مكتبتي..
الحكاية كلها فى الزقاق
الحارة مفتوحة من الاتجاهين، الزقاق مسدود فى نهايته. دا الفارق الأساسى بين الاتنين. طبعًا، الدنيا ما مشيتش بـ هذه التفرقة الصارمة على طول الوقت، لكن هذا كان أساس «التخطيط» إن جاز التعبير.
الشاعر الألفة صبرى السيد كان له كام سطر لاقط فيهم الفكرة دى:
ولـ إنى شاعر رقيق
القلب حب بـ جد
مليون سؤال ولا جالى منك رد
وآدى النهاية
عشق الفقارى زقاق
بـ يطول صحيح
لكن نهايته سد.
طبيعة الزقاق كـ مكان بـ تخلق واقع معين، هو إنك مهما تقدمت فيه لازم تلف وترجع تانى، لـ إنك لو عايز تروح حتة مختلفة فـ دا مستحيل، لازم تقفز من فوق الحائط/ السد اللى حايش طريقك، ودا مش ضمن نطاق قدراتك البشرية، فـ هنا إنت قدام احتمالين مالهمش تالت، يا تقضى حياتك جوه هذا الزقاق، يا إما ترجع من مطرح ما جيت.
لو فكرنا فى الاحتمال الأول، إنك تقضى حياتك فى الزقاق، فـ هل هنا الزقاق دا بقى ملاذ ولا بقى سجن؟ الأمر متوقف على مدى استسلامك التام، الاستسلام اللى بـ يسموه شعبيًا «الرضا»، إذ إنه أى طموح، أى أمل هو منتهى الخطر، ولو ما عندكش حالة الرضا التام دى هـ تقعد فى هذا الزقاق تتبرم وتشكو وتتبرم وتشكو وتتبرم وتشكو إلى ما لا نهاية، كما إنك هـ تفضل تعيد وتزيد فى نفس ذات نفس الشكوى وكـ إنك شريط سافف، فـ حتى لو حد بـ يسمع لك هـ يزهق منك.
أما الاحتمال التانى، وهو الخروج من الزقاق يعنى ترجع من مطرح ما جيت، فـ السؤال هنا: إنت عارف شكل العالم بره عامل إزاى؟ عارف إنت جى منين؟ ليك جذور بره يعنى؟ أصل لو مالكش جذور معروفة، فـ العالم بره الزقاق لا يرحم، وبدال ما إنت جوه الزقاق سجين ليك احترامك ووضعك، فـ إنت بره الزقاق سجين برضه لكن مالكش دية ولا سعر ولا حول ولا قوة، ولو عندك حاجة جوه الزقاق تغيتك وقت اللزوم فـ إنت براه هـ تفضل تاخد على دماغك لـ حد ما يبان لك صاحب.
من هاتيك المقدمة الطويلة بـ أفهم مصير ومسير ومسار شخوص «زقاق المدق» لـ نجيب محفوظ، اللى كـ العادة أعماله ينفع تتقدم كـ تحليل اجتماعى طبقى محلى أو دولى، أو بـ اعتباره تأملات فلسفية، أو مجرد حدوتة، فـ خلينى هنا فى مقاربتى اللى عايز أتكلم عنها.
الحياة فى زقاق المدق عفنة متحللة «الرواية ١٩٤٧ لاحظ» إذ تسوده شخصيات تعسة بينها علاقات سامة ولا أحد يتورع عن إيذاء حتى ذويه «بـ الأخص ذويه» طالما يملك الفرصة لـ ذلك، وما دام أوتى من القوة ولو مثقال ذرة فـ هو لا محال مستخدمها بـ قسوة وعنف وبـ لا هوادة: فلوس، نفوذ، معلومات، قوة بدنية.. إلخ إلخ.
