من «أدب الصين».. يوميات طفل يقرأ لـ منج شيان مينج
طفل يبلغ من العمر تسع سنوات، يعيش مع جده الذى تربطه به علاقة قوية، حيث يرعاه الجد ويصطحبه للمدرسة، بل ويقرأ له كل يوم. وكغيره من الأطفال، يتمرد الطفل كاى كاى على جده أحيانًا، ويتناقشان بودّ أحيانًا، ويُغضِب كلّ منهما الآخر أحيانًا، ويضحكان كثيرًا، ويبكيان أيضًا معًا. فى هذه الرواية يخوض كاى كاى تجربة ممتعة مع القراءة، فالجد يقرأ له، وهو يقرأ لكلبه الصغير، وتثنى عليه معلمته بالصف لبراعته ولباقته ومشاكساته اللطيفة. وهذه الرواية تجمع بين قيمتين كبريين، الأولى هى العلاقات الإنسانية الحميمة بين الأطفال وآبائهم وأجدادهم وأصدقائهم، بل وعلاقاتهم بالحيوانات أيضًا، أما القيمة الأخرى فهى القراءة، وتبرز الرواية كيف أن القراءة وسيلة للإمتاع والمعرفة على حد سواء.

«كاى كاى، أسرِعْ يا كاى كاى!».
«هاى» رنَّ صوتٌ طفولى مشاغب دوَّى عاليًا من المنعطفين عند باب الفناء.
«لقد ذهب الجميع، وإن لم تخرج الآن ستتأخر على المدرسة»، قالها الجدُّ بقلقٍ، ثم خرج من الفناء. مشى كاى كاى ببطء، يسبقه الجد دائمًا وينتظره بالخارج.
لا يرى كاى كاى أنه يسير ببطء، حسبها لجده وقال إن عشر دقائق كافية لكى ينهض ويذهب للمدرسة. عدَّ كاى كاى على أصابع يده وقال: «دقيقة لأنهض من السرير، ودقيقة أذهب للحمام، ودقيقة أغسل وجهى، ودقيقة أتناول الطعام، ألا تكفى ست دقائق للسير فى طريق قصير من ميلين فقط من البيت إلى المدرسة؟»، فضحك الجد عاليًا حتى سعل وتعالت أنفاسه.
كان الجد قلقًا جدًّا، أدار وجهه، صار على وشك الصراخ مرة أخرى. حمل كاى كاى ذو التسع سنوات حقيبته المدرسية على ظهره وخرج من الفناء وهو يقفز ويركض وينادى كلبه بصوت عالٍ: «شياو دان، شياو دان». كان كاى كاى يرتدى سترة مقفولة لونها أصفر كريمى وأحمر ترابى، والزر الأول من قميصه مفقود، وبنطاله أزرق فاتح وسحَّابُه مفتوح، وعروات الحزام تالفة، حتى صارت العروتان عروة واحدة، بحيث يحتاج لرفع البنطال من وقت لآخر فى أثناء ركضه.
ركض جرو صغير ملوَّن خلف كاى كاى، وعضَّه عضَّةً خفيفةً بحب فى ساقه. رفع الجدُّ يده وقبض على يد حفيده، وصرخ عاليًا ليحثه: «أتريد أن تتأخر؟!».

ترك كاى كاى يد الجد بحمق، وقال: «دعنى أذهب وحدى يا جدى، أستطيع الذهاب وحدى». يبلغ كاى كاى تسع سنوات، ويسير بخطوات أسرع من الجد، ومرافقة جده تؤخره دائمًا!
لم يهتم الجد لكلامه، وأمسك بيده مرة أخرى.
«أصبحتُ فى الصف الثالث، وتريد مرافقتى إلى المدرسة؟ إلى متى سترافقنى؟»، وسار كاى كاى بوجه عابس.
بدا الأسف على وجه الجد وكأنه عجز عن إيجاد سبب منطقى، فقال: «بعد انتهاء هذا الفصل الدراسى سيأتى عيد رأس السنة، وحينها سأدعك تذهب للمدرسة وحدك، أيعجبك هذا؟». لكنَّ كاى كاى لم يقبل ما قاله جده، بل ظل يحدق فيه بعينيه الواسعتين قائلًا: «لماذا؟ لماذا علىَّ أن أنتظر حتى رأس السنة؟».
