السبت 25 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

يوميات ميت.. رواية خارج كل السباقات

حرف

- السرد المتصاعد يعمل على تدريم الأحداث بشكل منتظم

منذ أن وعيت على متابعة الحياة الثقافية على مدى أكثر من أربعة عقود من الزمان، وأنا أشاهد وأحيا وأتنفس وأتقاطع مع ظواهر عديدة جدًا، أولها سباق الجوائز الأدبية، الذى اشتد وطيسه فى الفترة الحالية، وعلت أسهمه بدرجات قصوى، ليتحول من سباق أو تنافس معقول، إلى صراع مجنون ومحموم لا يسهم فيه المبدع فقط، بل تسهم فيه مؤسسات ودور نشر كبرى. وهذا حق بالطبع لأن المؤسسات ودور النشر كيانات ربحية، والجوائز جزء من تلك الربحية، لكن غير المقبول ذلك التدشين الذى تقوم به شلل وتربيطات تتكون من صحفيين وبعض نقاد يعملون بطرق متعددة لتصعيد أعمال لا ترقى إلى ذلك التصعيد.

هذه الأمور التى تحدث أمامى على مدى تلك العقود الفائتة، لا يجد الكاتب والمبدع الحقيقى أى موطئ قدم فى ذلك «المزاد» الذى لا يعرف له موطئ قدم فى سوق المزايدات التى تخرج عن سياق القيمة، إلى سياق الدعاية التى تستخدم فيها كل الطرق دون استثناء، لذلك نجد أن كتّابّا ومبدعين تاهوا فى ظل تلك المفرمة الإعلامية والنقدية الظالمة، منهم على سبيل المثال لا الحصر: محمد ناجى، سعد الدين حسن، أمين ريان، ربيع الصبروت، ليلى الشربينى، أليفة رفعت، أمين ريان، وفيق الفرماوى، محمد الخضرى عبدالحميد، رمسيس لبيب، هدى جاد، والقائمة تطول.

ولا تصلح تلك السطور القليلة لكى تعيد التذكير بهم، وإذا كان كل من ذكرتهم رحلوا، لكن هناك بيننا من المعاصرين عشرات الأسماء التى تكتب وتبدع وتنشر، ولا أحد ينتبه لما يكتبونه أو ينشرونه، رغم أن إبداعاتهم تفوق الكثير مما هو رائج، فالمشهد قد تم إغلاقه بإحكام على بضعة أسماء لا تتجاوز العشرة أسماء، ويتم تداولها نقديًا وإعلاميًا بأشكال ووتائر مختلفة، ويتم تدوير الحديث عنها بكل الطرق الممكنة، وما عدا تلك الأسماء، ظل ومجهول تمامًا.

ومن بين تلك الأسماء المبدعة، تبرز الكاتبة الروائية أميرة بهى الدين، التى تكتب السرد فى شكليه القصصى والروائى، أميرة تستغرقها المحاماة طوال الوقت، وتعرفها قاعات المحاكم فى كثير من القضايا، فهى تلميذة نجيبة للمحامى الكبير أحمد نبيل الهلالى؛ لذلك فهى تفوقت بجدارة وإخلاص، وشاركت أيضًا فى كثير من القضايا المتنوعة، ومن ناحية أخرى فقد شاركت فى كثير من النشاط الخاص بحقوق النساء، فهى دارسة وممارسة فى ذلك الوقت، وعندما دخل فى ذلك المجال أناس غير متخصصين؛ لذلك هى الأقدر فى التعامل مع قضايا المرأة عن معرفة وعلم وممارسة. 

وهناك مجال ثالث، وهو المجال الإعلامى، فقد شاركت فى تأسيس برنامج «الستات ما يعرفوش يكدبوا»، وظلّت تعمل فيه عدة سنوات مع زميلات لها بنجاح مبهر، إلى أن استقلت، وأنشأت برنامج «افتح باب قلبك»، وفى ظل كل تلك المهام والانشغالات، لم تترك فن الرواية، وهو الأصل فى طبيعتها الحكاءة والساردة بشكل فطرى، وكذلك القارئة لكثير من عيون الأدب المصرى والعربى والإنسانى بشكل عام، ونشرت أول رواية لها منذ ثلاثين عامًا مضت، أى أصدرت روايتها الأولى «العيد» عام ١٩٩٦، وظلّت تكتب وتنشر دون أى خطط للتوزيع والتسويق والترويج، وبالتالى تم تلخيصها فى أدوارها الأخرى.

