الخميس 23 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

رمسيس الثانى وتراجيديا بنى إسرائيل الكاذبة

حرف

يوم الأربعاء الماضى الخامس عشر من هذا الشهر، كتبت أ. مها صلاح بجريدة «حرف» موضوعًا بعنوان «تفتيش فى سيرة النبى موسى.. كتاب جديد لوزير آثار سابق: رمسيس الثانى هو فرعون الخروج بخمسة أدلة تاريخية». وجاء فى مقدمة الموضوع أن الدكتور ممدوح الدماطى، وزير الآثار الأسبق عكف على دراسة قصة النبى موسى «س» لمدة خمسة عشر عامًا، وكانت ثمرة هذا الجهد البحثى هو كتاب صدر عن الدار المصرية اللبنانية بعنوان «موسى عليه السلام وخروج بنى إسرائيل من مصر». وأنه من بين أهم فصول الكتاب هو ذلك المتعلق بشخصية فرعون موسى، حيث يقدم د. الدماطى رؤية مغايرة لكثيرين من علماء الآثار، وذلك حسبما كتبت أ. مها، التى ذكرت من بين هؤلاء الأثريين د. زاهى حواس. بعد قراءة الموضوع المنشور وجدتُ أنه من اللازم الرد على ما جاء به. ومن المهم أن أوضح أن مقالى هذا يتعلق بما تم نشره فى المقال الصحفى.

 

أعتقد أن اسم د. الدماطى هو أهم ما فى هذا النقاش؛ لأن كل من يعملون فى الحقل الأثرى يعلمون جيدًا الثقل الأكاديمى للرجل، لكن من منطق «يُعرف الرجال بالحق ولا يُعرف الحق بالرجال» و«كلٌ يؤخذ منه ويرد عليه»، ولأن الموضوع- شخصية فرعون موسى- قد تناولته أيضًا فى العقود الخمسة الأخيرة بالبحث والنشر كوكبة كبيرة من علمائنا الأثريين الأجلاء، الذين يحظون بنفس القدر والثقل الأكاديمى للدكتور الدماطى، لذلك فأنا- بصفتى طالبًا وناقل علم عن هؤلاء- أعترض على ما تم تقديمه فى الموضوع الصحفى من توجيه هذا الاتهام للملك المصرى العظيم رمسيس الثانى. ويعاظم من اعتراضى هذا أن غالبية أثريينا الكبار الذين أشرت إليهم لم يصلوا لقطعٍ علمى يحدد شخصية «فرعون موسى»، وفى خلال العقود الأخيرة لم يجدُّ جديدٌ من الناحية الأثرية يمكنه أن يغير ما استقر عليه هؤلاء من أن الموضوع برمته هو- حتى الآن - مجرد جدل علمى يضج بعشرات الافتراضات التى يناطح بعضها بعضًا، ولكلٍ منها وجاهته، وأيضا لكلٍ منها نقاط ضعفه العلمية. نقطة أخرى مهمة وردت كعنوان فرعى فى الموضوع «رمسيس الثانى هو فرعون الخروج بخمسة أدلة تاريخية». استخدام مصطلح «دليل تاريخى» جانبه الصواب فى هذه القصة الجدلية، والأصح- حتى لو كنا نتحدث عن ملكٍ آخر أو طرحٍ آخر يعارض ما ورد فى الموضوع- هو استخدام مصطلح «قرينة». هذا عن عناوين الموضوع، أما ما ورد فى المقال فيحتاج إلى تفكيك تفصيلى، بالإضافة إلى طرح مزيد من النقاط التى لم يرد ذكرها فى المقال، وهى أهم نقاط أو قرائن براءة الملك رمسيس الثانى تحديدًا من هذه التراجيديا.

