السبت 27 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

التطبيع مع الإهانة.. لماذا تستمر دوائر العنف ضد المرأة؟

حرف

- ما كان مرفوضًا بالأمس فى حياة النساء يصبح محتملًا اليوم ثم يتحول مع الوقت إلى جزء من المشهد المعتاد

- العنف ضد المرأة لا يزال يتحرك داخل شبكة واسعة من الأفكار والعادات والتصورات

- من مساءلة المعتدى إلى مراجعة سلوك الضحية.. هكذا تبدأ صناعة التبرير

- المجتمع بأكمله يدفع ثمن التطبيع مع العنف حين تتراجع حساسيته تجاه الكرامة الإنسانية

- العنف يحتاج دائمًا إلى بيئة تسمح له بالبقاء وإلى أفكار تخفف من وطأته

- يطرح العنف الطبى ضد النساء سؤالًا أوسع يتعلق بالحدود الفاصلة بين الرعاية والسلطة

أعترف بأننى أكتب هذه السطور من موقع يجاوره اليأس، ليس لأن حادثة بعينها كانت أكثر قسوة من غيرها، وإنما لأننى فقدت القدرة على النظر إلى كل واقعة باعتبارها استثناء. فكلما ظننت أن المجتمع اقترب من عتبة جديدة من الوعى، وأن سنوات طويلة من النقاش والجدل والتشريعات قد تركت أثرًا ما فى الطريق، وجدتنى أقف أمام المشهد نفسه وقد ارتدى ثوبًا مختلفًا فقط.

فثمة أسئلة يرهقها التكرار أكثر مما يرهقها الغموض.. والعنف الواقع على النساء واحد من تلك الأسئلة التى عبرت أزمنة متعاقبة دون أن تفقد حضورها، كأنها قدر عالق فى ذاكرة المجتمعات لا يشيخ ولا يغادر مكانه. تتبدل الوجوه والأسماء، وتختلف الوقائع والملابسات، غير أن المشهد يواصل العودة فى كل مرة من بوابة جديدة، حاملًا الوجع ذاته. الأكثر إرباكًا أن المسافة التى قطعناها فى الكلام تبدو أطول كثيرًا من المسافة التى قطعناها فى الواقع، فى كل مرة أظن أن المجتمع التقط الدرس أخيرًا، وأن حادثة ما ستكون كافية لإحداث شرخ فى هذا الجدار السميك من الاعتياد، تأتى واقعة جديدة لتعيدنى إلى النقطة نفسها. فتاة تُقتل، زوجة تُهان، مريضة تتعرض لانتهاك كرامتها، فنهرع جميعًا إلى دائرة مألوفة؛ الغضب، والإدانة، والمطالبات بالعقاب، قبل أن تنسحب بهدوء إلى أرشيف النسيان.

نتحدث ونكتب فى الصحف والكتب ومنصات التواصل، ونختلف حول أسبابه وتجلياته ومسئوليات مواجهته، ثم لا يلبث كل شىء أن يسكن بموضعه القديم، كأن شيئًا لم يكن.

لا أدرى إلى متى ستعجز الصدمة عن إيقاظنا؟ أم أن المأساة فقدت قدرتها على دهشتنا من فرط التكرار، صارت مألوفة إلى الحد الذى يجعل وقعها أقل حضورًا من الألم؟.

لست «نسوية» بالمعنى الدارج للكلمة لكننى أتالم من أجل كل امرأة ارتضت أو ربما جبلت على التطبيع مع الإهانة.

يصعب الزعم بأن المجتمع يفتقر إلى الذاكرة، فالأعوام الأخيرة وحدها تركت وراءها ما يكفى من الوقائع التى استقرت فى الوجدان العام، وكان يفترض أن تدفع إلى مراجعات طويلة وعميقة. فالوصول إلى المعلومات لم يعد معضلة والحوادث التى كانت تمر فى صمت خلال أزمنة سابقة، صارت موثقة تقريبًا، كل شىء تقريبًا حاضر؛ الصور، الشهادات، التفاصيل وردود الأفعال، وحتى السجالات التى تشتعل عقب كل حادثة وتمتد أيامًا وربما أسابيع.

