من قتل رجاء عليش؟
القبيح والناس
طوال فترة وقوفه فى الشارع المظلم، ظلَّ بصره مشدودًا إلى النافذة المضيئة فى المبنى الكبير الذى يقف أمامه.. النافذة المغلقة لا يزال ينبعث منها صوت آلة البيانو فى خفوت شديد.. كان هذا يعنى أنَّ فتاته لا تزال فى تلك الحجرة المضيئة، ولم تفرغ بعدُ من درس البيانو، وأنَّ عليه أن ينتظرها بضع دقائق أخرى قبل أن تنزل لمقابلته.
كان يخشى اللحظة التى تُقبل فيها عليه، وتسير إلى جواره فى الشارع، طالبةً إليه أن يعاملها كما يعامل أىّ رجل فى العالم أى امرأة، فى حين أنه ليس أى رجل آخر فى العالم.. إنه إنسان مختلف غريب يتوقع أن يعامله الآخرون معاملة خاصة جدًّا.

كان يغش العيون التى تمر به.. العيون التى تتوقف عنده، ثم تأخذ فى التفرس فيه بوقاحة بالغة.. العيون بالونات ضخمة من الضحك تنفجر أمام وجهه.. تمزق لحمه الحى.. تعليقات ونكات وشتائم تطنُّ من حوله طوال الوقت.. نوع غريب من ذباب لحوح يلتصق بجسمه المغطى بطبقة لزجة من الشحم، فيسبب له إزعاجًا بالغًا.. يصيبه بتوتر فى أعصابه، يدفع بتقطيبة حادة دائمة إلى ملامح وجهه القبيحة وغير القابلة للابتسام، يدفعه داخل صدفته الصغيرة محاولًا الاحتماء بها من الأخطار المخيفة التى تتربص به فى الخارج.. يعود فيكرر الخطأ الذى يرتكبه دائمًا.. يخرج بعيدًا عن صدفته الصغيرة لملاقاة الوحوش الأقوى منه فى الخارج.. الوحوش تسارع إلى التهامه على الفور. توقف صوت البيانو فجأة.. تنبهت أعصابه المشدودة الخائفة.. انطفأ النور فى الحجرة البعيدة.. الخطر يقترب منه بسرعة.. سرعان ما سيجد فتاته الجميلة واقفة إلى جواره فى الشارع، طالبة إليه أن يسير إلى جوارها، وأن يعاملها كما يعامل أىُ رجل فى العالم أى امرأة.. إنه يرى أن هذه مهمة مستحيلة تمامًا بالنسبة إليه، فهو يجد صعوبةً بالغة فى أن يسير بمفرده فى الشارع، فما باله إذا سارت هذه الفتاة الجميلة إلى جواره؟ لكنه لن يستطيع الهروب الآن، ولا بد من قبول المخاطرة.. ذلك، بطبيعة الحال، لم يمنعه من الإحساس الشديد بالراحة لانتهاء لحظات الانتظار الطويلة المملة.. لحظات الحصار المضروب من حوله من عيون تبادله العداء الشديد.
ابتسم عندما تخيَّل فتاته الجميلة واقفةً أمام باب شقة أستاذ البيانو فى انتظار قدوم المصعد.. تحتضن حقيبة كتبها بحنان وحب.. سحابةُ تجهُّمٍ سرعان ما خيَّمت على وجهه، كأنه استكثر على نفسه الإحساس بشعور رجل عادى فى لحظة حب.. يعلم أنهم لن يسمحوا له بالاستمتاع بهذه اللحظة الفريدة من الحنان كأى رجلٍ آخر فى العالم.. إحساسه بالغرابة يتأكد تمامًا فى تلك اللحظة المثقلة بالحزن كما تأكَّد فى لحظات كثيرة سابقة.

قلبه يدق بعنف شديد، وهو يلمح فتاته خارجةً من باب المصعد الكائن فى نهاية الدهليز الطويل المؤدى إلى باب العمارة.
رأته واقفًا رغم الظلام المخيم على الشارع.. ابتسمت له فى طيبة وحب.. اغتصب ابتسامة باهتة وضعها فوق شفتيه بصعوبة بالغة، رغم أنه أحس أيضًا بلهفة شديدة للقائها.
عَبَرَ الشارع بتثاقل شديد وإحساس بالهمّ.. تقابلا فى بؤرة الضوء الموجودة أمام باب العمارة.. أحس أنه أصبح عاريًا فجأة أمام كلِّ العيون التى تمر به.. أحس أنهم جميعًا كفُّوا عن عمل أىِ شىء آخر سوى مجرد التفرس فيه.. مدت إليه يدها فى حبٍّ حقيقى ولهفة للقائه.. عيناها تلمعان بدفء غريب على عينيه.. يُحيى الآمال الميتة فى قلبه.. يحاول باستماته بالغة أن يبقى الابتسامة الشاحبة فوق شفتيه أطولَ وقت ممكن.. بحذرٍ راح يختبر مدى الصدق فى عينيها.. للمرة المليون لا يستطيع أن يصدق أنَّ فتاة جميلة يمكن أن تحبه هو فى الوقت الذى يحسُّ فيه أنَّه مكروه من كلِّ الناس.. المخاوف تتكاثر كجراثيم سريعة الانتشار فى داخله، وهو يتبين أنَّ عليه أن يبدأ الآن المهمة العسيرة.. أن يسير مع الفتاة الأثيرة إلى قلبه خلال صفّين من عيون رهيبة تبادله عداءً عميقًا.
