة عن البلد نفسه، وعن حالته الثقافية، وعن مزاجه العام، وعن نظرته إلى المستقبل.

المعرض بوصفه مرآة اجتماعية
معارض الكتب تشبه مرآة تنظر فيها الدولة إلى نفسها.
لماذا معرض الكتاب تحديدًا؟ لأن الفعاليات الثقافية الأخرى، مثل مهرجانات السينما أو المسرح أو الحفلات الموسيقية، يكون جمهورها عادة جمهورًا نوعيًا، تحكمه الذائقة أو الفئة العمرية أو الاهتمام المتخصص. أما الكتاب فليس له جمهور محدد، لا عمر معين، ولا طبقة اجتماعية واحدة، ولا مستوى تعليمى واحد. الكتاب هو الشىء الوحيد تقريبًا الذى يمكن أن يجمع الطفل والطالب والموظف والعامل والأستاذ الجامعى وربّة المنزل فى المكان نفسه. لهذا، فإن الحشد حول الكتاب يختلف فى معناه عن الحشد حول أى نشاط آخر. حين يجتمع الملايين حول مباراة كرة قدم، فهم يجتمعون حول فريقين متنافسين. وحين يجتمعون فى مظاهرة، فهم يجتمعون حول موقف سياسى، أما حين يجتمعون فى معرض كتاب، فهم يجتمعون حول فكرة المعرفة نفسها.
ستة ملايين زائر خلال أربعة عشر يومًا تعنى ما يقارب أربعمائة ألف إنسان يوميًا، هذا الرقم يوازى سكان مدينة كاملة تتحرك داخل فضاء واحد فى ساعات محدودة. فى أى تحليل اجتماعى جاد، مثل هذا السلوك لا يمكن اعتباره مجرد نزوة جماهيرية، ولكنه إثبات لمؤشر على وجود علاقة ما بين المجتمع والكتاب.
قد تكون هذه العلاقة متفاوتة، وقد لا ترضى الصورة المثالية التى يحب «بعض المثقفين» أن يتخيلوها عن القارئ حسب أمنياتهم الوصائية، لكنها موجودة بطريقتنا المصرية. وهذا هو المعنى الأهم.

خطاب «المصريون لا يقرأون» ومعناه الخفى
خامسًا: العبارة المتكررة بأن المصريين لا يقرأون تحولت مع الوقت إلى ما يشبه الشعار الثقافى الجاهز. تتردد فى المقالات والندوات ووسائل التواصل، وتستخدم كحكم عام على مجتمع كامل. هذه العبارة تبدو فى ظاهرها نقدًا ثقافيًا، لكنها فى جوهرها تحمل اختزالًا شديدًا، لأنها لا تقوم على دراسات دقيقة، هى انطباعات عامة وصور ذهنية متوارثة.
القراءة ليست فعلًا واحدًا يمكن قياسه بصورة المثقف الجالس فى مكتبة هادئة. أنماط القراءة فى أى مجتمع حديث متعددة. هناك قراءة دراسية يقوم بها ملايين الطلاب يوميًا. هناك قراءة دينية مرتبطة بالعبادة والمعرفة الروحية. هناك قراءة رقمية عبر الهواتف. هناك قراءة مرتبطة بالعمل والتخصص. وهناك قراءة للمتعة أو الفضول أو الهروب من ضغط الحياة اليومية.
مجتمع يتجاوز عدد سكانه مائة مليون إنسان لا يمكن اختزاله فى جملة واحدة. داخل هذا المجتمع توجد طبقات اجتماعية متعددة، ومستويات تعليم مختلفة، واهتمامات متباينة. بعض الناس يقرأ يوميًا، وبعضهم يقرأ فى مواسم محددة، وبعضهم يقرأ عبر الشاشة أكثر من الورق. هذه صورة طبيعية لأى مجتمع كبير ومعقد.
