الخميس 23 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

كيف لأستاذ متخصص ألا يستوفى أولويات البحث العلمى؟

حرف

فى مطلع العام الجارى، اقتنيت كتاب «موسى عليه السلام وخروج بنى إسرائيل من مصر» للدكتور ممدوح الدماطى، أستاذ الآثار المصرية القديمة بكلية الآثار جامعة عين شمس وزير الآثار الأسبق، والصادر عن الدار المصرية اللبنانية. وكما يتضح من عنوانه، يتناول الكتاب قصة موسى عليه السلام وخروج بنى إسرائيل من مصر.

وهنا تبرز مجموعة من التساؤلات الجوهرية: ما أهمية هذا الكتاب؟ وما منهجه العلمى؟ وما المصادر والمراجع التى استند إليها؟ وما النتائج التى انتهت إليها الدراسة؟ وهل قدم جديدًا لم يُطرح من قبل، أم أنه مجرد تجميع لما سبق نشره وتداوله؟.

كما يطرح سؤال آخر نفسه: هل استعرض المؤلف الدراسات السابقة المتعلقة بالموضوع ونقدها وفقًا للمنهج العلمى؟ والإجابة: لا.

وهل تناول جميع الفرضيات الخاصة بفرعون الخروج، سواء تلك التى ترجع الحدث إلى عصر الهكسوس أو إلى عصر الدولة الحديثة، لا سيما الأسرتين الثامنة عشرة والتاسعة عشرة، ثم ناقشها علميًا؟ والإجابة أيضًا: لا.

أما السؤال الأهم، فهو: هل انطلق الكتاب من فرضية مسبقة مفادها أن رمسيس الثانى هو فرعون الخروج؟ والإجابة: نعم.

كما يثور التساؤل حول مدى ارتباط لوحة النصر، أو لوحة مرنبتاح، بإسرائيل التاريخية، وهل تصلح بالفعل دليلًا على أن فرعون الخروج سبق عهد مرنبتاح، كما يذهب إلى ذلك مؤلف الكتاب والدكتور زاهى حواس وغيرهما؟

ويُضاف إلى ذلك سؤال آخر: هل يعكس الكتاب حقيقة ما دار فى اللقاء الذى جمع الدكتور وسيم السيسى بكل من الدكاترة زاهى حواس، وممدوح الدماطى، ومحمد على حسن، حين سألهم عن سبب عدم الرد على الدراسات السابقة المتداولة، فجاء الرد بأن أصحابها غير متخصصين، وأنهم لم يقرأوها؟ والإجابة: نعم.

والحق أن عدم الإحاطة بكل ما نُشر حول أى موضوع يمثل خللًا منهجيًا، حتى وإن صدرت بعض الدراسات عن غير المتخصصين. بل إن هذا التقصير كان أحد الأسباب الرئيسية فى انتشار تلك الدراسات، نتيجة إحجام المتخصصين عن الرد عليها أولًا بأول، أو عن تناول هذه القضايا التى تستقطب اهتمامًا واسعًا لدى الجمهور. وإن كتب بعضهم فيها، جاءت أعمالهم- فى كثير من الأحيان- دون المستوى الذى يشفى الغليل، أو اقتصرت على ردود متكررة يغلب عليها الطابع الإعلامى والسعى وراء «الترند».

ثم كيف يتفق ذلك مع الأدلة الأثرية المتوافرة خارج مصر بشأن إسرائيل التاريخية، والتى لم تظهر- بحسب كثير من الدراسات- قبل القرن التاسع قبل الميلاد؟ أما إسرائيل التوراتية، فذلك موضوع آخر.

ومن ثم، أين الفرضيات والنظريات والدراسات العربية والأجنبية القديمة والحديثة والمعاصرة المتعلقة بالحدث التوراتى، والشرق الأدنى القديم، وجغرافية التوراة، وبدايات ظهور إسرائيل؟.

