صوفيا لوريـن.. «سيشن» نادر لـ«أيقونة هوليوود»
- الصور التقطها مصور «لايف» الشهير ألفريد آيزنشتات
لأكثر من 70 عامًا، جسّدت صوفيا لورين سحرًا عالميًا وروحًا إيطالية أصيلة، لتصبح واحدة من أشهر نجمات السينما وأكثرهن تألقًا فى العالم، إلى جانب تميزها بروح طبيعيةً وعفوية وودودةً للغاية رغم شهرتها الواسعة.
خلال السنوات الماضية صدر الكثير من الكتب التى تناولت حياة النجمة الأيقونية، منها سيرتها الذاتية التى كتبتها بعنوان «أمس واليوم وغدًا: حياتى»، وسيرتاها اللتان كتبهما وارن جى وهاريس وبولين سمول، بالإضافة إلى كتب أخرى مثل «نجمة سينمائية على الطريقة الإيطالية».
هذه الكتب تغطى رحلة صوفيا لورين من الفقر فى إيطاليا زمن الحرب إلى النجومية العالمية، وزواجها من المنتج السينمائى كارلو بونتى، ومسيرتها الفنية التى حصدت خلالها جائزة «الأوسكار».
وخلال الأيام القليلة الماضية صدر كتاب «Sophia by Eisenstaedt» أو «صوفيا بعدسة آيزنشتات»، عن دار «تاشن» الرائدة المتخصصة فى الفنون، والذى يُسلّط الضوء على أسلوب صوفيا لورين من خلال عدسة المصور الأمريكى الألمانى الشهير، ألفريد آيزنشتات، الذى عمل كمصور للنجوم فى مجلة «لايف» الأمريكية ذائعة الصيت، ووصفته ذات مرة بأنه «ظلها».

صور عفوية
الكتاب الجديد يضم ٢٦٨ صفحة، ويباع بـ١٠٠٠ دولار، وهو موقّع من صوفيا لورين نفسها، وكتب مقدمته البروفيسور ستيفن جوندل، المؤرخ البريطانى المتخصص فى دراسة الثقافة الإيطالية المعاصرة وتاريخ السينما، مع ملاحظات لجاستن همفريز، المؤرخ والكاتب السينمائى الأمريكى المتخصص فى تاريخ العصر الذهبى لـ«هوليوود».
ويشهد الكتاب على علاقة صوفيا لورين وألفريد آيزنشتات الرائعة والمريحة والمثمرة للطرفين، فى الوقت الذى نرى فى العصر الحديث كيف تتسم العلاقة بين مشاهير الصف الأول والمصورين الصحفيين بالبرود وربما الوقاحة أيضًا، كما أنها تخضع لإشراف دقيق من قبل متخصصى العلاقات العامة، الذين يُعنى عملهم بإدارة صورة هؤلاء النجوم العامة المصممة بعناية، بل والسيطرة على أسلوب حياتهم.
ويتضمن الكتاب مقدمة مؤثرة تتحدث عن العلاقة المهنية الوثيقة بين النجمة صوفيا لورين والمصور الذى وثّق العديد من اللحظات المهمة فى حياتها. لكنه فى مجمله عبارة عن مجموعة تضم ما يقارب ٢٠٠ صورة فوتوغرافية رائعة تغطى العقدين اللذين شهدا تطور النجمة العالمية لتصبح واحدة من ألمع الأسماء فى عالم السينما.
وعند تصفح الكتاب، يتضح جليًا أن صور «صوفيا»، التى يتضمنها الكتاب، ليست من النوع الذى تتوقع رؤيته لنجوم اليوم، ولا يرغبون فى التقاطها لهم، لأنها طبيعية بشكل كبير دون أن تخفى أى شىء وكأنها أشبه بصور عائلية وليست لنجمة عالمية.
وإن كانت قد التُقطت بدقة فنية عالية وتوقيت احترافى، فإن هذه الصور عفوية، غير متكلفة، تعكس السعادة، والواقع بكل تفاصيله. من الواضح أن «آيزنشتات»، أو «آيزى» كما كان يُعرف، قد بنى علاقة وثيقة مع «لورين»، علاقة اتسمت بثقة متبادلة ويقين تام بأنه لن يسمح بنشر أى شىء غير لائق أو مُسىء.