لكن المشكلة الحقيقية فى هذه العبارة تتعلق بعدم دقتها الإحصائية وبوظيفتها الخطابية. لأن عبارة «المصريون لا يقرأون» لا تستخدم فى الغالب بوصفها نتيجة دراسة علمية، إنما يبدو جليًا أنها تأتى فى سياق توظيفها كأداة رمزية لنزع الثقة من العقل الجمعى. هى جملة تبدو ثقافية، لكنها تحمل فى داخلها نبرة سلطوية، لأنها تفترض أن مجتمعًا كاملًا يعانى عجزًا معرفيًا، وأنه فى حاجة إلى وصاية فكرية من خارج ذاته.
هذا الخطاب يتسلل أحيانًا إلى الداخل عبر بعض المثقفين، بدافع الإحباط أو الرغبة فى النقد الصادم أو البحث عن جملة لافتة. لكنه يتحول فى سياقات أخرى إلى أداة يستخدمها من ينظر إلى مصر بعين المنافسة أو الخصومة. هنا يصبح موضوع القراءة ثانويًا، وصورة العقل المصرى نفسه هى الحدث الأهم.
القول إن مجتمعًا بهذا الحجم لا يقرأ يهدف إلى التقليل من شأن هذا المجتمع وقدرته على التفكير والإنتاج الثقافى. هو حكم ثقافى فى الظاهر، لكنه يحمل بعدًا سياسيًا ونفسيًا فى العمق. لأن العقل الجمعى لأى أمة هو مصدر قوتها الحقيقية. وإذا نجح خطاب ما فى تصوير هذا العقل بوصفه عاجزًا أو سطحيًا أو غير قادر على القراءة، فإنه يضرب فى الصميم ثقتها بنفسها.
هذا النوع من الخطاب ينشأ من رغبة فى إعادة تعريف المجتمع بصورة أدنى. أحيانًا يحدث ذلك بدافع المقارنة مع نماذج أخرى، وأحيانًا بدافع الصراع الرمزى بين الدول والثقافات. فى كل الحالات، تصبح العبارة وسيلة لإضعاف الصورة الذهنية لمجتمع كامل.
من هذه الزاوية، لا يتحول خطاب «المصريون لا يقرأون» إلى محاولة لفرض تصور سلطوى عن المجتمع. تصور يقول إن هذا الشعب لا يملك أدوات المعرفة، وإنه فى حاجة دائمة إلى من يفكر عنه أو يحدد له ما يجب أن يقرأه.
هذه الرؤية تتناقض مع مشهد واقعى يتكرر كل عام. ملايين البشر يدخلون فضاء عنوانه الكتاب. أسر كاملة تتحرك بين الأجنحة. أطفال يرون الكتب للمرة الأولى. طلاب يبحثون عن مراجعهم. قراء يسألون عن عناوين محددة. هذا المشهد لا يتفق مع صورة مجتمع مقطوع الصلة بالقراءة.
حتى فكرة «التنزه» داخل المعرض تحمل دلالة ثقافية. التنزه فى فضاء الكتاب يختلف عن التنزه فى أى مكان آخر. حين تتحول الكتب إلى جزء من تجربة عائلية أو اجتماعية، فإنها تخرج من نطاق النخبة إلى المجال العام. هذا التحول هو ما يجعل الثقافة أكثر رسوخًا، لأن المعرفة حين تدخل الحياة اليومية تصبح جزءًا من السلوك الطبيعى.
معرض القاهرة، منذ انطلاقه عام ١٩٦٩، صنع ذاكرة جماعية امتدت عبر أجيال. الطفل الذى زاره مع والده قبل ثلاثين عامًا، قد يعود إليه اليوم مع أبنائه. هذه الاستمرارية لا تصنعها دعاية، بل تصنعها الثقة. والثقة لا تولد من خطاب ثقافى متعال، الثقة تأتينا من تجربة اجتماعية متراكمة.
لهذا، فإن اختزال المشهد كله فى عبارة «المصريون لا يقرأون» لا يقدم تحليلًا حقيقيًا، ولا يعكس الواقع المركب للمجتمع. العبارة تحمل فى داخلها رغبة فى التقليل من شأن العقل الجمعى، أكثر مما تحمل حرصًا صادقًا على تطوير ثقافة القراءة.