ورغم أننى قرأت لها قبل ذلك بعض نصوصها السردية، وكتبت مقدمة لأحد تلك النصوص، إلا أننى قرأت وناقشت فى الأيام القليلة الماضية نصّا لم أقرأه من قبل، ففرحت وحزنت فى ذات الوقت، الفرح لأننى اكتشفت نصّا مبهجًا ومدهشًا فى ذات الوقت، وكان حزنى لأن تلك الرواية «يوميات ميت» لم يلتفت إليها أحد من النقاد، ولا من الصحفيين، رغم أنها صدرت من عدة سنوات، وبالتالى شرعت فى قراءة كل ما فاتنى من نصوص الكاتبة والروائية أميرة بهى الدين.

الرواية بعد أن يطالعنا عنوانها، نستشعر جوّا ومناخًا وعالمًا شديدة الغرائبية، رغم أن متن الأحداث قابل للسرد، والأشخاص كذلك، لكن كيف سيكتب ذلك الميت يومياته، ومنذ الفصل الأول نتأكد من تلك الغرائبية تارة، وبعض الهلاوس تارة أخرى، وندرك أن مصطفى يتلقى رسائل غريبة من والده حسين المتوفى، يرسلها له وهو راقد فى نعشه، ويندهش مصطفى عندما تبتسم والدته «نجاة» وتضحك بهيستيريا وهى تسير فى وسط الجنازة، بينما كانت تصرخ حزنًا، وفى بكاء مرير تقول له: «مع السلامة يا أبومصطفى»، ولكنها تسمعه- أى حسين زوجها- وهو يقول لها فى همس: «الله يسلمك يا نوجة»، وتتذكر ذلك الاسم الذى كان يدللها به، كانت بوسى تزجر أمها- نجاة- فى صمت لكى لا تبتسم، فيظن الناس فى الجنازة أنها أصيبت بلوثة جنون.

ذلك المشهد الفانتازى يصرّ على ألا يتوقف، عندما يتسلل صوت المرحوم من النعش فى صوت هامس، وهو يقول لعائلته: «أوصيكم أن تقرأوا الدفتر، تحملّونى وأكملوه، هى كلماتى الأخيرة لكم وللحياة، الدفتر يخصّنى ولا يخصكم لا تمزقوه مهما غضبتم، ولا تتجاهلوه مهما أوجعكم، هى رسالتى الأخيرة لكم»، هكذا يتسرب صوت حسين- الأب- من صندوق النعش إلى جميع المعزين، وإلى عائلته: مصطفى الابن، ونجاة الزوجة، وبوسى الابنة، ويحتار الجميع للغاية فى ذلك الأمر، حتى يتبين أمر تلك «الرسالة- اليوميات» رويدًا رويدًا، عندما تفتش نجاة فى الدولاب باحثة عن ملابس «حسين» لكى توزعها على الفقراء، فتكتشف الدفتر، ذلك الذى حمل ما كان حسين «الزوج المقهور، والأب الحنون، والموظف التعيس» لا يستطيع أن يصرّح به فى حياته كلها، فاعترف بكل ما كان يشعر به فى ذلك الدفتر.

وعندما تكتشف «نجاة» الدفتر، وتقرأ بعض سطوره، وتجد أن زوجها الراحل ينعتها بكمية صفات غير حميدة، ويطلق عليها التعبير الدارج الذى يستخدمه عامة الناس، وهو تعبير «الحكومة»، ذلك الوصف الذى يريد به أى زوج أن يصف زوجته بأنها حاكمة وقاهرة له، وتضهده فى كل شاردة وواردة، ولا يكتفى حسين بذلك الوصف فقط، بل يدخل فى سلسلة اعترافات تزعج الزوجة جدًا، فيقول عنها بأن شخيرها لا يوقظ العمارة كلها، بل من الممكن أن يهدها، وهى سلطة غير عادلة.والأدهى من كل ذلك يعترف فى الدفتر بأنه كان سيتزوج من الجارة «أم ندى»، واعترف بكل المحاولات التى كان يبذلها ويؤديها من أجل التقرب من تلك الجارة المطلقة، لكنها جميلة وأكثر أنوثة من نجاة التى اقتربت من أن تكون رجلًا كاملًا.

