الجرافات تسحق التاريخ.. تاريخ الشرق الأوسط فى مرمى الحروب الحديثة
- «داعش» دمر العديد من الآثار والمناطق التراثية
- إسرائيل دمرت أقدم مسجد فى فلسطين
فى يوم مشمس من صيف عام 2003، كنت أستقل إحدى وسائل المواصلات العامة فى طريقى إلى منزلى بشارع البحر الأعظم. وبينما يشق الأتوبيس طريقه، فوجئت بأحد الركاب يهمهم بغضبٍ عارم، كاسرًا الصمت بسبّ ولعن لـ«بوش» الأب والابن. انطلقت كلماتُه المشحونة لتنتشر بين الركاب كقنبلة دخان حامت فوق الرءوس، وما إن استنشقها الجميع حتى انتقلت عدوى الغضب المحموم إلى النفوس جميعًا.
فى تلك اللحظة، علمت أن العراق قد سقط للتو تحت وطأة الغزو الأمريكى. ما زلت أذكر جيدًا ذلك الوعى الجماعى لرواد الأتوبيس الحكومى آنذاك، إدراكهم الفطرى للأسباب الحقيقية الكامنة وراء الادعاءات المعلنة للحرب، لم تغب تلك الحافلة عن ذهنى أبدًا كلما ذُكرت حرب العراق.
كأن عقلى قد احتفظ بتلك الصورة فى لحظة تجمد فيها الزمن، مع رد فعلى الحزين جدًا وقتها، فبرغم صغر سنى آنذاك 18 عامًا، كنت مدركة أن غيمة الغضب التى اعتلت رءوسنا فى ذلك اليوم لم تكن مجرد رد فعل عابر، بل كانت استشعارًا فطريًا لبداية زلزال لن يكتفى بقتل الناس وتشريدهم، لكنه سيقتلع جذورهم من الأرض.
إن ما شهده العراق وسوريا وأفغانستان وفلسطين، وصولًا إلى مأساة الحرب الحالية، ليس مجرد صراع عسكرى بالمنطقة، بل هو محاولة ممنهجة لقطع «الحبل السرى» الذى يربطنا بهويتنا ووجودنا فى هذا العالم.
الحجارة التى تُدمر والمآذن التى تسقط، ليست مجرد جماد صامت، بل هى التى يخبرنا عنها الفيلسوف ميشيل فوكو بأنها «القادرة الوحيدة على كشف المسكوت عنه فى تاريخنا وفهم من نحن ومن أين أتينا بعيدًا عن تزييف الأيديولوجيا».
فحين تضيع هذه الشواهد تحت وطأة الصراعات التى تتوسع لحماية ملفات سياسية غامضة أو تحصين عروش السلطة، فنحن لا نفقد الماضى فقط، بل نفقد الأدلة المادية التى تجعلنا «مرئيين» فى ذاكرة التاريخ.
فبدون هذا الإرث، وكما يحذر ألبير كامو، يتحول المجتمع إلى غابة صماء بلا ثقافة أو حرية.
إن الخسارة هنا «غير متجددة» كما انقراض الكائنات الحية، فكل مئذنة تتهاوى أو كنيسة تُقصف هى بتر لجزء من هويتنا التاريخية لا يمكن تعويضه.
فى السطور التالية، نقتفى أثر الحروب وهى تُحيل الأوطان إلى «كرة نار» لا تكتفى بالتهام الحاضر فحسب، بل تتمادى لاغتيال الذاكرة الإنسانية فى مهدها محاولة محو وجودنا من التاريخ تحت ستار صراعات تُختلق أسبابها لتبرير استباحة هويتنا.

العراق 2003
بينما كانت الولايات المتحدة بقيادة «جورج بوش الابن» وحلفاؤها «وعلى رأسها بريطانيا» يمضون فى قرار الحرب على العراق استنادًا إلى ذرائع ملفقة حول امتلاك أسلحة دمار شامل، وما تبع ذلك التدمير من استحواذ القوى الغازية على عقود «إعادة الإعمار»، كانت الإنسانية والمجتمع الثقافى فى الشرق الأوسط يواجهان أكبر كارثة حضارية فى العصر الحديث.

