الأحد 16 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

شهر نجيب

وحيد فى الزحام يتعذب.. كيف عاش نجيب محفوظ بعد محاولة اغتياله؟

حرف

- كانت لديه قدرة فائقة على التسامح مع حماقات البشر والتجاوز عما يصيبه هو شخصيًا من شرور بسبب أمراض النفوس

- بعد محاولة الاغتيال أصبح الرجل الذى كان فى متناول أصدقائه ومعارفه بعيدًا عنهم

- بعد الحادث الغادر كانت يده أعجز من أن تمسك أى شىء بأى درجة من الاتزان

- عانى نجيب محفوظ بعد محاولة الاغتيال وجعًا ربما لم يشعر به إلا هو

أراد من حاولوا اغتيال نجيب محفوظ أن يكتبوا نهاية لحياته فى 14 أكتوبر 1994، لكن الله كان قد قدر له أن يعيش حتى 30 أغسطس 2006. 

عاش نجيب بعد حادث الطعن أحد عشر عامًا إلا 45 يومًا. 

يشيد كثيرون بإرادة الأستاذ، حاولوا أن ينقلوا لنا كيف استطاع أن يقاوم الفناء، تعلم الكتابة من جديد، وأصدر تحفتين من تحفه الخالدة «أصداء السيرة الذاتية» و«أحلام فترة النقاهة»، وعاد مرة أخرى إلى جلساته بين أصدقائه ومعارفه، وحرص على نشر مقالات أسبوعية قصيرة فى جريدة الأهرام كان يدونها خلفه محمد سلماوى، وهى المقالات التى كان يعلق من خلالها على الشأن العام الذى كان يتابعه من خلال قراءته للصحف.. وهذه أيضًا كان يقوم بها آخرون له.. فلم يكن الأستاذ قادرًا على القراءة ليس بسبب الحادث فقط، ولكن لضعف بصره، وهو ما جرى عليه قبل محاولة اغتياله بسنوات. 

لكن السؤال الذى لم يواجه أحد به نفسه هو: هل كان يعيش نجيب محفوظ؟ وإذا سلمنا أنه كان يعيش.. فالسؤال هو: كيف؟ 

 

تذكرون عندما قال نجيب وهو لا يزال فى مستشفى الشرطة يعالج من آثار حادث الطعن. 

سأله أحد أصدقائه عن أكثر شىء يخاف منه، فقال: أكثر ما أخاف منه أن أُرغم على تغيير أى شىء فى أسلوب حياتى واختلاطى بالناس وتمشيتى بينهم فى الشارع، سيعز علىّ كثيرًا أن أرغم على الابتعاد عن الناس، وأن تكون بينى وبينهم حواجز أمنية، إن حياتى كانت دائمًا وسط الناس، ولم أر منهم إلا كل الحب، فقد كانوا دائمًا يقبلون علىّ وأنا أسير فى الطريق ويصافحوننى ويطمئنون علىّ، أخاف أن أحرم من كل ذلك؟

وتساءل نجيب فى أسى: لماذا أحرم من دفء المشاعر الإنسانية التى طالما أحاطنى بها الناس؟ 

شىء من هذا حدث قبل أن يخرج نجيب من المستشفى، فقد أصبح الرجل الذى كان فى متناول أصدقائه ومعارفه بعيدًا عنهم. 

يحكى رجاء النقاش فى مقاله «نجيب محفوظ بالبطاقة الشخصية» الذى أعاد نشره فى كتابه «فى حب نجيب محفوظ» أنه ذهب لزيارة الأستاذ فى مستشفى الشرطة بعد حوالى عشرة أيام من محاولة اغتياله، لأنه لم يرغب فى أن يزاحم العشرات بل المئات الذين كانوا يتجمعون كل يوم فى المستشفى لرؤية نجيب والاطمئنان عليه. 

قال «رجاء»: بعد عشرة أيام يكون الزحام قد خف، ويمكننى أن أذهب إليه وأسلم عليه فى هدوء وبعيدًا عن أى ضجيج، فهكذا أحب أن تكون علاقتى بنجيب محفوظ، وبكل الذين أحبهم، علاقة هادئة لا صخب فيها ولا شكليات. 

استقبل «رجاء» فى المستشفى اللواء عبدالوهاب الوتيدى مدير الخدمات الصحية بوزارة الداخلية، وقال له: إننا لا نسمح بالزيارة إلا فى حالة واحدة هى أن تكون زيارة عمل، فهل هناك عمل تنوى أن تقوم به مع نجيب محفوظ؟

قال رجاء: لا.. إنها زيارة تحية وتهنئة وتمنيات بالصحة والعافية. 