السؤال هنا لا يتعلق بكم يقرأ المصريون فقط، إنما السؤال حول تكرار هذه العبارة بهذه الثقة، ومن يستفيد من ترسيخ صورة مجتمع لا يقرأ. هل الهدف أن نتساوى مع نماذج أخرى عبر جلد الذات، أم أن الهدف كسر شموخ العقل المصرى الجمعى، وتحويله إلى صورة مهزوزة فى أعين نفسه قبل أعين الآخرين.
الواقع يشير إلى صورة أكثر تعقيدًا. مجتمع كبير، يقرأ بطرق متعددة، ويجتمع بالملايين حول الكتاب، ويحتفظ بعلاقة ما مع المعرفة رغم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. هذه الصورة لا تناسب الخطاب السهل، لكنها أقرب إلى الحقيقة من أى جملة جاهزة.

الرقم حين يتحول إلى مؤشر اقتصادى
إذا افترضنا أن متوسط إنفاق الزائر يتراوح بين مائتى جنيه وخمسمائة جنيه، فإن حجم السوق داخل المعرض يتحرك فى نطاق يتراوح بين مليار ومائتى مليون وثلاثة مليارات جنيه خلال أسبوعين فقط. هذا التقدير يقوم على حسابات بسيطة، لكنه يكشف عن دلالة اقتصادية لا يمكن تجاهلها. نحن هنا أمام سوق مؤقتة تتشكل فى فترة قصيرة، وتستقبل ملايين الأفراد الذين يخصصون جزءًا من دخلهم لسلعة ثقافية غير ضرورية بالمعنى المعيشى المباشر.
فى بديهيات علم الاقتصاد، السلوك الشرائى هو المؤشر الأكثر وضوحًا على القيمة. الناس قد تتحدث كثيرًا عن أهمية الثقافة أو المعرفة أو التعليم، لكن القيمة الحقيقية تظهر فى لحظة اتخاذ قرار الشراء. حين يخرج المال من الجيب، يتضح ما يراه الفرد مهمًا فى حياته اليومية. هذا القرار لا يصدر عن خطاب عام أو شعارات ثقافية، هو قرار حسابات شخصية داخل كل أسرة.
فى ظل ظروف اقتصادية ضاغطة، وارتفاع تكاليف المعيشة، يصبح أى إنفاق على سلعة غير أساسية قرارًا واعيًا. الكتاب فى هذه الحالة يدخل فى منافسة مباشرة مع احتياجات أخرى: ملابس، ترفيه، أدوات إلكترونية، أو حتى ادخار بسيط لمواجهة الطوارئ. ومع ذلك، يختار ملايين الزوار أن يضعوا الكتاب ضمن قائمة مشترياتهم، ولو بعنوان واحد أو اثنين.
هذا السلوك يكشف عن وجود قيمة معنوية للكتاب داخل الوعى الاجتماعى. القارئ الذى يقتطع من ميزانيته المحدودة مبلغًا لشراء كتاب يفعل ذلك بدافع القناعة. هو يرى فى الكتاب شيئًا يستحق التضحية بجزء من الإنفاق فى مجالات أخرى.
الأمر لا يتعلق فقط بحجم الأموال التى تتحرك داخل المعرض، الأهم هو طبيعة هذه الأموال. معظمها يأتى من دخل فردى أو أسرى، لا من مؤسسات أو جهات راعية. هذا يعنى أن السوق هنا تقوم على قرار شعبى مباشر، لا على تمويل حكومى أو إنفاق مؤسسى كبير. حين يتحرك هذا الحجم من الإنفاق عبر ملايين القرارات الفردية، فإننا أمام مؤشر اقتصادى له معنى اجتماعى واضح.