الفقرة الأولى من المقال عنوانها «رحلة البحث عن فرعون» وملخصها مع الفقرة الثانية أن د. الدماطى بدأ رحلته البحثية استنادًا إلى الرواية القرآنية بأن سيدنا موسى عاصر فرعونًا واحدًا، وشكك فى الرواية التوراتية التى تقول بأن سيدنا موسى عاصر فرعونين كما يقول التعبير الذى يستخدمه بعض الأثريين «فرعون التنشئة وفرعون الخروج». وأن السبب فى رؤيته تلك أن صفات الطغيان لم تتغير حين عاد موسى إلى مصر بعد بقائه فى مدين، ولو أن الملك الذى واجهه بعد عودته كان شخصية أخرى لربما تغيرت صفاته ومعاملته لبنى إسرائيل. وأن السبب الثانى أن الرؤية التوراتية تؤكد بقاء موسى حتى بلغ أربعين عامًا فى قصر الملك ثم غاب أربعين سنة وعاد لمصر، ولا يوجد ملك مصرى فى الدولة الحديثة حكم لمدة ثمانين عامًا. وبناء عليه يفترض د. الدماطى أن موسى مكث فى مصر حوالى من ثلاثين إلى أربعين عامًا ثم خرج وعاد ربما بعد عشرة أعوام، ومن هذا الافتراضات التى لا ترتكز على أى أدلة يقينية، يقفز إلى الاستنتاج الذى سوف يبنى عليه رؤيته كاملة، وهذا الاستنتاج هو أن هذا الفرعون لا بد أن يكون قد حكم أكثر من أربعين سنة ولا توجد هذه الحالة فى الدولة الحديثة إلا فى حالة تحتمس الثالث ورمسيس الثانى. ثم يستبعد تحتمس الثالث لاشتراكه فى عدد من السنوات مع حكم الملكة حتشبسوت. 

أنا لم أقرأ كتاب د. الدماطى، لكن ما قرأته فى المقال فى هذه الفقرة أدهشنى كثيرًا لهشاشته المنطقية والعلمية بالغة الوضوح من عدة أوجه. أولًا: هناك على الكرة الأرضية من لا يؤمن لا بالقرآن ولا التوراة، ويلزمه أدلة علمية أثرية أو وثائقية تاريخية ملموسة حتى يمكن له أن يبتلع هذه القفزات والاستنتاجات. ثانيًا: النص القرآنى هو نصٌ قصصى للعظة ولم يرد به تفاصيل تاريخية، وكل ما يُلصق به من تفاسير هى منقولة نقلًا من مرويات شفوية من بنى إسرائيل، الذين عاصروا كتابة أمهات كتب التفسير. ثالثًا: ليس من المنطق أن ينتقى أى باحث من قصة دينية جزءًا ثم يرفض باقى الأجزاء، فإما أن ننحى القصة التوراتية كلها أو نمنحها المصداقية كلها! رابعًا: تحديد شخصية فرعون من بين ملوك مصريين بناء على سنوات حكم هؤلاء الملوك لا يجيب عن تساؤلٍ أهم يسبق هذا التحديد.. وأين فى الأساس السند التاريخى على حدوث القصة فى عصر الدولة الحديثة تحديدًا؟ لماذا وجه الباحث جهده تجاه الدولة الحديثة وقرر أن فرعون موسى لا بد أن يكون أحد ملوكها، وكأن ذلك مسألة محسومة علميًا؟.