لقد شهد العالم بذهول عملية النهب الممنهج للمتحف الوطنى ببغداد، حيث سُرقت أكثر من ١٥٫٠٠٠ قطعة أثرية لا تقدر بثمن، تعود لآلاف السنين وتختزل أمجاد حضارات بلاد الرافدين «السومرية، الأكادية، الآشورية، والبابلية». ولم يتوقف الأمر عند حدود المتاحف، بل طال الاندثار مدينة بابل التاريخية، تلك المدينة التى كانت كبرى مدن العالم فى عصورها الذهبية «ما بين عامى ١٧٩٢ و٥٩٣ قبل الميلاد»، والتى احتضنت «الحدائق المعلقة» إحدى عجائب الدنيا السبع.
تعرضت أسس المدينة لضررٍ لا يمكن إصلاحه نتيجة حفر للخنادق، وبناء للسراديب العسكرية، وتجريف للتربة الأثرية لتشييد قواعد عسكرية أمريكية وبريطانية فوق أراضيها التاريخية.

هذا التدمير الممنهج امتد ليشمل مواقع أثرية عالمية أخرى مثل «أداب، حترا، ونمرود»، مما جعل غزو ٢٠٠٣ جرحًا غائرًا فى جسد التاريخ الإنسانى، ضاعت معه أسرار وكنوز كانت تمثل فجر الحضارة البشرية.

سوريا من 2011 لـ 2024 وسقوط الأسد
عايش الجميع تلك الأيام فى بداية الاحتجاجات السلمية فى ٢٠١١ بسوريا، كما حدث فى تونس ومصر، ولكن لم ينحز الجيش إلى الشعب كما فعلت جيوش مصر وتونس، بل إن الجيش هنا ضرب الثوار والمدن التاريخية والمواقع التراثية بالبراميل المتفجرة والأسلحة الكيماوية والمدفعية الثقيلة ضد شعبه.
توفى الآلاف وتشرد الملايين حول العالم، ولكن ما حدث على الأرض كان الأبشع على الإطلاق، فقدت الإنسانية بصمة حضارات «حثية، وآشورية، ورومانية، وأموية، وعثمانية»، تراثًا مثل لقرون متعاقبة هوية سوريا متعددة الطبقات.
ولعل أهم ما لفظته الحرب وخلّفه دمارها ما يلى، على اختلاف المسئول؛ فبداية، ما جاء من نظام الأسد من ٢٠١١ إلى ٢٠٢٤ بنفسه وصفته:
مدن تاريخية مثل حلب- والتى تعد واحدة من أقدم المدن المأهولة منذ عام ٢٠٠٠ قبل الميلاد- تضرر ما يقرب من ٦٠٪ من المدينة القديمة بها بين عامى ٢٠١٢ و٢٠١٦. تمثلت بأضرار جسيمة لحقت بمئذنة وقاعة الجامع الأموى الكبير، وأبراج وأساسات قلعة حلب.
أما سوق حلب، والتى تعد أكبر سوق تاريخية مغطاة تمتد لحوالى ١٣ كيلومترًا وتعود للعصور الوسطى «الأيوبى والمملوكى والعثمانى» وتحوى آلاف المحلات والحمامات والمساجد، فقد احترقت ودُمر جزئيًا.
وفى حمص، دُمر «مسجد خالد بن الوليد»، الذى أُعيد بناؤه فى القرن التاسع عشر فوق ضريح الصحابى خالد بن الوليد «المتوفى سنة ٦٤٢م».
كما أفادت تقارير «يونسكو» و«هيومن رايتس ووتش» بأن نظام الأسد حول قلعتى حلب وحمص إلى قواعد عسكرية، ما جعلهما أهدافًا للقصف، فكان المتسبب الرئيسى فى التدمير الذى حل بهما.
وللأسف، كانت سوريا فى مرمى أطراف عدة سعى كل منها لتدميرها، فمنذ عام ٢٠١٤ إلى ٢٠١٧ جاءت الموجة الثانية- داعش.
يعد هذا التنظيم أحد أكثر الأطراف شرًا وتطرفًا وجهلًا، فلأسباب أيديولوجية أعلن مسئوليته المتعمدة عن تفجير الآثار والمناطق التراثية، وتم توثيق ذلك بفيديوهات ترويجية فى المناطق التى سيطر عليها.
فمثلا فى تدمر «بالميرا»، فجروا معابد «بعل شمين»، وقوس النصر، ومقابر الأبراج، والمسرح الرومانى، وتماثيل لا تحصى بدعوى أنها «وثنية». وامتدت الأيادى الآثمة لداعش لتعيث فسادًا بآثار العراق، وتحديدًا فى محافظة نينوى- آخر عاصمة آشورية منذ القرن السابع قبل الميلاد.
