لا دين ولا أخلاق.. قراءة فى «دستور الرذيلة» لـ «الجماعات المتأسلمة»
- السقوط الأخلاقى للجماعة الإرهابية ليست مفاجئًا على الإطلاق
- يحرفون تعاليم الإسلام وأخلاقه.. ويتجرأون علي القرآن والأحاديث
ربما فوجئ من كانوا لا يزالون يحتفظون ببعض سذاجتهم حتى الآن من مشاهد بعض أساطين جماعة الإخوان وهم- حسب هؤلاء السذج- يخرجون عن النص أخلاقيًا! بعض هؤلاء السذج يعتقدون أن جماعات الإسلام السياسى- حتى وإن ضلّت دينيًا وفكريًا- فهى تمثل لهم النقاء الأخلاقى حسب مفهومهم عن الأخلاق.. قد تتعاظم هذه المفاجأة كثيرًا لو قام هؤلاء السذج ببعض جهد البحث العلمى حيث ستصيبهم صدمة حقيقية حين يكتشفون جماعتهم- التى يلصقون بها يوتوبيا أخلاقية وهمية- لديها «منيو» كامل يضم الكثير من أصناف الاستحلال، وليس فقط الاستحلال الأخلاقى، حسب مفهوم بعضهم عن الأخلاق بحصرها فيما يتعلق بالمرأة!

قبل عرض أصناف أو بنود هذه القائمة، من المهم أن نعرف مَن الذى صاغ القائمة، وكيف صاغها، أى على أسس دينية صاغها. وفى الحقيقة لو أردنا استخدام المفردة الصحيحة فيجب أن نقول إنها لم تكن صياغة فكرية دينية معاصرة، وإنما عملية معاصرة تشتمل ثلاث عمليات متشابكة.. سرقة، ونصب، وقص ولزق.
هى عملية سرقة لبعض الأحداث التاريخية القديمة، أو الأحكام الفقهية الإسلامية العسكرية الخاصة بفقه الحروب، أو تفسيرات قديمة لبعض آيات القرآن الكريم.
تلتها مباشرة أو زامنتها عملية نصب علنية وقحة على العقول المصرية، سقط فى شركها الملايين عبر عقود القرن الماضى، وبشكلٍ خاص نصفه الأخير، بينما كشفتها ورفضتها قلة، وحاولت هذه القلة تعريتها أمام عقول المصريين فتم اتهام هذه القلة بالعلمنة ومعاداة الدين الإسلامى.
عملية القص واللزق من التراث القديم وإسقاطه- حسب الهوى- على بعض الأحداث والمواقف والأشخاص المعاصرين هى جزء لا يتجزأ من عملية النصب.

كمثال واحد لهذه العمليات الثلاث- السرقة والنصب والقص واللزق- يمكن أن نتحدث عن استحلال أرواح المواطنين العاديين فى الشوارع بغض النظر عن وظائفهم أو ديانتهم أو حتى مواقفهم السياسية. السرقة كانت سرقة فتوى قديمة تعود لعصر الغزو التترى لعاصمة الخلافة بغداد و وجود قرى مسلمة تحت سيطرة المغول تم استخدامها كدروع بشرية. أباحت الفتوى دماء أهالى هذه القرى لجيش المسلمين، صاحب الفتوى ابن تيمية. من قام بسرقتها شيوخ ومنظرو الجماعة الإسلامية تحديدًا وسارت فى ركبها جماعات أخرى. عملية النصب قام بها بعض قادة هذه الجماعة مثل عصام دربالة وعاصم عبدالماجد وكرم زهدى وقطعًا عمر عبدالرحمن وآخرين. وبُنيت عملية النصب على أسس محددة أو قص ولزق الأحداث والمسميات والظروف بين الحدث القديم- غزو التتار- وبين جرائم الجماعات فى مصر حديثًا. فقام هؤلاء النصابون بوضع الحكومة المصرية ومؤسساتها من شرطة وقوات مسلحة وقضاء ومفكرين وفنانين ورجال أحزاب بدلًا من جيش المغول.. ووضعوا أعضاء جماعاتهم من المجرمين فى موضع جيش المسلمين.. ووضعوا باقى المصريين- الذين قد يتصادف وجود أحدهم فى الشارع أثناء قيام الجماعة باقتراف إحدى جرائمها- فى موضع القرى المسلمة التى استخدمها التتار كدروع بشرية.