فرد الوتيدى: إذن اكتب ذلك فى دفتر الزيارات، فهذا هو المسموح به. 

كتب رجاء كلمة بسيطة فى الدفتر وانصرف. 

قبل أن يصل إلى اللواء عبدالوهاب الوتيدى طلب مسئول الأمن من رجاء بطاقته الشخصية، واحتفظ بها معه حتى تسلمها رجاء عند بوابة الخروج. 

يعلق «رجاء» على ما جرى بما يؤكد لنا أنه بدأت مرحلة جديدة فى حياة نجيب. 

يقول: هذه أول مرة فى حياتى أعجز فيها عن لقاء نجيب محفوظ عندما أريد ذلك، منذ أن تعرفت عليه سنة ١٩٥١ لم أجد أى صعوبة فى الالتقاء به كلما كان هناك سبب أو مناسبة، فنجيب كان متاحًا لى وللجميع، فقد كان دائمًا مثل الهواء وماء النيل، تستطيع لقاءه فى أى مكان وفى أى موعد. 

ويتساءل «رجاء» فى أسى: هل حدث يومًا أننا احتجنا إلى تقديم «البطاقة الشخصية» لكى نتنفس الهواء أو نشرب من مياه النيل؟ هكذا كان نجيب محفوظ دائمًا، تراه فى الشارع وفى المقهى، وفى الصباح وفى المساء، وفى كل زمان ومكان، دون أن يسألك أحد قبل لقائه عن اسمك وعنوانك وسبب المقابلة. 

يرصد «رجاء» مستقبل نجيب بعد الحادث، يقول: عاش نجيب محفوظ طيلة حياته، وقد بلغ الثالثة والثمانين، يضحك من قلبه ويختلط بالناس ويسعى فى الأرض بريئًا طاهرًا مطمئنًا لا خوف عليه من أحد، حتى جاء المتطرفون الإرهابيون وقرروا ذبحه بالسكين، وقبل ذلك قرروا بالجهل وسوء الظن والبصيرة العمياء، وأصبح اللقاء مع نجيب محفوظ بالبطاقة الشخصية، فلا نستطيع أن نراه دون أن يسألنا سائل من الأمن: من أنتم وأين بطاقتكم الشخصية؟ ولماذا تريدون لقاءه؟ 

ويخبرنا «رجاء» بالأسى فى قمته عندما يقول: من بين كل المعانى الكثيرة فى محاولة قتل نجيب محفوظ، يبقى هذا المعنى عندى هو أكثرها إثارة للألم والحسرة والبكاء على ما أصاب مصر من هذا الوباء الخطير الذى نسميه فى أدب وتعفف باسم التطرف، بفضل التطرف المجنون أصبح الزمان غير الزمان، وأصبحت الحدائق العامة أماكن لها أسوار من الحديد والأسمنت، وأصبحت كل وردة فى بلادنا بحاجة إلى حراسة مسلحة، وبفضل التطرف المجنون أصبح نجيب محفوظ بالبطاقة الشخصية.

لقد حاول الدكتور زكى سالم صديق نجيب المقرب التخفيف من الألم الذى كان يعانى منه نجيب محفوظ. 

يقول فى كتابه «نحيب محفوظ.. صداقة ممتدة»: تأثر نجيب محفوظ بالحادث على المستوى المادى أو الصحى، لكنه لم يتأثر على المستوى النفسى، فقد احتفظ الأستاذ بروحه العالية ونفسه المطمئنة وذهنه الصافى كما هى، ودون أن تلوث أيًا منها مشاعر سلبية، ولا أفكار سوداوية، وهذه -فيما أرى- قدرة فائقة من قدرات الأستاذ على التسامح مع حماقات البشر والتجاوز عما يصيبه هو شخصيًا من شرور بسبب أمراض النفوس، وضعف العقول، وعمى البصائر، فقد كنت أتكلم مع الأستاذ عما حدث له من إصابة خطيرة جدًا فى رقبته، وأثرها على عصب يده اليمنى، وهو فى هذه السن المتقدمة، وأثرها كذلك على حالته الجسدية بوجه عام. 