ما يبعث على الحيرة أن هذا الحضور الكثيف للوقائع لم ينجح فى إحداث الأثر المتوقع، فكل اسم جديد يطل من بين العناوين يحمل معه الإحساس ذاته بأننا نقف أمام جرح لم نره من قبل، رغم أن الطريق خلفنا مزدحم بالشواهد. كأن الوقائع تتجاور داخل الذاكرة دون أن تتحاور، تعيش كل واحدة منها فى جزيرتها الخاصة، منفصلة عما سبقها وما لحق بها.

وتكفى الإشارة إلى بعض الأسماء التى حفرت مكانها فى الذاكرة العامة خلال السنوات الأخيرة. نيرة أشرف، وسلمى بهجت، وعروس الإسماعيلية، وغيرها من الوقائع التى تجاوزت حدود الأخبار اليومية لتصبح محطات فارقة فى الرؤية العامة. فقد استدعت تلك الحوادث موجات واسعة من الغضب والتعاطف والمراجعة، وفتحت أبوابًا طويلة للحديث عن العنف الموجّه ضد النساء، وأسبابه وتجلياته ومسئولية المجتمع فى مواجهته. وبدا فى بعض اللحظات أن حجم الألم كفيل بإحداث تحول حقيقى فى الوعى، وأن الصدمة قادرة على انتزاع المجتمع من مناطق الاعتياد التى استقر فيها طويلًا.

غير أن السنوات التى تلت تلك الوقائع حملت أسماء جديدة وأسئلة قديمة. لم تتوقف الحكاية عند حادثة بعينها، ولم يكن العنف حبيس صورة واحدة يمكن الإشارة إليها بوضوح، فخلف الجرائم التى تتصدر العناوين يمتد طيف واسع من الممارسات الأقل ظهورًا؛ عنف نفسى ينهش الثقة بالنفس، وثانٍ أُسَرى يُدار خلف الأبواب المغلقة، وآخر اقتصادى يضع النساء فى دوائر من التبعية، وانتهاكات جنسية تتعدد صورها، فضلًا عن تجاوزات قد تجد طريقها إلى بعض المؤسسات التى يفترض أنها وُجدت للحماية أو الرعاية.

وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو امرأة من كل ثلاث نساء حول العالم تعرضت خلال حياتها لشكل من أشكال العنف الجسدى أو الجنسى. كما تكشف تقارير الأمم المتحدة عن أن عشرات الآلاف من النساء يقتلن سنويًا على يد شركاء أو أفراد من الأسرة. لتتحول الأرقام من مجرد بيانات إحصائية باردة، إلى شواهد إضافية على أن القضية أوسع من حدود الجغرافيا، وأعمق من أن تُختزل فى حوادت فردية متفرقة.

الأسماء باقية، والصور حاضرة، والقصص أيضًا، لكن الخيط الذى يجمعها يبدو أكثر هشاشة مما ينبغى. فالمشكلة لا تكمن فى نقص الشواهد، أو فى غياب المعرفة بما يجرى، نحتفظ بالأسماء، ونؤرشف الوقائع، ونتبادل الصور والقصص كلما طلت الحكاية بوجه جديد، فكيف تعجز ذاكرة مثقلة بكل هذه الشواهد عن حماية الأسماء التى لم تُكتب بعد؟

هناك فارق بين أن نتذكر وأن نتعلم، بين أن نستعيد الحكاية وأن ننجح فى تغيير المسار الذى أنتجها. فقد تحتفظ المجتمعات بالأحداث لسنوات طويلة، وتبقى فى وجدانها لأجيال، لكن حضور الذكرى لا يعنى بالضرورة فهم الدرس. وما يترسب فى الذاكرة أقل بكثير مما يترسب فى الوعى.

لو كانت الصدمة وحدها كافية لتغيير المجتمعات لكان العنف ضد النساء واحدًا من أكثر الملفات التى شهدت تحولًا خلال العقود الأخيرة. فكل الآلالم لها عمر افتراضى لا ينتبه إليه كثيرون. تولد حادة ومربكة، تقتحم الوعى بعنف، تفرض حضورها وتتجه الأنظار إليها دفعة واحدة، غير أن ما يعقب لحظة الانفجار الأولى لا يقل أهمية عن الانفجار ذاته. فالأحداث لا تبقى معلّقة عند الذروة إلى الأبد، والوجدان الإنسانى لا يملك رفاهية البقاء فى حالة استنفار دائم.

