الأربعاء 12 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

رحلة فى عقل شيف.. لبنان الذى لا يعرفه «حزب الله»

حرف

- لينا سعد تحمل راية المطبخ اللبنانى التراثى عبر كتبها وعملها طاهية

- الكاتبة تدعو إلى السلام والوحدة عبر الطعام.. وتحذّر من اندثار المطبخ اللبنانى نتيجة التغيرات الثقافية

وُلدت وعاشت فى سيراليون، غرب إفريقيا، إلى أن غادرت إلى لبنان للدراسة فى بيروت والتحقت بالمدرسة الإنجيلية وقت الحرب الأهلية. كانت تلك أوقاتًا عصيبة على لبنان، حيث واجهت هذه الأرض الجميلة حربًا أهلية دامت نحو خمسة عشر عامًا. 

فى الثامنة عشرة من عمرها، انتقلت إلى لندن لدراسة إدارة الفنادق فى كلية وستمنستر. وبعد تخرجها، افتتحت مطعم «أليشيا» اللبنانى الشهير فى شارع وارن بلندن عام ٢٠٠٠، وأدارته لعدة سنوات. 

خلال هذه الفترة، نضجت وواجهت تحدياتها. بدلًا من الاستسلام لليأس، انطلقت نحو شغفها، ونسجت روابط وثيقة مع الناس من خلال طهيها وتجاربها. قصتها ملهمة حقًا، فهى تدعو إلى السلام والوحدة عبر الطعام، وكيف يجمّع الناس على مائدة واحدة.

لينا سعد خبيرة وصفات الطعام، والكاتبة العالمية المتخصصة فى الطبخ والمطبخ اللبنانى، تعد من أبرز الأصوات المدافعة عن هوية المطبخ اللبنانى، محذرة من اندثاره نتيجة التغيرات الثقافية. 

تشارك بانتظام فى فعاليات ومعارض دولية كبرى، مثل تقديمها المطبخ التراثى فى معرض الشارقة الدولى للكتاب، تعيش الآن فى غرب لندن، حيث تتفرغ للكتابة وتطوير الوصفات. وهى متزوجة ولديها طفلان.

نالت تقديرًا واسعًا لجهودها، حيث أُجريت معها مقابلات ونُشرت عنها مراجعات عديدة، مؤكدة أهمية الطعام كوسيلة لتقريب الثقافات. وصفاتها مزيج من النكهات التقليدية والتجريبية التى تبهر ذائقتك.

اكتشفت لينا سعد شغفها الكبير بالطبخ، إذ كانت تراقب وتتعلم فنونه فى مطبخ جدتها فى لبنان. ويعد كتابها الأول «أرض البياض» مزيجًا فريدًا من كتاب طبخ ومذكرات طعام شخصية، ينقل تجارب الطبخ الحقيقية من الكاتبة إلى مطبخك مباشرة. تعكس الوصفات المتنوعة، الممزوجة بصور آسرة لوطن الكاتبة الحبيب، تراث لبنان العالمى. 

تشكل جميع كتب سعد وليمة شهية لا تُنسى، ويأتى اسم هذا الكتاب من كونه بوابة إلى جبال لبنان البيضاء الشهيرة التى كانت تُغطى بالثلوج دائمًا. كما يتمحور حول المكونات البيضاء- مثل اللبن الرائب والطحينة والأجبان البيضاء- وهى مكونات أساسية فى المطبخ الشرق أوسطى واللبنانى.

فى الكتاب قامت سعد بتقسيم الوصفات إلى عربية وأوروبية، ما يعكس تأثير الحكم العثمانى والانتداب الفرنسى على لبنان.

يختلف كتابها عن كتب الطبخ اللبنانية الأخرى التى تقدم وصفات لبنانية تقليدية. فهو يعكس العصر الذهبى للبنان، ولكل وصفة فيه مكانة خاصة فى قلبها، وتحمل ذكريات الأيام التى كانت تجوب فيها القرى بحثًا عن الأعشاب الطازجة لإعداد التبولة مع عائلتها التى استمتعت بها مع أجدادها قبل الحرب الأهلية، وحنينها لتلك الأيام لتعيشها مرة أخرى مع عائلتها الشابة والأجيال القادمة.

يتضمن الكتاب ذكرياتها مع جدها وعماتها حول إعداد الطعام، والأسباب التى أدت إلى تسمية بابا غنوج، وطريقة تحضيرها له، مستهدفًا شريحة متنوعة من عشاق الطعام، من هواة الطهى إلى خبراء التذوق.