فى الفقرة الثالثة وهى بعنوان «لماذا رمسيس الثانى؟» حددت كاتبة الموضوع- بعد قرائتها لكتاب الأكاديمى المعروف- أسباب تحديد شخصية رمسيس الثانى. أول الأسباب هو حكمه لفترة طويلة ٦٦ عامًا، وأن النص القرآنى حدد أن موسى تربى ونشأ فى قصر الفرعون ثم كلف بالرسالة.. وأن تسلسل الأحداث الواردة فى القرآن الكريم لا بد أن تكون قد حدثت فى عهد ملك حكم لفترة طويلة. صراحة هو منطق عجيب جدًا أن يتم اتهام ملك مصرى بارتكابه هذه الدراما لأنه ظل فى الحكم مدة طويلة. ومحاولة تزكية هذا المنطق عن طريق الزج بالنص القرآنى أعجب. القرآن الكريم يتحدث عن شخصية مجهولة الهوية، ولم يتم الاتفاق أثريًا- حتى الآن- على أن كلمة فرعون نفسها هى اسم أم لقب. وافتراض أنه لقب- وهو الافتراض الذى يؤسس لاختيار أى ملك مصرى- هو موضوع لجدل علمى آخر. يقوم هذا الافتراض على أن كلمة «بر عا» لا بد وأن تكون هى أصل كلمة فرعون. رأى علمى يؤيده بعض علماء اللغة المصرية القديمة، لكن لا يوجد إجماع على صوابه. ومن جهة أخرى موضوعية تمامًا أقول.. وماذا لو كنتُ أثريًا غير مسلم مثلًا فلماذا سأوافق على فرضية أن فهم أحدهم لألفاظ القرآن الكريم هو سند تاريخى؟ ولو كنتُ مسلمًا فلماذا سأرضى بنص توراتى أو تلمودى كسند تاريخى؟ وهل تاريخ مصر أو أى تاريخ آخر هو موجه لأصحاب ديانات بعينها، أم أنه يجب أن يبنى على حقائق وأدلة تقنع الجميع؟ وماذا لو حدث مثلًا بعد ذلك وتم اكتشاف دليل أو وثيقة تحمل تفاصيل القصة كلها بجميع الأسماء وثبت أن هذا الفرعون الغامض ليس رمسيس الثانى؟ أيكون هذا ضربًا لمصداقية النص الدينى الذى قرر بعضنا فهمه وتفسيره بطريقة معينة واستنتج على إثرها استنتاجًا بعينه؟.

هناك مفاجأة.. هناك أستاذة جامعية مصرية تعتقد أن هناك فرعونًا للتنشئة وآخر للخروج وهى الرؤية التوراتية التى يرفضها د. الدماطى!.

السبب الثانى الذى ورد فى المقال لتوجيه الاتهام لرمسيس الثانى هو المشروعات الضخمة التى أشارت إليها الرؤية التوراتية! فقد ورد فى سفر الخروج أن بنى إسرائيل كلفوا ببناء مدينتى «فيثوم» و«بى رعمسيس» «فأقاموا عليهم رؤساء تسخير لكى يذلوهم بأثقالهم..» ثم تقطع كاتبة المقال قائلة «وبذلك فإن ارتباط بنى إسرائيل ببناء هذه المدن يؤكد أن الفرعون الذى واجهه موسى- عليه السلام- كان رمسيس الثانى!».

عفوًا، فهذا ترويجٌ صريح للسردية اليهودية عن السخرة فى مصر القديمة! وهو ترويجٌ لا يستند إلى أى أدلة علمية تاريخية. لدينا من عصر الدولة الحديثة ومن عهد رمسيس الثانى تحديدًا آلاف الوثائق عن العمال البنائين المصريين. فأين الأدلة الأثرية القطعية التى تقول إن من شيد هذه المدن هم من بنى إسرائيل؟!. 

بل إن لدينا وثيقة تعود لعصر أحد الرعامسة الذين حكموا بعد رمسيس الثانى، والتى تنفى تمامًا فكرة تسخير غير المصريين فى أعمال البناء. لقد اعتبر المصرى القديم أن طرق البناء هى من الأسرار التكنولوجية التى لا يجب أن تتاح لغير المصريين. الوثيقة تتحدث بأسلوب ساخر عن جهل الأجانب من أسرى الحرب، الذين بلغت أعدادهم الآلاف. تم تكليفهم بطريق ساخرة لعمل «قوالب طوب لبن»، لكنهم لم يخبروهم بسر استخدام القش. قام هؤلاء أكثر من مرة بعمل الطوب وفى كل مرة وحين يهمون بجمعه يتهشم! إذا كان المصريون يعتبرون أن معلومة استخدام القش فى عمل الطوب هو سرٌ تكنولوجى لا يصح أن يعرفه هؤلاء، فهل من المنطق أن يقوم المصريون وقبل هذا العصر بسنوات طويلة بإخبار اليهود أو غيرهم عن أسرار البناء؟! 