توقَّف الجد، ونظر إلى حفيده وقال بحزم: «لا يمكن أن أجعل والديك اللذين ذهبا للعمل فى المدينة يقلقان بشأنك! فضلًا عن شكواهما بأننى لا أعتنى بك جيدًا! سيعودان فى عيد رأس السنة وسأخبرهما بهذا الأمر».
«هممم» أطلق كاى كاى زفيرًا مبالغًا فيه، واتبع الجد بأدب.
ذهب كلُّ التلاميذِ إلى مدارسهم الآن، وعلى الرغم من قُرب المدرسة من البيت، فإنَّ السيارات كثيرة جدًّا، وآباء الأطفال يعملون فى المدينة ويتركونهم لأجدادهم.. لأبيهم أو لأمهم، إن جاع الطفل أو اصطدم بشىء لا يخبران أبويه، فكيف سيخبرهما الجد بأن هذا الطفل المشاغب يسخر منه؟!.
وبَّخت المعلمة كاى كاى، وسألته: «هل زعِلت لأنى وبَّختك على ما فعلت؟».
قال كاى كاى: «لا».
فقالت المعلمة: «وهل ستعدل سلوكك فيما بعد؟».
قال كاى كاى: «أجل»، فضحكت المعلمة قائلة: «فلتصفِّقوا جميعًا لتشجيع زميلكم كاى كاى على شجاعته لتصليح خطئه!».
صفَّق الاثنان وثلاثون تلميذًا بالفصل، ما عدا كاى كاى، فقد بكى، وتأثرت المعلمة ببكائه، فقالت: «كاى كاى تلميذ جيد، ندم من قلبه على خطئه، وتأثر كثيرًا بتشجيع الجميع له، اجلس يا كاى كاى، أنا حقًا فخورة بك!».
المعلمة مخطئة، لم يكن كاى كاى يبكى لأنه نادمٌ أو متأثر بتشجيع زملائه له، بل لأنه حزين على شياو دان. حين ذهب إلى المهرجان مع جدِّه منذ ثلاثة أيام، قابل فى الطريق كلبًا ضالًا جبانًا جدًّا، كلما رأى أحدًا انكمش ولمَّ ذيله، فشعر كاى كاى بالعطف عليه، وأصرَّ أن يأخذ الكلب، وسمَّاه «دا دان»، تشجيعًا له حتى يتحلى بالجرأة، ولكن دا دان كان فى واقع الأمر جبانًا جدًّا، يلمُّ ذيله كلما سمع أحدًا يدبُّ على الأرض، وينظر إليك فى ذُلٍّ وخضوع. أكثر ما يغضبك أنه كلما ناداه بـ«دا دان»، ضايقه الآخرون أكثر، وصار جبانًا أكثر وأكثر، ما أفقد كاى كاى ماء وجهه وأزعجه، وفى النهاية سمَّاه «شياو دان»، هممم، مناداته بـ«شياو دان» آمنة أكثر.
حين ذهب كاى كاى إلى المدرسة تبعه «شياو دان»، وقد تعرَّض لتوبيخ المعلمة فى ذلك اليوم بسببه.
درسُ اليوم هو قصة المثل الصينى «نام على الحطب وأكل المرارة»، ما إن فتحت المعلمة الكتاب وقالت: «سندرسُ اليومَ الدرسَ الثالثَ عشرَ»، حتى دخل كلب كبير إلى فناء المدرسة.
لم يأتِ هذا الكلبُ الكبيرُ ليستمعَ إلى الدرس، بل أتى من أجل «شياو دان»، توجَّه كاى كاى نحوه وأظهر قوَّته أمامه، ففزع شياو دان وقلَّص جسده كالكرة، وظلَّ يئنُّ فى يأس.
حملت المعلمة الكتاب بين يديها وأخذت تقرأ النص بتركيز تام: «منذ ألفى عام كانت هناك دولتان على نهر اليانغتسى، دولة وو ودولة يوه، أرادت كل دولة السيطرة على الأخرى، وجعل نفسها أقوى...».
كان كاى كاى يفكر فى «شياو دان» منذ البداية، يستمع إلى الدرس قليلًا، ثم ينظر للخارج، ومن حسن حظه أنه يجلس فى المقعد المجاور للنافذة، لم توبِّخه المعلمة حين رأته ينظر إلى الخارج، فهو تلميذ جيد، ولم يكن مشاغبًا أبدًا من قبل.