هكذا كانت تتم كل عمليات السرقة والنصب والقص واللزق- التى أطلقوا عليها مسميات براقة مثل الاجتهاد، وتحديث الفتاوى، وصياغة مبادئ الصحوة الإسلامية المعاصرة- بشكل شبه متطابق فى جميع الحالات وجميع أصناف الاستحلال.

أما عن الذين قاموا بهذه الصياغة أو السرقة، فلا يمكن قطعًا حصر الإجابة فى اسمٍ واحد، وإن كان حسن البنا ومن بعده سيد قطب هما صاحبىّ الخطوة الأولى. ثم نفاجأ فى النصف الثانى من القرن العشرين بأن لدينا قائمة مطولة جدًا تشمل كل قادة الجماعات. تقديم صياغة دينية مقنعة لعقول الأتباع هو الخطوة الأولى فى الهيمنة على هذه العقول وأصحابها.
لذلك فلقد قدم تقريبًا كل قائد جماعة رئيسية أو منشقة عن جماعة رئيسية كتابًا أو وثيقة اعتبرها أعضاءُ وأتباعُ الجماعة دستورًا مقدسًا من يخرج عليه فقد خرج عن الإسلام. وبعضهم اعتبر أن من لا يؤمن بهذا الدستور فهو مباح الدم!
فعلى سبيل المثال لا الحصر، كانت لدى الجماعة الإسلامية عدة أبحاث رئيسية تمثل هذا الدستور لأعضائها مثل «ميثاق العمل الإسلامى.. أصناف الحكام وأحكامهم.. حكم قتال الفئة الممتنعة عن شرائع الإسلام.. حتمية المواجهة.. كتاب عمر عبدالرحمن (كلمة حق)».
وعند جماعة صالح سرية أو الفنية العسكرية كان ما كتبه قائدها فى «رسالة الإيمان» هو الدستور المقدس لهذه المجموعة.
وجماعة شكرى مصطفى كونت «كوكتيلًا» خاصًا بها من أفكار البنا وسيد قطب مضافًا إليه نكهة زاعقة من فكر الخوارج.
وجماعة الجهاد اتخذت من كتاب قائدها محمد عبدالسلام فرج «الفريضة الغائبة» مرجعًا ودستورًا.
وهكذا، فكلّ من كوّن تنظيمًا مشابهًا كان يقوم بالسطو على التراث القديم، ويقص منه ما يشاء ويُسقطه على أحداث معاصرة دون أى اعتبار عقلى لفكرة تغير الظروف التاريخية ووجوب تطور الفكر الإسلامى ذاته.. والأهم من كل هذا دون أن يتجرأ أحدٌ على مواجهة هؤلاء القادة المخبولين بأهم حقيقة.. وهى أنهم عبارة عن مجرمين خارجين عن تعاليم الإسلام وعن القانون وليسوا ممثلين للإسلام، ولا علاقة من قريب أو بعيد بينهم وبين هذه الأسماء فى صدر الإسلام.. لا من ناحية الأخلاق ولا الدين ولا الأهداف.. بمعنى أن أفجر ما يمكن أن نشعر به أو نتحدث عنه فى هذا الشأن هو جرأة مجرم- مثل مصطفى شكرى أو عاصم عبدالماجد أو الزمر أو أى اسم من الأسماء التى تكتظ بها المراجع والأوراق البحثية وأوراق محاكم مصر- على مقارنة نفسه بأسماء بعض الصحابة أو وضع نفسه فى كفة ميزانٍ واحد فى مقابلة خليفة مثل عمر أو أبوبكر مثلًا.