عينا الفتاة تشجعانه على قبول التحدى الذى ينتظره.. عيناها مليئتان بدفء حقيقى نادر لم يجده فى عين آدمية من قبل.. تمدَّانه بطاقة صراع هائلة.. من أجلها مستعدٌّ لأن يحارب العالم بأسره.. يتشبَّث بحياة يكرهها حتى أطراف أصابعه.. حاول، باستهانة بالغة، أن يخفى كمية الحزن والمخاوف العميقة عن عينى الفتاة المتطلعتين إليه.. لم يستطع أن يوجه إليها بصره.. دائمًا كان يتجه به إلى بعيد.
ابتعدا عن طوفان الضوء المتدفق من باب العمارة.. ابتلعهما الظلام المخيم على الشارع الطويل.. المخاوف لا تزال تتكاثر فى داخله، وأصابع الفتاة تحاول أن تعثر على أصابعه.. تتشبَّث بها بعد أن عثرت عليها. عرق بارد يتصبَّب بسرعة فوق وجهه القبيح الذى يكتسى بمسحة أسى بالغة.
فى داخله تمنَّى الانتماء إلى عالم الفتاة الجميلة التى تحاول بإخلاص أن تقترب منه، لكن المؤكد لديه أن الأوغاد لن يسمحوا له بذلك.. الأوغاد الذين يملكون العالم، والذين يحركونه بخيوط يمسكونها بين أيديهم.. تمنى الانتماء إلى عالم بلا خوف وبلا مهانة.. بلا ركلات أقدام فى مؤخرته، أو صفعات على وجهه..
لكنه كان يعلم أنَّ هذا العالم لن يوجد أبدًا فى حياته.
طوال الوقت، كان يحاول أن يمثل دورًا مقززًا بالنسبة إليه، لأنه دور مزيف وغير حقيقى.. كان يحاول أن يمثل دور إنسان سعيد واثق بنفسه، يسير فى الشارع إلى جوار فتاة جميلة تلتصق بجسمه، وتتشبث بأصابعه.. أحس أنه سيتقيَّأ لو استمر فى تمثيل هذا الدور المقزز أكثر من ذلك.. أراد أن يصارحها بالحقيقة المحرجة، بأنه كان مذعورًا خائفًا.. أنه فأر صغير يعيش فى جحرٍ تحت الأرض، وأنَّ دبة قدم واحدة إلى جواره من واحدٍ من الناس، الذين يعيشون فوق الأرض، كافية لكى يسارع إلى الاختباء فى جحره البعيد تحت الأرض، ولا يخرج أبدًا.
لكن عليه أن يستمر فى تمثيل دور الرجل الواثق بنفسه، لأنها تتوقَّع منه أن يكون رجلًا، وهو، بكل إمكاناته كممثل، سيحاول الاستمرار فى تمثيل هذا الدور.
لكن الخوف لا يريد أن يفارقه.. الخوف والإحساس بالتوتر والمهانة ومنتهى العذاب.. كان يحاول الاقتراب من الفتاة ليلتقى معها فى مكان يتوسط المسافة بينهما.. يحسُّ أن هناك حاجزًا شفافًا غير مرئى أشبه بغشاء البكارة يفصل بينهما.. حاجز لن يُفضَّ أبدًا، لكنه يحس أنَّ الفتاة مصرَّة على اختراق الحاجز غير المرئى بينهما.. لا تنقصها الإرادة أو الشجاعة، لذلك يخامره إحساس بأنها تدرك مأساته الحقيقية، لكنها لا تجد الكلمات المناسبة للتعبير عنها.. كلاهما يخجل من
مفاتحة الآخر بهذه المشكلة المشينة.. مشكلة إنسان قبيح يعامله العالم بعداء شديد لمجرد أنه مختلف عن الآخرين.
الفتاة تبدو غريبة عن هؤلاء الآخرين، الذين ينظرون إليه باندهاش شديد، أو يتظاهرون بذلك حتى لو كانوا يرونه للمرة المائة أو الألف.. اختلافها يشعره بالحيرة والتوتر.. بأنه يقف أمام ظاهرة غريبة تدفعه إلى التساؤل عن السبب الذى يجعل هذه الفتاة مختلفة عن الناس الذين عرفهم فى حياته.
الخوف لا يزال يتكاثر فى قلبه، وهو يسير إلى نهاية محتومة.. يعلم أنَّه سيصطدم بحائط متفجرات فى مكان ما من هذا الطريق، وأنه سيتحول إلى أشلاء، وستتبعثر كلُّ الأحلام التى اختزنها فى قلبه.
