خليل كان هنا.. قبل أن يسرق «برلين» لوحة ليوناردو دافينشى
شاهدتُ مسلسل «برلين ولوحة ليوناردو دا فينشى» مرة وعدتُ عشرات المرات لمشهد خشوع البطل «برلين» أمام تجلى عظمة وجبروت الفن والجمال المتمثل فى أعظم لوحات الفن التشكيلى فى التاريخ الإنسانى الحديث، والتى تنتشر على ستاندات مضيئة بشكل دائرى تحميها أشعة الليزر الحارقة كصراط، يمر عليه عاشق الفن المُخلص كالبرق ويسقط مَن دون ذلك، فتكتم أنفاسك بمجرد الدخول الحذر، وإذا بك فى الجنة، وإن كانت الجنة تحوى خلاصة الجمال الإلهى، فأنت الآن أمام معجزة إبداعية بيد البشر هذه المرة، ولكنهم أرهف وأذكى وأبدع البشر، وفيما بين عينيك خلاصة إبداعهم- ذلك ما شعرته- أما برلين فكان يعبر عن ذلك بأداء من لحم ودم يكاد من فرط الجمال يذوب! وهنا كانت الصدمة؛ فاللوحة التى أبكته، سُرقت من متحفنا نحن، متحف القاهرة!.
بداية من الظلمة الأولية والتى تتبدد بمجرد وضع قدمه داخل دائرة اللوحات، بعدما نجح فى وجود ثغرة تبطل مفعول أشعة الليزر، تتبدد الظلمة بالتدريج وكأنها تترفق على زائريها من أن تتجلى أمامهم دفعة واحدة فتتجلى تباعاً، تلف رأس برلين وتدور فى الغرفة محاولاً استيعاب ما يراه، يقف مشدوهاً ويهمس فى استمتاع بكل نظرة وإيماءة، فى سكرة السعادة ينطق باسم اللوحة وراسمها مع حركة «الزوم إن»، وبعيون تتلألأ فيها الدموع والسعادة والشجن انتقلت الكاميرا من اللوحة إلى وجه برلين وهو يلف ويتجه إلى اللوحات تباعًا، فيقترب واضعًا أطراف أصابعه على أحد الأطر الخشبية وكأنه يحتضنها بكيانه عبر أصابعه، ويقف أمام كل منها كمن سُرق عقله ويتمتم فى لذة سكران يأبى اليقظة، باسم اللوحة وصاحبها وسنة ميلادها، وبينما يقترب من الأولى ليتفحصها بأنامله فى حذر وبحنان بالغ وانبهار؛ يقول وبصوت متهدج تكسره الدموع:

زهور الخشخاش لـ«فان جوخ»
سُرقت هذه اللوحة من متحف القاهرة مرتين!»
شعرتُ بذلك الشغف ينتقل من الشاشة إلى كل خلية فىّ، فتركتُ المسلسل ورحتُ أقتفى أثر تلك اللوحات، وما اكتشفته لا يقل سحرًا عن طريقة تعرفى عليه.

