الإثنين 31 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

نساء الله.. من يظلم المرأة.. النص أم السياسة؟

حرف

- فى الذاكرة الشيعية تتبلور فاطمة بوصفها انعاكسًا لصورة المظلومية المؤسسة

- مريم ليست مادة للصراع بل أداة للضبط وليست لغة مواجهة بقدر ماهى خطاب استقرار

لا تقف المرأة هنا فى قلب الحكاية، ولا على هامشها، بل فى مدارها. تتحرّك حولها النصوص، وتدور من خلالها المعانى، وتستقر عندها توترات قديمة بين المقدّس والسلطة، من دون أن تكون هى دائمًا صاحبة القرار فى اتجاه هذه الحركة.

فى النصوص المؤسسة، لم تكن المرأة مجرد فرد داخل السرد، بل نقطة جذب رمزية، يُعاد عبرها تعريف النسب، والطهارة، والانتماء، والشرعية. يظهر حضورها محمّلًا بالدلالة قبل التجربة، تُستدعى بوصفها علامة أكثر من كونها صوتًا، ويُنظر إليها باعتبارها موضعًا يُثبت من خلاله العهد، أو يُختبر به الإيمان، أو تُرسَم عنده حدود الجماعة. لا تُقدَّم دائمًا فى سياق ذات كاملة الفعل، بل كرمز قابل لأن يحمل ما يتجاوز وجوده الإنسانى المباشر، وأن يُعاد تأويله كلما تغيّر السياق.

غير أن هذه الدلالة لا تبقى حبيسة النص. فالسياسة، حين تدخل عليه، لا تكتفى بتلقى المعنى، بل تعيد توظيفه. تتحول المرأة من موقع رمزى إلى أداة صراع، ومن علامة دينية إلى ورقة شرعية، يُستدعى اسمها أو جسدها أو صورتها كلما احتاجت السلطة إلى ما يثبّت سرديتها أو يعيد رسم حدودها.

هنا، لا يعمل النص وحده، ولا تتحرّك السياسة فى فراغ. بينهما تتشكّل منطقة التباس، تتداخل فيها العقيدة مع السلطة، ويُعاد فيها إنتاج المعنى وفقًا للحظة التاريخية. فى هذا الفضاء لا تبدو المرأة فاعلًا مستقلًا بقدر ما تبدو وسيطًا تُدار من خلاله علاقات أعقد: بين الإيمان والشرعية، وبين القداسة والصراع، وبين ما يُقال وما يُستخدم.

وفقًا لذلك، تُستدرج المرأة حين يحتاج الخطاب إلى رمز، وتُقصى حين يطلب الواقع صوتًا. حضورها كثيف فى اللغة، وفى الجدل، وفى الاستدعاء الأخلاقى، لكن موقعها فى القرار يظل، فى أغلب الأحيان، غائبًا أو مؤجّلًا. هكذا، لا تكون الأنثى خارج التاريخ، لكنها كثيرًا ما تُدفع إلى موقع يُكتب فيه من دونها.

هندسة الحضور.. كيف صاغ النص موقع المرأة؟ 

النص الدينى لا يتعاطى مع المرأة بوصفها ذاتًا تبحث عن موقعها داخل السرد، ولا يقدّمها فى سياق كونها تجربة إنسانية مكتملة، لكنه يصوغها منذ البداية كجزء من هندسة النص نفسه وعنصر يُسهم فى تشكيل الدلالة لا فى روايتها. لذلك، لا ينشغل حضورها بسؤال: من هى؟ أو ماذا تفعل؟ بقدر ما يُعاد توجيهه نحو إشكالية أكثر تجريدًا نقطة ارتكازها: أين تُوضَع داخل الحكاية كى يستقيم المعنى؟ وأى موقع يخدم بناء الجماعة واستمرارها وضبط حدودها؟

لذلك لا يبدو تموضع المرأة فى النصوص الدينية المرجعية متصلًا أو شاملًا، وإنما يكون انتقائيًا. تُستدعى فى لحظات بعينها، وتغيب فى غيرها، ليس لأن النص يتجاهلها، لكن لأنه يحمّل حضورها وظيفة محددة. فهى لا تُوضع حيث يُصنع الفعل أو يُدار الصراع، بل حيث يُراد تثبيت ما بعد الفعل: الطهارة، النسب، الاستمرارية، وتحقّق الوعد.

يظهر هذا المنطق بوضوح فى النص القرآنى حين تُقدَّم مريم بوصفها موضعًا للاصطفاء والتثبيت، لا للمبادرة أو الفعل. يقول تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَٰانَ الَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَٰتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَٰنِتِينَ﴾ «التحريم: ١٢».

الآية هنا لا تستحضر واقعةً أو صراعًا ولا فعلَ اختيار، بقدر ما تركز على سمات مستقرة: الإحصان، الإيمان، التصديق، القنوت. تُوضَع مريم فى مقام الطهارة والتلقّى، لا فى موضع صناعة الحدث. فهى ليست فاعلة داخل السرد، بل الحيّز الذى يُرسَّخ فيه المعنى، ويُحمَل عبره الوعد.