لدينا وثائق أخرى عن تكوين حملات التحجير المرسلة للمحاجر مثل محاجر السلسلة، وبها تفصيل بالأعداد عن هوية هؤلاء، سواء محترفى قطع الأحجار، أو الجنود أو الطباخين أو المهندسين.. كانوا جميعًا مصريين!.

هذا عن التخاريف اليهودية عن السخرة فى مصر. هذه التخاريف التى نواجهها كثيرًا أثناء قيامنا بمهنة الإرشاد السياحى. نواجهها بالأدلة والوثائق، فكيف يصدر كتاب مصرى لكى يمنح هذه التخاريف مصداقية؟

أما عن أن كثرة المشروعات هى أحد أسباب اتهام رمسيس الثانى بأنه فرعون موسى، فأنا أتساءل عن النص القرآنى هنا الذى ذكر أن ما شيده فرعون وقومه قد دمره الله؟! إن أكثر ملوك مصر حضورًا الآن من الناحية الأثرية هو رمسيس الثانى! أبوسمبل.. الكرنك.. الرامسيوم..الأقصر.. هذه هى العناوين الكبرى الباقية!. حدث تدمير فى معبدى أبوسمبل أثناء حياة رمسيس نفسه بسبب زلزال ورمم المعبد المهندس المصرى القديم «باسر». لقد بقيت آثار رمسيس الثانى بعد أكثر من ثلاثة آلاف عام. ولا يمكن أن نعتبر التدمير الذى تعرضت له دليلًا على أن الله قد دمر آثاره تحديدًا دون غيره، لأن ما تعرضت له آثار رمسيس الثانى هو نفس ما تعرضت له آثار باقى الملوك. تدمير سببه زلازل شهيرة.. تدمير متعمد فى عصور لاحقة.. تدمير بسبب الزمن وبناء مبانى أحدث فوقها.. نسبة ما بقى من آثار رمسيس الثانى ربما تفوق نسبة ما بقى من آثار ملوك آخرين.

فى نفس الفقرة نجد سببًا مهمًا، وأعتقد أنه من أكثر نقاط الضعف أو قرائن اتهام رمسيس الثانى.. حيث يرد نص الفقرة كالآتى «السبب الثالث هو مقر حكم رمسيس الثانى» إذا تشير النصوص فى سفر الخروج إلى اسم «بر رعمسيس» فى شرق الدلتا بشكل صريح؛ ما يدل على أن الأحداث المتعلقة بقصة موسى وقعت خلال فترة حكم هذه العاصمة. ويعزز هذا الاستنتاج الوصف القرآنى «أليس لى ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتى»، إذ يشير التعبير عن الأنهار بصيغة الجمع إلى كثرة الأفرع النيلية.