ويضيف «زكى»: كنت أتحدث معه، فلا أرى أى نوع من المشاعر العدائية، ولا الأفكار المتأثرة بما حدث، إنما كان ينظر للأمر باعتباره «قضاء وقدر»، يقبله كما هو، ودون أى رفض أو اعتراض، وهنا يتجلى بوضوح إيمان نجيب محفوظ العميق، ونظرته الحكيمة لأحداث الحياة وتقلباتها، ومن ثمّ كانت تصريحاته الأولى عقب الحادث تصريحات متسامحة للغاية، بل وصلت إلى درجة التعاطف مع هذا الشاب القاتل، فقد تساءل الأستاذ: لماذا يضيع مثل هذا الشاب مستقبله؟ 

لم يبخل علينا زكى سالم، فقام بتسجيل ما جرى من تغيرات فى حياة نجيب محفوظ، وهى التغيرات التى تشير إلى أن الأمر لم يكن سهلًا أبدًا على الأستاذ، بل كان بعضًا من العذاب. 

طبقًا لزكى سالم فإن نظام الأستاذ نجيب تغير بعد الحادث، فقد خرج من مستشفى الشرطة يتبعه الحرس، وذهب إلى بيته فوجد الحرس أربعة وعشرين ساعة أمام باب منزله، وقد أصيبت يده اليمنى إصابة شديدة، بحيث لم يستطع أن يمسك بها شيئًا بطريقة متزنة، وأيضًا تأثرت صحته العامة كما تأثر بصره وسمعه- على ضعفهما- جراء ما حدث. 

ويسأل «زكى»: ماذا يصنع نجيب محفوظ وقد فقد القدرة على الكتابة والقراءة ومشاهدة التليفزيون وسماع الراديو والخروج بحرية إلى شوارع القاهرة، والمشى وحده بين أزقتها وحواريها؟ كيف تم حرمان نجيب محفوظ من أبسط حقوقه الإنسانية فى التجول بمفرده كعادته اليومية -بين الناس الذين كتب عنهم- فى قاهرته التى يعشقها، وفى الإسكندرية التى يحبها؟ 

ويجيبنا بما يعكس أعلى درجات الألم، يقول: أصبح الأستاذ يمشى كل يوم داخل حدود جدران بيته، وهى بالتأكيد مساحة ضيقة جدًا ومحدودة للغاية، وهو المعتاد على الانطلاق فى السير بالساعات على ضفاف النيل، وبين البشر فى مختلف أنحاء القاهرة والإسكندرية، ثم الجلوس على المقاهى كشخص عادى وسط جماهير شعبنا الطيب. 

كان زكى سالم يرى نجيب محفوظ من الخارج، ويعتقد -كما قال- أن الأستاذ تأقلم بسرعة مع ما حدث، واعتاد على زيارة طبيب العلاج الطبيعى له، وممارسة التمرينات الرياضية والعلاجية المطلوبة ليده اليمنى، وكان يستجيب لكل ما يقوله له الطبيب المعالج، حتى تستعيد يده بعضًا من قدراتها أو حتى لا تتوقف تمامًا عن الحركة. 

كان نجيب قد توقف عن الكتابة، لم يعد قادرًا عليها، وكان يعنى ذلك أنه سيتعلم الكتابة من جديد. 

ويعود زكى سالم للسؤال من جديد: ماذا يصنع كاتب يرى أن حياته الحقيقية فى القراءة والكتابة، فإذا به يفقد تدريجيًا القدرة على القراءة، ثم تصاب يده اليمنى فى محاولة لقتله، ويفقد كذلك القدرة على الكتابة؟ فكيف واجه نجيب محفوظ هذه الحقيقة المؤلمة؟ وكيف تعامل مع يده اليمنى بعدما فقدت القدرة على الإمساك بالقلم؟ 