بدأ يختلس نظرات حذرة متوجسة إلى وجوه القادمين نحوه.. لمح فيها تغييرًا مفاجئًا بمجرد أن تقع عيونهم عليه.. تغيير يحولها إلى وجوه بهلوانات مضحكة.. العيون تلتهمه بضراوة قطة متوحشة تلتهم فأرة صغيرة لذيذة الطعم.. العيون تبصقه من جديد على الأرض فى قرف شديد، تبصق وجوده نفسه.. إنسانيته.. يكره هذه الوجوه الغريبة من أعماقه.. يرى أنه ينبغى جمعها وإحراقها فى مكان بعيد، وتخليص العالم من شرورها.
يتظاهر أمام العيون القادمة نحوه بأنه رجل وليس فأرة.. أن له مخالب وأنه قادر على الصراع وإنزال الدم.. ورغم تفكيره المضنى فى المشكلة لم يستطع أن يدرك الحكمة فى أن بعض الناس يولدون فئرانًا والباقون قططًا.. بعضهم دجاجًا والآخرون ذئابًا. المؤكد أنه سينتقم لكلِّ لحظات البؤس والهوان فى حياته.. لكل اللحظات التى اضطروه فيها إلى التخفى فى زى الفأر اللعين.
لم يشعر برغبة فى تبادل حوار مع الفتاة السائرة إلى جواره.. كان كلاهما مختنقًا بالصمت.. ألعن وأفظع أنواع الصمت.. كان لا يزال يفكر كيف يمكن لفتاة جميلة أن تحبَّه هو.. كيف لا ترى جلد الفأر اللعين تحت ملابسه.. ذيله الطويل الذى يخفيه ببراعة مذهلة داخل سرواله.. وبدأ يتذكر أشياء يمكن أن تساعده على حل اللغز.
كان قد انتهى من عزف إحدى سوناتات بيتهوفن الصعبة ببراعة بالغة فى الحجرة نفسها التى كانت مضاءة منذ لحظات قليلة.. أحس بشعور عميق بالسعادة، وبيد الأستاذ الإيطالى الذى يدرسه البيانو، تُرَبت كتفه فى رقة بالغة تعبيرًا عن امتنانه لإجادته العزف.. قام من فوق مقعد البيانو الصغير وجمع نوتات البيانو، ووضعها داخل حقيبته الصغيرة، واستعد للانصراف هو وأستاذه الإيطالى يقطعان الخطوات القليلة فى طريقهما إلى باب الحجرة الزجاجى الذى يفصلها عن الصالة الصغيرة.. يتكلمان فى موضوع يحلو لهما دائمًا الكلام فيه.. الموسيقى ونصائح الأستاذ الخاصة بالعزف.. يفتحان باب الحجرة الزجاجى.. يتوقفان عن الكلام والضحك عندما يريان الفتاة الجميلة جالسة فوق أحد مقاعد الصالة الوثيرة تتصفح إحدى مجلات الأستاذ الإيطالية المصورة.
المصباح الكبير الذى تجلس تحته الفتاة، يجعل كلَّ شىء فيها يتوهج بشدة.. بشرتها السمراء الصافية التى تشبه النبيذ.. شعرها الأسود الناعم المتهدل فى عذوبة شديدة فوق كتفيها المستديرتين.. عيناها الواسعتان العسليتان.. رفعت الفتاة بصرها فى اضطراب واضح عن المجلة التى تمسكها فى يدها.. وضمت المجلة فوق مجموعة المجلات الأخرى الموضوعة على المنضدة الموجودة أمامها.. اختلست نظرة سريعة خائفة إلى وجهى الرجلين اللذين تفرسا فيها بدهشة ممزوجة بإعجاب شديد.. قامت وتناولت حقيبة كتبها الصغيرة استعدادًا للدخول إلى حجرة الدرس.. مرتبكة.. خجلى بعض الشىء.
قال لها الأستاذ الإيطالى، بلهجته المرحة الخالية من التكلف، وبلكنته الأجنبية الواضحة، ليخفف من اضطرابها، ما جعلها تبتسم فى خفوت:
هالو يا آنسة.. لم أعلم أنكِ هنا منذ وقت طويل.. تفضلى بالدخول إلى حجرة الدرس ريثما أعود بعد قليل.
