الجمعة 03 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

الدين فى فخ السياسة.. حقائق التاريخ والأخطاء المعرفية المعاصرة

حرف

- لم يكن المماليك معروفى الأصل وكانوا إما لقطاء أو مخطوفين

- من حق رجل الدين أن يمارس السياسة كمواطن فرد كأن يدلى بصوته أو ينتمى لأى حزب سياسى.. لكن ليس من حقه محاولة القيام بأدوار سياسية

- جمهورية مصر الثالثة هى التى قامت بشرعية وطنية كاسحة فى مظاهرات 30 يونيو ثم ما تلاها من إجراءات قامت بها مؤسسات الدولة بمساندة شعبية

- الغزو الفرنسى غير مسار تاريخ مصر وبعدها بسنوات هيأت لها الأقدار محمد على باشا ليدخلها فى العصور الحديثة

«إن أعظم الجهاد هو كلمة حقٍ عند سلطان جائر»، عبارة من أكثر العبارات التى ذاعت فوق المنابر، وفى الدروس الدينية، ومساجد الجامعات والمدن الجامعية فى الثمانينيات من العقد الماضى وحتى أحداث يناير 2011م. شاركت فى تسويق نموذج «رجل الدين الثائر السياسى» كثيرٌ من الأعمال الدرامية المصرية. وخصص مسلسل «الفرسان» مثلًا لدور الشيخ عز الدين بن عبدالسلام مشاهد كثيرة جدًا، وجعل منه محركًا لكثيرٍ من الأحداث التاريخية بشكل مبالغ فيه بقوة مقارنة بما ورد فى الوثائق التاريخية، وحتى فى نسخة الرواية الأصلية «وا إسلاماه». بين هذا الماضى ووقائعه، وبين ما نحن فيه نشأتْ وتعاظمت أخطاء معرفية مهمة قادت إلى المشاهد الدرامية التى عصفت بالاستقرار والأمن فى كثيرٍ من الدول وكاد أن يحدث ذلك فى مصر.

حول معاوية بن أبى سفيان الخلافة إلى مُلك وراثى صريح، ومنح مقعد الحُكم من بعده لابنه يزيد. رفض صحابة كُثر هذا المنحى، وقبِلَه البعض. لم يكن منطق الرافضين يستند إلى تقييمات سياسية تخص الملك الجديد أو الخليفة الجديد، إنما استند رفضهم لأسباب أخلاقية ورأوا فيه رجلًا فاسقًا لا يصح أن يحكم المسلمين. ورأى الذين قبلوا أن قبوله أخف الأضرار حتى لا يشقون صفوف المسلمين. منذ هذه اللقطة التاريخية ولدت فكرة رجل الدين الثائر أو الفقيه الثائر سياسيًا باعتبار كبار رجال الصحابة، رضى الله عنهم، هم- فى هذا الوقت- يمثلون الأكثر فقهًا ودراية بالإسلام، وذلك قبل أن تتكون فئة رجال الدين بشكلها المعروف فى دولة المسلمين. كانت شرعية الحكم السياسية وقتها تختلط بالدين.. فالذين غزوا بلادًا أخرى رفعوا شعار نشر الإسلام وحكموا بشرعية خلافة النبى «ص» فى تطبيق أحكام الإسلام. ورفض بعض العلماء أو الفقهاء لحاكم بعينه أو رفضهم لبعض قراراته كان يدور فى نفس الفلك. فهو يدعى أنه لم يخرج عن أحكام الإسلام، وكان بعضهم يقوم بتزوير صريح لأقوال منسوبة للنبى «ص» دعمًا لهذا الزعم. وهم- أى من يعارضونه من الفقهاء- يزعمون أيضًا أنهم يدافعون عن الإسلام وأحكامه وصالح المسلمين. أى يمكن اعتبارهم وقتها أنهم كانوا زعماء أحزاب سياسية معارضة لم يخرجوا هم ولا أحزابهم ولا الحكام عما ارتضوه جميعًا كأساس لقيام الدولة، وكشرعية لنظام الحكم والإدارة. 