لمح كاى كاى الكلب الكبير حين دخل الفناء، وحين سمع صوته لم يستطع الصبر فوقف، بينما كانت المعلمة مندمجة مع القصة: «وبعدما عاد الملك يوه جوجيان إلى بلده، لم ينسَ أبدًا ثأره ورغبته فى الانتقام.. علَّق فى غرفته قطعة مُرَّة من المرارة، وكان يتجرَّع مذاقها المر قبل كل وجبة».
ألصق كاى كاى رأسه بالنافذة، وأشار لـ«شياو دان» بيده، فتشجَّع ونهض حين رأى صاحبه، فدُهش الكلب الكبير، وأدار رأسه ونظر إلى الفصل بالخلف، فأشار له كاى كاى بيده متعجِّلًا ليحذِّره ألا يضايق «شياو دان». وكأنَّ الكلبَ الكبيرَ يعلم أنَّ كاى كاى فى الدرس الآن ولن يجرؤ على الخروج إليه، فأدار وجهه وعاد يهدده. رفع كاى كاى قبضة يده، ولم يتمالك نفسه، فصرخ قائلًا: «سأضربك!»، فضحك جميع التلاميذ، فالضحك على مصيبة الآخرين هو طبيعة الأطفال، ولن يترك طفل فرصة للضحك على أحد، فتعمَّدوا الضحك عاليًا.

أخرجت ضحكات التلاميذ المعلمة- التى كانت غارقة مع عصر الربيع والخريف بالقصة- من اندماجها، فتركت الكتاب، وصرخت: «كاى كاى!».
ردَّ عليها بارتباك قائلًا: «أجل».
نظرت إليه المعلمة وانغ بوجهٍ صارمٍ وقالت: «أجب عن السؤال التالى: لماذا كان الملك يوه جوجيان يتناول قطعة من المرارة قبل كلِّ وجبة؟».
رمش كاى كاى بعينيه، هو لا يعرف لماذا كان الملك يوه جوجيان يتناول قطعةً من المرارة قبل كلِّ وجبةٍ، ولا يفهم ما المرارة، كان كل تركيزه مع شياو دان، ولم يستمع إلى أى كلمة من شرح المعلمة.
همس له زميله تيان تشاو الذى يجلس بجانبه فى هدوء، قائلًا: «اللحم، اللحم!». فأُلهم كاى كاى، وقال: «لأنَّ المرارة من اللحم، وملك دولة يوه ملك كبير، لا بد من أن يأكل اللحم قبل كل وجبة». فضحك التلاميذ عاليًا.
تمالكت المعلمةُ نفسَها ولم تضحك، وسألته سؤالًا آخر: «مذاقُ لحم المرارة حلو أم مُر؟». همس تيان تشاو له من ناحية قائلًا: «حلو، حلو!»، بينما همس تشاو دونغ شانغ من الناحية الأخرى قائلًا: «مُر، مُر!».
فهم كاى كاى لماذا يضحك التلاميذ، فحاذر أن يقع فى الفخ مرةً أخرى، ففرد جسده ووقف مستقيمًا، وأجاب ثقةٍ قائلًا: «مذاقُها ليس بحلو ولا مر، بل إن المرارة لحم واللحم شهى». تطوَّح التلاميذ يمينًا ويسارًا من الضحك، ولم يجلس تلميذ واحد منضبطًا.
وهنا ضحكت المعلمة ولم تُكمل شرح الدرس. أكثر ما يميز المعلمة وانغ أنها منذ الماضى وحتى والآن وستظل فى المستقبل، تشرح تطور العلوم والأخلاق الحميدة، وتتحدث عن آمالها الكبيرة تجاه تلاميذها، لا تظن أن هذا هو المقصد، فهى تشرح سبب كل شىءٍ، وإذا سمعتَ شرحها ستنزل الدموع من عينيك.
إنَّ المعلمة وانغ معلمة جيدة، ذهبت من قبلُ إلى المدينة وتدربت على التدريس، ولم تُهن أى تلميذ قط. تقول إنه كان بإمكانها أن تظلَّ فى المدينة، فلماذا عادت للتدريس فى القرية؟ لأنها كانت من أطفال القرية، وتعرف جيدًا مدى صعوبة الدراسة عليهم، تعلم أن آباءهم من أبناء القرية أيضًا وذهبوا للعمل بالمدينة، وكان بإمكانها أن تمكثَ هى الأخرى هناك، ولكنها تمسَّكت بالبقاء فى القرية لتعليمك، وأنت لا تستمعُ لشرحها، تخذل مَن بفعلك هذا؟
أيريدُ كاى كاى أن يخذلَ معلمته؟! كلا، ولكن ماذا يفعل مع شياو دان؟ تتعارض رعايته لشياو دان مع كلام المعلمة، فماذا يفعل كاى كاي؟ مسح دموعه وجلس فى هدوء.