تتسلل الألفة، تدريجيًا، إلى أكثر الوقائع قسوة، تبدأ المسافة فى الاتساع بين الحدث ومتلقيه، ويخفت ذلك الشعور الأول الذى صاحب ظهوره، يفقد شيئًا من حدته مع الوقت، وما يجرى على مستوى الفرد ينسحب بدرجات مختلفة على المجتمع بأكمله.

فالعقل لا يتعامل مع المشهد المتكرر كما يتعامل مع الطارئ. ومع كل تعرض جديد، يتراجع قدر من الاستجابة الأولى التى صاحبت الصدمة. لا تختفى المشاعر تمامًا، لكنها تفقد شيئًا من حدتها. يشبه الأمر جرسًا مرتفعًا يلفت الانتباه فى المرة الأولى، ثم يتحول مع الوقت إلى جزء من الضجيج المحيط. 

من ثم فإن تكرار المأساة لا يضاعف أثرها بالضرورة. أحيانًا يحدث العكس تمامًا. فالحادثة التى كانت كفيلة قبل سنوات بإرباك المجال العام لأيام طويلة، تصبح أقل قسوة، ليس لأن الوجع فقد فداحته، لكن لأن التكرار يغير طريقة استقبالنا للأشياء.

إذ يحدث ما يعرف فى علم النفس بـ«التبلّد الانفعالى» حيث يؤدى التعرض المتكرر لمشاهد العنف والألم إلى انخفاض الاستجابة العاطفية تجاهها بمرور الوقت. لا يعنى ذلك اختفاء التعاطف أو قبول ما يحدث، لكنه يفسر كيف تفقد بعض الوقائع جزءًا من قدرتها على المباغتة كلما تكرر حضورها.

ويبدو العنف ضد النساء واحدًا من أكثر الملفات التى يمكن ملاحظة هذه الظاهرة من خلالها. فكل واقعة جديدة تفتح باب الجدل من جديد، وتدفع كثيرين إلى استعادة وقائع سابقة وأسماء ما زالت عالقة فى الذاكرة. تتجاور الحكايات داخل الوعى الجمعى حتى تكاد تشكل سلسلة واحدة ممتدة عبر الزمن. وحين تتراكم الأحداث على هذا النحو تتعرض الصدمة نفسها إلى نوع من الاستنزاف البطىء.

تضاعف وسائل التواصل الاجتماعى من تسارع الإيقاع، فهى تمنح القضايا انتشارًا واسعًا، لكنها تدفعها أيضًا إلى سباق لا ينتهى مع أخرى. بالكاد يبدأ الناس فى استيعاب ما جرى حتى تفرض واقعة جديدة نفسها على الشاشات. ينتقل الانتباه ما بين القصص المتلاحقة، ومن موجة غضب إلى موجة تالية، تتراجع المساحة المتاحة للتأمل الهادئ أو المراجعة العميقة.

المثير للقلق أن تآكل الصدمة لا ينعكس على طريقة استقبال الأحداث فحسب، بل يمتد أثره إلى تصورنا لقدرتنا على التغيير. فكلما تكرر المشهد دون تحول ملموس، ازداد الإحساس بأن الواقع أكثر صلابة من أن تمسه الصدمات المتعاقبة.

تتراجع الثقة فى جدوى الغضب، وتتوارى القناعة بأن الواقعة الأخيرة قد تكون نقطة تحول حقيقية. وفى لحظة ما، يجد المجتمع نفسه أمام مفارقة ثقيلة؛ إذ يعرف حجم المشكلة جيدًا، ويشاهد آثارها باستمرار، ويواصل الحديث عنها، بينما يتسرب من بين يديه ذلك الشعور القديم بأن التغيير ممكن وقريب.

تصبح المأساة مألوفة على نحو يبعث على الخوف، لأن تكرارها الطويل أضعف قدرتها على إحداث ذلك الارتباك الذى يدفع إلى إعادة التفكير. يتراجع حضور الدهشة خطوة إلى الخلف، ويبقى الألم فى مكانه.

ما بين ألم لا يغادر ودهشة تتآكل ببطء، تواصل الدائرة حركتها، كأن المجتمع يطور قدرة متزايدة على التعايش مع الجرح دون الاقتراب من جذوره. ومن تلك المسافة القصيرة بين الألفة والتكرار يبدأ التطبيع فى التسلل بهدوء، باعتباره اعتيادًا على حضور العنف.