بعض مشاهد المعارضة كانت لأسباب دنيوية خالصة يمكن اعتبارها شبيهة بالمعارضة السياسية المعاصرة مثل الثورة ضد الخليفة الراشد عثمان بن عفان- رضى الله عنه- فى توليته لبنى أمية فى معظم المناصب الكبرى. بينما كانت بعض مشاهد الصدام الأخرى سببها دينى خالص كما حدث فيما أطلق المؤرخون عليه «فتنة خلق القرآن»، وفى جميع الأحوال تم اعتبار من قادوا مشاهد المعارضة كمجاهدين وثوار، لكنهم فى حالة معارضى عثمان تحرّجوا من استخدام هذا الوصف لما للصحابى الجليل من مكانة فى نفوس المسلمين. لكن المهم أو الحقيقة التاريخية الثابتة أنه ومنذ أن تكونت طبقة رجال الدين المسلمين فقد قاد بعضهم مشاهد مواجهة قرارات بعض الخلفاء أو الولاة. ومن هذه المشاهد التاريخية تم تدشين نموذج «العالِم أو الفقيه المجاهد» الذى يقف فى وجه السلطان ويهرع إليه الرعايا ليحاول أن يأتى لهم بالإنصاف. استمر ذلك فى نطاق بينى أو ذاتى بين المسلمين لمدة تزيد على خمسة قرون.. أى أن مشاهد الصراع أو الصدام كانت فى معظمها بين علماء وفقهاء مسلمين وبين خلفاء وولاة مسلمين. فى هذه القرون يمكن أن نفهم المشهد بوضوح أن هؤلاء العلماء الفقهاء كانوا هم «قادة المعارضة السياسية» بمفهوم اليوم. كانوا يقومون بدورٍ سياسى محدد لأسباب محددة. أولها أنهم كانوا طليعة النخبة المتعلمة. ثانيها أن الشعب قد ارتضى بهذا، بل ومنحهم شرعية القيام به. وثالث الأسباب أن الحكام- خلفاء و ولاة- لم يتجرأوا على إنكار هذا الدور حتى وإن قام بعضهم بتعذيب ومعاقبة بعض هؤلاء القادة الشعبيين. لكن أيًا من الخلفاء أو الولاة أنكر مشروعية قيامهم بهذا الدور. فالنقاش كان حول نقطة.. هل يقوم الخليفة أو الوالى بما فيه صالح الشعب أم لا...هذه حقبة محددة منتهية بمشهدٍ سياسى فاصل.

هذا المشهد الفاصل هو تعرض الدولة ذاتها لأخطار خارجية وجودية. الخطر الصليبى والخطر التترى. تبدأ هنا مرحلة ثانية من دور «العلماء المجاهدين» سياسيًا. ساعدت الأحداث السياسية العاصفة الكبرى فى تعظيم دور هؤلاء القادة الدينيين الشعبيين. توجه بعضهم لتحميس الشعب وأيضًا لمساندة الحكام لخوض المعارك السياسية. تغير الدور من الصدام الذاتى إلى التوحد فى جبهة داخلية تجمع الشعب وحكامه وعلماءه فى مواجهة الخطر. فى هذه الفترة يظهر اسم ابن تيمية مثلًا.. وفى مرحلة لاحقة يظهر اسم عزالدين بن عبدالسلام وغيرهما. هذه الفترة بهؤلاء العلماء المناضلين هى التى تمت محاولة إعادة بعثها معاصرًا من قبل تيارات سياسية بعينها. ثم كانت محاولة بعث صفحات حياة هؤلاء من مرقدها، وأصبحت هذه الصفحات من أهم أدوات «تثوير الجماهير المعاصرة» ومنح شرعية لتيارات سياسية تريد أن تصل للحكم. هؤلاء العلماء المناضلون قاموا فى عصورهم بأدوار عظيمة لا يمكن إنكارها ويمكن أن نتعبر بعضها- فيما يخص مقاومة الغزو الخارجى- وطنية بالمفهوم المعاصر حين يتعلق الأمر بالدفاع عن الأرض، حتى وإن لم يقصدوا هم ذلك وكانوا يخوضون نضالهم من منطلق دينى. 