ويتعزّز هذا التصور حين ننظر إلى كيفية إدراج المرأة داخل البنية الجماعية لا الفردية، كما فى خطاب القرآن لنساء النبى فى الآية ٣٢ من سورة الأحزاب حين يقول تعالى ﴿يَا ٰنِسَاء النَّبِىِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ فالنداء هنا جماعى، ومربوط بالموقع لا بالذات. الامتياز ليس ناتجًا عن فعل فردى، إنما ينشأ عن القرب من مركز المعنى. النساء لا يًعرفن كذوات مستقلة، بل بوصفهن جزءًا من بناء رمزى أوسع، تُحدَّد فيه القيمة بالموقع داخل السرد، لا بالمبادرة أو الحركة.

وينعكس التصوّر ذاته فى النص المسيحى بصيغة مختلفة، حيث تُوضَع المرأة فى حيّز تحقّق المعنى المؤجَّل لا فى نطاق صياغته. ففى إنجيل لوقا نقرأ: «مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِى النِّسَاءِ، وَمُبَارَكَةٌ هِيَ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ». «لوقا ١: ٤٢» ثم تقول مريم:

«هَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِى كَقَوْلِكَ». «لوقا ١: ٣٨» إذن البركة هنا مرتبطة بالجسد وبالتحقّق، لا بالفعل أو التفاوض. والمرأة تُقرأ من زاوية كونها الفضاء الذى يتجسّد فيه الأثر الموعود، وليس باعتبارها شريكًا فى صياغته أو إعادة تعريفه. قبولها الصامت هو ما يمنحها مكانتها داخل السرد، لا قدرتها على الفعل.

وفى الخطاب اليهودى، يتكرّر النمط ذاته فى صورة تأسيسية مبكرة، كما فى سفر التكوين: «وَدَعَا آدَمُ اسْمَ امْرَأَتِهِ حَوَّاءَ، لِأَنَّهَا أُمُّ كُلِّ حَيٍّ». «التكوين ٣: ٢٠» فالمرأة تُعرَّف هنا بالكامل من خلال وظيفتها فى الاستمرارية. الاسم نفسه يُختزل فى معنى واحد: أصل الامتداد البشرى. لا يُذكر فعل، ولا يُنقل صوت، ولا تُفتح مساحة تجربة. النص يثبّت الموقع قبل أى شىء آخر.

ربما تكشف هذه البنى النصيّة، على اختلاف تقاليدها الدينية، عن منطق واحد فى صياغة موقع المرأة. فهى تُستدعى حيث يُراد للمعنى أن يستقر: فى الطهارة، وفى النسب، وفى الاستمرارية، وفى تحقّق الوعد. ولكنها لا تُوضَع فى مركز الفعل أو الجدل، بل فى الحيز الذى يضمن بقاء الأثر بعد أن ينتهى الحدث.

لكن يؤخذ فى الاعتبار أن النص لا يصنع لها هذا الموقع بوصفه رمزًا عبر تصريح مباشر، إنما من خلال آلية هادئة تقوم على التكرار والاختزال. فحين تُستدعى المرأة فى الموضع نفسه مرارًا، ويُنزَع عنها الفعل الفردى، ويُبقى على الدور، يبدأ الموقع فى الانفصال عن الشخص. لا يعود مهمًا من تكون المرأة، بل أين وُضعت، وماذا يُراد لهذا الحيز أن يمثل. بما يعنى أن النص لايعلن المرأة رمزًا، لكنه يؤسّس شروط هذا المركز فى بنيته

بهذا المعنى، يصوغ النص موقع المرأة قبل أن يُشكِّل معناها، وقبل أن تُحمَّل بأى استخدام لاحق. فى موضع يتقدّم التأويل والدلالة، وإمكانية التوظيف. ومن دون فهم هذه اللحظة التأسيسية، يصبح أى حديث لاحق عن الرمز أو الاستخدام قفزًا فوق الأساس.

فالمرأة، فى هذا المستوى، لا تزال داخل النص، فى موضع صامت، محسوب، ومنتج للتماسك. وما سيأتى لاحقًا، حين تنتقل هذه الأطر من بنية النص إلى فضاء التاريخ، لن يكون سوى امتداد لهذا البناء الأول، وقد خرج من سياقه النصّى إلى ساحات أوسع.

من الدلالة إلى التوظيف.. متى صارت القداسة مادة للسياسة؟

إذا كان النص الدينى قد منح المرأة حيزًا رمزيًا، ولم يضعها فى موقع الفعل المباشر بيد أنه حملها واقع الأمر بما يكفى من المعانى التى تجعلها قابلة للاستدعاء. فعملية التوظيف السياسى لها لم تبدأ من فراغ، بل من أرضية دلالية جرى تثبيتها مبكرًا داخل النص.

وحين لا تقوم مكانة المرأة فى السرديات الدينية على الحضور الإنسانى الخالص، بل على وظيفة رمزية تجعلها قابلة لأن تحمل ما يتجاوز ذاتها- من نسب، وطهارة، واستمرارية، وانتماء- فإن السياسة هنا لم تبدأ من الصفر ما فعلته، فى أغلب الأحيان، هو أنها دخلت على معنى جاهز، وأعادت توجيهه. بما يعنى أن المرأة لم تُستخدم سياسيًا لأنها ضعيفة أو هامشية، بل لأنها كانت مشحونة بالرمز قبل أن تدخل ساحة الصراع. 