ويقع الكتاب فى مقدمة وأربعة فصول: يتناول الأول بدايات بنى إسرائيل فى مصر، والثانى موسى عليه السلام من المهد إلى الوحى، والثالث دعوة موسى لفرعون، أما الفصل الرابع فيتناول الخروج العظيم من شق البحر إلى التيه.

ومع الأسف، فإن المؤلف، رغم تخصصه، لم يستوفِ أولويات البحث العلمى، ولم يلتزم بمنهجه السليم فى حصر الدراسات السابقة ذات الصلة، الأجنبية أولًا ثم العربية. فقائمة المصادر والمراجع التى اعتمد عليها، الواردة فى الصفحات «١٣٧-١٣٩»، لا تتجاوز أربعة عشر مصدرًا، من بينها القرآن الكريم والعهد القديم، بينما تقتصر بقية المراجع على اثنى عشر مرجعًا فقط، منها خمسة أعمال للعالم «مانفرد بيتاك»، إلى جانب عدد من روابط الإنترنت التى جرى الدخول إليها جميعًا فى ٧ فبراير ٢٠٢٥.

ومن باب الأمانة العلمية، تجدر الإشارة إلى أن المؤلف أضاف سبعة مراجع أخرى فى الحاشية رقم «١» صفحة «١٢»، منها أربعة بالعربية وثلاثة بالأجنبية، إلا أنها لم تُذكر بعد ذلك داخل متن الكتاب، كما لم ترد فى قائمة المراجع النهائية.

ومن ثم، فإن هذا يمثل- فى تقديرى- قصورًا فى المنهج العلمى؛ إذ كان الأولى استعراض مختلف الآراء والدراسات السابقة، القديمة والحديثة، ونقدها، ثم الانطلاق من حيث انتهت، وهو ما لم يحدث.

والحقيقة أن الدراسات الفعلية لقصة الخروج بدأت عقب اكتشاف فلندرز بترى لوحة مرنبتاح عام ١٨٩٦، وإطلاقه عليها اسم «لوحة إسرائيل» اعتمادًا على قراءته لكلمة وردت فى السطر السابع والعشرين من النقش، قرأها «إسرائيل»، فأصبحت اللوحة منذ ذلك الحين أحد أهم مصادر علم الآثار التوراتى، ودارت حولها دراسات ونقاشات واسعة بين مؤيدين ومعارضين بشأن تفسير الاسم ودلالته التاريخية والجغرافية ومدى ارتباطه بإسرائيل التوراتية.

غير أن الكتاب خلا من مناقشة تلك الدراسات، قديمها وحديثها، فلم نجد إشارة إلى أعمال كبار الباحثين، مثل لبسيوس، وبترى، ونافيل، وبرستد، وسايس، وإدوارد مالر، وجاردنر، وهول، وفشر، وبروكش، وأولبرايت، وكاثلين كينيون، ولينان دى بلفوند، وهنرى براون، ولكس، ولوكس، وروبرتسون، ومن المحدثين ستاجر، وكتشن، وهوفماير، وفرانك يوركو، وأنسون راينى، وسينجر، وكريستوف أويهلنجر، وماكسويل ميللر، وفيليب ديفيز، وسيلبرمان، وإسرائيل فنكلشتاين، وشلومو ساند، وأهلستروم، وإدلمان، ومارجاليث، ومايكل هازل، ونوبلكور، وتوماس تومبسون، ودونالد ريدفورد، وغيرهم.

كما أغفل الكتاب الإشارة إلى المؤتمر الذى عقدته جامعة براون بولاية رود آيلاند الأمريكية عام ١٩٩٢ حول تاريخية سفر الخروج، والذى نُشرت أعماله عام ١٩٩٧.

وعلى المستوى العربى، لم يناقش المؤلف أعمال عدد من الرواد، مثل سليم حسن، والمهندس زكى شافعى، وأحمد فخرى، وعبد العزيز صالح، وعبد المنعم عبدالحليم، ولا أعمال الباحثين المحدثين، مثل رمضان عبده، ووجدى رمضان، وأحمد عيسى، وفراس السواح، ومحمد حمزة، ومحمد رأفت عباس، وحسين عبدالبصير، وطارق فرج، وغيرهم.