سوف أتجاوز عن فكرة انتقاء نصف القرينة من السردية التوراتية، ونصفها الآخر وبشكل متعسف تمامًا من النص القرآنى. لكن ما أدهشنى هو تناول أو انتقاء هذه القطعة تحديدًا من السردية التوراتية مع عدم الإشارة من قريب أو بعيد إلى الترجمة السبعينية للتوراة، والتى يعود تاريخها إلى بدايات العصر البطلمى، والتى تلقى بكثيرٍ من الضباب على ما يتعلق باسم «بر رعمسيس». هناك رأى قوى جدًا تم نشره منذ أكثر من ثلاثة عقود يشير إلى إشكالية كبرى تتعلق بهذه النقطة. فالنص التوراتى الأصلى مكتوب باللغة الآرامية القديمة. وفى بدء العصر البطلمى أثارت الديانة اليهودية فضول ملوك البطالمة الأوائل الذين أمروا أكثر من سبعين حبرًا يهوديًا بترجمة التوراة. وفى هذا التوقيت كانت مدينة بر رعمسيس تحمل هذا الاسم، بينما كانت هناك مدينة أخرى تقع فى نفس المكان هى أواريس أو أفاريس عاصمة الهكسوس. أقام الملك رمسيس الثانى هذه المدينة على أطلال أو فى نفس موقع أواريس. هناك رأى بأن الاسم الوارد فى النص التوراتى الأصلى بلغته القديمة لم يكن بر رعمسيس، لكنه أواريس! وأن من ترجموا التوراة فى العصر البطلمى استخدموا المسمى المعاصر لهم وهو «برعمسيس». ومن هذه الترجمة السبعينية للتوراة إلى اليونانية تمت ترجمة التوراة فيما بعد إلى جميع اللغات الأخرى، بما يعنى أن هذه الترجمات قد نقلت اسم «بررعمسيس» من الترجمة السبعينية، ولم تنقله كما جاء فى النص الآرامى العتيق. 

أما ما يخص النص القرآنى الوارد على لسان فرعون، فلا يمكن إطلاقًا أن نتخذه قرينة فى هذا الموضع لأننا ندرك أن اللفظ القرآنى لا يمكن حصره فى معنى واحد محدد، وليس لدينا دليل مؤكد قاطع على أن مدينة برعمسيس كانت تقع على ملتقى أكثر من فرع نيلى. ولقد أفاض د. سليم حسن فى تقديم الوثائق القديمة التى وصفت المدينة وبهاءها وجمالها. وخطاب فرعون عن جريان الأنهار من تحته يمكن بسهولة اعتباره تعبيرًا قرآنيًا لغويًا بليغًا يدل على كثرة خيرات مصر. أما الأهم فإن هذه المدينة فى عصر الهكسوس كانت هى عاصمتهم الوحيدة، أى أن ما ورد على لسان فرعون موسى عن الأنهار- لو أخذنا به حرفيًا- فيمكن أن ينطبق على فترة حكم الهكسوس! 

بينما فى عصر رمسيس الثانى فكلنا نعرف أن واست أو الأقصر ظلت تحتفظ بموضعها وأهميتها للمملكة حتى بعد بناء رمسيس مقره الصيفى أو العاصمة الصيفية، وأنها- أى بررعمسيس- لم تسلب من واست أهميتها وأبسط الأدلة هو أن أعظم إنشاءات رمسيس الثانى كانت بالفعل فى واست! نقل رمسيس مقر الحكم ليكون قريبًا من البلاد الأجنبية، لكن واست بقيت على أهميتها، أما فى عصر الهكسوس فقد كانت أواريس فقط هى العاصمة!.

ثم نأتى لما وصف فى المقال بأنه رابع الأسباب فى توجيه هذا الاتهام للملك رمسيس الثانى.. «أما رابع الأسباب التى يدفع بها د. ممدوح الدماطى فى كتابه هو تجبر فرعون وتأليه نفسه، ووفقًا للروايات القرآنية والتوراتية كان فرعون مصر يعد نموذجًا للاستبداد والجبروت وتجسدت فى شخصيته صفات الطغيان والتأله».