ولم يكن هناك شك فى أن «آيزنشتات» كان يتمتع بقدرة فطرية على جعل الناس يشعرون بالراحة فى صحبته، مفضلًا تصويرهم فى بيئتهم الطبيعية، حيث يشعرون براحة أكبر. ومن أساليبه الأخرى حرصه على التفاعل مع الأشخاص وتصويرهم من نفس المستوى، ما يجعل عملية التصوير أكثر عفويةً وجزءًا طبيعيًا من الحوار.
ورغم أن «آيزى» كان بارعًا فى جعل الناس يشعرون بالراحة، إلا أن اختلاف تلك الأوقات كان عاملًا مساعدًا أيضًا، حيث كان يمنح من يعتبرون جديرين بالثقة حرية الوصول إلى أى مكان تقريبًا، والتقاط الصور دون قيود. لذا، سيرى القارئ فى الكتاب تغطية لأحداث مثل رحلة بالقارب، حيث تظهر صوفيا لورين وهى تضحك وتبتسم، وفى لحظة ما تضرب مؤخرة أحد رفاقها بمرح.
سينتقل القراء أيضًا إلى كواليس عدد من مواقع تصوير الأفلام المختلفة، حيث تبدو الممثلة غير منتبهة تمامًا لوجود «آيزنشتات». وفى لحظات أخرى يقتصر فيها المصور والممثلة على السفر معًا فى سيارة، وسط حشود من المعجبين يضغطون على النوافذ.
ولعلّ الأهم من ذلك كله، صور «لورين» فى إحدى أكثر لحظات حياتها حميمية، حيث تظهر مع ابنها «كارلو جونيور»، الطفل الذى سعت لسنوات لإنجابه، وكان قدومه محط أنظار العالم.
فى هذه الأيام، تُدار مثل هذه المناسبة بدقة متناهية، وتخضع إما لدفع مبلغ ضخم مقابل التفرد أو للكشف عنها بشكلٍ مبهر عبر وسائل التواصل الاجتماعى.

حب من أول نظرة
يؤرخ الكتاب بدايات علاقة النجمة العالمية والمصور المعروف، مشيرًا إلى أنه عندما التقط ألفريد آيزنشتات، أحد المصورين الأربعة الأصليين لمجلة «لايف»، أول صورة لـ«صوفيا لورين» لصالح المجلة، كانت على أعتاب النجومية العالمية.
وُلدت صوفيا كوستانزا بريجيدا فيلانى سيكولونى عام ١٩٣٤، فى روما، ونشأت بالقرب من نابولى، وظهرت لأول مرة على غلاف مجلة «لايف» عام ١٩٥٥ تحت شعار «فتاة الغلاف الأولى فى أوروبا»، ثمّ تألقت فيما يقارب ١٠٠ فيلم إلى جانب عمالقة السينما، مثل مارلون براندو وكلارك جيبل، وفازت بجائزة «الأوسكار» لأفضل ممثلة عن فيلم «امرأتان» عام ١٩٦٠.
شقت طريقها من العمل «كومبارس» إلى نجمة سينمائية، وبحلول عام ١٩٦١ رسّخت مكانتها كرمز للجمال والجاذبية، وممثلة جادة فى آنٍ واحد، مجسّدةً ذروة الأناقة الإيطالية.

وعندما التقت «آيزنشتات»، الذى توفى عام ١٩٩٥ عن عمر يناهز ٩٦ عامًا، كان «حبًا من النظرة الأولى»، كما صرّحت لمجلة «لايف» عام ٢٠١٤، مضيفة: «لم يحاول أبدًا التدخل فى حياتى. لا، بل استمر فى التصوير والابتسام، وكان سعيدًا بوجوده معى كما كنت سعيدة بوجوده معى! أفتقده». لكن ما بدأ كمهمة روتينية لمجلة، تحوّل إلى شىء ذى قيمة أكبر بكثير: علاقة تصوير دامت ١٨ عامًا، أنتجت ما يقارب ٢٠٠ صورة، لم يُنشر معظمها قط، وموجودة فى الكتاب، ليُقدّم وصول مصور مجلة «لايف»، على مدى عقود، إلى الأيقونة الإيطالية، دروسًا قيّمة للعالم الحالى المُتشبّع بالصور، وهذا هو جوهر الكتاب الجديد.
ورغم أن «آيزى» التقط ٨٠ غلافًا لمجلة «لايف» خلال مسيرته المهنية التى امتدت لـ٥٠ عامًا مع المجلة، ظلت الغالبية العظمى من أعماله مع «لورين» محفوظة فى الأرشيف، وقد تم مسحها ضوئيًا الآن من النسخ الأصلية. بالنسبة للمصورين العاملين فى ثقافة اليوم، التى تُشجع على نشر كل شىء فورًا، يكاد هذا الضبط للنفس يكون مستحيلًا. ووفقًا للكتاب، تغطى الصور الفترة من ١٩٦١ إلى ١٩٧٩، حيث تُظهر «لورين» فى مواقع تصوير الأفلام إلى جانب مارسيلو ماسترويانى ومارلون براندو وتشارلى شابلن، وفى منزل عائلتها المتواضع بالقرب من نابولى، ما يُشكل تباينًا واقعيًا مع حياتها اللاحقة، وفى فيلتها الرومانية الفخمة مع زوجها المنتج كارلو بونتى، وفى لحظات عفوية وهى تُربى أبناءها فى باريس.