يجيب «سالم»: تحدثنا مع الأستاذ كثيرًا بخصوص فكرة الإملاء، فمن اليسير أن يجلس أحد منا مع الأستاذ لكى يملى عليه كل ما يشاء أن يكتبه من قصص أو مقالات أو غيرهما، ولكنه معتاد على طقوس خاصة مرتبطة بعملية الكتابة، وقد استمر فى ممارستها على مدى أكثر من سبعة عقود متصلة، فقد اعتاد الجلوس وحده على مكتبه الخاص فى بيته، ليتأمل طويلًا بهدوء وروية، ثم يخط بقلمه على الورق ما يخطر له من خواطر وأفكار ومعانٍ وتأملات، قد تعجبه بعد كتابتها، وقد لا تعجبه، قد يغير فيها أشياء قليلة أو كثيرة، وقد يطورها ويحورها، وقد يحتفظ بها كما هى، وقد يمزقها تمامًا، فقد كان الأستاذ يصف نفسه بأنه أكثر من يمزق الورق الذى يكتبه، الأمر كله إذن يرتبط بعاداته الشخصية التى يقدسها، كما يرتبط بملابسات عملية الإبداع وطقوسها الداخلية والخارجية، فالإبداع عند كثير من المبدعين عمل فردى خاص جدًا، لا يصلح أن يشرك فيه غيره معه، كما لا يصلح أن يعتمد فيه على طريقة مختلفة تمامًا عما اعتاد عبر عقود طوال، فثمة علاقة عضوية تشكلت عبر الأيام والشهور والسنوات والعقود، بين اليد اليمنى التى تكتب، وعملية التفكير فيما ستخطه من كلمات وأحداث وشخصيات وصراعات ووقائع وأفكار، إنها عملية معقدة ومركبة ودقيقة تقوم فيها اليد اليمنى بعمل خارق، إذ تنقل أدق خلجات المخ البشرى عبر عضلات اليد وأعصابها، كما تتجاوب بذكاء مع مختلف الإشارات والمشاعر والمعانى والأفكار الصادرة من العقل والنابعة من الوعى واللاوعى أيضًا، إنها واحدة من معجزات الوجود الإنسانى أو واحدة من تجليات عبقرية الإبداع الأدبى. 

قرر نجيب محفوظ أن يتعلم الكتابة من جديد. 

وهنا لدىّ إلى جانب شهادة زكى سالم شهادات أخرى. 

فى شهادته يقول زكى سالم: بدأ الأستاذ تعلم الكتابة من جديد، من يصدق هذا؟ 

ويضيف: وهو فى هذه السن المتقدمة، وهو غير قادر على رؤية ما يكتبه، أخذ يومًا بعد يوم يدرب يده على الإمساك بالقلم، ثم يدربها على شىء أشبه بالشخبطة منها بالكتابة، ثم بعد جهد عظيم ومثابرة رائعة ودأب مدهش وإصرار مبدع، استطاع نجيب محفوظ أن يتعلم كتابة الحروف مرة أخرى. 

ويذكر زكى لقاء تم بين الأستاذ نجيب محفوظ والفيلسوف الفرنسى رجاء جارودى. 

سأل جارودى نجيب: ماذا تكتب الآن؟ 

رد محفوظ ببساطة: الآن أنا أتعلم الكتابة. 

ويعلق زكى بقوله: عندئذ ضحكنا جميعًا، بينما كانت إجابة الأستاذ حقيقية تمامًا. 

شهادة زكى لا تعكس معاناة نجيب محفوظ وهو يتعلم الكتابة من جديد. 

شىء من هذه المعاناة يمكن أن نجدها فيما كتبه جمال الغيطانى- صاحب الشهادة الثانية- فى كتابه «المجالس المحفوظية». 

يقول جمال: أفكر فى يده اليمنى، فى بطء حركتها، تلك اليد التى حفرت نهرًا للإبداع العربى، اليد التى كتبت «الثلاثية» و«الحرافيش» و«أولاد حارتنا»، أتأمل لون الجلد الغامق الذى لم أعرفه، فى اليد التى قبلتها مرارًا، أفكر فى رقاده، فى أيامه بعد الشفاء، أثق أنه سيتكيف مع الظروف الجديدة، تمامًا كما تكيف مع ظروفه بعد أن ثقل السمع وكل البصر، مع علمى أنه لا يغير عاداته إلا بصعوبة شديدة، أحلم الآن بتلك اللحظات التى أتعجلها، عندما أصحبه كعادتنا خلال حوارى القاهرة القديمة، نسعى خلال الزمن العتيق. 

ويضيف: لحظات عودته إلى الكتابة حلت بعد أربع سنوات من العلاج الطبيعى اليومى، عندما مال علىّ ليسر إلىّ قائلًا: اليوم تمكنت من الكتابة دون أن أنزل عن السطر. 

يحكى «جمال»: بعد الحادث عرضت عليه وعرض عليه المحبون تخصيص ساعة أو ساعتين يوميًا لكى يملى علينا ما يرغب فى كتابته، لكنه شكرنا معتذرًا برقة، فالكتابة بالنسبة له أداء خاص جدًا، يبقيه سرًا باستمرار، فكيف يمكن لإنسان مهما كانت درجة القرب منه أن يشاركه أشد لحظات حياته خصوصية. 