فى هذا المستوى، لا تعمل العلاقة بين النص والسياسة على قاعدة القطيعة، بل على ركيزة الامتداد. السياسة لا تنقض المعنى الدينى، بل تستثمره. فالمرأة لا تستدعى فى الخطاب الأيدلوجى باعتبارها فردًا له رأى، إنما تدخل بوصفها معنى سبق تشكيله فى النص، واستقر فى الوعى، وصار جاهزًا لأن يُستعاد كلما احتاجت السلطة إلى رمز يختصر حكاية كاملة.. يكفى أن تُذكر، أو تُستحضر صورتها، حتى يعمل المخزون الدينى تلقائيًا، من غير حاجة إلى شرح أو تبرير.

هنا، تتحوّل المرأة من دلالة مفتوحة فى النص، إلى أداة مغلقة فى السياسة. فبينما يسمح النص بتعدّد التأويل، تميل السلطة إلى تثبيت المعنى. تُختار قراءة واحدة، وتُعاد صياغتها باعتبارها «الطبيعى» أو «الأصيل»، ثم يُبنى عليها خطاب أخلاقى أو شرعى. فى هذه اللحظة، لا تعود المرأة مجالًا للفهم، بل تصبح حدًا، تُقاس به الطاعة، أو يُختبر عنده الانتماء.

ولعل ما يجعل هذا الانتقال ممكنًا، هو أن النص نفسه لم يقدّم المرأة باعتبارها ذاتًا تفاوض أو تجادل، بل بوصفها مركزًا لاختبار للمعنى. السياسة تلتقط هذا الموضع، وتحوّله إلى أداة ضبط. فالجسد الذى كان علامة على الطهارة، يصبح علامة على الشرف. والمرأة التى كانت رمزًا للانتماء، تتحوّل إلى معيار له. السياسة هنا لا تنتج صورة جديدة للمرأة، بل تعيد ترتيب الصورة القديمة بما يخدم لحظتها.

ليست مصادفة، إذن، أن تتحوّل المرأة إلى مجموعة من الحدود: حدّ للطهارة، وللشرف، وللانتماء. والحدود، بطبيعتها، مادة سياسية ممتازة. عندها تُرسَم الجماعات، وتُفرَز الهويات، ويُعاد تعريف من هو «داخل» ومن هو «خارج». فى هذا السياق، لا يعود الجسد الأنثوى مجرد جسد، بل مساحة يُكتب عليها خطاب السلطة، ويُختبر عندها الولاء، ويُقاس بها الخروج.

من هنا، لا يمكن قراءة حضور المرأة فى الصراعات الدينية والسياسية بوصفه استثناءً أو انحرافًا، بل كامتداد لمنطق رمزى سبق السلطة نفسها. النص وضع المرأة فى موقع يسمح باستدعائها، والسياسة فعّلت ذلك حين احتاجت إلى رمز لا يجادل، ومعنى لا يطلب صوتًا. بما يعنى أن المرأة بين النص والسياسة لم تكن ضحية طرف واحد، بل نقطة التقاء بين منطقين، يشتركان فى تحميلها أكثر مما يسمحان لها بالفعل. فالمرأة، فى هذا السياق، ليست خارج المعركة، لكنها أيضًا ليست طرفًا فيها. هى الساحة التى تُدار عليها المعركة، واللغة التى تُخاض بها، 

حالة الاشتباك بين الدلالة والاستخدام تدفعنا إلى سؤال آخر، يتجاوز ما قاله النص أو ما فعلته السياسة: ليتوقف المسار نفسه عند: كيف انتقلت المرأة، خطوة خطوة، من موقع رمزى مفتوح، إلى أداة صراع مغلقة، ومن علامة قابلة للتأويل، إلى حدّ تُدار عنده السلطة؟

عائشة.. حين كانت الشهادةُ دليلًا على الشرعية

لم يكن بيت النبوة، منذ لحظته الأولى فضاءً خاصًا بالمعنى الاجتماعى الضيق. فمع تحوّل النبوة إلى مركز جامع للجماعة، خرج هذا البيت من كونه إطارًا عائليًا، ليصير مساحة رمزية شديدة الحساسية، تُراقَب وتُؤوَّل، وتُحمَّل ما يتجاوز حدودها الإنسانية. النساء داخل هذا البيت لم يُمنحن سلطة، لكنهن لم يبقين خارج المجال العام. القرب من النبى لم يكن طريقًا للحكم، لكنه فرض حضورًا عامًا لا يمكن تجاهله.

فى هذا السياق، لا تُقرأ نساء بيت النبوة بوصفهن فاعلات سياسيات، ولا باعتبارهن امتدادًا مباشرًا للنبوة، بل بوصفهن جزءًا من بنية رمزية صار المجتمع يحتكم إليها. البيت، بما يحمله من معنى القرب والخصوصية، تحوّل إلى مرآة تُسقِط عليها الجماعة أسئلتها عن الشرعية، والانضباط، وحدود الفعل. كل ما يصدر عن هذا الفضاء، أو يُنسب إليه، يصبح قابلًا للقراءة العامة، حتى الصمت نفسه.