إنت مش عاجبك العالم دا! تمام يا ريس، بـ شوقك، يا إما هـ تقعد جوه الزقاق بـ منطقه وتتحمل كل هذا العفن بـ طريقة أو بـ أخرى، يا إما هـ تحاول الخروج زى حميدة وعباس وحسين، وتواجه مصايرهم الأكثر تعاسة وبؤسًا: حسين لا فهم هم ليه إدوا له فرصة لـ الحياة، ولا فهم ليه استغنوا عنه، هو مصيره مرتبط بـ حرب ما عندوش أى فكرة عن أبعادها، ولا يملك أى قدرة على إحداث مليمتر من التأثير فيها، فى الآخر لقى نفسه مالوش متوى غير الرجوع لـ الزقاق من غير حتى خفى حنين.
مصير عباس وحميدة أوضح من الشرح، مأساة مكتملة الأركان لا حد منهم طال بلح الشام ولا عنب اليمن بـ غض البصر مين فيهم كمل وعاش «حياة كـ الموت» ومين فيهم فقد حياته «الأعمال الدرامية اللى استقت العمل حاولت تغيير النهاية على أساس كدا الزقاق اتفتح هههههه».
طيب اللى قعدوا جوه الزقاق؟
مفيش يا ريس، كله بـ يعيد إنتاج نفس العفن كل بـ طريقته، لا فارق هنا غنى من فقير ولا راجل من ست ولا كبير من صغير، وكله ما شاء الله تحت المفرمة. وكله وقع ضحية التخلف بـ شكل أو بـ آخر، حتى صاحب الوكالة اللى معاه فلوس بـ الكوم، أصلك هـ يصرفها فى إيه له معنى؟ بـ الظبط، يتفنن فى وصفة مقويات جنسية يحطها فى طعامه اليومى فـ تهلك قلبه، ويصاب بـ أمراض الدنيا، ويبقى تفسيره لـ دا الحسد أو العمل، فـ يكره الأرض ومن عليها.
دى بـ تحب جوزها، ولا يمكن تخونه، إنما برضه طريقتها الوحيدة فى الحفاظ على العلاقة هى إنها تصبّحه بـ علقة وتمسيه بـ علقة علشان يمشى ع العجين ما يلخبطوش. مفيش حد عنده قيمة عايز ينميها أو يحافظ عليها، وكله ماشى اليوم بـ يومه.
طيب، حتى لو تخليت طواعية عن كل القيم، ووصلت لـ القاع، وحفرت كمان تحته زى زيطة وبوشى، هـ تنجو؟ لا والله، عادى مسيرك تقع فى شر أعمالك.
عارف مين الوحيد اللى حياته «تمام»؟
رضوان، مش علشان حل مشاكله لا سمح الله، ولا حتى ساهم بـ خردلة فى تحسين واقعه ومحيطه، هو أعجز من تحريك حجر على رصيف ميت. كما إنه مبتلى فى حياته أكبر ابتلاء، هو تمام لـ إنه استسلم كلية لـ القوة الغامضة المطلقة اللى بـ تدير كل هذا، واللى «أكيد» ليها حكمة ما هو مش فاهمها، ومش مؤهل لـ فهمها.
تانى، الرواية ١٩٤٧، فـ يا ريت الإخوة بتوع مصر قبل الغزو الوهابى، والصحوة والمحوة وكل هاتيك العبارات، يعرفوا إنه الدودة فى أصل الشجرة.
الدروشة المصرية مالهاش علاقة بـ اختيار عقائدى متطرف أو فاسد، جى من بره أو من جوه، اتصرف عليه أو انتشر أورجانيك، كل دى عوامل قد تكون مساعدة نسبيًا، إنما بـ الأساس هذه الدروشة هى محض اختيار سيكولوجى، وحيلة دفاعية ما تخرش المية لـ تحمل واقع شديد الوطأة:
ما تقولش يا رب عندى هم كبير
قول يا هم عندى رب كبير
سهلة أهى! خلصت، حتى لو ما خلصتش، خلصت، وسيب الدنيا تضرب تقلب وروح حج وزور، وفى الآخر كله رايح وآخرتها متر فى متر. عبثية مفتخرة فى علب تدين قطيفة، أحلى واجب تعمله مع نفسك.
طيب نعمل إيه يا أسطى؟
هنا بقى أستعير جملة نجيب محفوظ نفسه:
إنت فاكر إنى أعرف حل وما قلتوش؟