ويضيف: أربع سنوات استغرقها العلاج الطبيعى حتى لحظة إفضائه لى بقدرته على الالتزام بالسطر دون أن ينزل عنه، أى أن نجيب محفوظ تعلم الكتابة فى حياته مرتين: الأولى فى طفولته، والثانية فى العقد التاسع، وتلك الأشق والأصعب، ولكم نظرت إلى يده، إلى ما تخطه من حروف كبيرة مضطربة لحظة توقيعه على نسخة من مؤلفاته، هذه اليد التى كتبت رواياته وقصصه القصيرة وأضافت إلى الأدب العربى والإنسانى، تلك اليد التى أصابتها الكراهية والتعصب والجهل. 

الشهادة الثالثة كانت للدكتور يحيى الرخاوى الذى كان صاحب فضل كبير فى تأهيل نجيب محفوظ نفسيًا بعد الحادث ليستكمل حياته. 

فى عدد مارس من العام ٢٠٠٢ كتب الرخاوى فى مجلة «أدب ونقد»: لا يوجد طبيب أعصاب فى الدنيا يمكن أن يتصور أن العطب الذى لحق بالعصب المسئول عن حركة يد أستاذنا اليمنى وأصابعه يمكن أن يتراجع أمام إصرار هذا الشيخ العظيم أن يواصل الحياة، ليواصل العطاء ويواصل الإبداع، فعلها شيخنا بمثابرة معجزة عاصرتها يومًا بيوم. 

يخبرنا بما جرى، يقول: بعد الحادث الغادر كانت يده أعجز من أن تمسك أى شىء بأى درجة من الاتزان، ناهيك عن أن تمسك بقلم يتحرك سنه على ورقه، لكنه فعلها، كل يوم راح يدرب نفسه على التحريك الطليق «شخبطة» ثم على التحريك البطىء، ثم راح يتصور أن يكتب شيئًا ما، واكتفينا بملء صفحة واحدة فى كراسة تلو كراسة، كانت الصفحة تأخذ فى البداية سطرين أو ثلاثة على الأكثر، ثم أربعة، لم أكن أتبين فيها حرفًا واحدًا، يمكن قراءته، وكنت أتابع تقدمه ساعة بساعة، كنت أفرح فرحًا لا يخفى حين أنجح فى أن أقرأ حرفًا واحدًا بين كل ما شخبط. 

ويضيف الرخاوى: بدأت الحروف تتميز فى شكل هلامى أسفل يسار كل صفحة، لم أسأله، تبينت بعد شهور طوال أنه توقيعه، اسمه، لكن ماذا تحت ما يشبه التوقيع، أشكال أخرى ليست حروفًا، وبعد شهور تبينت أنها أرقامًا، ثم بعد عام وبعض عام عرفت أنه التاريخ، وكان يشاركنى فرحتى وأنا أبلغه بعض ما نجحت فى قراءته، أعنى كنت أشاركه فرحته، وحين استطاع بعد أكثر من عامين أن يكتب جملة على بعضها، كان هذا هو عيدنا الكبير، ورحت أميز فى بعض الصفحات: «رب اشرح لى صدرى، وحبًا لسعد زغلول، والنحاس باشا، وبعض الحكم القديمة»، ثم تعليقًا فى نصف سطر على حادث سياسى آنى، وتدرج الحال حتى ظهرت الأحلام بخط يده للناس. 

لم يكن نجيب محفوظ يرى بوضوح ما يخطه بقلمه- كما يقول زكى سالم- فقد كان يحارب فى معركة متواصلة دون أن يرى ما حققه من انتصار مبهر. 

ويحدثنا سالم عن بدايات كتابة نجيب محفوظ لـ«أحلام فترة النقاهة» وكيف خرجت إلى النور. 

يقول: بعد تجربة الأحلام الثلاثة الأولى، قرر الأستاذ أن يكتب الأحلام فى ذهنه، فبعد أن يستيقظ من نومه، يتذكر الأحلام، وينظر فيها، فإذا وجد فيها ما يصلح للمعالجة الفنية، يبدأ فى معالجته بطريقة أدبية تضفى عليه معانى وأفكارًا، وظلالًا وأصداءًَ، ثم يصيغ الحلم جملة جملة حتى يكتمل تمامًا فى ذهنه، ويظل يردده وهو جالس وحده، حتى يحفظه، وبعدها يبدأ فى حلم جديد، وهكذا حتى تتجمع فى ذهنه ثلاثة أحلام أو أكثر فيمليها معًا على الحاج صبرى. 

كان الحاج صبرى موظفًا بجريدة الأهرام، أرسله ثروت أباظة إلى نجيب محفوظ ليقرأ له الصحف والمجلات بعد أن أصبح غير قادر على القراءة. 