ليس كل من يتعايش مع الإهانة يجهلها، فكثير من النساء يعرفنها جيدًا، ويستطعن تسميتها بدقة، وربما بكين بسببها ليلًا أكثر من مرة. غير أن المعرفة وحدها لا تكفى دائمًا لصنع القطيعة، فثمة مسافة شاسعة بين إدراك الجرح والقدرة على مغادرة أسبابه.

تبدو الإهانة فى المخيلة العامة فعلًا واضحًا وصريحًا يسهل التعرف إليه؛ صفعة، أو سباب، أو اعتداء لا يترك مجالًا للالتباس. غير أن الحياة اليومية أكثر التواءً من ذلك، فبعضها يتسرب فى هيئة تفاصيل صغيرة ومتكررة؛ كلمة تنتقص من القيمة، سخرية تتخفى فى ثوب المزاح، وصاية لا تعترف بحق الطرف الآخر فى الاختيار، أو معاملة تذكّر الإنسان كل يوم بموقعه الأدنى داخل العلاقة.

التطبيع مع الإهانة يبدأ من التفاصيل التى تمر دون ضجيج، إذ يصعب أحيانًا التقاط اللحظة التى تحركت فيها الحدود خطوة إلى الخلف. فالأشياء لا تتغير دفعة واحدة. ما كان مرفوضًا بالأمس يصبح محتملًا اليوم، ثم يتحول مع الوقت إلى جزء من المشهد المعتاد حيث تجد بعض الممارسات مكانها داخل المألوف اليومى.

المرأة التى تتعرض للعنف أو الإهانة داخل بيتها ليست الوحيدة فى هذه الدائرة، فهناك امرأة تبتلع إساءة فى مكان العمل خشية فقدان مصدر رزقها، وأخرى تتجاهل تعليقًا جارحًا فى الشارع لأنها تعرف أن الاعتراض قد يجر عليها أذى أكبر، وثالثة تغادر مؤسسة خدمية أو تعليمية أو طبية وهى تحمل فى داخلها شعورًا ثقيلًا بالانتقاص من الكرامة، لكنها تمضى فى طريقها لأن المعركة بدت أكبر من قدرتها على خوضها.

من الخارج تبدو الأسئلة سهلة.. لماذا لم ترد؟ لماذا سكتت؟ لماذا استمرت؟ غير أن الإجابات لا تقيم دائمًا فى المنطقة نفسها التى تولد فيها الأسئلة، فالخوف يغير حسابات البشر، والحاجة تفعل ذلك أيضًا، وكذلك الرغبة فى النجاة بأقل الخسائر الممكنة. يعرف الإنسان أحيانًا أنه يتعرض للأذى، لكنه يدرك فى الوقت ذاته أن الاعتراض لن يغير الكثير، أو أن ثمنه سيكون فادحًا.

كما أن قدرة الإنسان على التكيف مع الظروف القاسية تزداد وضوحًا حين تطول إقامته داخلها، إذ تعكس محاولة النفس البحث عن طريقة للاستمرار. وفى الأدبيات النفسية يظهر مفهوم «العجز المتعلم» لوصف الحالة التى يفقد فيها الإنسان تدريجيًا ثقته فى قدرته على تغيير واقع يؤذيه بعد محاولات متكررة لم تفضِ إلى نتيجة. تظل الإهانة مؤلمة، ويبقى الوعى بها حاضرًا، غير أن الأمل فى تغييرها يتآكل ببطء، فيصبح الاحتمال أقل كلفة من خوض معركة تبدو نتائجها غير مضمونة.

ولا تخص هذه الحكاية النساء وحدهن، وإن كنّ الأكثر تعرضًا لها فى كثير من السياقات. فالمجتمع نفسه يشارك فى هذه العملية كلما استقبل الإهانة باعتبارها أمرًا عاديًا أو متوقعًا. حين يسمع قصة مؤلمة فيسارع إلى تبرير الاحتمال أكثر من بحثه عن أسباب تدعو إلى التغيير.وحين تتحول عبارات مثل «استحملى» و«عدّيها» و«مفيش حد كامل» إلى جزء من الحكمة اليومية المتداولة، وإلى وصفات جاهزة للحياة. تتضاءل حساسية المجتمع تجاه الإهانة بالطريقة نفسها التى تخفت بها حساسية الجسد تجاه الألم المزمن. لا يختفى الألم، لكنه يتوقف عن جذب الانتباه بالدرجة نفسها. يعرف المريض موضع الوجع، ويعرف أنه ما زال هناك، غير أنه يواصل يومه رغم حضوره. وعلى نحو مشابه، تستقر بعض صور الانتقاص من الكرامة فى الحياة العامة حتى تصبح مألوفة أكثر مما ينبغى.