قبل أن تدخل الفتاة إلى الحجرة توقفت قليلًا.. التفتت وراءها بحركة حاولت ألا تبدو متعمدة.. هو وحده أحس أنها تعمدت الالتفات ناحيته.. عيناها تتألقان بدفء إنسانى غريب لا يذكر أنه رآه فى عين آدمية من قبل.. التقى بصراهما فى لحظة خاطفة هزَّت مشاعره.. الدفء المنبعث من عينيها الحنونتين يتدفق فى جنون مدهش داخل وجدانه.. يهزه من الأعماق.. يثيره إلى أقصى حد ممكن.. نما فى داخله للمرة الأولى فى حياته إحساس قوى بالأمل.. بأنه ليس ميئوسًا منه تمامًا، وأن عليه أن ينتظر بعض الوقت.. هذه النظرة ربما كانت خادعة تمامًا.. ربما كانت مجرد فضول أو اندهاش عادى من النوع الذى يصادفه كثيرًا فى حياته، وهو يحملها أكثر مما تحتمل، لكن إحساسًا داخليا يقول له إن هذه النظرة مختلفة عن كل النظرات التى صادفها فى حياته، وإن عليه أن يتوقع من ورائها الكثير.. ببساطة لا يمكنه أن يتغاضى عن هذه النظرة مهما كانت احتمالات الخداع فيها، بل ينبغى أن يتشبث بها إلى النهاية.. هذه النظرة التى لو وُجهت إلى واحد من الرجال القطط الذين يملأون العالم من حوله، لما أحدثت فيهم كل هذا الاضطراب.
واقفًا مع أستاذه الإيطالى فى انتظار قدوم المصعد.. سأله بلباقة شديدة عن الفتاة التى رآها الآن.. حصل منه على كل المعلومات التى تهمه.. الفتاة طالبة مثله عند أستاذ البيانو، لكنها جديدة لم يرها من قبل.. موعد درسها يأتى بعد انتهاء درسه مباشرة.. هى أتت مبكرًا قبل موعد الدرس.. تُرى لماذا.. أخذ يسأل نفسه عن معنى النظرة التى وجهتها الفتاة إليه.. هذه النظرة تحمل إعجابًا صريحًا لا شك فيه.. ربما أعجبت بعزفه.. هذا هو التفسير الوحيد المقنع.. لأن فتاة مثلها لا يمكن أن تُعجب بإنسان مثله.. قد تُعجب بعزفه.. بتفكيره، لكنها لا يمكن أن تُعجب بشخصه.
وبدأ الأمل يتصاعد فى داخله، ويقوى فيه منطق الانتصار.. إنَّه يسمع عن فتيات جميلات يصادقن رجالًا موهوبين محرومين تمامًا من نعمة الوسامة، فلماذا لا يحدث معه الشىء نفسه؟.. الذى يستطيع أن يخمنه أنَّ هذه الفتاة كوّنت فكرة حقيقية عن شخصيته قبل أن تراه عندما سمعت عزفه.. لم يصدمها شكله القبيح عندما رأته بعد ذلك.. العكس تمامًا يحدث مع الناس الذين يرونه أولًا، ثم يكونون فكرة خاطئة عن شخصيته الحقيقية بعد ذلك.. مشكلة لا حل لها سوى أن يتغير هو، أو يتغير الناس.
الخوف يتزايد فى داخله، وهو يتقدم فى الشارع الطويل المظلم، متوقعًا الاصطدام بحائط المتفجرات بين لحظة وأخرى.. الخوف ثمرة عطنة يكاد يشمها مع الهواء الداخل إلى أنفه.. الظلام يطمس معالم الوجوه التى تمر به.. لا يلمح فيها شيئًا سوى ابتسامات التحدى التى يقابلونه بها.. حتى الفتاة السائرة إلى جواره ذابت هى الأخرى فى الظلام.. ذاب وجودها الحى الإنسانى نفسه.. أحس بأنه وحيد خائف يتوقع الخطر كما كان دائمًا فى حياته.
فجأة تنبَّهت كل حواسه.. أبصر أفراد الشلة واقفين تحت عمود النور البعيد كما توقع أن يجدهم.. ارتفعت ضربات قلبه إلى الذروة، فى الوقت الذى سكن فيه كلُّ شىء من حوله وفى داخله.. يشبه كبسولة فضاء تندفع بسرعة إلى الأرض، ومظلتها الواقية لا تريد أن تنفتح.. سيصطدم بحائط المتفجرات الذى ينتظره هناك، حيث يقف أفراد الشلة.. سيتبعثر ومعه كلُّ الأحلام الجديدة التى تملأ قلبه.
بدأ يرسل بصره البعيد ليحوم حول وجوه الأوغاد الواقفين هناك ليعرف، على وجه الدقة اللحظة التى سيبصرونه فيها.. يتوقع أن يتنبهوا إلى وجوده حتى قبل أن يبصروه قادمًا نحوهم.. رائحة فرائه الغريبة العطنة ستنبههم إليه فى اللحظة نفسها التى سيدخل فيها مجال أنوفهم الحادة الشم.. سيبدأون، منذ تلك اللحظة، هجومهم الضارى عليه. طرأت فى ذهنه فكرة العبور إلى الرصيف الآخر، كما تعود أن يفعل فى المرات السابقة.