يضيف زكى: تعرض الحاج صبرى لوعكة صحية، فعرضت على الأستاذ أن يملى علينا الأحلام التى يحفظها فى ذهنه، حتى يتفرغ للأحلام الجديدة، فوافق وأخذ يملى بهدوء وبساطة، وكأنه يقرأ من كتاب، بلا إعادة ولا تردد ولا تغيير فى كلمة، اثنى عشر حلمًا معًا، أملاها دفعة واحدة، فكيف كان يحتفظ بها جميعًا فى ذهنه؟ 

ويجيب بنفسه على سؤاله: هذه قدرة أكثر من مدهشة ومقدرة فائقة أن يظل- وهو فى هذه السن- محتفظًا بكل هذه النصوص معًا، دون أن تختلط بعضها مع بعض، ودون أن يصلح فى تركيب عبارة واحدة، ولا يغير كلمة واحدة. 

كان هذا ما جرى فى شأن الكتابة، لكن كان هناك همًا آخر، وهو الوحدة التى وجد نجيب محفوظ نفسه فيها، ويمكننا أن نعود مرة أخرى إلى جمال الغيطانى الذى يتحدث عما كان يشعر به نجيب حتى وهو بين أصدقائه. 

يقول جمال: خلال جلستنا معه أحرص على ألا ندخل فى أحاديث جانبية، عندما يشعر أن الذين معه انصرفوا عنه، ولا يستطيع الإصغاء إليهم، يتداخل فى نفسه، يمضى إلى أزمنته الخاصة، عندئذ أبادر بسؤال، برواية خبر أو نادرة، الآن يصغى الأستاذ معظم الأوقات، إما أنه يصغى إلى محدثه، أو إلى داخله، ذروة تدفقه عندما يروى ذكرياته عن المدينة، عن الحياة الأدبية، عن الأزمنة المنقضية. 

كان نجيب محفوظ مقاتلًا، واجه ظروف ما بعد محاولة اغتياله وهو يتألم، عاش لأن الحياة فُرضت عليه فرضًا. 

يحكى الغيطانى عن سنوات الألم محاولًا أن يخفف وطأتها. 

يقول: خلال تلك السنوات الأربع التالية للحادث، رتب أوضاعه، ونتيجة إرادة داخلية قوية تكيف مع الظروف الجديدة، ليس نتيجة الحادث فقط، ولكن نتيجة التقدم فى العمر والوهن، لقد نالت الشيخوخة من بصره فلم يعد يستطيع القراءة، عرضنا عليه المساعدة، لكنه لم يحملنا من أمرنا نصبًا، رتب مع رجل طيب مجيئه اليومى إليه ليقرأ له لمدة ساعة أهم الأخبار فى صحف الصباح القومية والمعارضة، أما المقالات والنصوص الأدبية المهمة فيقرؤها عليه الأصدقاء فى جلساتنا الليلية والتى أصبح لها ترتيب خاص. 

ويخبرنا جمال الغيطانى بما كان يحدث فى الجلسات ومحاولات نجيب أن يكون على طبيعته التى كانت. 

يقول: أحيانًا يثير أحدنا موضوعًا ما، ويطلب رأيه، فيجيب بكلمة أو كلمتين عابرتين على سبيل المثال، سألته عن رأيه فى أحداث سبتمبر بعد عام من وقوعها، فقال لى فى البداية: وهل يحتاج الأمر إلى رأى؟ ولما كررت عليه السؤال، قال: إنت شايف، سكت، انتقلنا إلى موضوعات أخرى، وإذا به بعد نحو نصف ساعة يميل إلى الأمام، يشير بأصبعه، هنا نصغى كلنا، ندرك أنه سينطق ما يهمنا، ما يعبر عن رأيه. 

قال نجيب: شوف، بالنسبة لسبتمبر أظن أنه لم يقع حادث أضر بعلاقات الشرق والغرب مثل هذا الحادث، الذين ارتكبوه أساءوا إلى الإسلام أبلغ إساءة، وسبقه سلوكيات الطالبان التى أساءت أيضًا للإسلام وصورته، إننا بحاجة إلى جهد كبير لنعود إلى الوضع السابق على سبتمبر. 

ويصمت نجيب قليلًا ثم يقول: لا أظن أن الوضع سيعود كما كان، ما زلنا فى بداية مرحلة لم تتحدد معالمها ولا ندرى نهايتها. 