لكن المآسى الكبرى لا تنفصل عما يسبقها.. ثمة طريق طويل يسبقها، تتقاطع عليه تنازلات صغيرة وصمت طويل وخوف متراكم ورسائل اجتماعية متوارثة. وحين تقع الواقعة التى تملأ الشاشات وعناوين الأخبار، تبدو كأنها ظهرت فجأة، رغم أنها كانت تنمو بعيدًا عن الأنظار منذ وقت طويل.

المؤلم أن المرأة ليست وحدها من تدفع ثمن هذا التطبيع، فالمجتمع بأكمله يدفع الثمن حين تتراجع حساسيته تجاه الكرامة الإنسانية، وحين يصبح الاحتمال فضيلة تتفوق على الرفض، والتكيف مهارة أكثر تقديرًا من المواجهة.

عندها تتحول الإهانة، أيًا كان نوعها، من تجربة فردية تخص من يتعرض لها، إلى جزء من المناخ العام الذى نعيش داخله جميعًا، ونشارك فى إعادة إنتاجه، ثم نتساءل بعد ذلك لماذا يواصل العنف العودة إلينا بالوجوه ذاتها وإن اختلفت الأسماء.

الجريمة تقع فى لحظة، أما التبرير فيملك عمرًا أطول بكثير. يبدأ قبلها أحيانًا، ويستمر بعدها طويلًا، ويترك أثره فى الوعى العام أكثر مما تتركه الواقعة نفسها.

والعنف يحتاج دائمًا إلى بيئة تسمح له بالبقاء، وإلى أفكار تخفف من وطأته أو تمنحه قدرًا من المعقولية. ولهذا لا يظهر التبرير عادة فى صورة دفاع مباشر عن الخطأ. فقلما يخرج أحد ليعلن تأييده للعنف أو انحيازه إلى المعتدى. ما يحدث أكثر تعقيدًا من ذلك، إذ يتسلل التبرير فى هيئة أسئلة تبدو منطقية، أو ملاحظات عابرة، أو نصائح تتكرر حتى تكتسب مظهر الوعظ.

فما إن تقع حادثة عنف ضد امرأة حتى تبدأ رحلة مألوفة من البحث عن التفاصيل المحيطة بها؛ أين كانت؟ لماذا ذهبت؟ ماذا قالت؟ كيف تصرفت؟ تبدو الأسئلة فى ظاهرها محاولة للفهم، غير أن مسارها يقود غالبًا إلى نتيجة مختلفة؛ إذ يحول مركز الاهتمام تدريجيًا من الفعل نفسه إلى الظروف التى أحاطت به، ومن مساءلة المعتدى إلى مراجعة سلوك الضحية.

ولا يتعلق الأمر بحادثة بعينها أو بواقعة استثنائية شغلت الرأى العام أيامًا قليلة ثم غادرت العناوين، فالنمط نفسه يتكرر فى صور متعددة؛ امرأة تتعرض للتحرش فينشغل البعض بمظهرها، وأخرى تواجه عنفًا أسريًا فتجد من يسألها لماذا بقيت كل هذا الوقت، وثالثة تتعرض لإهانة فى بيئة العمل فتتحول الشكوى ذاتها إلى موضوع للمراجعة والتشكيك. تتغير الوقائع، بينما يظل المنطق واحدًا؛ البحث عن تفسير يخفف وقع الحقيقة الأكثر إزعاجًا.

ربما تكمن جاذبية التبرير فى أنه يمنح شعورًا خادعًا بالأمان، فحين نربط المأساة بسبب محدد يخص الضحية، يصبح العالم أكثر قابلية للفهم. تبدو الأمور وكأنها تسير وفق قواعد واضحة يمكن تجنب مخاطرها بالتصرف الصحيح. أما الاعتراف بأن العنف قد يقع رغم كل الاحتياطات، وأن بعض النساء يدفعن ثمن اختلالات أعمق من قرارات فردية عابرة، فذلك يضع المجتمع أمام أسئلة حرجة وغير مريحة.