أنهى كاى كاى عمل الواجب وفتح التلفاز، فأصدر تشويشًا وكأن عاصفةً ثلجيةً هبَّت فى الليل المظلم. أمسك كاى كاى بجهاز التحكم عن بُعدٍ وأخذ يضغط عليه بأسنانه بقوة، «كا كا كا»، فأصدر التلفاز أصواتًا غريبةً وكأنَّ شخصًا نائمًا وسط تلك العاصفة الثلجية يهذى بالكلام، كان صوتًا بعيدًا وغامضًا، ثم أدار وجهه إلى الغرفة الداخلية، وقال بصوتٍ عالٍ: «اقترب موعد دفع فاتورة التلفاز يا جدى!». يعلم كاى كاى أن عائلته لم تدفع فاتورة التلفاز الشهرية التى تبلغ عشرين كواى.
كان الجد ممددًا على السرير يأخذ قيلولته، سعل وضاقت عيناه وقال: «لقد قال المعلم إن مشاهدة التلفاز تؤثر على الدراسة».
«همم» يكره كاى كاى سماع مثل هذه الكلمات من الجد، فقال: «أعرف أنك لا تريد دفع الفاتورة، وتريد إنفاق المال لشراء الدواء فقط!».
استفزَّ كلامُ الصبى الجد الجالس بالغرفة، ففتح عينيه وانفجرت الدموع منهما، وقال بصوتٍ عالٍ: «أيها الطفل الأحمق، إنَّ جدَّك مريض، هل يوجد شخص فى الدنيا لا يحب التسلى ويريد تناول الدواء المر!».
يعلم كاى كاى أن الجد لا يكذب، وأنه مصاب بمرض القلب الرئوى، يقول إنه سقط فى النهر الكبير حين كان شابًّا فى أثناء عمليات الحفر. يكون الجو قارس البرودة عند درجة الحرارة تسعة، فما بالك حين تمطر السماء ثلجًا، تراه من بعيد ماء، ولكن ما يسقط على جسدك ثلج. أراد الفريق إنهاء العمل فى الوقت المحدد، فخلع سكرتير الحزب بالقرية بنطاله المبطَّن بالقطن، وكان أول من قفز فى المياه العميقة بساقيه الرفيعتين، لم يستطع أحدٌ من بقية الفريق أن يقول شيئًا، بل تبعوه وقفزوا هم أيضًا فى المياه.
انتهى العمل بالنهر الكبير فى الوقت المحدد من ذلك العام، ولكن الجد أصيب بمرض خطير، كان يسعل كثيرًا، ويجد صعوبة فى التنفس كلَّ ليلة. تناول أدوية كثيرة، ولكن بلا فائدة، يقول الجد إنه مريض منذ ثلاثين عامًا، حسبها كاى كاى فوجد أن هذه الفترة تعادل عمره ثلاث مرات، فثلاثة فى تسعة تساوى سبعة وعشرين، وأربعة فى تسعة بستة وثلاثين. أثنى معلم الرياضيات من قبلُ على غناء كاى كاى أغنية جدول الضرب، فقال: «يقوله بتلقائية جميلة وصوت رائع».
زمَّ كاى كاى شفتيه وجلس على الأريكة، الأصوات فى الشارع تقتحم الغرفة، ترتفع أحيانًا وتنخفض أخرى، ثم سمع فجأة صوت بوق سيارة أنار ضوؤها الباهر ظلام الفناء، فوقف كاى كاى، وألقى بجهاز التحكم عن بُعد، ثم نظر إلى الغرفة الداخلية وصرخ قائلًا: «سأذهب إلى بيت يانتز لمشاهدة التلفاز!». وقفز مسرعًا خارج المنزل.
«كاى كاى، كاى كاى!».
