القُبلة.. تحفة كليمت الصوفية والأعلى سعرًا حول العالم
تستحوذ بعض الأعمال الفنية على الانتباه لعظمة فكرتها أو لموضوعها، وتأسر أخرى المشاهد بجمال تكويناتها وألوانها ونمطها الفنى، وتعد لوحة «القُبلة» للفنان النمساوى جوستاف كليمت، واحدة من اللوحات الأيقونية الأكثر تأثيرًا وانتشارًا بسبب طابعها الأثيرى، وزخارفها، ونمطها المميز، وهى اللوحة التى أنجزها كليمت فى عصره الذهبى باستخدام الألوان الزيتية وأوراق الذهب عام 1908، وتبلغ أبعادها قرابة ست أقدام مربعة، ما يمنح الشخوص فيها حضورًا مهيبًا، يكاد يضاهى حضور المذابح الدينية.

عندما عُرضت لوحة «القُبلة» لأول مرة فى فيينا، أثارت ضجةً كبيرة، وأعلنت الحكومة النمساوية عن أنها اشترتها على الفور، بما يعكس تقديرًا مبكرًا لقيمتها الفنية، ومنذ ذلك الحين، أصبحت واحدة من أكثر الأعمال الفنية شهرةً وأيقونيةً فى العالم.. وقال فرانز سمولا، القيّم الفنى على متحف «بيلفيدير» بفيينا فى مقابلة عبر البريد الإلكترونى «لطالما صُنِّفت أعمال كليمت ضمن الفئات الأعلى سعرًا، وكان هذا هو الحال حتى خلال حياة الفنان نفسه، كانت لوحاته الشخصية باهظة الثمن للغاية، ولم يتمكن أى رسام آخر حتى وفقًا للمعايير الأوروبية من تحقيق مبالغ مماثلة مقابل هذا النوع من اللوحات، ومع ذلك، فمن المؤكد أن تلك الأسعار لا تُقارن بالمبالغ الحالية التى يبدى المشترون فى دور المزادات استعدادًا لدفعها مقابل لوحاته». جوستاف كليمت معروف بلوحاته الشخصية التى تتسم بطابعٍ أثيرى وتزخر بالزخارف والأنماط الفنية، ولم تقتصر رحلته على النجاح المادى فحسب؛ إذ تلبى لوحاته بوضوح تطلّعًا نحو الرومانسية والجماليات الناعمة، كما يبدو بوضوح فى أعماله التى تصور أشخاصًا أو مناظر طبيعية، فيما تنفرد لوحة «القبلة» عن بقية أعماله باعتبارها أكثرها شهرة على الإطلاق، وتتميز بدرجات اللون الذهبى، والأشكال الفنية المبتكرة، والرموز المشحونة بالعاطفة، وتُصوِّر عاشقين فى عناقٍ حميم، حيث يجثو الرجل محتضنًا وجه المرأة بيديه، ويميل ليطبع قُبلةً على وجنتها، أما هى فتميل برأسها، وعيناها مغمضتان وشفتَاها منفرجتان برفق، وتنمّ ملامحها عن حالةٍ من الاستسلام، لا بمعنى الخضوع، بل بمعنى السكينة والرضا.
وبصفته عضوًا فى «حركة الانفصال» ورائدًا من رواد الرمزية المشبعة بالمواضيع الصوفية، غالبًا ما تبنى جوستاف كليمت نهجًا طليعيًا فى أعماله التى عكست رؤية شخصية مبتكرة، وجماليات تماثل حركتى «الفن الجديد» و«الفنون والحرف» المعاصرتين لها، وتتميز الأعمال التى أنتجها خلال هذه المرحلة بوجود مساحات مسطحة بارزة وأشكال زخرفية دقيقة مُنفذة بورق الذهب.
استلهم كليمت أسلوب التذهيب هذا من رحلة قام بها إلى مدينة رافينا لمشاهدة الفسيفساء البيزنطية؛ حيث يمنح هذا التذهيب كل عمل فنى بريقًا يُبرز الطابع الأثيرى لمواضيعه وأسلوبه الفنى، حيث عرف باستخدامه للأنماط الهندسية؛ وفى هذا العمل، نجد عباءة الرجل محددة بوضوح بهالة ذهبية زاهية، والنمط المهيمن عليها هو نمط رقعة الشطرنج المكون من مستطيلات سوداء وبيضاء رمزًا لسلطة الرجل، بينما يغطى فستان المرأة نمطٌ قوامه الدوائر الممتلئة والانسيابية، ليرمز إلى الأنوثة والأمومة؛ فتعكس هذه الأشكال اللينة استسلامها الرقيق، ولطالما اختلف مؤرخو الفن حول تفسير وضعية جسد المرأة، هل هى تستسلم لقبلته أم تدفعه عنها بتردد؟ فإحدى ذراعيها تلتف حول كتفه موحيةً بالرغبة، بينما تبدو يدها الأخرى وكأنها تدفعه بعيدًا.. وبينما يعزز مرج الزهور الممتد أسفل العاشقين دلالات الحب الرمزية، فإنه أيضًا يبرز الدور الذى تُمثّله الطبيعة فى نظر كليمت ضمن التوازن الدقيق للعالم، وبدلًا من مجرد تصوير المودة الرومانسية، تُجسّد «القُبلة» لحظة سكون حميم، تحت سطحها الزخرفى يكمن جوهر عاطفى أعمق، رقة تُعبّر عن الحب والتواصل وهشاشة الإنسان، حيث يبدو أن الزمان والمكان والهوية تتلاشى، الشخصيات ملفوفة بأثواب مُذهّبة مُتقنة تُطمس الخط الفاصل بين الجسد والزخرفة، وبين الحميمية والرمزية ويكتسى رداء الرجل بمربعاتٍ سوداء وبيضاء ذات طابعٍ هندسيٍ حادٍ وذكورى، بينما يتناثر على رداء المرأة دوائر وزهورٌ تتسم بالنعومة والطابع الأنثوى.
ويُعد التباين بين الأردية المزخرفة والبشرة المرسومة بواقعية عنصرًا جوهريًا؛ إذ يبرز الفارق بين الجوهر الظاهر، وبين المادى والروحى، فالذهب يرمز إلى هالة الحب، بينما تذكرنا البشرة المكشوفة بالواقعية والحقيقة.. إنها أجساد حقيقية، وعاشقان من لحم ودم.
يعتقد الكثيرون أن المرأة التى تظهر فى لوحة «القُبلة» هى إميلى فلوج، رفيقة درب جوستاف كليمت ومُلهمته؛ رغم أنهما لم يتزوجا رسميًا قط، إلا أن الرابطة التى جمعتهما امتدت لعقود، وتشير الرسائل المتبادلة بينهما إلى وجود تقارب عاطفى عميق، وسواء كانت لوحة «القُبلة» تخلّد علاقتهما أم لا، فإنها تعبّر عن شىء يتجاوز مجرد تفاصيل السيرة الذاتية؛ إلى تلك اللحظة الذهبية التى يكون فيها شخصان حاضرين كليًا معًا، حيث لا يبقى سوى ذلك النبض الخفى المتردد.