أصر على أن يظل سائرًا على الطوار نفسه متحملًا النتائج كافة المترتبة على شجاعته الغريبة.المفاجئة هذه الشلة من الأوغاد ليست غريبة عليه.. سبق أن رآهم من قبل، وخاض معهم تجارب مريرة.. ذات يوم كان متوجهًا لأخذ درس البيانو كالعادة.. أبصر أفراد الشلة واقفين فى المكان نفسه الذى يقفون فيه الآن.. ناصية العالم.. كانوا يتمايلون ويتضاحكون بشدة ومجون.. أصواتهم المدوية تشبه فرقعة قنابل رهيبة تبعث الفزع فى قلبه.. أدرك بالغريزة، ومن وحى تجارب سابقة مع غيرها من الشلل أنهم لن يدعوه يمر بسلام من أمامهم. سيصطادونه من ذيله ويقذفونه فى الهواء، بعد أن يلهوا به قليلًا.. مهما حاول أن يخفى ذيله الطويل داخل سرواله فإنهم سيكتشفون أنه فأر، وليس رجلًا، كما يحاول أن يبدو أمامهم.
راودته فكرة العبور إلى الرصيف الآخر تجنبًا لمشكلات ليس على استعداد لمجابهتها فى تلك اللحظة.. فى اللحظة الأخيرة أصر على أن يظل سائرًا على الطوار نفسه.. كان العبور إلى الرصيف الآخر فى حد ذاته مهانة لا يمكنه قبولها.. كان خائفًا، لكنه كان يتظاهر بالصلابة.
كان يخفى فراءه اللعين خلف ملابسه المصنوعة من الورق المقوى والمشبوكة بدبابيس رفيعة تمنعها من السقوط على الأرض.. عيونهم التى تتفرس فيه، وقد امتلأت بالضحك والاندهاش الشديد من منظره الغريب، نزعت الدبابيس من ملابسه التى سقطت على الأرض، وتركته عاريًا تمامًا أمامهم.
اكتشفوا أنه فأر وليس رجلًا كما حاول أن يتظاهر أمامهم.. عذبوه.. امتهنوا آدميته.. وضعوا الدبابيس الرفيعة، التى نزعوها من ملابسه فى الجزء الحساس الفاضل من رجولته.. أطلقوا بالونات الضحك الهائلة من عيونهم وأفواههم لتنطلق نحو وجهه، وتنفجر فيه.. تمزق تمامًا.. خسر المعركة من بدايتها أمام الأوغاد المسلحين بأسلحة لا قبل له بمقاومتها.. تجاوزهم بعض الشىء.. تصوّر أنهم سيتركونه وشأنه.. كان لا يزال سائرًا فى المدى المؤثر لنيرانهم البعيدة.. طلقة مدفع انفجرت إلى جواره.. ملأته بعشرات الشظايا الصغيرة الخصبة بالدم ورماد الإطلاق بحق الشيطان، لماذا يخرج هذا الإنسان القبيح من منزله ؟ لو أننى فى مكانه لما غادرت البيت على الإطلاق.. طلقة أخرى من طلقات المدفعية البعيدة المدى انفجرت فى داخله هذه المرة.. دمرته تمامًا: لم أرَ أقبح منه فى حياتى.. أعوذ بالله. إنه غوريلا.. غوريلا بكل تأكيد.
لم يتوقف عن السير، ولم يلتفت وراءه ليرد على الأوغاد، الذين أهانوه إهانة فوق احتمال البشر.. كل ما كان يهمه فى تلك اللحظة أن يهرب بسرعة من أمامهم.. صعد إلى بيت مدرس البيانو.. انهار فوق مقعد البيانو الصغير كأنه شىء وضع فوقه.. أحس أن عقله متوقف عن العمل، ومشاعره متجمدة.. واكتشف فجأة أن ذاكرته لا تعى شيئًا من دروس البيانو، التى بذل جهدًا شديدًا فى سبيل حفظها.. استأذن من الأستاذ فى الانصراف على أن يعود فى موعد آخر بعد أن تهدأ مشاعره.
نزل من جديد إلى الشارع.. ألقى نظرة بعيدة إلى حيث يقف أفراد الشلة الأوغاد.. كانوا لا يزالون يتمايلون من الضحك.. لا شك فى أنهم يضحكون عليه.. تقمصته رغبة عارمة فى أن يعبر الشارع إليهم، ويشتبك معهم فى معركة ضارية حتى لو خسر فيها حياته.. فكر فى أن يعود إليهم بطريقة مختلفة تمامًا ليكسبهم إلى صفه.. ليعقد معهم سلامًا رومانيًا غريبًا يصبح بعده تحت حمايتهم.. كل ما يريده منهم أن يدعوه وشأنه عندما يرونه مارًا من أمامهم.. إن ذلك، بالتأكيد، يتطلب منه أن يتنازل عن قدر كبير من كبريائه وكرامته، لكنه على استعداد لدفع الثمن ما دام أنه سيحصل على السلام الذى يطلبه.
لكن هل يمكن أن يتفهموا دوافعه الحقيقية.. اللغة التى يتكلم بها؟ كيف يمكنه أن يدخل إلى رءوسهم الغبية الشريرة أن واجب الإخاء والإنسانية يتطلب إليهم أن يرحموه أن يساعدوه على تحمل مأساته الفظيعة؟ كيف يقول لهم إنه ليس مسئولًا عن غرابته بقدر ما هو ضحية لها؟ لو أنه عاد إليهم وقال لهم هذا الكلام، لما منحهم فرصة أفضل للسخرية منه وامتهان كرامته.