إذن، ما قصة لوحة فان غوخ؟
رسمها فان جوخ فى باريس عام ١٨٨٧، وهو فى أشد لحظات تحوله الإبداعى اضطرامًا.
فقبل باريس، كان فان جوخ رجلًا آخر. فى هولندا رسم الفلاحين وأكلة البطاطس والحقول الداكنة بألوانٍ تشبه الطين، كأن الضوء نفسه كان يخشى أن يقترب من لوحاته. كان يؤمن أن الفن ينبع من المعاناة، وأن الجمال الحقيقى يسكن فى وجوه المنهكين لا فى الزهور. ثم ذهب إلى باريس.
فى باريس التقى شيئًا لم يكن مستعدًا له، الانطباعيون. مونيه وبيسارو وسورا الذين يلاحقون الضوء بدلًا من أن يهربوا منه. لكن الأهم من كل هؤلاء كان أدولف مونتيسيلى، رسام فرنسى قديم كان يكدس الألوان على القماش بسخاءٍ جنونى، زهور تتفجر من المزهريات كأنها تريد الخروج من حدود اللوحة، خلفيات داكنة تجعل الألوان تتوهج من الداخل. فان جوخ حين رأى مونتيسيلى، رأى ما كان ينتظره دون أن يعرف. كتب لأخيه تيو: «مونتيسيلى كان رجلًا يعانى من العواطف العميقة، ومن ذوقٍ رفيع للألوان» وبدأ يرسم على خطاه مباشرةً.
«زهور الخشخاش» وُلدت من هذه اللحظة بالضبط.
الخشخاشات الصفراء والحمراء تتفجر من المزهرية بنفس سخاء مونتيسيلى، لكن بيد فان جوخ التى لا تشبه يد أحد. الفرشاة سريعةٌ وعصبية، كأنه رسمها دفعةً واحدة كما لو أن زهوره ستذبل لو توقف عن الرسم للحظة. الخلفية الداكنة تحتضن الألوان وتجعلها تتوهج من الداخل لا من الخارج، كأن النور مصدره الزهرة نفسها لا الشمس.
اللوحة صغيرة ٦٥ فى ٥٤ سنتيمترًا. لكنها تملأ العين بما لا تملأه لوحات بأضعاف حجمها.
رسمها وهو فى باريس لم يتجاوز بعد ثلاث سنوات على قدومها، وبعدها بثلاث سنواتٍ أخرى فقط، عام ١٨٩٠، أطلق على نفسه رصاصةً فى حقلٍ فى أوفير سور واز. نفس القرية التى رسمها سيزان. نفس الحقول التى أحبها. نفس الضوء الذى اكتشفه فى باريس، ومات تحته.

الأول خيالى، الدوق ألفارو هيرموسو دى ميدينا، ثرى إشبيلية الذى يخفى فى قبوٍ تحت أرضه مجموعةً من أعظم لوحات الإنسانية وثلاثمائة مليون دولار نقدًا. لا يعرضها، لا يشاركها، لا يسمح لأحدٍ برؤيتها؛ يكتنزها بأنانية، لا لأنه يحبها، بل لأنه يريد أن يملكها.
الثانى حقيقى، محمد محمود خليل، مصرى وُلد عام ١٨٧٧، ذهب إلى باريس طالب حقوقٍ فى السوربون فعاد بشىء لم يكن أحد يتوقعه؛ اشترى مجموعته الخاصة وتحفته الخالدة «زهور الخشخاش» لـ فان جوخ، ولوحات أخرى لكل من مونيه، وديجا، وبيسارو، وجوجان، ورودان، ثم بنى على ضفة النيل فى الجيزة قصرًا ضخمًا ليحتضنها جميعًا. وحين مات عام ١٩٥٣، أوصى بأن يُهدى القصر بكل ما فيه للمصريين. كلا الرجلين جمع الجمال خلف جدران، لكن الفرق هو الفرق كله: ألفارو جمع ليحبس، وخليل جمع ليهب. وبين هذين القبوين تعيش اللوحات التى بكى عليها برلين.


من عتمة التاريخ وقبو الفارو، وصولًا إلى رفعة ورقى خليل، نعود إلى تلك الدائرة المضيئة؛ لنبحر فى تفاصيل اللوحات الساحرة التى سَلبت عقل برلين.