بعد انقشاع خطر الغزو الخارجى بما فيه من هزائم وانتصارات، وفى مصر تحديدًا يبرز دورٌ جديد لبعض رجال الدين. لم يكن المماليك معروفى الأصل، وكانوا إما لقطاء أو مخطوفين.. تربوا تربية عسكرية وأصبحوا هم من يحكمون مصر بقوة السلاح. حروبهم ضد الصليبيين والمغول يروق للبعض أن يصورها بصورة دينية براقة. لكن حين تقرأ صفحات التاريخ جيدًا نرى أنهم- وبشكل منطقى جدًا- كانوا يدافعون عن سلطانهم ونفوذهم وثرواتهم. قطعًا كان منهم الفاسد والصالح، لكننا نتعامل مع مرتزقة بالأساس. صراعاتهم الدموية البينية تكشف الصفحة كاملة حتى فى ذروة مشاهد ما يقولون أنه جهادٌ إسلامى مثل دراما بيبرس وقطز مثلًا. لقد أذاقوا المصريين موجاتٍ من الاستبداد والقهر والظلم. فى هذه الأجواء القاتمة ظهر هذا الدور الجديد للفقهاء المناضلين لمحاولة التصدى لما يتعرض له المصريون. وفى المقابل فلقد كان هناك كثيرون من رجال الدين الذين تولوا المناصب الدينية الرفيعة وكانوا أدوات فى أيدى العثمانيين والمماليك لظلم المصريين. فسدت ذممهم وأثروا بالرشاوى. لذلك فلقد كان المناضلون منهم أقلية محدودة جدًا فى مقابل الغالبية الفاسدة، ولقد أفاضت الوثائق بسير هؤلاء وأولئك. لقد أفاد المصريون من القلة الصالحة، وتضرروا كثيرًا وفسدت حياتهم من فساد ذمة الأكثرية، وبقيت الحقيقة التاريخية أن رجال الدين فى هذه الفترة ظلوا يمارسون أدوارًا سياسية مثل العصور السابقة سواء كانت أدوارًا طيبة أم فاسدة. 

الغزو الفرنسى لمصر يمثل أيضًا مرحلة جديدة فى هذا الدور.. بالغ البعض كثيرًا فى تصوير رجال الدين أثناء الغزو الفرنسى كمناضلين وطنيين ضد الاحتلال. الثابت تاريخًا أن هذا لم يحدث، أو بالأدق لم يحدث كما يدعى البعض. حاولوا الهرب خارج القاهرة بمجرد هزيمة المماليك وقبل دخول نابليون القاهرة. نجح بعضهم فى الهرب فعلًا واختفى فى الصعيد، بينما فشل آخرون بعد تعرضهم مع آخرين لهجوم قطعان البدو أو العربان فعادوا للقاهرة وانتظروا. قام بونابرت بالتعامل معهم بصفتهم طليعة أو نخبة الشعب. لم يرفض غالبيتهم هذا وتعاونوا مع الفرنسيين سياسيًا بشكل معلن صريح، وتولوا القيام بحلقة الوصل بين الفرنسيين وبين المصريين. مئات المشاهد والوقائع يكشفها الجبرتى يومًا بيوم منذ دخول بونابرت وحتى تفجر الفوضى أو ما يسمى بثورة القاهرة الأولى، وفى هذه المشاهد نعرف أن رجال الدين لم يرفضوا التعامل مع الغزاة، ولم يثوروا ضدهم قبل تفجر تلك الفوضى. واندلعت الفوضى اعتراضًا على حصر العقارات تمهيدًا لفرض الضريبة العقارية. لم يبادر رجال الدين بقيادة العامة، بل وكما يقول الجبرتى نصًا «إن العامة هم من ساقوا المعممين للفوضى» دون أن يكونوا قادرين لا على مواجهة الفرنسيين ولا حتى على كبح جماح الفوضى للرعاع- حسب وصف الجبرتى- من النهب والسلب. لذلك فلا يمكن الاستسلام لهذه المغالطات التاريخية وتصوير رجال الدين أثناء الغزو الفرنسى وكأنهم قادة ثوريين. كان دورهم فى ثورة القاهرة الثانية- والتى أسهب الجبرتى فى وصفها بالفوضى وأدان صراحة من بدأها وخاض فيها وهو شاهد عيان- أنهم حاولوا بالفعل تهدئة الأمور لحقن دماء المصريين وهو ربما يكون الدور الأكثر حكمة. وربما لا يعرف البعض أن شيوخ الأزهر قاموا بغلق الجامع الأزهر من تلقاء أنفسهم حين أشيع أنه أصبح ملاذًا للثائرين ضد الفرنسيين بعد مقتل كليبر! 

