الإثنين 02 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

SINNERS.. الخطاة فيلم مصاصى الدماء الذى هزم «تيتانيك» و«لالا لاند»

حرف

- حصل على 16 ترشيحًا لـ«الأوسكار» كأعلى فيلم فى التاريخ

حظى فيلم الرعب «Sinners» أو «الخطاة» للمخرج رايان كوجلر بإشادة واسعة من النقاد، وأثار ضجة كبيرة خلال الأشهر الماضية منذ عرضه، بعدما أثبت خطأ المشككين فى مستقبل صناعة السينما، وحطم العديد من الأرقام القياسية، قبل أن يتوج هذا النجاح بحصوله على 16 ترشيحًا لجوائز «الأوسكار»، متجاوزًا الرقم القياسى البالغ 14 ترشيحًا، الذى حققه كل من «تيتانيك» و«لا لا لاند». 

وأعلنت أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة، الخميس الماضى، القائمة النهائية للأفلام المرشحة لنيل جوائزها فى دورتها الـ98 لعام 2026، المقرر إقامة حفلها فى 15 مارس المقبل.

وحقق الفيلم إيرادات تجاوزت 368 مليون دولار عالميًا حتى الآن، ليُرسّخ مكانته كأحد أبرز الأحداث السينمائية فى الفترة الأخيرة، ووصفه النقاد بأنه الأكثر أهمية ثقافيًا، نظرًا لقدرته على المزج بين عناصر الرعب ومصاصى الدماء وموسيقى البلوز، فى إطار سردى يستكشف قضايا العرق والعنصرية، ويعالج عبر بنية رمزية معقدة تاريخ الأمريكيين من أصل إفريقى. 

وقدّم ممثلو الفيلم أداءات قوية أضفت على العمل عمقًا فنيًا يوازى نجاحه التجارى، ما جعله مادة ثرية للتحليل النقدى، كما أشعل نقاشات واسعة حول نهايته وتفسيراته الرمزية، الأمر الذى زاد من أهميته الثقافية ورسّخ حضوره فى المشهد السينمائى العالمى.

مصامو الدماء

«الخطاة» الذى أخرجه وألفه وأنتجه رايان كوجلر المخرج المرموق الذى برز نجمه من خلال إخراج سلسلة أفلام Black Panther الضخمة من عالم «مارفل»، وبطولة مايكل بى جوردان، بمشاركة هايلى ستاينفيلد، ومايلز كايتون وجاك أوكونيل وبادى جاى ويونومى موساكو، لم يكن مجرد فيلم رعب، بل عمل فنى معقد تناول قضايا اجتماعية وتاريخية عميقة من خلال لغة سينمائية مبتكرة، ما جعله علامة فارقة فى المشهد السينمائى الحالى.

وكان من الطبيعى أن يُحدث الفيلم ثورةً ثقافية فى هوليوود، فهو فيلم رعب عن مصاصى الدماء، يتناول الحياة فى جنوب الولايات المتحدة فى ولاية مسيسيبى تحديدًا فى ثلاثينيات القرن الماضى، إبان قوانين «جيم كرو» العنصرية، ويضم طاقم تمثيل أغلبيته من السود، وتم تصويره بتقنية IMAX ٧٠mm التى تمنح صورة أوضح وأكثر تفصيلًا.

وكان يُعتقد أن المخرج رايان كوجلر غير مؤهل تمامًا لتقديم سيناريو اعترف بنفسه أنه كتبه على عجل خلال شهرين فقط. 

ووصل الأمر إلى حد القول إن شركة «وارنر بروذرز»، التى موّلت ميزانية الفيلم الضخمة البالغة نحو ١٠٠ مليون دولار، فقدت صوابها ليس فقط لإنفاقها هذا المبلغ الكبير، بل أيضًا لموافقتها على اتفاقية تأليف استثنائية منحت كوجلر السيطرة الكاملة على النسخة النهائية للفيلم وحقوقه لمدة ٢٥ عامًا. 