هناك أيضًا أثر غير مباشر لهذا الإنفاق. دور النشر التى تحقق مبيعات فى المعرض تعيد تدوير هذه الأموال فى طباعة عناوين جديدة، ودفع حقوق مؤلفين، وتوظيف عاملين، والتعامل مع مطابع ومصممين ومترجمين. بهذا المعنى، فإن كل جنيه ينفق داخل المعرض يسهم فى تحريك سلسلة كاملة من النشاط الاقتصادى المرتبط بصناعة الكتاب.
ثم إن المعرض لا يقاس فقط بحجم البيع المباشر خلال أيامه. هو أكبر حملة ترويج سنوية للكتاب فى السوق العربية. القارئ الذى يرى عنوانًا معينًا فى المعرض قد يشتريه لاحقًا من مكتبة قريبة من منزله، أو يطلبه عبر الإنترنت بعد أسابيع. الأسماء الجديدة التى يكتشفها هناك قد تتحول إلى اختيارات دائمة فى قراءاته المستقبلية.
كثير من الناشرين يدركون هذه الحقيقة، لذلك ينظرون إلى المعرض بوصفه نقطة انطلاق سنوية، لا مجرد موسم بيع مؤقت. الحضور فى المعرض يمنح الدار حضورًا ذهنيًا لدى القارئ، ويعيد تثبيت اسمها فى السوق، ويفتح لها بابًا لعلاقات جديدة مع موزعين ومكتبات.
حين ننظر إلى هذه الصورة الكاملة، يصبح الرقم الاقتصادى للمعرض أكثر من مجرد حساب مبيعات. هو مؤشر على وجود سوق ثقافية حية، وعلى وجود شريحة واسعة من المجتمع ما زالت ترى فى الكتاب سلعة تستحق جزءًا من دخلها. المجتمع الذى يحافظ على هذا السلوك فى أوقات الضيق لا يمكن وصفه بأنه مجتمع مقطوع الصلة بالقراءة، لأن قرارات الشراء اليومية تكشف عكس ذلك.

خطأ المقارنة مع المعارض المهنية
جزء كبير من النقد الذى يوجَّه إلى معرض القاهرة ينطلق من مقارنة مباشرة مع معارض مهنية غير مخصصة للجمهور العام مثل فرانكفورت، أو لندن، أو بولونيا، أو بكين. ثم تأتى النتيجة الجاهزة: هناك المهنية، وهنا الفوضى.
هذه المقارنة فى أصلها غير عادلة، لأنها تقارن بين نوعين مختلفين تمامًا من المعارض. فى العالم العربى، المعارض الكبرى مثل القاهرة والرياض والشارقة والدار البيضاء هى معارض جماهيرية. هى أسواق مفتوحة للقراء، ومواسم ثقافية تنتظرها العائلات، ومنصات للندوات والفعاليات الأدبية.
القارئ العربى لا يعتمد على المكتبات طوال العام فقط، الناس تنتظر المعرض بوصفه موسمًا سنويًا للشراء. يؤجل اقتناء كتبه، ويضع قائمة بالعناوين، ويعتبر زيارة المعرض رحلة عائلية.
فى المقابل، المعارض الكبرى فى أوروبا وآسيا هى معارض مهنية. هى منصات صفقات وحقوق نشر، ولقاءات بين الوكلاء والناشرين والموزعين. الجمهور العادى لا يدخلها إلا فى أيام محدودة. جوهرها بيع الحقوق بين الشركات. لذلك، فإن مقارنة معرض جماهيرى مفتوح ببورصة حقوق مغلقة لا تقدم حكمًا مهنيًا دقيقًا. لكل نموذج وظيفته وسياقه الاقتصادى.

المعرض واختبار قدرة الدولة على التنظيم
ستة ملايين زائر خلال أربعة عشر يومًا، فى موقع واحد، دون أزمات أمنية كبرى. هذا ليس تفصيلًا صغيرًا.