عاصفة على بحر الجليل لـ«رامبرانت»
بعيون شبقة ونظرات لاهثة تود ألا تشيح أبدًا عن تلك المعزوفة التى تعزف جمالًا ذو بريق نادر، تحركت الكاميرا بارتباك يشبه طوفان السفينة، يقترب برلين من اللوحة الأولى وعيناه تتلألآن، يهمس: لوحة «عاصفة على بحر الجليل» لـ رامبرانت- اللوحة الأصلية- ويستكمل: سُرقت من متحف «إيزابيلا ستيوارت جاردنر» فى بوسطن عام ١٩٩٠. (١٦٣٣)

كان المدهش لى كمتلقٍ لهذا المشهد الأسطورى أن ينتقل ذلك الشغف لكل خلاياى، فروحتُ أقتفى أثر تلك القطعة الفريدة. وما اكتشفته لا يقل سحرًا عن طريقة تعرفى عليها، فتعد لوحة بحر الجليل هى اللوحة البحرية الوحيدة التى رسمها رامبرانت فى حياته كلها، وكأنه رسمها مرةً واحدة لأنه أدرك أنه لن يستطيع تجاوزها.
وبها القارب يتشقق تحت موجٍ هائج التلاميذ الإثنا عشر بين مذعورٍ يتشبث بالحبال، وراكعٍ يصلى، ومتجمدٍ من الرعب.

يسوع وحده ثابت فى المشهد، يأمر العاصفة فتسكت. ما يبهرك فى لوحة رامبرانت هنا ليس المعجزة، بل الخوف. الخوف الإنسانى الحقيقى، المرسوم على وجوه رجالٍ تملكهم ذعر فراحوا يتأرجحون بين الإيمان والهلع، فنراهم آمنوا ثم ارتعدوا ثم آمنوا من جديد.
الإضاءة تنبع من مكانٍ غير مرئى، تضرب الأشرعة البيضاء وتترك حواف اللوحة فى ظلامٍ دافئ. سُرقت منذ ٣٦ عامًا بالتحديد فى العام ١٩٩٠ من متحف إيزابيلا ستيوارت جاردنر فى بوسطن، فى واحدة من أكبر عمليات السرقة الفنية فى التاريخ، ومكانها حتى اليوم مجهول.

مشهد من أوفير سور أواز لـ«بول سيزان»
فى رهبة وخشوع ودموع يردد برلين، وقد هوت قدراته على التقاط أنفاسه، بصوت متردد لا يصدق ما يرى: «لوحة مشهد من أوفير سور أواز لـ...» تذهب الكاميرا إلى اللوحة، مشهد من ريف، لقطة بديعة من أعلى تفتح بصريك على الريف وكأنك تشاهد منظرًا حقيقيًا أعلى تبة جبل مطلة على أبدع ريف يمكن أن تراه، يستكمل برلين: «... لسيزان!».