عفوًا فالقرآن الكريم لم يقل إن الملك المصرى «س» أو «ص» كان هو ذلك المستبد. كل صفات الطغيان الواردة فى القرآن الكريم تخص شخصية مجهولة حتى الآن، والزج باسم رمسيس الثانى أو غيره فى هذه التراجيديا يعتبر رؤية أو رأيًا يخصان صاحبهما حتى توجد أدلة قاطعة جازمة تحدد شخصيته. وكل ما ورد فى المقال فى هذا الموضع من توجيه اتهامات بالطغيان والاستبداد لرمسيس الثانى مردود عليه بسؤال واحد.. أين الأدلة التاريخية على استبداد رمسيس الثانى وطغيانه؟ لدينا آلاف الوثائق التى تعود للملك رمسيس الثانى، سواء وثائق ملكية، أو وثائق تخص كبار رجاله وتخص صناع الحضارة المصرية فى عصره.. فأين وثائق الاستبداد؟ لدينا وثيقة مهمة يتحدث فيها عن جهده فى حفر آبار مياه فى الصحراء للعمال الذين يقومون بالتعدين.. فهل هذه شخصية مستبد؟! لدينا وثائق دبلوماسية شخصية متبادلة بينه وبين «حماته» الحيثية وهى تطلب منه أن يقدم مهرًا يليق بأميرة حيثية، وأن يقيم لها عرسًا يليق بها! نريد أن نعرف ما هى الوثائق والأدلة التاريخية التى تثبت اتهامات الاستبداد والطغيان ضد هذا الملك المصرى العظيم؟! يصف د. سليم حسن نظام حكم رمسيس الثانى قائلًا «إن ما لدينا من وثائق أصلية لا تشعرنا بأن رمسيس الثانى قد غير شيئًا يلفت النظر فى نظم البلاد وقوانينها التى كانت تمثل الظاهر النظام الأولى الذى يعبر عنه بكلمة ماعت وتشمل فى تضاعيفها العدل والحق والصدق وحسن النظام وأداء الواجب». وعرض سليم حسن عشرات الوثائق من عصر رمسيس الثانى توضح جوانب شخصيته من اهتمام وحرص على حياة عماله وتقديم المؤن الكافية لهم. 

أما ما يخص فكرة «تأليه نفسه»، فكل دارسى تاريخ مصر القديم وديانتها وفسلفتها يعرف أن المصريين اعتبروا كل ملوكهم هم من نسل حورس. وأن ما قام به رمسيس الثانى فى المعابد المقامة جنوب أسوان مثل أبى سمبل والدر والسبوع كانت له أسبابه السياسية. فعلى سبيل المثال نجد مناظر رمسيس الثانى فى معابد الكرنك أمام عائلة آمون المكونة من آمون وموت وخنسو.. بينما نفس المنظر فى أبوسمبل نجد رمسيس الثانى مرسومًا بين أمون وموت زوجته، والسبب سياسى بحت. هو موضوع أكاديمى جدلى ولا يتعلق فقط برمسيس الثانى. لا يمكن فصل السياسة عن الديانة فى مصر القديمة. كان رمسيس الثانى يتعمد أن يقدم نفسه فى معابد بوابة مصر الجنوبية بصورة مهيبة تلقى بالرعب والخوف فى قلوب كل من يعبر نهرها من الجنوب.

فى نهاية المقال فقرة مهمة «يختتم الدماطى استنتاجه بالتأكيد على عدم وجود نصوص دينية أو أدلة أثرية مؤكدة تؤيد وجهة نظره.. لكنه يتمسك بأن الشواهد التاريخية والنقوش التى صورت رمسيس الثانى كإله فى معابد أبى سمبل تشير بوضوح إلى أنه المرشح الأكثر احتمالًا ليكون فرعون موسى، نظرًا لطول فترة حكمه التى تجاوزت ستة عقود إلى جانب اهتمامه الكبير بتشييد المدن الكبرى».

حسنًا فعل د. الدماطى بتأكيده افتقار هذا الاتهام الموجه للملك رمسيس الثانى إلى نصوص دينية أو أدلة أثرية مؤكدة. وإن كان هو يتمسك باتهامه بناءً على ما وصفه بأنه شواهد تاريخية، فأنا وربما غيرى آخرون من دارسى تاريخ مصر نتمسك بنفى هذا الاتهام جملة وتفصيلًا، وذلك ليس فقط استنادًا إلى ما ذكرتُه من ردود على تلك الشواهد، وإنما لوجود أدلة أخرى تبرئ هذا الملك المصرى العظيم من هذا الاتهام بشكلٍ قاطع. 