وهو ما تذهب إليه فرضية تعرف باسم «العالم العادل»، وتقوم على ميل الإنسان إلى الاعتقاد بأن الناس ينالون فى النهاية ما يستحقونه. ومع أن الفكرة مريحة للوهلة الأولى؛ إذ تمنح العالم قدرًا من النظام والمعقولية، غير أن وجهها الآخر أكثر إشكالًا، فحين تواجهنا مأساة يصعب استيعابها قد ندفع أنفسنا إلى البحث عن خطأ ما لدى الضحية يفسر ما جرى لها لأن وجوده يجعل الواقع أقل فوضى وأكثر قابلية للتحمل. وبذلك يتحول التبرير إلى آلية نفسية تمحنا شعورًا زائفًا بالأمان أكثر منه محاولة حقيقية لفهم ما حدث.

غير أن التبرير لا يتوقف عند حدود تفسير ما جرى، ويشارك فى تشكيل ما سيجرى لاحقًا. فكل مرة تتحول فيها الأنظار بعيدًا عن جذور المشكلة، تبقى الأسباب الحقيقية فى مكانها. وكل مرة يجرى فيها التعامل مع العنف بوصفه نتيجة لظروف خاصة أو أخطاء فردية، تضيق النظر إليه باعتباره ظاهرة تستحق مراجعة أعمق.

كما تزداد خطورة الأمر حين يتحول التبرير إلى جزء من الثقافة اليومية. عندها يكون حاضرًا فى التعليقات التى تلى الحوادث الكبرى، ويظهر فى النصائح المتداولة والأحكام السريعة والعبارات التى تتكرر على ألسنة الناس دون تفكير طويل. بعض العبارات التى قد تبدو عادية، تحمل فى داخلها تصورًا كاملًا عن المرأة ومسئوليتها وحدود حركتها وما ينبغى لها احتماله أو تجنبه.

ولأن التصورات لا تولد عادة من الفراغ، فإن بعضها يجد طريقه عبر أمثال شعبية قديمة، وتستقر عبر نصائح متوارثة تتكرر حتى تكتسب سلطة الحقيقة، كما تجد ما يغذيها فى قراءات مبتسرة لنصوص دينية تُقتطع من سياقها لتبرير ما لم تأتِ أصلًا لتبريره. لتتحول أفكار نشأت فى ظروف اجتماعية وتاريخية معينة إلى أحكام جاهزة تواصل إعادة إنتاج نفسها جيلًا بعد جيل، حتى تبدو لكثيرين جزءًا من النظام الطبيعى للأشياء.

ومع الوقت، تتراكم تلك الرسائل الصغيرة فوق بعضها البعض، حتى تنجح فى إعادة رسم حدود المقبول والمرفوض داخل الوعى الجمعى، ويغدو التبرير أحد الشروط التى تسمح باستمرار العنف، فالمجتمع الذى ينشغل طويلًا بتفسير الجرح قد يفوته سؤال الوقاية منه، كما أن توزيع المسئولية على الجميع يضعف القدرة على رؤية موضعها الحقيقى.

لذلك تتجاوز صناعة التبرير حدود الظاهرة اللغوية أو النقاش العابر على منصات التواصل. فهى جزء من القصة الأكبر التى تجعل العنف يعود فى كل مرة بوجه جديد، إذ تمنحه مساحة إضافية للحياة، وتؤجل المواجهة الحقيقية، وتدفع الأسئلة الأكثر إلحاحًا إلى الهامش. وبينما ينصرف الجميع إلى تفسير ما حدث، يبقى السؤال الذى لم يُجب عنه بعد فى مكانه: كيف نوقف تكراره؟

ليست كل الوقائع متشابهة فى أثرها، فبعضها يمر باعتباره خبرًا جديدًا ينضم إلى قائمة طويلة من الأخبار، بينما ينجح بعضها الآخر فى كشف ما هو أبعد من تفاصيله المباشرة. وبغض النظر عن صحة الروايات التى جرى تداولها أو ما قد تنتهى إليه التحقيقات فى القضية المعروفة إعلاميًا بـ«مستشفى الشاطبى» فإن الجدل الذى أثارته وضعنا أمام باب آخر من أبواب العنف، فعلى امتداد سنوات طويلة ارتبط الحديث عن العنف ضد المرأة بصور مألوفة؛ فى البيت أو الشارع أو مكان العمل. غير أن ما حدث حوّل الانتباه إلى وجه أقل ألفة، إلى المؤسسات التى يفترض أنها قامت أصلًا على الرعاية والحماية.