لذلك، كان كثير من صناع هوليوود مقتنعين بأن المشروع لن يحقق أرباحًا، وأن مغامرة «وارنر بروذرز» قد تُشكّل بداية نهاية لنظام «الاستديوهات»، لكن فيلم «الخطاة» سرعان ما بدّد هذه الشكوك، مثبتًا أن الرهان على رؤية كوجلر لم يكن خاسرًا.

ورغم كل الشكوك التى أحاطت بمشروعه، عُرض فيلم «الخطاة» خلال عطلة عيد الفصح وحقق نجاحًا مدويًا، إذ تجاوزت إيراداته العالمية ٣٦٨ مليون دولار، ليصبح بذلك الفيلم الأعلى إيرادًا خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة، والعاشر من حيث الإيرادات المحلية بين الأفلام المصنفة للكبار فقط. 

ولم يقتصر أثره على شباك التذاكر، بل أثار نقاشًا واسعًا حول تاريخ الأمريكيين السود وسياسات صناعة الترفيه، فيما لفتت الصور الساخرة المنتشرة على الإنترنت، التى تناولت مشاهد حانات «جوك جوينت»، الانتباه بنفس قدر المقالات النقدية التى أبرزت إسهامات تلك الحانات فى التراث الموسيقى الأمريكى، وهى إسهامات لم تحظَ بالتقدير الكافى من قبل.

والنجاح الباهر الذى حققه فيلم «الخطاة» وتغلبه على كل التوقعات ليصبح الحدث السينمائى الأبرز فى الفترة الأخيرة، يُعد دليلًا جديدًا على براعة المخرج رايان كوجلر الاستثنائية. 

فرغم أن كتابة السيناريو لم تستغرق أكثر من شهرين، إلا أنها استندت إلى سنوات طويلة من البحث فى فلكلور «دلتا المسيسيبى»، تلك الأرض الغنية بتنوعها البيولوجى ومكانتها الثقافية بوصفها مهد موسيقى البلوز. 

ودرس «كوجلر» بعناية الرموز الثقافية لما قبل الحرب الأهلية، وتاريخ البلوز، وهو بحث بدأ منذ طفولته حين عرّفه عمه الراحل على هذا النوع الموسيقى من خلال مجموعته الخاصة.

كما انغمس «كوجلر» فى دراسة التصوير الفوتوغرافى فى ثلاثينيات القرن العشرين، وأساطير السكان الأصليين لأمريكا، مستعينًا بخبرة أساتذة التاريخ الجامعيين وتجارب المهاجرين الصينيين، وهى شخصيات غالبًا ما تُهمّش فى سرديات الجنوب الأمريكى. 

ولعل هذا الاهتمام بالتفاصيل انعكس فى اختياراته التمثيلية، حيث عبّر الممثل الماليزى ياو والممثلة الصينية الأصل لى جون لى، اللذان جسّدا دور زوجين يملكان متجرًا فى الفيلم، عن سعادتهما بتمثيل شخصيات آسيوية تتحدث الإنجليزية دون لكنة نمطية، فى خطوة اعتُبرت كسرًا لصورة نمطية طالما هيمنت على الشاشة.

وكعادته، نجح رايان كوجلر فى دمج الطبقات الغنية من السياق والدلالات الدينية داخل الفيلم، مستفيدًا من إسهامات فريقه الإبداعى، وعلى رأسهم مصممة الأزياء روث إى كارتر، ومصممة الديكور مونيك شامبين، وزوجته وشريكته فى الإنتاج زينزى إيفانز. هذا التكامل لم يُثقل السردية أو يُعيق أداء الممثلين، بل أتاح لهم مساحة للتألق، فقد جاء أداء هايلى ستاينفيلد فى دور «مارى» بمثابة اكتشاف حقيقى، إذ رُسمت الشخصية ببراعة دفعتها، على ما يبدو، إلى استكشاف جوانب جديدة من أصولها العرقية.