«توت عنخ آموت.. مؤامرة الخروج» هذا عنوان كتاب مهم كتبه كاتبان إنجليزيان وتمت ترجمته للغة العربية. الواقعة التى ذكرها الكتاب هى إحدى أدلة البراءة القوية للملك رمسيس الثانى. كان كارتر يعمل فى مقبرة الملك توت ثم أوقفته الحكومة المصرية ومنعته من دخول المقبرة على خلفية اتهامات موجهة له بالسرقة. لما يقرب من عام عجز كارتر عن العودة للمقبرة حتى قرر أن يتوجه إلى القنصل البريطانى فى الأقصر. قابله فى فندق ونتر بالالس فى وجود علماء آثار ذكرهم الكتاب بالاسم منهم سير آلان جاردنر.. حدث اللقاء فى غرفة مكتب.. احتد كارتر حين رأى فتورًا من القنصل، فقام بتهديده وابتزازه أمام الحضور صراحة قائلًا: «إن لم تتدخل الحكومة البريطانية لدى الحكومة المصرية لكى أعود للعمل بالمقبرة فسوف أقوم بنشر بردية الخروج التى وجدناها فى المقبرة، والتى توثق رؤية الحكومة المصرية القديمة فى الرواية التوراتية!» استشاط القنصل البريطانى غضبًا وقام بقذف كارتر بالمحبرة أمام الحضور.. ثم طلب منهم الخروج..وبعدها بأيام عاد كارتر لعمله فى المقبرة!

كان الكاتبان يحاولان الإجابة عن سؤال محدد.. ماذا حدث للبردية؟ وتراوحت آراؤهما بين أنها موجودة فى مكان ما بحوزة أصهار اللورد كارنرفون ممول عملية كشف مقبرة الملك توت. وأصهار اللورد كارنرفون باختصار هم عائلة روتشيلد! أو أن البردية قد تم إعدامها عن طريق نفس العائلة أو الحكومة البريطانية.

لماذا هدد كارتر القنصل البريطانى هذا التهديد؟ لأن بريطانيا كانت تحمل فوق عاتقها مشروع إنشاء الكيان الصهيونى ونقل أكبر عدد ممكن من اليهود من أوروبا الغربية لفلسطين. وكانت بريطانيا تعمل على مدار أكثر من مائتى عام فى أوروبا على نشر السردية الصهيونية بحق العودة للتخلص من يهود أوروبا، وكانت قصة الخروج الدراماتيكة تمثل حجر الزاوية فى هذا الجنون. ونشر وثيقة مصرية قديمة- ربما كانت تحتوى سردية مختلفة عن تلك اليهودية- فذلك من شأنه أن يجهض ما كانت بريطانيا تفعله.

ما يهمنا فى هذا الموضع، أن وجود بردية تحكى قصة الخروج فى مقبرة الملك توت عنخ آمون يعنى بوضوح أن هذا الخروج ولا شك قد حدث قبل عهد الملك توت وقبل دفنه. وهذا يجعلنا نعود لسؤال سابق أوردته فى ثنايا ردودى.. لماذا القفز على الجدل المثار حول تحديد العصر الذى وقعت فيه أحداث هذه التراجيديا، والقطع بأنها وقعت فى الدولة الحديثة؟ فإذا كان د. الدماطى قد استبعد أن تكون قد حدثت فى عصر تحتمس الثالث مثلًا وهو الأطول حكمًا فى الدولة الحديثة، فلماذا لا يكون ما قاله د. الدماطى- باستبعاد تحتمس مع استحالة أن يكون رمسيس الثانى- هو دليل على عدم وقوع هذه القصة فى الدولة الحديثة؟.