استخدموا المطارق والمثاقب والجرافات والمتفجرات، فدمّروا أجزاء من الأسوار القديمة والبوابات «بوابة نرغال»، وقصر آشور ناصربال الثانى بالكامل، وتماثيل اللاماسو «الثيران المجنحة»، والزقورة الملكية التى ترجع إلى ٢٩٠٠ عام!
بالإضافة إلى مدينة الحضر «حترا»: مدينة المعابد القديمة التى تعود للقرن الثالث قبل الميلاد حسب «يونسكو» حولها التنظيم لمخزن أسلحة، ودمر تماثيلها ومعابدها ضمن حملة مسعورة للتطهير الثقافى ضد التراث الآشورى السابق للإسلام، مع استغلال ذلك كمنصة دعائية لترويج بيع الآثار المسروقة والقطع التى نُهبت فى البلدين.
حرب أفغانستان 2001 - 2021
بعد هجمات ١١ سبتمبر، شنت الولايات المتحدة حربها على أفغانستان، وإن كانت تُعد الحرب «المبررة» الوحيدة التى خاضتها الولايات المتحدة ضد حليف سابق «طالبان»، إلا أن لهذه الحرب ويلات جسيمة على الحياة الثقافية والتراثية الأفغانية، بداية من هجوم الولايات المتحدة وقوات الناتو، مرورًا بظهور داعش منذ عام ٢٠١٤، وصولًا إلى عودة طالبان إلى الحكم حاليًا.

خلقت هذه الحروب فوضى عارمة ونهبًا وتدميرًا متعمدًا لعدد من المناطق التراثية، كما يلى:
فى مارس ٢٠٠١، وقبل الحرب بأشهر، دمرت طالبان تمثالى بوذا الضخمين الشهيرين فى باميان، واللذين يرجعان للقرن الخامس الميلادى بطول يقترب من ٥٣ و٣٥ مترًا، وذلك باستخدام المتفجرات والمدافع بأمر مباشر من «الملا عمر» بدعوى أنها تماثيل وثنية! كما دمرت طالبان فى تلك الفترة ما يقرب من ٢٧٥٠ قطعة بالمتحف الوطنى الأفغانى، بما فى ذلك تماثيل بوذية وآثار «غندهارا»، سواء بالتحطيم أو النهب.
بعد نشوب الحرب، دمرت مدينة ميس أيناك، وهى مدينة بوذية عريقة تعود إلى القرن الثالث الميلادى، وكانت تُعد من أكبر المواقع البوذية فى أفغانستان. تسببت الحرب فى أضرار بالغة للمدينة، كما أن عشوائية التعدين بها ألحقت بها مزيدًا من الخراب تحت حكم طالبان اللاحق.
أما مدينة ديلبرجان، التى كانت تُعد أكبر مركز حضارى بشمال أفغانستان، فهى مدينة أثرية قديمة محاطة بأسوار دفاعية وقلعة مركزية، كانت تضم معابد متعددة منها معبد «ديوسكورى» اليونانى الذى اشتهر برسومه الجدارية وتماثيله. وهى شواهد حية على العصور الأخمينية «الألفية الأولى قبل الميلاد»، واليونانية والهندوسية والإيرانية. وكذلك وادى باميان وكهوفه البوذية التى تعرضت للنهب والتدمير، مما خلف خسائر لا تعوض فى التراث البوذى والهندوسى واليونانى؛ حيث فقدت أفغانستان على إثر هذه الحرب جزءًا كبيرًا من هويتها التاريخية كمفترق حضارات.
وبعد اتفاق الدوحة فى فبراير ٢٠٢٠ «اتفاق أمريكى- طالبانى فى قطر يقضى بعدم تعرض طالبان للجنود الأمريكيين»، تم الانسحاب الأمريكى فى عام ٢٠٢١ بشكل غير مدروس.
ومع إخلاء السلطة، صعدت طالبان مرة أخرى؛ ما خلف فراغًا أمنيًا تسبب بدوره فى نهب وتدمير الآثار غير الإسلامية، إلى جانب سرقتها ومحاولة بيعها فى السوق السوداء.
بعد عودتها للحكم رفضت طالبان حماية هذه الآثار بدعوى أنها «وثنية»، وتم نهب ١٠٠٠ قطعة إضافية من المتحف الوطنى فى كابل.
وصفت يونسكو ما حدث فى أفغانستان بـ«الكارثة الثقافية» فقدت فيها البلاد جزءًا أصيلًا من هويتها، وحتى الجهود الدولية للترميم يعوقها نظام طالبان حاليًا.