لاتسعى وراء صورة
علاقة «لورين» و«آيزنشتات»، الذى أحدث ثورة فى التصوير الصحفى بصورته الشهيرة فى ميدان «تايمز سكوير» عام ١٩٤٥، فى يوم النصر على اليابان- خير دليل على أنه كمصور أدرك أمرًا جوهريًا فى فن «البورتريه»: أفضل الصور لا تنبع من السعى الحثيث، بل من الحضور الصبور.
لم يكن «آيزنشتات» يُصدر الأوامر أو يفتعل اللحظات. ووفقًا لمؤرخ «هوليوود»، جاستن همفريز، الذى كتب تعليقات الكتاب، شهدت جلسات تصوير «لورين» عام ١٩٦١ شكلًا أكثر عفوية وتفاعلات أكثر تلقائية مع «آيزنشتات»، مقارنةً بالجلسات اللاحقة الأكثر رسمية، ما يعكس الأجواء الفخمة، وارتقاء «لورين» من ممثلة مشهورة إلى ظاهرة عالمية.
وأتاحت هذه العلاقة الفريدة لـ«آيزنشتات» فرصة الاطلاع على عالم «لورين» الخاص أثناء انتقالها إلى الأمومة عام ١٩٦٩ وتربيتها ابنيها: «كارلو جونيور» و«إدواردو»، فى باريس. وبُنيت علاقتهما على صداقة فريدة تجاوزت حدود العمل المهنى المعتاد، حيث التقط «آيزنشتات» صورتها ليس فقط كـ«آلهة»، بل كامرأة عادية قريبة من القلب. وبالنسبة للمصورين المعاصرين الذين يغرقون فى وفرة الصور الرقمية، حيث قد تُنتج جلسة تصوير أزياء واحدة آلاف الصور التى تُرفع فورًا إلى مساحة التخزين، تُقدم معايير التحرير الدقيقة فى عصر مجلة «لايف» وجهة نظر مغايرة.
فقد خضعت كل مهمة من مهام «آيزنشتات»، البالغ عددها ٢٥٠٠ مهمة للمجلة، إلى عملية انتقاء دقيقة للغاية. الصور التى نُشرت كانت نتاج عمليات اختيار شاملة. وحقيقة عدم نشر العديد من الصور المميزة تشير إلى شىء عميق حول معايير التحرير آنذاك مقارنةً باليوم.
لهذا يوثّق الكتاب أسلوب عمل نادرًا ما يُستخدم فى تصوير المشاهير اليوم: الوصول المتكرر على مدار سنوات، بدلًا من دقائق معدودة. صوّر «آيزنشتات» صوفيا لورين فى أعوام ١٩٦١ و١٩٦٤ و١٩٦٦ و١٩٦٩ و١٩٧٦ و١٩٧٩. وكانت كل جلسة تصوير تُبنى على الثقة المتبادلة. وفى عصر باتت فيه صور المشاهير تُنشر بشكل متزايد على «إنستجرام» وغيره من وسائل التواصل الاجتماعى، فإن أعمال «آيزنشتات» مع «لورين» تكشف للمعجبين كيف كانت تبدو عليه حميمية الصورة الشخصية. قبل كل شىء، تطلّب الأمر وقتًا وجهدًا، ومصورًا واثقًا من مهنته لدرجة تمكّنه من التوارى عن الأنظار. وتُظهر الصور «لورين» كما كانت: متألقة فى زيّها، غارقة فى تأملاتها بين المشاهد، منزلية فى حدائقها، حنونة مع أطفالها، ليس لأن «آيزنشتات» صنع هذه اللحظات، بل لأنه على مدار ١٨ عامًا استحق ببساطة أن يكون حاضرًا لحظة وقوعها. بالنسبة للمصورين اليوم، هذا هو الدرس الحقيقى، درس لا علاقة له بالمعدات أو التقنية، بل بالعلاقة بين الشخص والعدسة.