الغزو الفرنسى غير مسار تاريخ مصر وبعدها بسنوات هيأت لها الأقدار محمد على باشا ليدخلها فى العصور الحديثة كما نعرف جميعًا. ما فعله محمد على من مشروعه التعليمى العظيم هو كلمة النهاية لعصورٍ تزعم خلالها رجال الدين المشهد السياسى. هذا هو التأريخ الموضوعى. فقبل محمد على كان رجال الدين يمثلون النخبة المتعلمة الوحيدة فى مصر. وحين أراد محمد على الاستعانة ببعض طلاب الأزهر فى مشروعه لم يستجيبوا وكادوا أن يفسدوا مشروعه فقرر أن يبدأ تدشين المدارس المدنية لأول مرة فى مصر. هذا يعنى أنه قد أسدل الستار على قرونٍ من تفرد رجال الدين بالشأن العام المصرى وتزعمهم للجماهير فى أى موقف سياسى عام. خرّجت مدارس محمد على المتعلمين «أطباء ومهندسين وضباطًا وفنيين»، ثم كانت البعثات إلى الخارج ليصبح فى مصر ساسة بالمعنى المعاصر الحديث. هذا يعنى أن الشعب المصرى أصبح يمتلك قادة متعلمين يتحدثون باسمهم. ثم أصبح للمصريين أول مجلس نيابى.. هذه هى النقطة المفصلية فى تاريخ دور رجال الدين السياسى. فإذا كان المصرى قبل عصر محمد على يلجأ للتطبب مثلًا بأساليب بدائية وبالرقى أحيانًا، فإنه بعد تخرج الأطباء كان منطقيًا أن يتجه المصريون إلى هؤلاء الأطباء. وفى الشأن السياسى فإذا كان المصريون مضطرين قبل عصر محمد على أن يسيروا خلف رجال الدين فى الشأن العام- بصفتهم أنهم النخبة الوحيدة- فلماذا يفعلون ذلك بعد أن أصبح هناك ساسة وكتاب وصحفيون وأساتذة جامعة مثلًا؟. 

ومن هنا أيضًا تبدأ معضلة رجال الدين المعاصرين فى مصر. إن كثيرًا منهم عجز عن استيعاب هذا التحول التاريخى فى الشأن العام والسياسى. توقف إدراكهم المعرفى عند مرحلة تاريخية منتهية أصروا على محاولة اجترار صفحاتها ومحاولة فرضها فرضًا على المصريين.

فى عصر الاحتلال الإنجليزى كان لبعض رجال الدين أدوارٌ وطنية لا يمكن تجاهلها. لكن أيضًا صاحبها شيئان مهمان. الأول أن هذا الدور لم يقتصر عليهم فقط، بل شمل رجال الدين المسيحيين، بما يعنى أن هناك تغييرًا فى طبيعة الدور وانتقاله لدور وطنى خالص لا يكون حصريًا على رجال الدين المسلمين. والشىء الآخر أن جهدهم كان بجوار جهد ساسة وقادة أحزاب وصحفيين ومجوعات وطنية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار فى الفكر والأداء..كل هذا يعنى أن دور رجال الدين فى مقاومة الاحتلال الإنجليزى هو صفحة يتشارك فيها كل المصريين مسلمين ومسيحيين، ساسة ورجال فكر وصحافة، ومواطنين من العامة.