إدارة هذا العدد تعنى إدارة حشود بحجم مدينة كاملة. يتطلب ذلك تنسيقًا بين الأمن والنقل والخدمات والإعلام والتنظيم الداخلى. نجاح حدث بهذا الحجم يرسل رسالة واضحة: هناك مؤسسات قادرة على العمل المشترك، وهناك قدرة على إدارة المجال العام.
فى بعض الخطابات الإقليمية أو الخارجية، تتكرر صور نمطية عن العجز أو الانهيار. ظهور حدث ثقافى يجمع هذا العدد من الناس دون فوضى واسعة يرسل رسالة مختلفة. رسالة تقول إن هناك طاقة حياة، وإن هناك قدرة على التنظيم والعمل.
ستة ملايين إنسان يتحركون فى فضاء واحد، دون تفرقة طبقية أو جغرافية، فى حدث عنوانه الكتاب.
هذا المشهد يحمل دلالة حضارية. لأن المجتمعات تقاس بما تختار أن تجتمع حوله.
حين يجتمع الناس حول مباراة أو حفلة، فهذا طبيعى. أما حين يجتمعون حول الكتاب، فهذا يعنى أن المعرفة ما زالت تملك مكانًا فى القلب العام للمجتمع.
فى زمن تتراجع فيه المساحات المشتركة، ويزداد فيه الانعزال الرقمى، يصبح وجود فضاء يجتمع فيه الملايين حول الكتاب حدثًا نادرًا.
أخيرًا: الدفاع عن المعرض دفاع عن فكرة
لنفرق قليلًا بين النقد المشروع ومحاولات التقليل، فمن الطبيعى أن يتعرض معرض بهذا الحجم للنقد. هناك ملاحظات تتعلق بالخدمات، أو مستوى بعض الندوات، أو تنظيم بعض الأجنحة، أو الطابع المهنى للمعرض. هذا النوع من النقد صحى ومطلوب، لأنه يعكس رغبة فى التطوير. لكن هناك نوعًا آخر من الخطاب، يركز فقط على التقليل من أهمية العدد، أو السخرية من حضور الملايين، أو تصوير المعرض وكأنه مجرد سوق بلا قيمة. هذا الخطاب يعيد إنتاج صور نمطية جاهزة.
الفرق كبير بين نقد يريد الإصلاح، وخطاب يريد نزع المعنى عن الحدث نفسه.
الدفاع عن معرض القاهرة لا يعنى إنكار عيوبه، ولا يعنى تحويله إلى حدث مثالى. كل مشروع ثقافى بهذا الحجم يحتاج إلى مراجعة دائمة وتطوير مستمر. لكن ستة ملايين إنسان يجتمعون حول الكتاب فى دولة واحدة خلال أسبوعين ليسوا رقمًا عابرًا. هذا الرقم يقول إن هناك علاقة ما زالت قائمة بين المجتمع والكتاب. قد تحتاج إلى تعميق، لكنها موجودة.
معرض القاهرة باختصار هو مساحة عامة للثقافة. مكان يرى فيه الناس بعضهم بعضًا وهم يمشون بين الكتب، لا أمام الشاشات.
وفى زمن تتقلص فيه المساحات المشتركة، يصبح هذا المشهد فى حد ذاته قيمة. قيمة تستحق النقد حين يلزم، وتستحق الدفاع حين يحاول البعض التقليل من معناها.

خصوصية سوق النشر فى الدول العربية وعلى رأسها مصر
السبب الأعمق لهذا الاختلاف بين معرض القاهرة والمعارض الغربية يعود إلى طبيعة صناعة النشر نفسها، وإلى موقع القاهرة داخل هذه الصناعة. فى معظم دول العالم، تقوم صناعة الكتاب على تقسيم واضح للأدوار بين الناشر وشركات التوزيع. دار النشر هناك تركز على التحرير والإنتاج، ثم تسلّم الكتاب إلى موزعين محترفين يمتلكون شبكات واسعة من المكتبات ونقاط البيع. هذه الشبكات تضمن حضور الكتاب فى السوق طوال العام، وتخلق دورة بيع مستقرة لا تعتمد على موسم واحد.