أما الممثل ديلروى ليندو، الذى جسّد شخصية «دلتا سليم» عازف البلوز السكير، فقد قدّم أداءً بوقار معهود، مؤكّدًا أن الفيلم يتناول الماضى بطريقة تجعل الممثلين أشبه بالمحققين الخاصين.

موسيقى الخوف

كسرت الممثلة يونومى موساكو، وهى امرأة ناضجة ممتلئة القوام وذات بشرة داكنة، الصورة النمطية الراسخة فى صناعة السينما التى تفترض أن البطلات الجذابات لا يظهرن إلا صغيرات السن، نحيلات، وذوات بشرة فاتحة، وأكدت «يونومى» هذا التحدى من خلال ظهورها اللافت مؤخرًا على غلاف مجلة «نيويورك».

وفى السياق نفسه، أثبت مايكل بى. جوردان أنه يتجاوز كونه مجرد ممثل وسيم وجذاب، ليكرّس حضوره كأحد أبرز الوجوه المؤثرة فى المشهد السينمائى المعاصر.

يقدّم مايكل بى. جوردان أداءً استثنائيًا فى دور مزدوج يجسّد فيه شقيقين توأمين يؤسسان ناديًا لموسيقى البلوز فى ولاية مسيسيبى خلال ثلاثينيات القرن العشرين، هما «سموك» و«ستاك».

و«سموك» هو القائد الأكثر واقعية بينهما، لكنه أيضًا أكثر انفتاحًا عاطفيًا، كما يتضح من علاقته الرقيقة مع «آنى» (يونومى موساكو)ـ أما «ستاك»، فيمثل الجانب الأكثر فظاظة، وإن ظل محتفظًا بجاذبيته، وهو أشبه بالوغد الذى يُجبر على مواجهة «مارى» (هايلى ستاينفيلد)، صديقة طفولته وحبيبته السابقة التى تركها وراءه عندما رحل مع شقيقه إلى الشمال.

ورغم غرابة وصف هذا الدور بأنه انطلاقته الحقيقية، بالنظر إلى مسيرته الممتدة لأكثر من ربع قرن وكون الفيلم ثالث تعاون له مع رايان كوجلر، فإن جوردان هنا يبرع فى تجسيد شخصيتى التوأمين «سموك» و«ستاك» المتناقضتين، مهربى الخمور، بروح تجمع بين الدعابة والبطولة، ودرّب جسده وصوته بعناية لإبراز الفروق الدقيقة بين الأخوين. 

ويقول الممثل والموسيقى الصاعد مايلز كاتون، الذى ظهر لأول مرة سينمائيًا بدور «سامى» ابن عم التوأمين «إن «قدرة جوردان على خلق اختلاف واضح بين الشخصيتين سهّلت علىّ بناء علاقتى مع كل منهما».

وقد يكون رايان كوجلر المخرج الوحيد الذى تعاون معه مايكل بى. جوردان حتى الآن ويدرك تمامًا ما يجعله نجمًا متفرّدًا، ففى دورى «سموك» و«ستاك»، يضطر جوردان إلى جعل كل شخصية متميزة مع الحفاظ على الانسجام بينهما، وقد نجح فى ذلك بجدارة، متقمصًا لكنة جنوبية ثقيلة تنساب بسلاسة مع كل كلمة وعبارة. 

وعندما يجتمعان على الشاشة، تبدو حركاتهما وتفاعلاتهما متناغمة بصريًا، ورغم أن الأمر يستغرق بعض الوقت قبل أن تتضح اختلافاتهما الجوهرية خلال السرد، فإن التفاصيل الدقيقة فى تصميم الأزياء الذى أبدعته روث إى كارتر، الحائزة على جائزة الأوسكار عن «النمر الأسود» و«واكاندا للأبد»، تساعد على تمييزهما بصريًا.