لم يدّعِ وقتها رجال الدين المسلمون دورًا غير ذلك. لكن ما حدث بعد سقوط دولة آل عثمان، أن ظهرت تيارات سياسية فى تركيا ومصر وغيرهما من الدول تدغدغها المشاعر الدينية، وتحاول أن تستدعى صفحات بائدة من التاريخ. هذا الحدث مع قيام دولة الكيان أرّخ لمرحلة جديدة من دور رجال الدين السياسى. بدأ هذا الدور على أيدى شباب انطووا تحت رايات جماعات سياسية تبنت فكرة واحدة هى محاولة العودة بدولهم إلى الوراء قرونًا تحت زعم وجوب عودة الخلافة. فتحت هذه الجماعات الباب على مصراعيه أمام رجال الدين لكى يحاولوا لعب دورٍ سياسى من جديد، وكان من يرفض هذا منهم تتم مهاجمته وأحيانًا يُتهم فى دينه. هذه الأفكار وأصحابها أرادوا أن يعيدوا الزمن للخلف، وتجاهلوا عدة حقائق. أولاها هذه التغيرات الجارفة التى حدثت فى مصر منذ مشروع محمد على، وأنه أصبح فى مصر رجالٌ صنعتهم السياسة. وثانية الحقائق هو تجاهل مبدأ «الأسس القائم عليها الدولة» و«شرعية الحكم». فمصر أصبحت مملكة- حتى قبل استكمال الاستقلال السياسى- يحكمها نظام حكم ملكى دستورى، ويقوم بها رئيس وزراء يصل لمنصبه بعد انتخابات. وثالثة الحقائق التى تمت محاولة القفز عليها هى التطور السياسى الدولى ونشأة أجيال جديدة من المصريين تعلمت السياسة والعلوم الأخرى، سواء داخل مصر أو خارجها، وحتى عوام الناس كانوا يعرفون أن هناك أحزابًا وانتخابات. 

وفى حدثٍ لم يتنبه له كثيرون- وهو كان استفتاءً مصريًا حقيقيًا على رفض هذا الزعم الجديد- فشلت جماعة الإخوان بصفتها الممثل لهذا الفكر الجديد فى الانتخابات التى خاضتها. رفضها المصريون، ومنذ ذلك الرفض قررت الجماعة أن تسلك مسلك الجماعة السرية. انضم إليها كثير من رجال الدين سرًا وعلنًا وساروا فى طريق محاولة فرض هذا الواقع على المصريين ولو رغمًا عنهم. 

بعد ثورة يوليو تغيرت شرعية الحكم والأسس القائمة عليها الدولة المصرية فى عصر جمهوريتها الأولى. كانت شرعية ثورية. تكره ناصر أو تحبه، تؤيد الضباط أو تعارضهم، كل هذا لا ينفى أن غالبية المصريين وقتها لم يرفضوا الثورة. بل إن المصريين منحوا الثورة شرعية الحكم بصور متعددة تتناسب مع مفردات المرحلة التاريخية. استمرت شرعية الجمهورية الأولى حتى هزيمة يونيو. بعد نصر أكتوبر جاءت الجمهورية الثانية بشرعية نصر عسكرى وطنى استرد الأرض. فى كلٍ من الجمهوريتين الأولى والثانية لم يكن هناك دور سياسى مستقل لرجال الدين بخلاف محاولة بعض الذين انضموا للتيارات والجماعات السرية مزاحمة مؤسسات الدولة ورجال السياسة فى القيام بدورهم. وجاء النصر وطنيًا خالصًا تشارك فيه كل المصريين بمختلف طوائفهم ومهنهم. لم يكن لرجال الدين نفس الدور القديم فى النضال مثلما حدث مثلًا فى حالات الحملات الصليبية وغزو التتار. هذا يعنى أن نصر أكتوبر وكيفية حدوثه قضى نهائيًا على هذه الفكرة أو هذا النموذج ووضعه فى موضعه الصحيح بأنه جزءٌ مشرق من التاريخ القديم يتسق مع مفردات هذا التاريخ، لكنه غير قابل للاستنساخ، أو محاولة الاستخدام والامتطاء والمتاجرة السياسية به، لأن مفردات السياسة والحروب وأسس قيام الدول، كل ذلك قد تغير. 