وجهه أصبح مألوفًا لهم بعد فترة من الوقت.. لم يعد يفجر بالونات الضحك الهائلة من أفواههم كلما رأوه مارًا من أمامهم.. لم يعقد معهم السلام الرومانى الذى كان يأمله، ولم تستمر المعركة محتدمة بينه وبينهم، فقط أصبحت بينه وبينهم علاقة من نوع غريب جدًا.. تشبه العلاقة بين قط وفأر بينهما لوح من الزجاج الشفاف.
الخوف يتزايد فى قلبه وهو يسترجع هذه الذكريات الأليمة مع أفراد الشلة الواقفين هناك تحت عمود النور البعيد يتمايلون من الضحك، ويصنعون حولهم فرقعات أشبه بالقنابل.. يقترب بسرعة من حائط المتفجرات الذى تصنعه هذه الشلة من الأوغاد.. ليس فى نيته أن يتراجع الآن.
دخل دائرة أبصارهم الحادة البعيدة المدى.. العرق يتصبب بغزارة فوق جسمه الذى يشعر بمنتهى الإنهاك والتوتر.. عيونهم ترسل أشعة مخدرة تصيب جهازه العصبى الإرادى بالشلل.. تُعطل أجهزة الرادار والإطلاق فى داخله.. دخل دائرة مدفعيتهم البعيدة المدى.. طلقة انفجرت فى داخله.. مزقته إلى أشلاء صغيرة مخضبة بالدم: انظروا مَن القادم هناك.. إنه شيتا أليس كذلك؟ لكن مَن تلك التى تسير إلى جواره؟.. إننى أكاد لا أصدق عينىّ.. طلقة أخرى تنفجر فى داخله.. كان يسير إلى جوارهم تمامًا فى تلك اللحظة.. صرخوا فى وجه الفتاة بصوت مرتفع ملىء بالضحك حتى يؤذوه أكثر.. حتى يمتهنوا كرامته أكثر.. ألا تخشين منه يا آنسة.. يمكن أن يعضّك.. إنه غوريلا.. غوريلا بالتأكيد؟ فجأة انطلقوا جميعًا يضحكون، وهم يقلدون أصوات القرود وحركاتها الغريبة المضحكة.. أصابعهم التى تشير إليه تضعه داخل قفص من حديد لا يمكن الخروج منه.. تمالك أعصابه إلى النهاية من أجل الفتاة الجميلة التى تتشبث بأصابعه.. من أجل الأحلام الجميلة الدافئة التى تملأ قلبه.. الشجاعة ليست فى أن يعود إليهم الآن ليتشاجر معهم، بل فى أن يتحمل ما لا يقوى الإنسان العادى على تحمله.
تجاوز أفراد الشلة ببضعة أمتار.. تصور أنه خرج من حقل الألغام التى نصبوها له، لكنه كان مخطئًا فى تصوره.. كان لا يزال سائرًا داخل حقل الألغام، ما دام كان فى إمكان عيونهم اللامعة من الضحك أن تبصره.
داس بقدمه أحد هذه الألغام التى أطارت نصفه الأسفل.. حولته إلى نصف رجل: انظروا إليه إنه يمضى كأنه لم يسمع شيئًا.. الجبان.. شيتا.. من الآن فصاعدًا يحسن أن نسميه الآنسة شيتا.. يضحكون من جديد بأعلى صوتهم.. يقلدون أصوات القرود وحركاتها الغريبة المضحكة، وهم يشيرون ناحيته، واضعينه من جديد داخل قفص الحديد الذى لا يمكنه الخروج منه.. يتلذذون بتعذيبه وامتهان آدميته. يتطلع إلى أفراد الشلة بذهول غريب بائس.. باستعطاف محزن.. رغبة عارمة فى الانتقام منهم تغلى فى داخله.. هذه أفظع الإهانات التى تلقاها فى حياته.. لقد حدثت أمام الفتاة التى يحبها.
وجد أنَّ من المستحيل عليه أن يخطو خطوة واحدة إلى الأمام.. لا بد من أن يعود ليشتبك مع الأوغاد الملاعين فى معركة ضارية متحملًا النتائج كافةً المترتبة على ذلك حتى لو فقد حياته نفسها.. اختفت من عينيه نظرة التوسل المهينة.. حلت محلها الرغبة العارمة فى الانتقام.. للمرة الأولى فى حياته سينتقل من الدفاع إلى الهجوم.. الفتاة أحست بالخطر المحدق بها.. حاولت أن تجره معها إلى الأمام، لكنه أبى ذلك، وعندما وجد منها إصرارها على جره معها صرخ فى وجهها يأمرها بالانصراف بعيدًا، لكنها ظلت واقفة فى مكانها تنظر بيأس إليه وبغيظ شديد إلى أفراد الشلة المخنوقين بالضحك المستمتعين، إلى أقصى حد بالمشهد الفكاهى النادر الذى يحدث أمامهم.