النصوص المؤسسة لا تدفع نساء بيت النبوة إلى الصدارة السياسية، لكنها فى الوقت ذاته لا تعزلهن عن الفضاء المحيط. الخطاب الموجّه إليهن غالبًا ما يكون خطاب ضبط وتمثيل، لا تمكين. فهنّ لسن مصدر تشريع، ولا مرجعية حكم، لكنهن يُقدَّمن بوصفهن نموذجًا يُقاس عليه السلوك، ويُستدعى عند الحاجة إلى التثبيت أو الإدانة. هنا فقط يتحوّل القرب من مركز النبوة إلى عبء رمزى، لا إلى امتياز سياسى.

ضمن هذه البنية، تبرز السيدة عائشة بوصفها الحالة الأكثر تعقيدًا ووضوحًا فى انتقال نساء بيت النبوة من الخاص إلى العام. حضورها لا يُختزل فى كونها زوجة للنبى، بل لأنها المرأة التى تجاوز حضورها من حدود البيت، ودخل المجال التاريخى بكل توتراته. عائشة لا تُستدعى فى الذاكرة الإسلامية بوصفها رمز طهارة صامت، أو أيقونة مظلومية، بل كشاهدة وحجة حية على شرعية السلطة. 

وقد تمظهر هذا الاستخدام على نحو بالغ فى خروج السيدة عائشة إلى البصرة فى أعقاب مقتل عثمان، وهى اللحظة التى انتقل فيها حضورها من كونه موقفًا أو رأيًا، إلى كونه علامة سياسية مكتملة. لم يكن خروجها فعلًا عسكريًا، ولا محاولة مباشرة لتولّى سلطة، بل كان حدثًا محمّلًا بالدلالة، لأن المرأة التى خرجت لم تكن شخصية عادية، بل زوجة النبى، وواحدة من أكثر من ارتبط اسمهنّ ببيت النبوة قربًا وتأثيرًا. 

وهنا يكمن الفارق الجوهرى. الشاهد لا يصنع السلطة، لكنه يمنحها رواية. حضور عائشة فى المشهد العام، ومواقفها، ثم روايتها اللاحقة، كلّها تحوّلت مع الوقت إلى مادة تُستدعى لتثبيت سلطة أو نفيها. لم تُستخدم عائشة لأنّها امرأة فاعلة فقط، بل لأنها امرأة قريبة من مركز النبوة، قادرة على أن تمنح الخطاب السياسى سندًا أخلاقيًا ودينيًا فى آن واحد. 

اللافت أن أثر هذا الخروج لم ينتهِ بانتهاء الواقعة نفسها. فمع الزمن، أعيد تأطير مشاركة عائشة فى تلك اللحظة إلى مرجع يُستدعى فى السرديات اللاحقة، إمّا لتكريس شرعية موقف، أو للطعن فيه. إذ، لم تعد الواقعة حدثًا تاريخيًا مغلقًا، بل مادة مفتوحة لإعادة القراءة، تُستخدم فيها المرأة لا بوصفها فاعلة مستقلة، بل بوصفها دليلًا يُستأنس به فى صراع لم تحسمه النصوص، تتحوّل عنده إلى أداة تُغلق بها الأسئلة أو تُفتح، وتُبنى عليها سرديات متنافسة.

فى هذه اللحظة لا تظهر عائشة كطرف مباشر فى الصراع، بقدر ما تُقرأ بوصفها موضعًا استُخدم لإعادة إنتاجه. فهى لا تمثّل السلطة، لكنها تُستدعى لتبريرها. ولا تقود الفعل السياسى، لكنها تمنحه لغة أخلاقية تسبق القانون والمؤسسة. هنا يتحوّل بيت النبوة، عبرها، من فضاء خاص إلى مخزن للشرعية.

هذا التحوّل يكشف آلية دقيقة فى تسييس نساء بيت النبوة. فالمرأة هنا لا تُستخدم باعتبارها رمزًا مجردًا، لكن بوصفها شاهدة حيّة. والفرق شاسع بين الرمز والشهادة، الأول يوظف بعد انتهاء الفعل، أما الشهادة فتعمل داخله. ومع عائشة، تبلغ هذه الآلية ذروتها الأولى، قبل أن ينتقل الصراع لاحقًا إلى مستوى آخر أكثر حدّة، تتحًول فيه المرأة إلى رمز قداسة تدار حوله المعارك، 

من عند عائشة، يتضح كيف بدأ المسار: من امرأة داخل بيت، إلى حضور عام، إلى شهادة تُستثمر سياسيًا. أما فاطمة، فستأتى لاحقًا بوصفها اللحظة التى لم تعد فيها الشهادة كافية، فاحتاج الصراع إلى الرمز.

فاطمة الزهراء.. حين أصبح الرمز محور صراعٍ لا يهدأ

لا تدخل فاطمة الزهراء التاريخ بوصفها شخصية سياسية، ولا تظهر فى النصوص الأولى باعتبارها فاعلًا فى الصراع على السلطة. حضورها يبدأ، هادئًا، ومشدودًا إلى موقعها العائلى والروحى: ابنة النبى، وامتداد نسبه، وأقرب رموزه الإنسانية. غير أن هذا الحضور المحدود سرعان ما يخرج من سياقه النصّى، ويُسحَب إلى قلب صراع لم تكن فاطمة طرفًا فيه، لكنه اتخذ منها مركزًا رمزيًا.