جمهورية مصر الثالثة هى التى قامت بشرعية وطنية كاسحة فى مظاهرات ٣٠ يونيو، ثم ما تلاها من إجراءات قامت بها مؤسسات الدولة بمساندة شعبية واضحة، وأخيرًا الانتخابات. مظاهرات يونيو تكفى للقطع بأن مصر المعاصرة قائمة على أسس ثورية، ثم تحولت بالانتخابات إلى شرعية قانونية دستورية. وبناءً على هذه الشرعية، فالسياسة لها رجالها وعلماؤها، ولمعارضة نظام الحكم أو أحد قراراته هناك طرق محددة واضحة. هناك مجلس نواب وأحزاب معارضة وهناك صحافة معارضة، وقبل ذلك وأكثر تأثيرًا هناك وسائل التواصل التى يمكنها أن تصل برأى المصريين فى بضع دقائق للقائمين على الحكم فى أى مسألة. ولقد شاهدنا عشرات الأمثلة التى استجابت فيها مؤسسات الحكم لهذا الصوت، بما يعنى أن افتراض أن هناك دورًا سياسيًا لرجال الدين فى مواجهة الحكم هو افتراضٌ قد تجاوزه الزمن، وتجاوزته مفردات السياسة والحكم، وحتى مفردات المعارضة. لم يعد المواطنون محتاجين لنموذج العالم الدينى المناضل، بل على العكس ففى محاولة البعض القيام بهذا الدور خطرٌ كبير على الدولة. لأن رجل الدين الآن ليس محيطًا بأسرار الأمن القومى الذى تتم بمقتضاه اتخاذ القرارات السياسية الكبرى. وليس من المفترض أن تقوم مؤسسات الحكم بإطلاع رجال الدين- مهما كانت مناصبهم- على هذه الأسرار فقط لإقناع رجال الدين بصواب قرارات الدولة، لأن هذا ليس من حق هؤلاء أو أولئك. من حق رجل الدين أن يمارس السياسة كمواطن فرد، كأن يدلى بصوته أو ينتمى لأى حزب سياسى، لكن ليس من حقه محاولة القيام بأدوار سياسية، أو محاولة توجيه المواطنين سياسيًا. لقد أصبح رجال الدين- فى الشأن السياسى- مواطنين عاديين يتلقون المعلومات شأن باقى المواطنين من قنواتها الشرعية، ولا يحيطون بأسرار الدولة، ولا يحق لهم مناطحة القائمين بمسئوليات الحكم فى هذه المسئوليات. الاحترام لرجل الدين هو احترام أدبى أخلاقى لا يمنحهم شرعية القيام بدور قيادات شعبية سياسية. 

وما حدث مثلًا فى عامى العدوان على غزة، حين قرر بعضهم إطلاق تصريحات ذات مدلولات سياسية أحيانًا كانت تتعارض مع السياسة الرسمية للدولة، كان افتئاتًا صريحًا على دور الساسة ورجال الحكم ومؤسساته. وهذا الصخب الذى صدر عن آلاف من غير المصريين على صفحات التواصل تشجيعًا لهذا الافتئات وتحفيزًا لمزيدٍ منه لا يمثل للمصريين شيئًا ولا حتى جناح بعوضة. لأن هؤلاء من غير المصريين لا ناقة لهم ولا جمل فى القرار المصرى السياسى، وأى قيادة دينية روحية حتى وإن كانت تعتبر نفسها قيادة عالمية للمسلمين، فهى قيادة دينية روحية لا حق لها فى أن تخوض فى الشأن السياسى، وأن تتعامل بمنطق شمولية أرض الإسلام سياسيًا كما كان الحال أيام القدامى الذين ذكرتُ بعضهم. لأن جميع مواطنى الدول المعاصرة الأخرى من المسلمين ومؤسساتهم المحلية لا يديرون شئون دولهم بهذا المنطق، ولن يسيروا خلف قيادات دينية مصرية مثلًا فى اتخاذ قراراتهم. ولأن محاولة القفز على قرون طويلة من التغييرات السياسية الدولية لا يلغيها على أرض الواقع.

فالآن السياسة صنعة وعلوم، ولها أسرار تخص كل دولة، وكل دولة تصوغ قراراتها السياسية طبقًا لصالح شعبها. وهناك هيئات مؤسسية محددة من شأنها أن تناقش أى قرارات سياسية. ومن حق الدولة- شأن كل دول العالم- أن تمتنع عن إفشاء ما تراه مضرًا بصالح الدولة من معلومات. رجال الدين الآن- من الناحية السياسية- هم مجرد مواطنين لا يعرفون أكثر مما يعرفه أى مواطن عادى.

محاولة استدعاء صفحات بعينها من تاريخ قديم وتجاهل كل المفردات والمتغييرات هى فقط محاولة سمجة للسطو على دور ومهام مؤسسات أخرى، ويجب أن تكون مرفوضة تمامًا. المواطنون الآن ليسوا بحاجة لاستنساخ صورة مشوهة من الشيخ عز الدين ابن عبدالسلام أو غيره.. والمتاجرة بهذه الأسماء هى حيل سياسية رخيصة.. كان القدامى أبناء عصورهم، ويجب أن نكون نحن أيضًا أبناء عصرنا!