وكعاشق يقف أمام ملهمته بعد شوق ووصل قد انقطع لا يكاد يصدق أنها بين يديه من جديد، أو كفرحة ناسك تاه فى الصحراء وفقد زاده وزواده وكاد يهلك، فتعود له دابته التى عليها مفتاح حياته، فلا يكاد يصدق نفسه مما يرى.
سيزان هو الجسر بين عالمين. قبله، كان الفن الغربى مشغولًا بسؤالٍ واحد: كيف أرسم ما أراه؟ كيف أجعل القماش يشبه الواقع بأكبر قدر ممكن؟ منظورٌ واحد، زاوية واحدة، لحظة واحدة مجمّدة. سيزان كسر هذا السؤال من جذره. فمثلاً، حين وقف أمام جبل سانت فيكتوار- الجبل الذى رسمه أكثر من ثمانين مرة فى حياته- لم يسأل «كيف يبدو؟» بل سأل «كيف أفهمه؟» فبدأ يرسم الجبل من زوايا متعددة فى نفس اللوحة، يكسر المنظور الواحد، يحلل الشكل إلى كتلٍ هندسية، مخروط، كرة، اسطوانة. كأنه يفكك الطبيعة ليرى هيكلها العظمى.
بيكاسو رأى هذا وفهم الرسالة كاملة: إذا كان سيزان يرسم الجبل من زاويتين فى نفس اللوحة، أنا سأرسم الوجه من الأمام والجانب فى نفس اللحظة. إذا كان سيزان يحلل الطبيعة إلى أشكالٍ هندسية، أنا سأحلل الإنسان نفسه. هكذا وُلدت التكعيبية، مباشرةً من رحم إبداع سيزان. بيكاسو نفسه قال صراحةً: «سيزان أبونا جميعًا».
أما سرقة لوحة سيزان، فهى من أذكى السرقات وأكثرها جرأةً فى التاريخ: ليلة رأس السنة ١٩٩٩، وأكسفورد كلها فى الشوارع تحتفل بالألفية الثالثة، والألعاب النارية تشق السماء. استخدم اللصوص الاحتفالات غطاءً مثاليًا، تسلقوا سقالاتٍ حول الجناح الجديد فى متحف أشموليان دون أن يلاحظهم أحد. من السطح كسروا نافذةً علويةً فوق قاعة هيندلى سميث، وألقوا قنبلة دخانية داخل القاعة. نزلوا بسلمٍ حبلى وبأيديهم مروحة صغيرة لتوزيع الدخان وإعاقة رؤية الكاميرات والحراس. قطعوا اللوحة من إطارها وخرجوا كما دخلوا، ذابوا فورًا فى حشود المحتفلين.
أجهزة الإنذار انطلقت بالفعل، لكن الحراس ظنوا أن المشكلة حريقٌ بسبب الدخان. دخلت الشرطة ورجال الإطفاء القاعة فلم يجدوا إلا علبة القنبلة الدخانية الفارغة وجدارًا أصمَّ حيث كانت اللوحة. العملية كلها لم تستغرق أكثر من عشر دقائق. وقد كانت اللوحة الوحيدة لسيزان فى متحف أشموليان، أعرق متحفٍ عام فى بريطانيا. ومكانها حتى اليوم: مجهول تمامًا.

سيدة مع القمقم لـ«ليوناردو دا فنشى».. من ميلانو إلى كراكوف مروراً بجحيم النازية
وأما بطلة الحكاية فهى لوحة «سيدة مع قمقم» والتى احتلت الصدارة فى اسم المسلسل «برلين والسيدة مع القمقم»، فقد طلب ألفارو من برلين سرقتها وكانت هذه الرغبة هى مفجرة الأحداث بالأصل، فما قصتها؟
قبل أن تكون لوحةً كانت فتاةً فى السابعة عشرة من عمرها.