فى السرد الدينى المبكر، لا تُقدَّم فاطمة بوصفها مشروع حكم، أو مرجعية سياسية. إنما تُذكر فى سياق القرب، والفضل، والاصطفاء، لا فى نطاق القيادة أو الصدام. غير أن هذا الموقع بالذات- مقام القرب من النبوة- هو ما سيجعلها لاحقًا قابلة لأن تتحوّل إلى رمز شرعية. فالنص لم يصنع منها فاعلة فى السياسة، لكنه وضعها فى حيز يجعلها قادرة على حمل السياسة حين تُستدعى.

اللحظة الفاصلة ليست فى حياة فاطمة بقدر ما هى فيما جرى بعد غياب النبى. هنا، يبدأ الانتقال من النص إلى التاريخ. الصراع على السلطة، الذى لم يُحسم بنص قاطع، احتاج إلى مخزون رمزى يضفى عليه معنى أخلاقيًا ودينيًا. فى هذا السياق، لم تكن فاطمة مجرد امرأة فقدت أباها، بل أصبحت نقطة اختبار: من يقف معها؟ ومن يُخاصمها؟ ومن يتجاهل صوتها؟

فى الذاكرة الشيعية، تتبلور فاطمة بوصفها انعاكسًا لصورة المظلومية المؤسسة. ليست مظلوميتها حدثًا شخصيًا، بل دليلًا على انحراف المسار بعد النبى. جسدها المتألم، وصمتها، وغضبها، تتحوّل إلى شواهد تاريخية تُقرأ بوصفها إدانة سياسية. فاطمة هنا لا تُستدعى كإنسانة، بل كحُجّة. وجودها يصبح معيارًا يُقاس به العدل والشرعية، لا تجربة ذاتية تُفهم فى سياقها الإنسانى.

فى المقابل، يتشكّل حضور فاطمة فى الذاكرة السنية على نحو مختلف. تحتفَظ بها داخل دائرة القداسة الهادئة، بوصفها بنت النبى، وسيدة نساء أهل الجنة، من دون تحميلها دورًا صداميًا فى السياسة. هذا الاحتواء لا ينفى فضلها، لكنه يفصل بينها وبين الصراع، ويُعيدها إلى موقع دلالى منزوع التوتر. فاطمة هنا تُكرَّم، لكن لا تُستدعى بوصفها شاهدًا على تثبيت شرعية أو نزعها.

هذا التباين لا يعود إلى تفاوت فى مكانة فاطمة ذاتها، بقدر ما يعود إلى اختلاف فى كيفية توظيف صورتها داخل السرد التاريخى. فالصراع السنى- الشيعى لم يكن على فاطمة، بل كان عبر فاطمة. صورتها تحوّلت إلى مرآة تعكس سؤالًا أوسع: من يملك حق تمثيل النبوة بعد غيابها؟ ومن يملك أن يرث معناها الرمزى؟

السياسة، فى هذا السياق، لا تُنتج الهالة، بل تعيد توزيعها. وفاطمة لم تحظ بمقام التقديس لأنها دخلت الصراع بل استقرّت فى قلب المعركة لأنها كانت مشحونة بالقداسة. موقعها الرمزى السابق على التاريخ هو ما جعلها قابلة لأن تُحمَّل بما يفوق حياتها القصيرة وتجربتها الشخصية. ما جرى هو انتقال من فضاء النص إلى قداسة تُستخدم فى التاريخ، ومن رمز روحى إلى معيارٍ تُقاس به الشرعية..

ولعل المفارقة هنا أن هذا الاستخدام لا يمنح فاطمة صوتًا أو حضورًا فاعلًا، بل يرسّخ صمتها. فكلما ازدادت مركزيتها الرمزية، تراجع حضورها الإنسانى. تُستدعى بوصفها ابنة، لا امرأة. معنى، لا ذاتًا. علامة على الحق، لا تجربة معقّدة تحمل التردد والألم والاختيار. لقد تحولت فاطمة من امرأة عاشت وماتت، إلى رمز مفتوح لا ينتهى الصراع حوله.

عند تلك النقطة شديدة الحساسية، لا يمكن قراءة فاطمة الزهراء بمعزل عن التوتر بين النص والتاريخ. الأول وضعها فى مقام القرب والفضل، أما الآخر فقد أثقل هذا الموقع بما لم يُهيَّأ له. وبين الاثنين، تشكّلت واحدة من أكثر الصور الروحية إشكالية فى الإسلام، لأنها قداسة لا تُقرأ خارج السياسة، ولا تُفهم من دونها.

فاطمة، فى النهاية، ليست سبب الصراع، لكنها إحدى لغاته الأكثر كثافة. حضورها يكشف كيف يمكن للمرأة، حين تُوضَع فى موقع رمزى شديد الحساسية، أن تتحوّل من ذات صامتة فى النص، إلى محور صاخب فى التاريخ. ومن هنا، لا تعود فاطمة مجرد شخصية دينية، بل تصبح مفتاحًا لفهم كيف تُنتج السياسة قداساتها، وكيف تعيد توظيف النصوص حين تعجز عن حسم صراعاتها بغير الرموز.