كيف تجرأ هؤلاء على الدين الإسلامى وتراثه ورموزه التاريخية إلى هذا الحد؟ مَن الذى منحهم هذه الجرأة غير المشروعة؟ دائمًا يكون هناك حاجزٌ نفسى كبير يلقى بالرهبة فى قلوب الجميع من الاقتراب من التابوهات.. كسر هذا الحاجز لأول مرة هو الذى يمنح للآخرين قوة التجرأ بعد ذلك.. دائمًا من يقوم بهذا الفعل الأول هو الذى يفتح الطريق لمن يأتى بعده بعد أن تزول الرهبة.. يمكن القول إن حسن البنا هو صاحب هذا السبق فى مصر.. لكن سيد قطب هو الذى منح لكل من جاء بعده تلك الجرأة الفجة.. هو المتجرئ الأكبر. قراءة كتابه معالم فى الطريق تجعل الأمر مفهومًا تمامًا.. أن نتخيل كيف كان حجم الصدمة وقتها عند كل من قرأ الكتاب سواء من مؤيدى أو معارضى ما جاء به.. لم يكن تأييد ما جاء بالكتاب أو رفضه فى نفس أهمية كسر هذه الرهبة عند كل المصريين.. رهبة التجرؤ على تكفير المجتمع والمؤسسات والأفراد وإلباس هذا التكفير رداءً دينيًا براقًا.. ثم تقديم تبرير لجرائم ربما يكون ضحاياها آلاف المواطنين. لذلك فكل من جاء بعده كانت لديه قوة مستمدة من سيد قطب يبنى عليها ما يريد من أفكار التكفير.

فكرة «التكفير» وفكرة «المواجهة العسكرية».. هما طرفا المعادلة فى أفكار جميع تلك الجماعات، والتى تنتج عن تفاعلهما معًا نتيجة حتمية هى الاستحلال.. فتكفير المحيط المجتمعى الذى يعيش فيه أعضاء الجماعة المسلمون المؤمنون ليس كافيًا بمفرده لهذا الاستحلال، ولا بد من تفعيل الطرف الآخر للمعادلة وهو الحرب أو المواجهة الحتمية الدائمة مع هذا المجتمع الكافر! لا تحاول أى جماعة الاستغراق طويلًا فى مناقشات حول تلك الفكرتين مع أتباعها، خاصة الفكرة الأولى، لأن طول النقاشات سوف يؤدى منطقيًا إلى مزيد من التساؤل وربما الاستهجان..لكن نجاح أى جماعة كان يتلخص فى القفز من هذه المرحلة بسرعة شديدة إلى مرحلة جولات المواجهة.. ومع أول جولة أو جريمة يرتكبها الأعضاء الجدد تسقط عندهم أى دوافع للمناقشة أو الاعتراض.
بتفاعل هذين العنصرين- أن المجتمع كافر، وهناك حالة مواجهة حتمية للدفاع عن الكيان الإسلامى الوحيد- تتولد نتائج متوقعة يمكن تلخيص بعضها كالآتى:
طاعة القائد واجبة..
بالقطع استحلال الأرواح والدماء فى الحروب طبيعى..
كل ما يتم الحصول عليه من الآخرين هو غنيمة مشروعة..
المكر والدهاء فى الحرب مطلوبان، وقطعًا هذا يبيح الكذب لخداع الأعداء.. واستباحة الكذب هوى أحد الأصناف الدائمة على قوائم الاستحلال.

يمكن أن نتحدث عن أربعة أصناف رئيسية للاستحلال تتفرع منها أصنافٌ أخرى ثانوية حسب الموقف وحسب رؤية قائد الجماعة.. فهذه قائمة مفتوحة لقائد الجماعة أو مفتيها أو ملهمها.