ولأن المستشفى فى المخيلة الإنسانية ليس مجرد مبنى يقدم خدمة، وإنما مساحة يلجأ إليها الإنسان فى لحظات ضعفه القصوى. هناك يضع جسده بين أيدى غرباء، ويسلمهم قدرًا من الثقة لا يمنحه لأحد فى الظروف العادية. ويكتسب أى خلل فى هذه العلاقة حساسية مضاعفة. فالأذى هنا يمتد إلى الثقة التى تقوم عليها العلاقة العلاجية نفسها.

ومع أن العنف الطبى ضد النساء لا يظهر دائمًا فى صور فادحة أو استثنائية، فكثيرًا ما يبدأ من تفاصيل تبدو صغيرة؛ شكوى لا تجد من يصغى إليها، أو ألم يُقابل بالتشكيك، أو أسئلة تُستقبل بالضيق، أو مخاوف تُعامل باعتبارها مبالغة لا أكثر. فخلف هذه المساحات العابرة تتقاطع الخبرة الطبية مع تصورات اجتماعية أقدم وأعمق تتعلق بالمرأة وجسدها وألمها.

تشير دراسات عديدة إلى أن النساء حول العالم يواجهن معدلات أعلى من التقليل من شكاواهن الصحية مقارنة بالرجال. فالمرأة التى تصف ألمًا مزمنًا قد تسمع تفسيرات نفسية قبل أن تحصل على تفسير طبى، وقد يستغرق الوصول إلى تشخيص بعض الحالات سنوات طويلة من البحث والانتظار. وهو ما يكشف عن مشكلة تتعلق بالطريقة التى يُستقبل بها صوت المرأة حين تتحدث عن معاناتها.

ويكتسب صوتها فى لحظات الحمل والولادة أبعادًا مضاعفًة، حيث تجتمع الهشاشة الجسدية مع الحاجة المطلقة إلى الرعاية. ومع ذلك خرجت خلال السنوات الأخيرة عشرات الدراسات والشهادات التى تتحدث عما بات يعرف بالعنف التوليدى؛ وهو مصطلح يشير إلى ممارسات تمس كرامة المرأة أو تتجاهل إرادتها أثناء الحمل أو الولادة أو ما بعدهما. إذ لا يتعلق الأمر بالأخطاء الطبية وحدها، وإنما بطريقة التعامل مع امرأة تعيش واحدة من أكثر لحظات حياتها حساسية.

كم من امرأة خرجت من غرفة الولادة وهى تحمل مع طفلها ذكرى ثقيلة لم تغادرها بعد، وكم من أخرى ظل عالقًا فى ذاكرتها ما قيل لها فى لحظة الألم أكثر من تفاصيل العلاج نفسه؟ فبعض الجروح تستقر فى الذاكرة أكثر مما تترك علاماتها على الجسد.

بيد أن المؤلم فعلًا أن جانبًا من هذه الخبرات يمر دون شكوى أو مساءلة.. إذ إن أخطر ما فى العنف الطبى ضدالسيدات أنه غالبًا ما يُرتكب تحت غطاء السلطة العلمية. فالمرأة التى تعترض تُتهم بالجهل، والتى تسأل تُوصف بالمزعجة، والتى تطالب بحقها فى المعرفة أو الموافقة تُعامل أحيانًا وكأنها تعطل العمل الطبى. ولذلك قد يتحول اختلال ميزان القوة بين مقدم الخدمة الصحية والمريضة إلى بيئة تسمح بوقوع الانتهاكات دون مساءلة حقيقية.

ولا تتوقف خطورة هذه المعادلة عند حدود المستشفى، فحين تشعر المرأة بأن ألمها موضع شك، أو أن صوتها أقل وزنًا من غيره، أو أن حقها فى السؤال يحتاج إلى تبرير، فإن الرسالة تتجاوز الواقعة نفسها. إذ يصبح الجسد الأنثوى ساحة تتداخل فوقها السلطة الاجتماعية مع السلطة المهنية، وتتراجع فيها قدرة المرأة على الدفاع عن نفسها كلما ازدادت حاجتها إلى المساعدة.