لبس الجد حذاءه مسرعًا، فقد سمع هو أيضًا صوت بوق السيارة بالخارج. ذهب ابنه وزوجته للعمل بالمدينة وتركا له رعاية كاى كاى وهو لم يُكمل الخمس سنوات بعد، ومن أجل الحفيد صار الجد مع الأيام طفلًا صغيرًا، فإن أراد كاى كاى الركض فى سباق يركض خلفه مسرعًا رغم أنه يسعل فى كل مرة، وإن أراد سماع حكاية يظل يعصر مخه من التفكير حتى يشعر بالصداع، وإذا أراد تناول الآيس كريم يتناوله معه خوفًا من جرح مشاعر الصغير، رغم أنه مع كل قضمة يسعل، ولكن أكثر ما كان يزعجه حين لا يريد الصغير النوم ليلًا والذهاب للعب مع الأطفال الكبار.
إنه لا يريد منع حفيده من اللعب، فاللعب طبيعة الأطفال، هل يمكن أن يغفل عن هذا؟! ولكنه يخشى أن يسخر منه الأطفال الكبار. حين لا ينام كاى كاى لا يستطيع الجد النوم أيضًا، وإذا ركض بجنون للخارج يركض خلفه فى الشارع، يا له من أمر متعب! لذا فحين يجد وقتًا يتمدَّد مسرعًا على السرير ليدَّخر قوَّته ويستطيع التعامل مع الصغير الملىء بالنشاط والحيوية. خرج كاى كاى راكضًا من الفناء، والجد يزحف بحذائه مسرعًا ليلحق به.
جمع جارهما «تشون» ثروةً هائلةً من بيع الهدايا والمنتجات الصغيرة بالجملة فى المدينة، ويقال إنه يحب فتاة هناك وقد أرسلته بهذه السيارة لينقل بعض الأثاث، وحين وقف كاى كاى فجأة، صرخ مَن يحمل الأثاث فى وجهه لأنه يعطله، فحزن كاى كاى، ثم أدار وجهه وركض إلى بيت يانتز.
استطاع الجد اللحاق به، وحين رآه دخل بيت يانتز، ضحك واطمأن قلبُه، وعاد إلى المنزل. دخل كاى كاى منزل يانتز راكضًا وهو يقول: «يانتز، يانتز».
كان التلفاز يعرض فيلم رسوم متحركة للأطفال عبارة عن فم كبير مفتوح يتحدث عن فوائد غسيل الأسنان، بينما جلست يانتز البالغة من العمر ست سنوات على الأريكة مائلةً وأخذت تضحك وتقرقع.
«ما هذا؟». خطف كاى كاى جهاز التحكم عن بُعد منها، وقال: «سأجلب لك ما هو أفضل!». فلم توافق يانتز، وقالت: «بل أحب مشاهدة هذا، أحب مشاهدة هذا». لم يستمع كاى كاى لها، ونقر فى الحال على زر جهاز التحكم عن بُعد.
أمرته يانتز بعجرفةٍ وتكبُّر: «أعده لى، أعده لى»، ولكنَّ كاى كاى لم يُعِرها اهتمامًا، وأخذ يُقلِّب فى قنوات التلفاز. قفزت يانتز لتخطف جهاز التحكم عن بُعد، بينما ظل كاى كاى يهرب منها فى الغرفة كلها، يركض وهو يُقلِّب فى قنوات التلفاز، حتى بكت بصورة مبالغ فيها، بكت وصرخت قائلةً: «عُد وشاهد التلفاز فى بيتك، عُد وشاهد التلفاز فى بيتك».
كانت جدة يانتز لأمها تغسل الصحون، سمعت صوت بكائها وهى تستنجد بها، فأسرعت إليهما دون أن تجفف يديها من الماء، وصرخت فى كاى كاى قائلةً: «كاى كاى، إنه بيتنا، إن أردت مشاهدة التلفاز فلتشاهده برفقة يانتز، وإن لم يعجبك ذلك فلتذهب لمشاهدة التلفاز فى بيتك، مفهوم؟».
لم يركض كاى كاى، بينما استغلت يانتز الفرصة وخطفت جهاز التحكم، وأعادت القناة التى تعرض «فوائد غسيل الأسنان»، وأخذت تشاهدها وتضحك عاليًا.
«فلتخبر جدَّك أن يدفع المال فورًا». قالتها جدة يانتز، ثم أدارت وجهها وذهبت لاستكمال غسل الصحون. وقف كاى كاى قليلًا بوجهٍ بدت عليه الوحدة، ثم خرج من بيت يانتز.