دليل آخر يجعل هذا الاتهام الموجه لرمسيس الثانى لا يخلو من كوميديا.. طبقًا للرواية القرآنية وأيضًا التوراتية، قد حدثت مطاردة بالفعل.. أى أن المشهد النهائى من القصة كان مليئًا بالأكشن! فما هو قول د. الدماطى عن حالة رمسيس الثانى الصحية فى السنوات الأخيرة من حياته؟ هل كان هذا الرجل بسبب حالته الصحية قادرًا وهو قد تخطى التسعين من العمر على القيام بمشاهد الأكشن هذه؟! بالعامية المصرية أقول إن الراجل ما كانش يقدر يقوم من سريره لمدة سنوات قبل موته! وهذا يقينٌ مغلف بوصف الاحتمال لعدم وجود وثيقة مكتوبة به! لم أقرأ بعد كتاب د. الدماطى، لكننى أتمنى من كل قلبى ألا أجد به قرائن مثل «أنجيناك ببدنك» أو وجود أملاح فى المومياء! لأننى أعتقد أن مثل هذا الكلام لا مكان له فى مؤلف يحمل اسم عالم بثقل د. الدماطى. 

هناك قرينة قوية تبرئ هذا الملك العظيم من هذه الدراما.. حين يكون لدينا فائضٌ من الوثائق عن شخصية تاريخية بعينها، لدرجة أن أحدهم يمكنه أن يكتب رواية سيرة ذاتية يومية لتلك الشخصية فقط من تلك الوثائق، ما السبب الذى يجعل البعض يبذل كل هذا الجهد ليلصق بتلك الشخصية أحداثًا لا تذكرها وثيقة واحدة من هذا الفائض؟ نحن نعلم تقريبًا كل شىء عن حياة رمسيس الثانى.. زيجاته وبناته وأبنائه ورجال عصره من كل الفئات.. ساسة وفنانين.. نعلم كل شىء عن حروبه وأعدائه.. نعلم كل شىء عن مشروعاته وبناياته ومعابده.. لا يوجد شىء غامض فى سيرة هذا الملك.. فلماذا من فترة لأخرى نواجه محاولة للزج به فى أتون هذه القصة؟.

أنا شخصيًا لا أعلم لماذا وأترك الإجابة لمن يقومون بهذه المحاولات. ولن أكتب ما أعمله عن محاولات شيطنة فترة من أعظم فترات تاريخ مصر، ومصدر هذه المحاولات التى أتحدث عنها آتٍ إلينا من الشمال الشرقى! قطعًا أنا لا أتهم أى أكاديمى مصرى على الإطلاق بالمشاركة بأى شكل من الأشكال فى هذه المحاولات. لكننى فقط أتساءل لماذا لا ننتبه لتلك المحاولات وندرك إلى أى مدى يمكن لكتابٍ صادر عن قامة علمية كبرى أن يتم استغلاله- دون قصد من كاتبه- ساسيًا ضد مصر؟!. 

لا يوجد أى أثرى مصرى أو غير مصرى يمكنه- حتى الآن- أن يقطع بأن فرعون موسى هو «س» أو «ص». هذه هى الحقيقة التى لا يمكن لأحدهم إنكارها.. إذا كان الأمر كذلك، فلماذا يحاول بعضنا الزج باسم ملكٍ من أعظم ملوك مصر فى هذه الدراما السياسية الدينية بما قد يترتب عليه من نتائج بالغة السوء على مصر؟.

بدلًا من ذلك، لماذا لم يحاول كبار أثريينا استكمال البحث عن تلك البردية التى كُتب كتابٌ عنها صراحة بالأسماء؟ لماذا لم يحاول كبار علمائنا التواصل مثلًا مع ورثة العائلة المشار إليها، لربما كانت البردية فى حوزة أحدهم، ولربما كنا نستطيع المساومة على الحصول على محتواها؟!