لذلك قد يطرح العنف الطبى ضد النساء سؤالًا أوسع يتعلق بالحدود الفاصلة بين الرعاية والسلطة، وبين الخبرة العلمية وحق الإنسان فى أن يُعامل بكرامة. لأن العلاج لا يكتمل عند وصف الدواء أو نجاح الإجراء الطبى، وإنما يبدأ من الاعتراف الكامل بإنسانية من يتلقاه. وحين تضطر امرأة إلى أن تدافع عن حقها فى أن يُصدق ألمها، أو يُحترم جسدها، أو يُستمع إلى صوتها، فإن المشكلة تتجاوز حدود الطب لتصبح مرآة لسؤال أقدم وأوسع عن موقع المرأة داخل المجتمع نفسه.

بالنهاية قد تكشف التحقيقات تفاصيل جديدة، وقد تسقط روايات وتثبت أخرى، غير أن القيمة الحقيقية فيما جرى تكمن فيما أخرجته إلى السطح من أسئلة ظلت مستترة تحت طبقات متراكمة من الاعتياد. فبعض الأحداث لا تغير الواقع مباشرة، لكنها تمنحنا فرصة لرؤية ما اعتدنا المرور بجواره دون انتباه كافٍ.

إن ما يبعث على الإرهاق أننا عقب كل واقعة يتجدد الوعد نفسه، تتصاعد الأصوات المطالبة بالمحاسبة، وتمتلئ المساحات العامة بالغضب والأسئلة، ويبدو للحظة أن المجتمع يقف أخيرًا أمام المرآة..

بيد أن القضية ربما أعمق من واقعة محددة أو قانون بعينه أو مؤسسة بعينها. فرغم الأشواط التى قضيناها فى مناهضة العنف ضد المراة لا يزال يتحرك داخل شبكة واسعة من الأفكار والعادات والتصورات، تعكس نظرتنا إلى المرأة وموقعها وحدود ما يحق لها أن تقبله أو ترفضه.

فالذاكرة المثقوبة، وتآكل الصدمة، والتطبيع مع الإهانة، وصناعة التبرير ليست سوى حلقات متصلة فى السلسلة نفسها، إذ يندر أن يغير المجتمع سلوكًا ما دام يعتاد رؤيته، ويجد له تفسيرًا فى كل مرة، ويصعب أن يتوقف عن تبريره ما دام ينظر إليه باعتباره استثناءً لا جزءًا من مشكلة أوسع.

أعرف أن أشياء كثيرة قد تغيرت، وأن الطريق الذى تقطعه امرأة اليوم ليس هو ذاته الذى كان قبل عقود، وأن ما كان يمر فى صمت كامل أصبح يجد من يلتفت إليه ويسميه باسمه. لكن هذا كله لا يمنع ذلك الشعور الثقيل الذى يتسلل فى نهاية المطاف، بأن المسافة التى قطعناها أقل من التى كنا نأملها.

نحن نتحدث عن العنف ضد النساء أكثر من أى وقت مضى، ونكتب عنه على نحو لم يكن متاحًا من قبل، ونشاهده حاضرًا فى الإعلام والدراما ومنصات التواصل على نحو غير مسبوق، إلا أن كثرة الكلام لا تعنى بالضرورة تغيرًا موازيًا فى الوعى، فالمعرفة شىء، والتحول الثقافى شىء آخر.

لكن ما يجعل الإحساس بالدوران داخل الدائرة القديمة عصيًا على المغادرة أن المجتمعات لا تتشكل فقط عبر القوانين والمؤسسات، وإنما عبر الأفكار التى تبدو بديهية إلى درجة أننا نتوقف عن ملاحظتها، وتتكرر حتى تفقد غرابتها، وتنتقل من جيل إلى آخر دون أن تخضع للمراجعة بالقدر الكافى. وحين تستقر هذه الأفكار طويلًا، يصبح تغييرها أكثر صعوبة من تغيير النصوص والإجراءات.

لا يعنى ذلك أن الطريق مغلق أو أن التغيير مستحيل، فكل تحول اجتماعى كبير بدأ بسؤال أقلق زمنه، وكل يقين بدا راسخًا فى لحظة ما انتهى إلى المراجعة والتغيير. وربما كانت القيمة الحقيقية لكل هذا الجهد أنه يمنع الصمت من استعادة مكانه القديم، ويُبقى الأسئلة حية. 

والمعركة ليست مع النسيان وحده، وإنما مع القدرة على تحويل الذاكرة إلى وعى يغير المسار، لأنه بعد كل هذه السنوات ما زالت هناك أسماء جديدة تجد طريقها إلى القائمة، وما زلنا نكتشف أن التعلم من الجرح أصعب كثيرًا من تذكره.