أستير.. حين تصنع السياسة ستار القداسة

يبدو حضور أستير فى السرد اليهودى ملتبسًا إلى حد بعيد، لا تظهر بوصفها قديسة، ولا تُقدَّم كنموذج طهرى منزّه، ولا تُستدعى باعتبارها مصطفاة بالمعنى الدينى.. امرأة أعلى هرم السلطة ملكة داخل البلاط الفارسى، تعيش أمانًا هشًّا، وتُخفى انتماءها الدينى فى بيئة قد يتحوّل فيها الإعلان عن الهوية إلى حكم بالإعدام. هذا الإخفاء ليس تفصيلًا ثانويًا فى السرد، بل يُذكر صراحة بوصفه شرط البقاء الأول:

«وَأَمَّا أَسْتِيرُ فَلَمْ تُخْبِرْ عَنْ شَعْبِهَا وَلاَ عَنْ جِنْسِهَا، لأَنَّ مُرْدَخَايَ أَوْصَاهَا أَنْ لاَ تُخْبِرَ» «أستير ٢: ١٠».

منذ البداية، تُصاغ الهوية هنا بوصفها مسألة سياسية لا عقائدية. لا إنكار للذات، ولا تخلٍّ عنها، بل إدارة واعية لها. الإعلان ليس قيمة فى ذاته، بل مخاطرة، وتأجيله قد يكون الوسيلة الوحيدة للنجاة. فى هذا الإطار، تدخل أستير القصر، وتتحرّك داخله بلا خطاب دينى، وبلا أى هالة قدسية.

اللافت أن سفر أستير يختلف عن بقية الأسفار فى شىء جوهرى: اسم الله لا يُذكر فيه. لا معجزة، لا تدخل غيبى مباشر، لا نبوءة. السرد يجرى داخل حسابات السلطة والمخاطر البشرية. وهذا الغياب ليس فراغًا، بل إعلانًا ضمنيًا أن النجاة هنا لن تأتى من السماء، بل من قرار.

وحين يصدر قرار إبادة اليهود بتحريض من هامان، تتبدّل معادلة الصمت. الموقع الذى كان حمايةً يصير عبئًا. مردخاى يواجه أستير بحقيقة لا يمكن الهروب منها: «لاَ تَظُنِّى فِى نَفْسِكِ أَنَّكِ تَنْجِينَ فِى بَيْتِ الْمَلِكِ دُونَ سَائِرِ الْيَهُودِ» «أستير ٤: ١٣».

النداء هنا لا يحمل لغة وحى، بل لغة مسؤولية. الموقع الذى كان أمانًا يتحوّل إلى اختبار. ومع ذلك، لا يقدّم النص أستير كبطلة جاهزة. الخوف حاضر، والحساب دقيق، والخطر لا يُخفى: «كُلُّ عَبِيدِ الْمَلِكِ.. يَعْلَمُونَ أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ.. إِذَا دَخَلَ إِلَى الْمَلِكِ.. يُقْتَلُ». «أستير ٤: ١١».

ومع ذلك، تقرر الدخول. لا بوصفها صاحبة رسالة، بل بوصفها صاحبة موقع. هنا يحدث التحوّل الدقيق: أستير لا تدخل القداسة، بل السياسة هى التى تقترب من منطقة القداسة. تطلب الصوم: «اجْمَعُوا الْيَهُودَ وَصُومُوا مِنْ أَجْلِى» «أستير ٤: ١٦».

هنا، لا تتحرّك أستير داخل فضاء القداسة، بل السياسة نفسها هى التى تستعير من القداسة ما يحمى الفعل. فالصوم، والصلاة، والتوسّل الجماعى لا يظهرون بوصفهم جوهر الحكاية، بل كإطار أخلاقى يسبق القرار السياسى ويمنحه قبولًا عامًا. الفعل يظل محسوبًا، واقعيًا، ومدفوعًا بضرورات النجاة، لكنّه يُحاط بلغة إيمانية تجعل نتائجه قابلة للتبرير، لا بوصفها مناورة داخل السلطة، بل كخيار مشروع لحماية الجماعة.

ما فعلته أستير لم يكن موقفًا رمزيًا، بل كان قرارًا سياسيًا خالصًا. استخدمت قربها من مركز الحكم لتُفشل مخطط الملك بإبادة اليهود، فانتقلت جماعة كاملة من حافة الفناء إلى حق البقاء. هنا، لا نتحدّث عن قداسة تصنع التاريخ، بل عن فعل يصنع مصيرًا.

ولعل هذا هو ما منح أستير مكانتها الخاصة داخل الذاكرة اليهودية. فهى لم تُرفَع إلى مقام النبوة، ولم تتحوّل إلى قديسة بالمعنى اللاهوتى، لكنها دخلت مرتبة مختلفة نالت مقام المنقِذة. لذلك ارتبط اسمها بعيد بوريم، بوصفه احتفالًا بالنجاة لا بالوحى، وبالانقلاب السياسى لا بالفتح الدينى. أستير لا تُعبَد، لكنها تُذكَر، ولا تُستدعى كرمز طهارة، بل بوصفها امرأة غيّرت مصير جماعة كاملة بفعل سياسى ناجح.