غزة 2023: 2026
فى الصراع الفلسطينى الإسرائيلى، تمت مجازر تراثية وثقافية متعاقبة، فكم من المرات تم اقتحام المسجد الأقصى والعبث بمحتوياته قبل الحرب؟ ويكفى حفر الأنفاق أسفله لنتيقن من نوايا دولة الكيان الصهيونى حول كل ما هو تراثى فلسطينى!
أما عن الحرب التى شاهدناها مباشرة على الشاشات، والتى اندلعت فى السابع من أكتوبر عام ٢٠٢٣، والتى على إثرها أعلنت إسرائيل حالة الحرب لأول مرة منذ هزيمتها على يد مصر عام ١٩٧٣، فبعد فرض حصار مطبق على قطاع غزة، بدأت بقصف جوى وتبعه اجتياح برى. وخلال هذه الحرب، وحسب تقارير يونسكو حتى فبراير ٢٠٢٦، دُمّر ١٥٧ موقعًا ثقافيًا بين دينى وتاريخى وفنى، ومنها على سبيل المثال:
المسجد العمرى الكبير: أقدم مسجد فى فلسطين «مخيم جباليا- شمال غزة»، والذى يعود للقرن السابع الميلادى ويمثل تراثًا أمويًا وعثمانيًا، حيث سُرقت منه ٦٢ مخطوطة نادرة على إثر قصف جوى فى ديسمبر ٢٠٢٣.
الكنيسة البيزنطية: تعود للقرن الخامس والسادس الميلادى، والتى كانت تحوى آثارًا بيزنطية مع فسيفساء «موزاييك» نادرة، وقد دُمرت بالكامل.

المقابر الرومانية والبيزنطية «بيت حانون»: عمرها ٢٠٠٠ عام، دُمرت جزئيًا بالجرافات على إثر الاجتياح البرى.
مسجد ابن عثمان «حى الزيتون- غزة المدينة»: يعود للقرن الرابع عشر «العصر المملوكى»، تضرر جراء قصف جوى فى ديسمبر ٢٠٢٣ طال المئذنة والجدران بشكل بالغ.
كنيسة القديس بوفيريس: ثالث أقدم كنيسة فى العالم، تعود للقرن الخامس الميلادى «العهد البيزنطى» دُمرت جزئيًا واستشهد بين جدرانها وقت القصف ١٨ شخصًا مع تضررات بالغة فى المبنى الرئيسى.
حمام السامراء «حى الدرج»: أقدم حمام تقليدى فى غزة، يعود إلى العصر المملوكى «كان قد تم ترميمه فى ١٣٢٠»، ثم أعيد استخدامه فى العصر العثمانى، يعود تاريخ نشأته إلى ما قبل ٥٠٠ عام، دمرته إسرائيل بغارة جوية فى ديسمبر ٢٠٢٣حولت الحمام إلى ركام.
تل المنظار: والذى يعتبر جزءًا من التراث البيزنطى، والذى يعد أعلى نقطة فى المنطقة يرتفع حوالى ٨٥-٩٠ مترًا فوق سطح البحر بشرق غزة- حى الشجاعية- يشمل التل بقايا أرضيات فسيفساء بيزنطية اكتشفت فى مواقع أثرية على التل أو محيطه، تعود للفترة البيزنطية «القرن ٥-٧ م»، كذلك ومواقع أثرية أخرى تعود إلى ١٥٠٠ عام، تم نهبها وتدميرها، سواء بالقصف أو التجريف.
قصر الباشا: القصر العثمانى الفاخر الذى يعود للقرن الثالث عشر فى غزة المدينة، تم تدميره عام ٢٠٢٣. أما جنوب غزة، فكان لها نصيب الشمال من الدمار؛ بداية من متحف رفح، الذى فُقدت فيه آلاف القطع الرومانية والبيزنطية النادرة ودُمر فى أكتوبر ٢٠٢٣، وصولًا إلى المقابر الرومانية بجنوب غزة التى عمرها ٢٠٠٠ عام، وتم تدميرها عمدًا بالجرافات فى عام ٢٠٢٤.
ولم ينجُ ميناء أنتيدون «الميناء الفينيقى الرومانى» الذى أنشئ سنة ٨٠٠ قبل الميلاد، حيث دُمر بقصف جوى فى أكتوبر ٢٠٢٣ وتعرض بعد القصف لنهب واسع من جنود الاحتلال.