كما أغفل كتب سيد القمنى، وسيجموند فرويد، وأحمد عثمان، والدراسات المتخصصة المتعلقة بيوسف عليه السلام، فضلًا عن الدراسات الكثيرة التى كتبها غير المتخصصين.

فهل يعقل أن يصدر كتاب متخصص فى هذا الموضوع، ويتجاوز كل هذه الدراسات وما انتهت إليه من نتائج وفرضيات وترجيحات ومقاربات تاريخية؟.

ورغم هذا القصور المنهجى، ينطلق الكتاب من فرضية راسخة مفادها أن رمسيس الثانى هو فرعون الخروج، وهى فرضية سبق أن تبناها عدد من الباحثين، استنادًا إلى طول مدة حكمه، وضخامة مشروعاته العمرانية، وتأليه نفسه، واتخاذه «بر رعمسيس» عاصمة له.

كما يرى المؤلف أن مدينة قنتير وتل الضبعة بمحافظة الشرقية، وهى موقع «بر رعمسيس» القديمة، تنطبق عليها الآية الكريمة: ﴿ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون﴾، ويرجح أن مومياء رمسيس الثانى الباقية حتى اليوم هى مومياء الفرعون المقصود.

ورجح كذلك أن امرأة فرعون التى تبنت موسى عليه السلام هى «إيست نفرت» أو «بنت عنات»، اعتمادًا على توافق الأسماء والمكانة الملكية مع ما ورد فى الروايتين الإسلامية واليهودية.

وتوسع المؤلف فى الطرح، فافترض أن «يوم الزينة» هو عيد «السد» السابع لرمسيس الثانى، والذى أقيم- بحسب ترجيحه- فى العام الثامن والأربعين أو التاسع والأربعين من حكمه، بما يوافق عام ١٢٣١ ق.م، معتبرًا أن هذا العيد لم يُوثق، بخلاف الأعياد الأخرى، بسبب هزيمة فرعون وسحرته أمام معجزة عصا موسى عليه السلام.

غير أن هذا الطرح يثير تساؤلًا مشروعًا حول الأساس الذى استند إليه فى اعتماد هذا التاريخ، لا سيما أن الباحثين يختلفون أصلًا فى تحديد سنوات حكم رمسيس الثانى، إذ تطرح الدراسات ثلاث فترات زمنية رئيسية لحكمه:

* ١٣٠١- ١٢٣٥ ق.م

* ١٢٩٠- ١٢٢٤ ق.م

* ١٢٧٩- ١٢١٢ ق.م «وهى الفترة التى اعتمدها المؤلف دون أن يبين أسباب ترجيحها».

وينسحب هذا الخلاف أيضًا على مدة حكم مرنبتاح، حيث تطرح الدراسات ثلاث فترات أخرى:

* ١٢٣٥- ١٢٢٤ ق.م

* ١٢٢٤- ١٢١٤ ق.م

* ١٢١٢- ١٢٠١ ق.م

ومن ثم، يظل التساؤل قائمًا: إلى أى من هذه الفترات الزمنية تعود لوحة مرنبتاح، المؤرخة بالعام الخامس من حكمه؟.

وأخيرًا، فإن البحث العلمى الرصين ليس مجرد تجميع لعدد محدود من الكتب وإعادة صياغتها، وإنما هو جهد وصبر وتفرغ، يبدأ بحصر جميع المصادر والدراسات السابقة، ثم تحليلها ونقدها، وإجراء المقارنات والمقاربات، وصولًا إلى نتائج تستند إلى منهج علمى سليم.

ولذلك، لا يجوز لىّ عنق النصوص الدينية أو التاريخية، أو تحميلها ما لا تحتمل، أو توجيهها لخدمة تفسيرات أيديولوجية بعينها؛ لأن ذلك لا يستقيم مع المنهج العلمى، ولا مع قواعد البحث الأكاديمى الرصين.

مؤرخ وخبير آثار وتراث، عميد كلية الآثار الأسبق بجامعة القاهرة، مساعد رئيس الجامعة السابق