صرخت فى وجوههم قائلة: لماذا تفعلون بنا ذلك أيها الملاعين الأوغاد؟ ما الذى فعلناه لكم حتى تعذَّبونا على هذا النحو؟ ثم انفجرت بالبكاء.. صرخ فى وجهها بغضب شديد يأمرها بالصمت والانصراف عن المكان: إنّى لا أريدك هنا، هل تفهمين؟ لا أحبك.. لا أحبك.. لكنها لم تتحرك من مكانها.. ما زالت تلح عليه فى أن يمضى معها إلى الأمام.. انفجر الشبان فى ضحك مجنون صاخب، وهم يستمتعون بما يحدث أمامهم.. قطعوا الخيط الوحيد الذى لا يزال يشده إلى العقل.. صمم على قتالهم.. استدار ناحيتهم.. تحولوا أمامه إلى كتلة واحدة هلامية تستفز مشاعره.. لم يكن يهمه من يضرب أولًا، فهو مصمم على ضربهم جميعًا.. اختلطت تمامًا ملامح الوجوه فى تلك الكتلة اللحمية الواقفة أمامه.. ابتسامة خبيثة ترتسم على فك واحد منهم تحمل منتهى الازدراء والكراهية له.. أبصر نفسه صغيرة جدًا فى مقلتى ذلك الوجه الوقح الذى ينظر إليه بتحدٍ صارخ.. تجمعت كل قوى الغضب فى نبضة يده التى اندفعت بكل قوتها إلى الفك الوقح لتجعله يرتج بشدة.. تتابعت الضربات لتدمى ذلك الوجه، وتجعله يسقط على الأرض، وسط ذهول باقى أفراد الشلة، الذين لم يتوقعوا هذا الهجوم المباغت من الفأر، الذى اعتادوا امتهانه طويلًا دون أن يجرؤ على الرد.
بدوا عاجزين، للوهلة الأولى، عن توجيه ضربة مضادة إلى غريمهم، ثم بدأوا يفيقون.. وانهالت قبضات أيديهم على الوجه الواقف أمامهم لتدميه تمامًا، ولتجعله يتراجع بسرعة إلى الوراء، وهو يكاد يسقط على الأرض.. تذكر أنه يحمل نصلًا فى جيبه احتفظ به دائمًا ليدافع به عن نفسه ضد الأخطار المحتملة.. ها هو واحد من هذه الأخطار المحتملة قد أصبح حقيقة واقعة.. أخرج النصل الحاد بسرعة من جيبه، فى الوقت الذى كان يتراجع فيه إلى الوراء لتفادى المزيد من الضربات.
الشبان فوجئوا بوجود النصل فى يده.. توقفوا عن التقدم ناحيته.. باغتهم هجوم سريع قبل أن يفيقوا من ذهولهم، ويبدأوا هجومًا جديدًا عليه.. النصل فى يده مغطّى بالدم.. يتراجع مذهولًا إلى الوراء.. يحس بخوف عميق يجمد مشاعره.. أخيرًا وقعت الكارثة التى كان يتوقعها دائمًا فى حياته، أن يقتل إنسانًا آخر من الذين استفزُوه بشدة، وامتهنوا آدميته.
انتهزوا فرصة الذهول الذى استولى عليه وباغتوه بهجوم جديد مفاجئ.. أطبقوا عليه بحركة كماشة مفاجئة لم تدع له فرصة للهرب.. بدأ يتراجع بسرعة إلى الوراء، وهم يتعقبونه بإصرار شديد.. النصل المشرع فى يده المغطّى بالدم يخيفهم منه.. ظل يتراجع بظهره حتى وصل إلى حائط أحد المبانى.. استولى عليه خوف شديد.. اللحظة القادمة ربما حملت معها نهاية العالم.. عالمه هو.
فجأة وجد نفسه محاطًا بعشرات الوجوه التى راحت تتفرس فيه باستغراب شديد.. كان من الواضح أنهم يتسلون بمرآه المضحك، وحالة الخوف العميقة المستولية عليه.. ناس لا يدرى من أين أتوا.. عيونهم تلمع بكراهية عميقة.. الاتهام مؤكّد فى تلك العيون الغريبة المتوحشة، كانت تكفى نظرة واحدة إلى شكله الغريب المضحك، وإلى النصل الحاد المغطى بالدم فى يده، وإلى الفتى الساقط على الأرض يتلوى من الألم داخل بركة من الدماء.. كانت تكفى هذه النظرة لتؤكد الاتهام فى عيونهم، غير أنّهم لم يكتفوا بمجرد الاتهام.. حكموا عليه بالإدانة.. ذلك الجمع من الذئاب الجائعة حكم عليه بالإدانة، ولن تكفيه كل مرافعات العالم لينجو من عقابهم.