لم تبدأ قصة أستير من القداسة، لكنها انتهت عند تخومها. والخلود فى حكايتها أثر النهاية. فالتاريخ سبق الرمز، والفعل سبق الهالة. السياسة لم تُلغَ باسم الدين، لكنها استعارت لغته كى تمرّ. ومن هنا، تختم أستير سلسلة النماذج ليس بوصفها الأعلى مقامًا، إنما لكونها الأوضح دلالة.. أحيانًا لا تصنع القداسة الفعل، بل يصنع الفعل ما يشبه القداسة.

مريم العذراء.. حين صار تحييدُ القداسة سياسة

على خلاف السيدة عائشة وفاطمة الزهراء، تتموضع مريم العذراء فى السرد بوصفها مقامًا روحيًا مكتملًا، صورتها تستقر بعيدًا عن معارك الشرعية أو السلطة، حضورها فى النصوص المؤسسة يبدأ وينتهى داخل إطار القداسة الخالصة، منزوعة التوتر السياسى، ومحصّنة ضد الاستدعاء الصدامى. ومع ذلك، فإن هذا الهدوء الظاهرى لا يعنى الغياب الكامل للتوظيف بل يكشف نمطًا مختلفًا منه: توظيف يجرى تفعيله من خلال التثبيت لا المواجهة، وعبر الإجماع لا الانقسام. 

فى النص القرآنى، تُقدَّم مريم بوصفها نموذجًا للطهارة والاصطفاء، وليس باعتبارها شخصية تاريخية ذات مسار متحوّل، حضورها مكثّف، لكنه محكوم بدلالة واحدة تتكرر بصيغ متعددة: النقاء، القبول، والانفراد. يقول تعالى : ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾. الآية الكريمة هنا لا تحكى قصة، بقدر ما تُثبّت موقعًا. فمريم ليست فاعلة فى الحدث، بل كانت موضعًا يُراد له أن يبقى ثابتًا خارج الجدل.

ويستمر هذا التثبيت فى مواضع أخرى، حيث تُربط مريم بالصمت، والقبول، والتلقى. وحين تواجه الاتهام، لا تدافع عن نفسها بالكلام، بل بالإشارة، الصوت يُؤجَّل، والمعنى يُنقل إلى مستوى آخر. ومع ذلك لا يفسر الصمت فى حالتها كونه غيابًا بل جزء من بناء القداسة. فمريم تُصاغ كنقطة يقين لا موضع سؤال، وكأن النص يعفيها من منطق الصراع منذ البداية.

أما فى التقليد المسيحى، فيتعزّز هذا المسار أكثر. حيث تقدَّم مريم بوصفها و«البتول»، و«المباركة»، وهى ألقاب لا تفتح بابًا للجدل، بل تُغلقه. لا يُطلب من القارئ أن يناقش مريم، بل أن يتلقّاها. قبولها للأمر الإلهى يُروى بوصفه لحظة كمال إيمانى، لا لحظة اختيار قابل للمراجعة. «ليكن لى كقولك» ليست جملة تفاوض، بل إعلان تسليم كامل.

ولكن هذا الموقع، رغم كونه منزوع السياسة المباشرة، بيد أنه ليس خارج التاريخ. فالكنيسة، عبر القرون، استخدمت صورة مريم بوصفها نموذجًا معياريًا للمرأة المؤمنة: الطاهرة، الصامتة، القابلة للتلقى. احتفظت بها داخل مساحة قداسة مغلقة، منزّهة عن الصراع، ومفصولة عن أى توظيف سياسى مباشر. لم تتحوّل إلى رمز احتجاج، ولا إلى علامة انقسام، بل جرى تحصينها داخل خطاب إيمانى يجعل الاقتراب منها اقترابًا تعبديًا لا جدليًًا.

بهذا التحييد، جرى فصل القداسة عن السلطة. فمريم، بوصفها أعلى نموذج للطهارة، لم تُستخدم لتبرير حكم، ولا لإدانة خصم، ولا لتثبيت شرعية دنيوية. حضورها أُعيد توجيهه نحو الضبط الأخلاقى والروحى، لا نحو الفعل العام. القداسة هنا لا تُسحب إلى السياسة، بل تُستخدم لعزل الإيمان عن توتراته، ولحماية الجماعة من الانقسام.

ربما تكون المفارقة هنا أن هذا التثبيت الصارم هو ما يمنح صورة مريم قابلية عالية للاستمرار. فغياب الصراع حولها لا يعنى حيادها، بل يعنى نجاحها بوصفها رمزًا مغلقًا لا يُجادَل فيه، ولا يُعاد تأويله إلا داخل الحدود التى رسمتها المؤسسة الدينية، حيث تتحوّل مريم إلى مرجعية أخلاقية صامتة، تعمل فى العمق، لا فى السطح.

وبالمقارنة مع فاطمة، يمكن القول إن القداسة فى حالة مريم اختارت طريقًا آخر: طريق التحصين بدل المواجهة. فاطمة تُستدعى حين يُراد مساءلة التاريخ، أما مريم فتُستدعى حين يُراد تثبيته. الأولى تتحوّل إلى رمز مظلومية، والثانية إلى علامة كمال. وكلتاهما، فى النهاية، تخرجان من النص إلى التاريخ محمّلتين بما يتجاوز تجربتهما الإنسانية المباشرة.