أول صنف هو استحلال الدماء. تتباين الجماعات فى مدى تقييد أعضائها فى هذا الاستحلال..فمنها من تقصره على «ذوى الشوكة أو القوة» من العاملين فى المؤسسات المهمة كالجيش والشرطة والقضاء والصحافة ورجال الأحزاب والإعلام.. ومنها من يتوسع ليشمل دماء كل من لا ينتمى تنظيميًا أو فكريًا للجماعة.. ومن تلك الجماعات من يحصر قائمته فى هذا الصنف على رجال المؤسسات المهمة وغير المسلمين فى مصر أو الأقباط ويرفض إضافة باقى المصريين من المسلمين للقائمة، ومنهم من يحصرها على من يقرر مواجهة الجماعة سواء مواجهة إعلامية فكرية أو مجتمعية أو بأى شكل من أشكال المواجهة. لكن لم تخلُ مائدة أى جماعة متأسلمة- ظهرت فى السنوات من عقد الثلاثينيات وحتى نهاية القرن الماضى- من بند استحلال الدماء.
أما الصنف الثانى فى القائمة فهو استحلال الأموال.. فكرة خاطئة لدى البعض أن هذه الجماعات كانت تستبيح أموال الأقباط فقط، وذلك نظرًا لاستهداف محلات الذهب المملوكة للأقباط فى عقدى الثمانينيات والتسعينيات، لكن الأصل فى فكر الجماعات أنها فى حرب ضد الجميع، وفى الحرب كل ما فى أيدى أعدائك يجب أن تحاول الحصول عليه كغنيمة.

استحلال الكذب والخداع هو من أسس فكر أى جماعة دينية، لأنها تعتقد أن كل شىء يجوز فى الحرب وخداع الأعداء جائز.. والحرب لا تقتصر على المواجهة العسكرية، إنما على كل المواجهات حتى تتمكن الجماعة من إقامة الحكم الإسلامى حسب دستورها المقدس.. فهى فى حالة مواجهة مستمرة أثناء ممارسة كل تفاعلات ومفردات الحياة مع كل المؤسسات، ومع كل المواطنين. لو سألت أحدهم سوف يرد بجرأة صادمة ويخبرك عما قاله النبى «ص» للمسلمين الذين تعرضوا للتعذيب على أيدى كفار مكة لإعلان الكفر بدعوة محمد «ص»، حيث أباح لهم النبى «ص»- رحمة بهم- بأن يُظهروا الكفر.. ولم يَلُمْ أىَّ صحابى منهم أظهر الكفر، رغم أن بعض الصحابة تحملوا الإيذاء البدنى ورفضوا إعلان كفرهم بالإسلام.. وآخرون سوف يردون بجرأة أخرى بما حدث فى غزوة الأحزاب وموقف الصحابى نعيم بن مسعود رضى الله عنه الذى كتم إسلامه عن قومه الكفار وخدعهم حتى يقوموا بفك الحصار عن المدينة.
من مثل هذين الموقفين تبيح الجماعات لنفسها الكذب البواح فى أى تعامل مع أعضاء خارج الجماعة، باعتبار أنها فى حالة حرب أو مواجهة دائمة! وهى فى هذا تشبه بشكل يكاد يكون متطابقًا مع فكرة تلمودية تبيح لليهود أن يمارسوا بعض الممارسات ضد غير اليهود، بينما يحَرُمُ عليهم ذلك فى تعاملاتهم الذاتية مع اليهود.
لماذا يخوض أعضاء جماعة الإخوان فى الأعراض بهذه الجرأة، رغم أنهم- على الأقل فى عقول بعض السذج- من المفترض أن يتحلّوا بأخلاقيات الإسلام ولو بالشكل الظاهرى.
«لا عِرض لفاسق» «لا غيبة لفاسق». «ثلاثة لا غِيبة لهم، صاحب الهوى، والفاسق المعلِن بفسقه، والإمام الجائر».
لا توجد أى علاقة بين هذا العبث، وبين أقوال النبى «ص».. فالعبارات السابقة هى أقوالٌ منسوبة للحسن البصرى المولود عام ٢١ هجرية والمتوفى عام ١١٠ هجرية. ونُسب للبصرى أن سبب مقولاته أن «هؤلاء الثلاثة- صاحب الهوى، والفاسق المعلن بفسقه، والإمام الجائر- يجمعهم أنهم يتظاهرون به وربما يتفاخرون به فكيف يكرهون ذلك وهم يقصدون إظهاره؟»، أى أن البصرى حصر رؤيته أو رأيه فى إطار محدد هو ألا يكره الشخص ما يقال عنه.