وكذلك مسجد الأمين محمد، وهو مسجد حديث نسبيًا، لكنه يتمتع بتراث إسلامى تقليدى بمئذنته الرفيعة وقبته الخضراء وجدرانه المزخرفة بالآيات القرآنية، وكان يعد مركزًا دينيًا واجتماعيًا لسكان خان يونس، وتم تدميره فى مطلع الحرب عام ٢٠٢٣.
والملاحظ أن معظم الأهداف السابقة تم قصفها مع بداية الحرب، ما يبرز نوايا مسبقة بتدمير شامل وكامل لهوية تاريخية وتراثية، وليس فقط مجرد حرب يُفترض أنها تستهدف مناطق عسكرية!
إيران مارس 2026

فى الثامن والعشرين من فبراير الماضى، فُوجئنا بقصفٍ مشترك شنه التحالف الأمريكى الإسرائيلى على طهران. ورغم أن الأهداف المعلنة كانت القضاء على البرنامج النووى الإيرانى، الذى سبق للرئيس «دونالد ترامب» التأكيد فى العام الماضى على تقويضه تمامًا، إلا أن الواقع الميدانى كشف عن زيف هذه الادعاءات، إذ شن الحرب بذريعة القضاء على برنامج النووى. وللمفارقة كان أول ما استهدفه القصف مدرسة فتيات إيرانية، توفى على إثره ١٦٥ طفلة.
فى غضون ١٢ ساعة فقط، شُنت أكثر من ٩٠٠ ضربة، أُعلن فيها مقتل المرشد الأعلى ووزير دفاعه وعدد من القيادات. وفى المقابل، جاء الرد الإيرانى باستهداف القواعد الأمريكية فى الخليج وإغلاق مضيق هرمز، وصولًا إلى ما نعيشه الآن من تصعيد مفتوح، لكننى هنا بصدد رصد ما لا يلتفت إليه الجميع وسط هدير المدافع.
كيف تفتك هذه الحرب بالهوية الثقافية للأطراف المتصارعة؟
فى طهران: دُمر «قصر كلستان» التاريخى، ما دفع يونسكو للتعبير عن قلقها البالغ، داعية لاحترام اتفاقية ١٩٥٤ لحماية التراث فى النزاعات المسلحة.
فى لبنان: وعلى أثر الغارات الإسرائيلية المتتابعة على الضاحية الجنوبية والمناطق الأثرية فى بيروت، اهتزت جدران المبانى التاريخية وتصدع بعضها؛ ما أدى لإغلاق قسرى للمواقع التراثية وتجميد الأنشطة الثقافية فى «متحف سرسوق، دار النمر، بيروت آرت سنتر، ومؤسسة رمزى وسعاد دلول».
فى الخليج: خيم الصمت على المنابر الثقافية حيث أُغلقت المتاحف مؤقتًا «متحف الفن الإسلامى بالدوحة، المتحف الوطنى البحرينى، لوفر أبوظبى»، وتوقفت الأنشطة فى المعارض الفنية، مثل «The Third Line» تحت وطأة الهجمات المتبادلة والمخاوف الأمنية، فى فصل كارثى لا يزال مفتوحًا على كل الاحتمالات.
هكذا، يتضحُ لنا أن ما بدأ بصرخة غضبٍ مكتومة فى حافلةٍ مصرية عام ٢٠٠٣، لم يكن مجرد انفعالٍ عابر، بل كان نبوءة مبكرةً بانهيار السدود التى تحمى ذاكرتنا الجماعية. إن الجرافات التى تسحق عظام التاريخ فى نينوى وباميان، والقنابل التى تفتك بفسيفساء غزة وقصور طهران ولبنان، لا تستهدف تفكيك الأنظمة العسكرية كما يُروج لها، بل تسعى لإعادة صياغة المنطقة كصفحة بيضاء خالية من أى أثر حضارى يمنحنا الحق فى البقاء أو المطالبة بالأرض، نحن اليوم أمام واقع تُبتر فيه أطراف هويتنا المادية قسرًا، لتتحول أوطاننا إلى مجرد مساحات جغرافية بلا روح، عاجزة عن إثبات نسبها لهذا العالم.
إنَّ توثيق هذا الدمار هو فعل المقاومة الأخير فإذا كانت الحرب تهدف إلى اغتيال الذاكرة واقتلاع الجذور، فإن تدويننا لهذه المأساة هو الحبل السرى البديل الذى نتمسك به، لعل الأجيال القادمة تجد وسط هذا الرماد ما يخبرها بأننا كنا هنا يومًا، وأننا لم نرحل بصمت، بل غادرنا ونحن نحرسُ ما تبقى من مهد الإنسانية.