فى ضوء ذلك لا تكون مريم خارج السياسة، لكنها تعمل فى مستوى مختلف منها. ليست مادة للصراع، بل أداة للضبط. ليست لغة مواجهة بقدر ماهى خطاب استقرار. القداسة هنا لا تُستخدم لتغيير الواقع، بل لتكريسه. ومن خلال هذا الاستخدام الهادئ، تُعاد صياغة موقع المرأة مرة أخرى: لا بوصفها فاعلة، ولا بوصفها غائبة، بل بوصفها معيارًا أخلاقيًا يُحتكم إليه من دون أن يتكلم.ت وتتّضح الكيفية التى تتحوّل بها المرأة من موقع نصّى، إلى أداة تاريخية، حتى حين يبدو أنها بعيدة عن السياسة.

مَن ظلم المرأة؟

السؤال يبدو بسيطًا، لكنه يخفى داخله افتراضًا مُسبقًا بأن أحد الطرفين برىء والآخر مذنب. غير أن النماذج التى مرّت بنا لا تسمح بإجابة حاسمة كهذه. فالنصوص لم تكن دائمًا ساحة إقصاء مباشر، كما أن السياسة لم تبدأ من فراغ. بينهما، ظلت المرأة تتحرّك فى مساحة وسطى، لا تملكها بالكامل، ولا تُستبعد منها تمامًا.

فى حالة عائشة، لم يصنع النص منها سلطة، لكنه وضعها فى موقع قربٍ شديد الحساسية. السياسة هى التى دخلت هذا الموقع، واستثمرته، ومنحت حضورها وظيفة تتجاوز شخصها. لم تُقصَ، لكنها لم تُترك أيضًا خارج الحساب.

أما فى مسار فاطمة، فيتحوّل الرمز إلى ساحة صراع. النص يمنحها مقامًا روحيًا، والسياسة تسحب هذا المقام إلى قلب الانقسام التاريخى. هنا لا يمكن القول إن النص ظلمها، ولا إن السياسة وحدها صنعت صورتها. الاثنان معًا أعادا إنتاجها فى سياق أكبر منها.

لكن ظهور مريم كان مختلفًا. قداسة كاملة، منزّهة عن الصراع، ومحصّنة من الاستخدام المباشر. لكن إخراج القداسة من المجال السياسى ليس انسحابًا بريئًا، بل تثبيت للوضع القائم. فحين تُغلَق المرأة داخل صورة طهر مطلق، تُحفظ من الصراع، لكن يُمنع أيضًا أن تكون أداة تغيير. التحييد هنا يستخدم بوصفه سياسة غير مباشرة: يجمّد الرمز كى لا يُستدعى ضد النظام، ويحوّل القداسة إلى عنصر استقرار لا عنصر مساءلة.

وعند أستير، تنقلب الصورة. فالنص نفسه يقدّمها فاعلًا سياسيًا، لا رمزًا منزوع الإرادة. لكن السياسة، بعد نجاح الفعل، أحاطت هذا القرار بهالة تقدير رمزى. لم تبدأ قديسة، لكنها دخلت ذاكرة تكاد تلامس بها مرتبة القداسة.

ما تكشفه تلك المسارات.. أن المرأة لم تكن فى أى نموذج خارج النص أو بعيدة عن السياسة، بل فى المنتصف دائمًا. السرد الدينى يمنح موقعًا، والسلطة تعيد تفسيره. النص يضع دلالة، والسياسة تجرّب استخدامها. أحيانًا تُحصَّن المرأة باسم القداسة، ومرارًا تُستدعى باسم الشرعية، وتُحمَّل رمزًا يفوق قدرتها الإنسانية.

السؤال إذن لا يتعلق بمن ظلمها بقدر ما يتعلق بكيفية تحوّلها إلى نقطة التقاء بين المعنى والسلطة. النصوص الدينية، فى لحظتها الأولى، تصوغ مواقع رمزية مفتوحة. والسياسة، فى لحظتها التاريخية، تبحث عن هذه المواقع لتعيد توجيهها. وما بين اللحظتين، تتحرّك المرأة داخل مسافة لا تملكها بالكامل.

لا توجد إجابة واحدة، لأن العلاقة لم تكن أحادية. لم يكن النص بريئًا تمامًا، ولا كانت السياسة وحدها الفاعل. ما حدث، فى أغلب الأحيان، هو تواطؤ غير معلن بين الدلالة والاستخدام. الرمز يُصاغ، ثم يُستثمر. الموقع يُمنح، ثم يُعاد تأويله.

وربما لهذا ظلت المرأة فى كل هذه النماذج فى موقع لا يستقر: ليست هامشًا بالكامل، ولا مركزًا مكتمل السيادة. ليست ضحية مطلقة، ولا فاعلًا حرًّا تمامًا. هى بذاتها المساحة التى يُختبر عندها معنى القداسة، وتُعاد عندها كتابة الشرعية.

وهنا، لا يعود السؤال: من ظلم المرأة؟

بل: لماذا كانت المرأة، فى كل مرة، أقرب نقطة يمكن للمعنى أن يتحوّل عندها إلى سلطة؟