وتتلاحق الاعترافات فى الدفتر بشكل مدهش بالنسبة لجميع الأطراف، والتى ذهبت إلى المقابر لكى تعمل على توبيخه وعقابه، وليس تأنيبه ولومه، وهذا يثير «الرسام» حارس المقبرة-وهذا اسمه الذى اختارته الكاتبة- ويندهش الرسام دون أن يفهم لماذا تثور الزوجة على زوجها الراحل.

وكلما كانت الزوجة تقلّب الدفتر، وتكتشف اعترافات حسين، يجن جنونها، فتعمل على تمزيق الدفتر الذى تتطاير أوراقه، فتسقط بين يدى بائع اللب الذى يجعل من تلك الأوراق قراطيس، وعندما يقرأها يبتسم، ويندهش الزبون من تلك الابتسامة، لكنه يكتشف سر الابتسامة عندما يعيد قراءة ما قرأه، وتتوزع الأوراق الطائرة بين كثير من الناس لتصبح حديث العمارة وكل الجيران والحى الذى تسكن فيها العائلة.

ولا تكف الكاتبة عن إدهاشنا، فتسرد ما كان يشعر به «الدفتر» نفسه عندما اشتراه حسين وبدأ يكتب فيه يومياته، ويصف ذلك الشغف الذى كان يكتب به حسين وهو يقبل عليه، وكذلك يعترف قلم الحبر فى فصل كامل، ليصف الزوج فتنته به منذ أن اقتناه، ثم ملأه بالحبر، وتهيأ لكى يكتب، ويحاول أن يحسّن من خطه، ويبرز بعض كلمات يريد تأكيدها لكى تكون مؤثرة أكثر، سلسلة من الاكتشافات التى تأتى من الماضى لكى تحكم الحاضر بسلسلة من الأخبار التى كان من الممكن أن تمر بشكل عابر فى حياته، ولكن تدوينها يعمل على تلك الضجة الرهيبة التى أحدثها، خاصة الفضيحة التى باح بها عن أم ندى، وجعلت نجاة تثور عليها، وتفكر فى الانتقام منها تلك المرأة «خطافة الرجالة».

والسرد المتصاعد يعمل على تدريم الأحداث بشكل منتظم، ويضع الأبطال فى حالات مختلفة، وتصل إلى حد التناقض، عندما يتساءل حسين فى يومياته: لماذا يكتب تلك التفاهات؟، ولكنه يرد على نفسه بأنه كان يحتاج إلى تلك الكتابة التى لم يستطع اكتشاف ذاته إلا من خلال تلك الكتابة، ومن قلب تلك الاعترافات التى تثير الحزن منه أحيانًا، والحزن عليه أحيانًا أخرى، عندما يسرد حياته منذ أن كان طفلًا، ووصل إلى ذلك الرجل المسكين، الذى يكتب ويعترف ويشكو ويسخر ويثير جدلًا وهو فى قبره.

كل ذلك وأكثر، تسرده الكاتبة فى لغة دارجة أو عامية ممتعة، ومفردات منتقاة بعناية فائقة، عناية طبيعية متدفقة، وليست مفتعلة أو مملة، وحوارات رغم سخريتها الحادة، إلا أنها تنطوى على نقد لاذع لكثير من العادات والتقاليد الاجتماعية، وفى تعبيرات مصرية بشكل مفرط، وفى بناء فنّى يخص الكاتبة، بناء ليس اضطراريًا أو كتالوجًا، لكنه بناء خاص، جعل من تلك الرواية القصيرة متعة كاملة.