بناءً على هذه العبارات المنسوبة للبصرى، ودون اكتراث منها بما فسره البصرى نفسه، قررتْ الجماعات المتأسلمة أن تبيح لنفسها أعراضَ فئاتٍ كثيرة من المجتمع لا حصر لها.
بعض قدامى الفقهاء حاولوا تجميل ما نُسب للإمام البصرى، بأن وضعوا تفسيراتٍ أو تقييدًا لعباراته حتى لا تُستباح أعراض الناس. فمنهم من قال إن ذكر شخصٍ ما بما لا يكره هو فقط المباح. أى مثل من يشرب الخمر مثلًا ولا يستاء من ذكره بهذا الفعل. وأنه لا يجوز ذكر أى صفاتٍ يكرهها الإنسان .. وينسبون لعمر بن الخطاب عبارة «ليس لفاجر حرمة»، لكنهم يؤكدون أنه يقصد «المجاهر بالفسق وليس المستتر». معنى هذه العبارات وبشكل مبسط وحسب قائليها، مثلًا لو أن راقصة يقال عنها فلان الراقصة فلا إثم فى ذلك لأنها لا تتضرر من ذكر هذه الصفة، لكن لا يجوز مثلًا أن يقال عنها إنها عاهرة! ولو أن عاهرة تمارس الدعارة سرًا، ولا تجاهر بذلك، وطبقًا لكلام البصرى نفسه لا يجوز قذف عرضها.
تركت جماعة الإخوان وجميع أعضاء الجماعات ومن يسيرون فى ركبهم كل هذه المحاذير ومناقشات الفقهاء ورؤاهم التى حاولت حصار ما قاله البصرى بكثرة المحاذير، ثم سَطَتْ- هذه الجماعات- على مقولة منسوبة لأحد التابعين وقررت أن تجعل منها دينًا! لأن الدين الإسلامى قد اكتمل بوفاة النبى «ص» خاصة فى الجوانب الأخلاقية والمعاملات والآداب. وكل ما يأتى بعد وفاة النبى «ص» إنما هى آراء فقهية أو فتاوى قابلة للرفض أو القبول. لكن الجماعات- وعلى رأسها جماعة الإخوان- قررت أن تجعل من قذف الأعراض دينًا! وحتى حين قامت بذلك، فلم تحترم ما قاله صاحب هذا الرأى وقررت سرقته والنصب باسمه وتزوير ما قاله تزويرًا وقحًا سافرًا.
بعيدًا عن هذا التزوير الفج لما قاله حسن البصرى- إن كان قد قاله فعلًا- فهناك مشاكل فى هذه الرؤية ذاتها ربما تفند وتفسد منطقيتها تمامًا. على موقع إسلامى يسأل أحد الشباب عما إذا كان قد اقترف إثم الغيبة حين خاض نقاشًا حول حفل موسيقى غنائى؟! سؤاله أنه قد ذكر المغنى ببعض الألفاظ وناقش من حضروا الحفل بحجية أن الموسيقى حرام.. جاء الرد بأنه لم يقترف أى إثم لأن الفسقَ مجاهرٌ به!
أول إشكالية فى رؤية حسن البصرى هو اختلاف أفكار المسلمين اليوم حول بعض المسائل مثل الموسيقى والغناء وبعض الفنون.. فمن وجهة نظر أعضاء الجماعات فالموسيقى- بخلاف الدف- حرام! والموسيقيون يقترفون إثمًا ويجاهرون به فهم مباحون! ونقيس على ذلك بعض من يمارسون بعض الفنون كالتمثيل. فكل هؤلاء تتم إباحتهم طبقًا لهذه الرؤية والنسخة العصرية المتطرفة الغليظة منها، والمسلمة التى لا تلتزم بالحجاب الشرعى- من وجهة نظر كل جماعة- ترتكب فسقًا وتجاهر به فهى مباحة!