عام ١٤٨٢ وصل ليوناردو دا فينشى إلى بلاط لودوفيكو سفورتزا، دوق ميلانو، مهندسًا وموسيقيًا ومخترعًا. وسرعان ما كُلف بمهمةٍ مختلفة: أن يرسم عشيقة الدوق المفضلة، الفتاة الاستثنائية سيسيليا جاليانى سيسيليا لم تكن مجرد وجهٍ جميل، كانت تكتب الشعر، وتعرف اللاتينية، وتترأس جلسات النقاش الفلسفى فى بلاط ميلانو. امرأة تفوق فى ذكائها وثقافتها معظم رجال عصرها.
ليوناردو رسمها فى لحظة لا فى وضعية. شاعر البلاط برناردو بيلينشيونى كتب فى قصيدةٍ عنها أنها تبدو كأنها تستمع إلى صوتٍ لا يراه المتفرج. هذا هو سر تلك النظرة التى لا تنساها، عيناها لا تنظران إليك، بل إلى شىءٍ خارج حدود اللوحة، فى لحظة انتباه حى لا فى لحظة أداء مُصطنع.
والقمقم الذى تمسكه بيد حانية، فراؤه كان أبيض أصلًا قبل أن تصفرّه طبقات الورنيش عبر القرون.
بعد رحيل سيسيليا عن بلاط الدوق، أخذت اللوحة معها. وظلت فى حوزة ورثتها حتى وصلت إلى يد الأمير البولندى آدم يرزى تشارتوريسكى الذى اشتراها فى إيطاليا حول عام ١٨٠٠، وأهداها لأمه الأميرة إيزابيلا.
عرضتها الأسرة للعموم عام ١٨٧٨ فى متحف تشارتوريسكى بكراكوف، وصارت كنز بولندا الأثمن.
لكن القرن العشرين كان ينتظرها.
حين اجتاحت ألمانيا النازية بولندا خريف ١٩٣٩، كان هانس فرانك، الذى سيصبح الحاكم النازى لبولندا قد وضع اللوحة فى مرمى عينيه منذ اللحظة الأولى.
عثر الجنود النازيون عليها مخبأةً خلف جدارٍ مسدود فى إحدى ضياع الأسرة الريفية. أُخذت إلى برلين وعُرضت لفترةٍ وجيزة فى متحف كايزر فريدريش، ثم علّقها هانس فرانك فى مكتبه فى قلعة فافيل بكراكوف.
هانس فرانك، المحامى الشخصى لهتلر، الرجل الذى وفّر العمالة العبودية لألمانيا وشارك فى إبادة اليهود كان يجلس كل يوم تحت نظرة سيسيليا الحية تلك، فى مكتبه، كأن شيئًا لا يحدث.
حين استسلمت ألمانيا عام ١٩٤٥، عثر الجنود الأمريكيون على اللوحة بين كنوزٍ مسروقة فى فيلا هانس فرانك فى بافاريا. فرانك مثُل أمام محكمة نورمبرج وادّعى أنه فعل كل ما بوسعه للحفاظ على تحف الفن وفى نفس الوقت وُصف بـ«جزّار بولندا» وصدر بحقه حكم بالإعدام
عادت اللوحة إلى كراكوف. وعادت إلى متحف تشارتوريسكى. وتجلس هناك حتى اليوم.
هى الوحيدة بين اللوحات الست التى لم تُسرق ولم تضع، لكنها عاشت ما هو أسوأ من السرقة: أن تعلق فى مكتب جلاّد، تنظر بعينيها الحيّتين إلى وجهٍ لا يستحق أن تقع عليه.
وربما هذا ما تراه حين تلتفت بنظرتها إلى الجانب، لا تنظر إليك، بل تنظر بعيدًا عن كل هذا.

امرأة مع مروحة لـ«أميديو موديليانى»
والآن يشهق برلين أمام «امرأة مع مروحة» لـ أميديو موديليانى ويصيح: «سُرقت من متحف باريس للفن الحديث!». أما قصة أميديو مع تلك اللوحة فهو عجيب بعجب جمالها.