ومهما بلغت براعة كوجلر فى توظيف المؤثرات البصرية التى كسرت قوانين الفيزياء، بالسماح لبطل واحد بالتواجد فى مكانين فى الوقت نفسه، فإن النتيجة النهائية أثمرت عن أداء تمثيلى مميز ولا يُنسى، عزّز مكانة جوردان كأحد أبرز نجوم السينما المعاصرة.

وكما يُمثل فيلم «الخطاة» تحولًا إبداعيًا كبيرًا لمايكل بى. جوردان، فإنه يُعد قفزة أكبر لمخرجه رايان كوجلر، الذى يواصل ترسيخ مكانته الفريدة فى هوليوود، فقد كان فيلمه الروائى الأول «محطة فروتفيل» (٢٠١٣)، الذى منح جوردان أول دور بطولة له، عملًا مستقلًا منخفض الميزانية تناول قصة أوسكار جرانت، الشاب الذى قُتل على يد ضابط شرطة عام ٢٠٠٩، وحقق نجاحًا لافتًا فى مهرجان صاندانس. 

لكن فى ذلك الوقت، كان وضع صانعى الأفلام السود أكثر قتامة مما هو عليه اليوم، ولهذا بدا غير مسبوق أن يتمكن كوجلر من الانتقال بهذه السرعة إلى أفلام ذات ميزانيات ضخمة ونجاح جماهيرى واسع، كما حدث مع أعماله الثلاثة التالية: «كريد»، و«النمر الأسود»، و«واكاندا للأبد».

ويحمل «الخطاة» طابعًا شخصيًا عميقًا بالنسبة لكوجلر، إذ يستلهم من تاريخ أجداده فى مسيسيبى وقصة جده لأمه الذى هاجر إلى أوكلاند، ليصوغ سيناريو يمزج بين تاريخ السود وتجربة المهاجرين العالمية فى أسسه الموضوعية. ويُحلل الفيلم دلتا المسيسيبى باعتبارها بوتقة تنصهر فيها ثقافات المهاجرين، فيما تستحضر عودة الأخوين التوأمين من الشمال بشكل غير مباشر التاريخ الأوسع للهجرة الكبرى، بما يحمله من دلالات اجتماعية وثقافية ممتدة.

وتنسج قصة «الخطاة» خيوطًا موضوعية غنية ومعقدة، متجذرة فى الثقافة والهوية السوداء والتقاليد الروحية لدلتا المسيسيبى.

ويستكشف رايان كوجلر الفلكلور التاريخى لموسيقيين مثل تومى وروبرت جونسون، مسلطًا الضوء على ازدواجية الموسيقى ذات الجذور الكنسية التى وُصفت فى بعض الأحيان بأنها «موسيقى الشيطان». 

ورغم أن الفيلم يُصنّف نفسه كعمل إثارة وتشويق ينتمى إلى الرعب ويتضمن عناصر خارقة للطبيعة، بما فى ذلك مصاصو الدماء، فإن كوجلر يُصرّ على أنه يتجاوز مجرد وحش واحد، إذ يدمج «روحانية ما وراء الطبيعة» مع ثقل التاريخ، فى صياغة تسمح للروحانية بإثراء السرد وإضفاء عمق إضافى على التجربة السينمائية.

وعلى جانب آخر، قد يُقارن «الخطاة» بفيلم «من الغسق حتى الفجر» لروبرت رودريجيز، من بطولة جورج كلونى وسلمى حايك، وهى مقارنات ليست بعيدة عن الصحة، خصوصًا أن كوجلر نفسه اعترف بتأثره بهذا العمل. 

غير أن «الخطاة» أقرب إلى قصيدة غنائية؛ فيلم يتشكل فى إيقاعات وأبيات، فى أوهام وصور، يغنى ويتحرك ويتجاوز حدود الخيال. كل شىء فيه يبدو ساحرًا، سواء كان مشهد رقص آسرًا، أو لقطة بانورامية عبر شارع فى بلدة صغيرة، ثم إعادة تصويرها فى مشهد مماثل داخل حلبة رقص مكتظة، أو اندماج بديع بين الماضى والحاضر والمستقبل.