ويقول جمال: أحيانًا تثار مناقشات حول موضوعات أدبية، أو سياسات داخلية أو خارجية، يكفى أن يصغى ويستوعب لينطق بالحكمة، ما زالت قدرته على توليد النكتة فى ذروتها، وأسبوعيًا يجعلنا نضحك من الأعماق بعد قفشة مفاجئة، مباغتة لا نتوقعها. 

بعد أن تسلم الشيك المليونى من إبراهيم المعلم، سكت قليلًا ثم قال: تعرفوا أنا بافكر فى إيه دلوقتى؟ 

تطلعوا إليه صامتين. 

قال: بافكر أهرب. 

وانفجروا بالطبع ضاحكين، كانت أخبار الذين اقترضوا الملايين وبعضهم المليارات تنشر يوميًا فى الصحف هربوا بأموال المودعين، أموال الغير، ودعابة محفوظ كم بدت نافذة موحية موجعة. 

وفى مرة أخرى كانوا يتحدثون عن راقصة شهيرة بمناسبة تصريحها بأنها تنوى التقاعد، بعد لحظة صمت قال لجمال: ابقى طلعها فى الذخائر. 

والذخائر سلسلة أشرف عليها الغيطانى وكانت تصدر عن هيئة قصور الثقافة، قدمت فيها نصوصًا مهمة من التراث العربى.

لقد حاول أصدقاء نجيب محفوظ أن يكسروا الحالة التى وجد نفسه فيها، وبعد ما يقرب من شهرين كان الخروج الأول من البيت. 

يحكى لنا جمال الغيطانى عن المرة الأولى التى كانت فى ديسمبر. 

يقول: كان الشتاء مكتملًا، قصدنا هضبة الأهرام: يوسف القعيد، زكى سالم، والدكتور يحيى الرخاوى الذى أشرف على تنظيم أيام الأسبوع والمرحلة الأخيرة من علاجه، ثم أصبح حرفوشًا أساسيًا فى حلقات الحرافيش، تناولنا الغداء يومئذ فى فندق مينا هاوس، وكان الأستاذ تحت حراسة الشرطة، وضع جديد سوف نعتاده، بل سيصبح أفراد قوة الحراسة أصدقاءً لنا، وكأنهم أسرة جديدة للأستاذ ولنا، وضع لم يسع إليه، وضع أنهى أيام السعى فى شوارع المدينة التى عاشها ومنح بعض مناطقها الخلود، طوال عمره كان ضد المظاهر، لكن للضرورة أحكامها، انتهى زمن التجوال فى دروب القاهرة القديمة وحواريها، كثيرًا ما رأيته خلال الستينيات والسبعينيات يجول فى موطنه الأول، حوارى وشوارع الجمالية، كنت أحرص ألا أزعجه حتى لا أقطع تأملاته واستعادته المكان. 

ويزيدنا زكى سالم معرفة بتفاصيل الخروج الأول، يقول: بدأنا فى الحديث عن فكرة خروج الأستاذ من بيته، وعودته إلى لقاء أصدقائه ومحبيه، وقد تبنى هذه الفكرة بشجاعة د.يحيى الرخاوى، الذى زار الأستاذ فى المستشفى بعد الحادث، واقترب بطيبة من الأستاذ وأصدقائه المحيطين به، وكانت أول خروجة للأستاذ فرحة رائعة لنا جميعًا، فقد استعاد الأستاذ انطلاقه المعهود، وتجدد حبه الأصيل للحياة، وللناس والنيل والهرم والشوارع والحوارى وحركة الحياة المتدفقة فى شرايين مصر المحروسة. 

ويضيف: تم الاتفاق على الخروج نهارًا، حتى يستمتع الأستاذ بشمس الشتاء الدافئة، والتى حرم منها لأسابيع طوال، ولتتاح له رؤية جمال الطبيعة الذى حجب عنه، وتم تجهيز عربة الحراسة المرافقة لأول مرة، وخرج الأستاذ بيننا جميعًا، وكنا خمسة: الأستاذ، ويحيى الرخاوى، وجمال الغيطانى، ويوسف القعيد، وأنا، وركبنا سيارة الرخاوى وانطلقنا فى شوارع القاهرة، حتى وصلنا إلى منطقة الأهرامات، وصورنا الأستاذ بجوار الهرم، كما أخذنا أكثر من صورة معه، وجلسنا فى فندق «مينا هاوس» حيث عقدنا ندوة أدبية وثقافية جميلة، وتناول الأستاذ أول رشفة من فنجان القهوة، وأشعل أول سيجارة بعد فترة طويلة من وجوده فى المستشفى والبيت، وسعدنا جميعًا بخروج الأستاذ إلى عالمه الواسع، وسعد هو أيضًا بذلك، ومن ثم كان التفكير فى تكرار هذه الندوة، كل يوم أو حتى كل بضعة أيام، وتم التفكير فى اتساع نطاق الأصدقاء، فأصدقاء الأستاذ كثيرون، ويتمنون لقاءه والخروج معه إلى أى مكان يحبه. 