الحلقة الغريبة من الغوغاء المتعطشين إلى الدم زادت إحكامًا من حوله مع مضى الوقت.. عدد العيون التى تتسلى بازدرائه والضحك عليه يزداد باستمرار. يخشى أن يبادروا بهجوم مضاد عليه لا يُفلح النصل الحاد فى وقفه.. شىء واحد فقط يمكن أن ينقذه من مصيره المحتوم على أيدى الرعاع المحيطين به هو قدوم رجال البوليس بسرعة، وحمله بعيدًا عن هذا المكان.
تنبهت حواسه بشدّة إلى الصوت الذى ظل ينتظره بلهفة شديدة.. صوت سيارة البوليس، الذى يعوى بوقعه المرتفع على البعد.. هذا الصوت يبعث فى نفسه راحة شديدة.. لم يكن يحبُّ هذا الصوت من قبل.. كان دائمًا يثير انقباضه وفزعه.. إحساسه بالصوت يختلف تمامًا هذه المرة.. هذا الصوت سينقذه من براثن الرعاع المحيطين به.. سيحمله إلى حيث يشعر بالأمان.. أحسّ بابتهاج عميق، لأنَّه سيخيب أمل هذه المجموعة من المتشردين الأوغاد الذين يناصبونه العداء بلا سبب مفهوم.
سيارة الشرطة تخترق الحزام البشرى المحيط به.. بوقها يدوى بشدة ليفسح لها الناس الطريق.. يبعث فى نفسه راحة مؤكدة إحساسًا بقرب الخلاص.. وضعوه داخل سيارة الشرطة.. السيارة
تشق طريقها من جديد فى اتجاه معاكس مخترقة الحزام البشرى نفسه مرة أخرى وجهه يطل فى راحة وفزع من وراء زجاج السيارة المغلق على الناس المحيطين به.. الناس ينظرون إليه بعيون مليئة بالكراهية والدهشة، تتمنّى الشر لرجل غريب لم يروه من قبل.. عيونهم تحرقه كأنه مصنوع من القش.. أصداء خافتة من شتائمهم البذيئة تصل إليه حيث يقبع خلف زجاج السيارة المغلق.
السيارة تفلح أخيرًا فى اختراق الحزام البشرى المحيط بها.. تبتعد بسرعة.. بدأ ينتبه إلى الخطر المحدق به.. إلى الحقيقة المخيفة التى تقول له إن هذه السيارة ليست إنقاذًا له بقدر ما هى وسيلة لوضعه داخل قفص أكبر.. قفص لن يفلت منه على الإطلاق.. وبدأ يستعرض شريط اللحظات التى مرت به منذ أن قابل صديقته حتى الآن، وأحسّ أن ظلمًا فادحًا قد وقع عليه منذ اللحظة الأولى لميلاده ، لأنه وُلد مختلفًا عن الآخرين.. ولد قبيحًا.. أحس أن القبح عاهة فظيعة شوهت حياته تمامًا.. حرمته من كل المتع التى يعيشها الإنسان العادى.. كان يمكن أن يكون الآن فى طريقه إلى محطة المترو، وهو يسير متأبطًا ذراع حبيبته فى نشوة بالغة.. لا يشعر بالخوف من الناس الذين يبادلونه الاحترام والحب.. يبنى آمالًا لا تنتهى للمستقبل.
الألم يعتصر قلبه.. لم يكن يحب أن ينتهى إلى هذه النهاية المفجعة.. لقد دفعوه إلى ارتكاب جريمة قتل.. الشىء الذى يُدهَش له هو كيف أنه لم يرتكب تلك الجريمة منذ زمن بعيد جدًا.. كيف تأجلت إلى هذه اللحظة المتأخرة جدًا من حياته؟
راح يتطلع من وراء زجاج السيارة فى ذهول كآخر عمل يقوم به قبل أن يغيب تمامًا عن الأنظار.. بعض العيون، التى تلاحظه، لا تزال تتفرس فيه بشدة.. ترتسم ابتسامات ساخرة شريرة على شفاههم.. يسمع بعض أصداء الشتائم المخجلة التى يوجهونها إليه.. يشتمهم فى سره بأفظع ما يشتمونه به.. يحرك شفتيه ليؤكد لهم ذلك.. يقوم بحركات استفزازية مضحكة بيديه وتعبيرات وجهه ليغيظهم.. إنهم يكرهونه من أعماقهم، وهو يبادلهم مشاعر الكراهية نفسها. يتمنى لهم كل الشر الذى فى العالم.. أحسّ الآن أكثر من أى وقت مضى، أنه لم ينتمِ إليهم قط.. وامتلأ فجأة بكراهيةٍ شديدة مصحوبة بإحساس عظيم بالقهر.. وقابلته نظرة التحدى الواضحة فى وجهه، ونظرات عينيه اللتين امتلأتا بدموع صامتة لم تسقط قط.. ودوّى بوق السيارة الغريب للمرة الأخيرة، وأفاق من خواطره.. الصوت، على خلاف المرة السابقة، لم يبعث فى نفسه أىّ إحساس بالأمان أو الطمأنينة، على العكس من ذلك وضعه تمامًا أمام مخاوفه العميقة القديمة.. ومضت السيارة تشق طريقَها إلى المجهولِ فى حياته.