موديليانى فى عام ١٩١٩ كان يعرف- أو ربما لم يكن يريد أن يعرف- أن السل يأكله من الداخل؛ جسده ينهار، والكونياك الرخيص الذى يشربه فى الجلسات لا يخدّر الألم بقدر ما يذيب الحواجز. ولونيا تشيكوفسكا- المرأة البولندية المتزوجة التى رفضته عشر مرات ولم تغادر حياته مرةً واحدة- تجلس أمامه بفستانٍ ذهبى تمسك مروحةً بيدٍ مسترخية.
كانت لونيا تروى لاحقًا كيف كانت تلك الجلسات: موديليانى يشرب، يغنى، يتكلم بالإيطالية، ثم يغرق فى فعل الرسم حتى ينسى تمامًا أن ثمة إنسانًا آخر فى الغرفة. كأنه لم يكن يرسمها، بل يرسم شوقه إليها. لم يتوقف عن محاولة إغوائها طوال معرفتهما، ولم يتوقف إلا بموته. مات عام ١٩٢٠، و«امرأة بمروحة» كانت من آخر ما رسم.
فى اللوحة: رقبةٌ طويلة بشكل لا تراه العين فى الواقع، وعيونٌ بلا حدقات تنظر إلى الداخل لا إلى الخارج. موديليانى لم يرسم لونيا كما هى، رسمها كما يشعر بها، فهى أبدًا لم تره. وهذا الفرق هو كل موديليانى.
عُلّقت فى متحف الفن الحديث بباريس، وظلت هناك تسعين عامًا، حتى ليلة العشرين من مايو ٢٠١٠. وهذه قصة سرقتها، رجل يلقب بـ«سبايدرمان» اقتحم المتحف بنية أن يسرق لوحةً واحدة فقط، لكن حين اكتشف أن أجهزة الإنذار لا تعمل، قضى أكثر من ساعة يتجول فى القاعات يختار ما يعجبه. خمس عشرة دقيقة كانت كافية لأخذ خمس لوحات بقيمة مائة مليون يورو، وثلاثة حراس لم يشعر أحدٌ منهم بشىء.
ثم جاءت النهاية الأغرب فى تاريخ السرقات الفنية؛ فى المحكمة، قال الشريك الذى أخفى اللوحات وهو يبكى أمام القضاة ثلاث مرات: «رميتها فى القمامة». ادّعى أن الذعر أصابه حين ضيّقت الشرطة الخناق، فكسر الأُطر وحشا اللوحات فى أكياس القمامة. المحققون لم يصدّقوه، وشركاؤه قالوا إنه «ذكىٌّ جدًا» ليفعل ذلك.
لكن لا أحد يعرف الحقيقة حتى اليوم. لونيا التى رفضت موديليانى ولم تتركه، لا أحد يعرف أين هى الآن؛ إما فى قبوٍ مظلم فى مكانٍ مجهول من العالم، أو فى كيس قمامة باريسى رُمى منذ خمسة عشر عامًا. كلا الاحتمالين وارد وقاسٍ.

أرض الميلاد لـ«كارافاجيو»
وأخيرًا يتأوه برلين كعاشق رسا أخيرًا على شاطئ اللذة، يصرخ: «لوحة أرض الميلاد» لـ كارافاجيو، يستكمل: «أغلى لوحة مسروقة فى تاريخ الفن، ويحتفظ بها هنا فى قبوه كما لو أنه يحتفظ بزجاجات نبيذ!».

لوحة أرض الميلاد، رسمها رجل يفرّ من حكم الإعدام؛ كارافاجيو رسم «المهد» عام ١٦٠٩ فى صقلية وهو فى منفاه الاختيارى، فارًا من روما بعد أن قتل رجلًا فى مبارزة، ثم فارًا من مالطا بعد أن هرب من سجنها. رجل يعيش على حافة الموت يرسم ميلاد الحياة.
فى اللوحة: مريم منهكة تحدّق بذهولٍ فى الطفل المضطجع عند قدميها، وملاك يحلّق فوقهما بخفة، والقديسان فرنسيس ولورانس يقفان فى الظل. وكالعادة عند كارافاجيو، وجوه القديسين هى وجوه الفقراء والمهمّشين الذين أمضى حياته بينهم هاربًا. النور يأتى من الطفل نفسه، يشق الظلام الكثيف كأنه يعلن شيئًا أكبر من الميلاد. عُلّقت فى مصلى سان لورنزو بباليرمو ثلاثة قرون ونصف القرن، ثلاثمائة وخمسين عامًا فى نفس المكان فوق نفس المذبح، حتى ليلة أكتوبر ١٩٦٩. آخر مرة رآها المصلّون كانت قداس الأحد ١٢ أكتوبر ١٩٦٩، واكتشفت القيّمتان على المصلى اختفاءها صباح السبت ١٨ أكتوبر حين دخلتا للتحضير للقداس.
فى جنح الظلام، قطع اللصوص اللوحة من إطارها بشفراتٍ حادة وهربوا فى سيارة توصيل ذات ثلاث عجلات، دون أن يتركوا «ميليجرامًا واحدًا من الطلاء»، دقةٌ جراحية وصفها المحققون لاحقًا بأنها تدل على محترفين.
ثم بدأت القصة الأغرب. بعد أشهرٍ قليلة من السرقة، وصل خطاب إلى منزل المونسنيور روكو بنيديتو، كاهن المصلى، كتب فيه اللصوص: «اللوحة عندنا، إذا أردتم استعادتها فعليكم الدفع». وفى الخطاب كان مرفقًا قطعة صغيرة مقطوعة من اللوحة نفسها، دليل على الجدية، كأسلوب الخاطفين حين يختطفون البشر.
المفاوضات لم تُفضِ إلى شىء، واللوحة انتقلت من يدٍ إلى يد فى الأوساط المظلمة. رواية أحد المخبرين تقول إنها وصلت إلى زعيم المافيا روساريو ريكوبونو- الذى خُنق عام ١٩٨٢ فى حفلة غداء نظّمتها عائلة كورليونى خصيصًا لتصفيته- ثم انتقلت إلى جيرلاندو «السجادة» ألبيرتى، قائد منطقة بورتا نوفا فى باليرمو.
لكن الروايات تتضارب وتتناقض: مخبر يقول إنها كانت فى مزرعة وأتلفتها الرطوبة، وآخر يقول إن الفئران أكلتها، وثالث يقول إنها قُطِّعت وبِيعت قطعًا فى السوق السوداء، ورابعٌ يقول إنها أُحرقت بعد أن نسيها أصحابها فى تخزينٍ سيئ. كل رواية أشد قسوةً من سابقتها.
عام ٢٠١٥ نُصب فى مكانها فوق المذبح نسخة طبق الأصل صنعتها مؤسسة فاكتوم للحفاظ الرقمى؛ صورة تملأ الفراغ الذى لا يملؤه شىء حقيقى. وكارافاجيو الذى رسمها وهو يفر من الموت، مات بعدها بعامٍ واحد فقط، عام ١٦١٠، فى ظروفٍ لا تزال هى الأخرى ملفوفة بالغموض.
رجل غامض رسم لوحة غامضة، اختُطفت بطريقةٍ غامضة، ولا أحد يعرف أين هى منذ أكثر من نصف قرن.