عانى نجيب محفوظ بعد محاولة الاغتيال وجعًا ربما لم يشعر به إلا هو، رغم أن كثيرين تضامنوا معه فى مواجهته. 

ففى صباح ٥ يونيو من عام ١٩٩٥ كان محضر محكمة جنايات المنصورة يطرق باب بيت نجيب محفوظ ليسلمه عريضة دعوى أقامها ضده محام من مدينة السنبلاوين، يتهمه فيها بالتعدى على كل الأديان التى تؤدى شعائرها علنًا، بأن نسب إلى الله العظيم باعتبار أن عظمته هى محور العبادة والتقديس فى كل هذه الأديان اسمًا من غير أسمائه الحسنى وهو «الجبلاوى»، وذلك على سبيل الامتهان. 

ويسجل أيمن الحكيم فى كتابه «حضرة المتهم نجيب محفوظ.. الملف القضائى لأديب مصر» وقائع ما جرى، فقد رأى المحامى- الذى حرص الحكيم على عدم ذكر اسمه- أن هذه التهمة تستوجب عقاب المتهم الذى هو نجيب محفوظ بالمواد أرقام ١٦٠ و١٦١ و١٧١ فى قانون العقوبات، وهى المواد التى تخص ازدراء الأديان، ولم يكتف بذلك بل طالب بالتفريق بينه وبين زوجته استنادًا إلى الحكم الصادر آنذاك فى دعوى الحسبة ضد المفكر والباحث د. نصر حامد أبوزيد، وقضى بالتفريق بينه وبين زوجته د.ابتهال يونس، على أساس أن جريمة محفوظ لا تقل بشاعة عن جريمة نصر حامد أبوزيد، وطالب بتعويض مؤقت مقداره ٥٠١ جنيه، مؤسسًا دعواه على ما ناله من ضرر نتيجة الأفعال التى ينسبها للمتهم. 

فى عريضة الاتهام شرح المحامى الأفعال التى ينسبها للمتهم نجيب محفوظ قال : إنه فى يوم ٧ ديسمبر ١٩٩٤ نشرت صحيفة الأخبار تصريحات منسوبة للأديب الشهير، أدلى بها فى أعقاب محاولة الاغتيال التى تعرض لها أمام منزله على يد شاب متطرف، حيث انتقلت نيابة أمن الدولة العليا إلى غرفته بمستشفى الشرطة، الذى نقل للعلاج فيه، وكان من بين ما قاله فى محضر التحقيق فى ٢٠ أكتوبر ١٩٩٤ تعليقًا على نجاته من الحادث «الجبلاوى مش غضبان منى». 

وهى جملة رأى المحامى أن قائلها يحرف فى الدين، ويضيف اسمًا إلى الأسماء الحسنى التسع والتسعين للمولى عز وجل، وهو دليل على استهتاره بالمقدسات، يستوجب العقوبات السالف ذكرها. 

حملت القضية رقم ١٧٨٧ لسنة ١٩٩٥ جنح السنبلاوين، وحددت المحكمة جلسة ٢٧ نوفمبر ١٩٩٥ موعدًا لنظرها أمام محكمة جنايات المنصورة، وترافع عن نجيب محفوظ محاميه د. أحمد السيد عوضين، وفى ٣٠ نوفمبر ١٩٩٥ حكمت محكمة المنصورة برفض الدعوى وبراءة نجيب محفوظ. 

لقد حاول نجيب محفوظ خلال السنوات التى فصلت بين محاولة اغتياله فى ١٩٩٤ ووفاته فى ٢٠٠٦ أن يستعيد حياته التى كان يعيشها قبل أن يحاول متطرف جاهل ذبحه تقربًا إلى الله، تعلم الكتابة من جديد، أصدر أعمالًا أدبية عظيمة، كتب للصحف، أجرى حوارات صحفية، خرج مع أصدقائه وحضر جلسات طوال الأسبوع فى أماكن متفرقة.. لكن يقينى أنه كان وحيدًا تمامًا رغم الزحام الذى يحيط به، وهى الوحدة التى كان يعانى فيها وحده.