وطبقًا لنفس الرؤية فالفسق الأولى بالإباحة هو فسق وفساد العقائد! فكل من يعتقد معتقدًا مخالفًا- من المسلمين أو غير المسلمين- للجماعات فهو مباح.
أما عبارة «الإمام الجائر» التى وردت فيما نُسبَ للإمام البصرى، فهى التى تمتطيها حاليًا جماعة الإخوان لاستباحة الخوض فى سير وأعراض أى قيادة فى الدولة المصرية. ففى عقيدة الإخوان- وفى عقيدة كل جماعة متطرفة- أن كل نظام حكم مصرى رفضَ أفكارهم المنحرفة أو قاومها للحفاظ على الوطن فهو يمثل «إمامًا جائرًا» تبيح الجماعة لنفسها الخوض فى أعراض قياداته.
هذا العبث هو تحريفٌ صريح لبعض تعاليم الإسلام وأخلاقه، وهو تجرؤ على القرآن الكريم وعلى سنة النبى «ص». لقد نهى القرآن الكريم المسلمين نهيًا صريحًا قاطعًا عن سب الأوثان التى يعبدها الكفار حتى لا يقوم الكفار بسب الله. بأى قياس منطقى لأى مسلم ذى حد أدنى من العقل هذا النهى يجب أن يمتد للنهى عن السب بشكل مطلق، والأولى هو السب الذى يترقى لفكرة القذف ولدينا حكم قرآنى صريح هو القذف إن يأتِ من يتحدث بأربعة شهود عدول.
ولقد وصف القرآنُ الكريم النبى «ص» بأنه على خلق عظيم.. وتم وصفه بأنه كان أشد حياء من العذراء فى خدرها.. الخلاصة أن الإسلام دينٌ ينهى أتباعه عن الابتذال، ويُعلى من قيم الأخلاق بنصوص قرآنية واضحة.. وأى حديثٍ مخالف لهذا فهو مردود على أصحابه ولا علاقة للإسلام به غير علاقة الرفض.
أى صدمة أو مفاجأة يشعر بها أى مصرى حين يطالع المشهد حاليًا ويرى السقوط الأخلاقى لأساطين الجماعة، لا تعنى سوى أن هذا المصرى لا يزال أسيرًا للوهم عن هذه الجماعات وأفكارها وأعضائها وأخلاقهم. ولن يتحرر عقل هذا المواطن المصرى من هذا الوهم إلا فى حالة واحدة أن يفكر فى جميع هذه الجماعات من زاوية واحدة فقط أنها جماعات سياسية لا علاقة لها بالدين سوى محاولة استغلال هذا الدين. تاريخيًا كل الجماعات السرية الباطنية التى رفعت شعارات دينية من مختلف الديانات وتخفت خلفها لمحاولة تحقيق مكاسب سياسية وصلت لنفس فكرة الاستحلال التى وصلت إليها الجماعات المتطرفة المتأسلمة فى القرن العشرين. لأن أى جماعة تعتقد لنفسها- وتصدق ذلك أو تروجه فقط بين أتباعها وفى وجه أعدائها- حقًا دينيًا فهى بالتبعية تعتقد أن لها حقًا إلهيًا فى استحلال الآخرين. هذه هى حقيقة تاريخية يمكن قراءتها بسهولة فى قراءة تاريخ التنظيمات السرية عبر التاريخ.
جماعة الإخوان وباقى جماعات التأسلم السياسى ليست إلا فصلًا فى هذا التاريخ.. ستختفى فى يوم ما وسوف تصبح فصلًا من فصول هذا التاريخ، لكن بعد أن تدفع الشعوب والأوطان الثمن.. يتناسب هذا الثمن عكسيًا مع درجة الوعى.. فكلما قلّ الوعى تضخم الثمن من أرواح واقتصاد وتخلف.. وكلما زاد الوعى تقلص هذا الثمن فى أقل تكلفة ممكنة.