وأخيرًا!
حين وقف برلين فى ذلك القبو المضىء وذاب أمام زهور فان جوخ، لم يكن يعرف أن رجلًا مصريًا حقيقيًا سبقه بمائة عام إلى نفس اللحظة. وقف محمد محمود خليل فى صالات باريس بنفس تلك العيون المضيئة، وبنفس ذلك الخشوع الذى لا يُمثَّل، وقرر ما لم يقرره ألفارو قط: أن هذا الجمال ليس له وحده.
فحمله عبر البحر. ورسى به على النيل ووهبه للبشرية.
متحف خليل يقف اليوم فى الجيزة بقصره الفاخر وجدرانه التى رأت كل شىء أُغلق أحد عشر عامًا حدادًا على لوحةٍ سُرقت فى وضح النهار، وأُعيد افتتاحه عام ٢٠٢١ بكاميراتٍ جديدة وأجهزة إنذار تعمل وحراسةٍ لم تكن هناك حين كانت تحتاج. لكنه أعيد افتتاحه بجدار فارغ لا يزال يصفعنا بصمت الجدار الذى كانت تعلق عليه زهور فان جوخ، تلك التى اشتراها خليل فى باريس ليُعيدها إلى النيل، فأُعيدت إلى المجهول.
الغرب فى ٢٠٢٦ اخترع شخصية خيالية تبكى على الجمال المسروق فى قبوٍ تحت إشبيلية، وأشعل العالم احتفالًا بهذا الخيال. أما الأصل الحقيقى لهذه القصة، رجل آمن بأن الجمال لا يُحبس، فوهبه مفتوحًا للجميع يقف صامتًا على ضفة النيل، ينتظر من يرى فيه ما رآه برلين فى ذلك القبو، أن بعض البشر أرهف وأذكى وأبدع من أن يملكوا الجمال، فيهبونه بدلًا من ذلك. خليل فهم هذا منذ البداية. ولم يحتج أحدهم أن يكتب عنه مسلسلًا.