فى القاهرة، الصورة مختلفة. الناشر المصرى، مثل كثير من نظرائه فى العالم العربى، يقوم بمعظم هذه الأدوار بنفسه. هو الذى يمول الكتاب، ويشرف على تحريره، ويتابع طباعته، ويخزنه، وينقله، ويبحث له عن منافذ بيع، ثم يقف فى المعرض ليبيعه مباشرة للقارئ. هذه البنية تجعل معرض القاهرة سوقًا رئيسية تقوم عليها حسابات العام كله.
القاهرة ليست مدينة عادية فى خريطة النشر العربى. هى المركز التاريخى لصناعة الكتاب فى المنطقة، والمكان الذى خرجت منه أغلب المدارس الفكرية والأدبية الحديثة. لعقود طويلة، كانت مطابع القاهرة تطبع الكتب التى تُقرأ فى بغداد ودمشق والخرطوم والدار البيضاء. حتى اليوم، ما زالت القاهرة تضم أكبر عدد من دور النشر العربية، وما زال معرضها يمثل أكبر سوق جماهيرية للكتاب فى العالم العربى.
فى هذا السياق، يصبح معرض القاهرة فرصة سنوية لا يمكن تجاهلها. الناشر يأتى إليه بوصفه نقطة ارتكاز أساسية فى دورة البيع. هو المكان الذى يلتقى فيه بقرائه من مصر وخارجها، والمكان الذى يختبر فيه عناوينه الجديدة، ويقيس رد فعل السوق، ويعيد بناء حضوره الذهنى لدى الجمهور.
لو كان المعرض خاسرًا كما يقال أحيانًا، لكان من الطبيعى أن تتراجع أعداد المشاركين عامًا بعد عام. ما يحدث على أرض الواقع يسير فى الاتجاه المعاكس تمامًا. نسبة عدم المشاركة بين الناشرين تكاد تكون صفرًا. الدار التى تشارك مرة، تحرص على العودة فى العام التالى، وغالبًا ما تطلب مساحة أكبر لجناحها.
الأكثر دلالة أن المعرض يشهد كل عام دخول ما يقارب مائة وخمسين ناشرًا جديدًا إلى قائمة المشاركين. هذا الرقم يتكرر مع كل دورة، ويعنى أن هناك دور نشر ترى فى القاهرة فرصة اقتصادية حقيقية. السؤال المنطقى هنا: هل كل هؤلاء يتاجرون فى الخسارة؟ هل يضخون أموالهم وجهدهم فى صناعة لا تكسب، وفى معرض يخسر؟
منطق السوق لا يسمح بهذا. الناشر، بحكم طبيعة عمله، يتعامل مع حسابات دقيقة. تكلفة الطباعة، والنقل، وإيجار الجناح، ورواتب العاملين، كلها عناصر تدخل فى القرار. لو كانت النتيجة خسارة مؤكدة، لما استمرت هذه الأعداد فى المشاركة، ولما رأينا هذا التدفق السنوى من ناشرين جدد.
ما يحدث فى القاهرة يكشف عن حقيقة واضحة: المعرض يمثل فرصة اقتصادية حقيقية، حتى لو تفاوتت النتائج من دار إلى أخرى. بعض الدور تحقق أرباحًا مباشرة، وبعضها يخرج بانتشار أوسع وقرّاء جدد، وبعضها يختبر عناوينه ويعيد ترتيب خطته للنشر فى العام التالى. فى كل الحالات، هناك مكسب ما يدفع الناشر إلى العودة.
لهذا، فإن أى قراءة مهنية لمعرض القاهرة يجب أن تبدأ من فهم موقعه داخل بنية سوق النشر العربى، ومكانة القاهرة نفسها بوصفها قلب هذه الصناعة. المقارنة مع نماذج توزيع مختلفة جذريًا تقود إلى استنتاجات نظرية، لكنها لا تعكس الواقع الذى يتحرك فيه الناشر المصرى والعربى على أرض المعرض.