يتناول كتابها الثانى «رمضان إكسبرس»، وهو أول كتاب طبخ رمضانى يُنشر فى المملكة المتحدة والولايات المتحدة، فكرة أن الصيام ليس عقابًا، بل عبادة روحية.

وهو عبارة عن كتاب وصفات ملىء بالأفكار والإلهام، الذى قد تحتاجه لإعداد وجبات عائلية وضيافة مميزة فى شهر رمضان.

تروى لينا تجربتها الشخصية فى رمضان، وكيف تشكل الأطباق التى تقدمها فى الكتاب، والتى تؤكل إما فى المساء بعد الإفطار، أو فى الصباح الباكر قبل بدء الصيام، جزءًا أساسيًا من طقوس رمضان لعائلتها.

تقول سعد: لم يكن رمضان بالنسبة لى مجرد شهر فى التقويم، بل كان دائمًا شعورًا، وتحولًا هادئًا فى الإيقاع، وتجمعًا لذكريات تمتد من بيروت إلى إفريقيا، ومن مطابخ الطفولة إلى المنازل العصرية فى المملكة المتحدة.

تشير إلى أن صيام رمضان فى أماكن مختلفة من العالم طوال حياتها، مثل سيراليون وبيروت ولندن، قد زاد من شغفها برؤية المجتمعات المحلية المختلفة، وكيف يحتفلون بهذا الشهر الكريم من خلال الطعام. 

من الولائم الكبيرة وتجمعات العائلات والأصدقاء، إلى النزهات فى المطاعم المحلية، والتعرف على مطابخ عالمية وأشخاص من مختلف الخلفيات. كانت تجربة رائعة، علمتنى الكثير، وتركت فى نفسى ذكريات عزيزة ما زلت أحتفظ بها فى قلبى حتى الآن.

تلفت إلى أنها عندما كتبت «رمضان إكسبرس» عام ٢٠١٧، كانت تستجيب لشعور عميق انتابها: فبالرغم من تزايد أعداد المسلمين فى المملكة المتحدة وأوروبا والولايات المتحدة، فإنه لم يكن هناك كتاب طبخ معاصر يعكس رمضان كما يُعاش فى الغرب. 

كانت هناك كتب عن المطبخ الشرق أوسطى والتقاليد الإسلامية، لكن لم يكن هناك كتاب يخاطب العاملين، أو الطلاب، أو الأسر الشابة، أو أى شخص يحاول التوفيق بين الصيام والحياة العصرية.

تضيف: أردت تأليف كتاب عملى ومنظم ومؤثر عاطفيًا، دليلًا لرمضان يجمع بين الأصالة والحداثة، متجذرًا فى التراث ومنفتحًا على العالم.

بعض من أقدم ذكرياتى عن رمضان مرتبطة ببيروت. مع حلول الليل وهدوء المدينة، كنا ننتظر السحور، آخر وجبة قبل الفجر. وقبل الفجر مباشرة، كان صوت الطبل يتردد فى الشوارع: رجل يجوب الأحياء حاملًا طبلة، يوقظ الناس برفق ليتناولوا طعامهم وشرابهم قبل أذان الفجر.

كان ذلك الصوت ساحرًا. لم يكن عاليًا ولا ملحًا، بل كان إيقاعيًا ومطمئنًا، تذكيرًا بأن رمضان تجربة جماعية. تُفتح الأبواب، وتُضاء الأنوار، وتدب الحياة فى المطابخ. كان الطعام بسيطًا لكنه ذو مغزى؛ خبز وجبن وزيتون وشاى، يتشارك بهدوء فى سكون ما قبل الفجر.

اليوم، يبدو رمضان فى المملكة المتحدة مختلفًا، ولكنه لا يزال مترابطًا. لا توجد طبل فى شوارع لندن، ولكنّ هناك إيقاعًا آخر: ممرات المتاجر الكبرى مليئة بالتمور والعدس والأرز والبقوليات؛ عائلات تخطط لوجباتها بعد أيام عمل طويلة؛ طلاب يبحثون عن وصفات سريعة ومغذية؛ مجتمعات تجتمع فى المساجد والمنازل.

فى المملكة المتحدة، لاحظت كيف تستجيب المتاجر الكبرى بشكل متزايد لشهر رمضان بتخصيص أقسام لهذه المكونات. أردت أن أعكس هذا الواقع وأساعد القراء فى تجهيز مطبخ رمضانى يسهل فيه الحصول على كل شىء، وغالبًا ما يكون ذلك من مكان واحد.

كان هذا مهمًا بشكل خاص للأشخاص المشغولين، الذين يصومون أثناء العمل أو الدراسة أو تربية الأبناء، والذين يحتاجون إلى تنظيم دون أن يفقدوا روحانيتهم.

فى كثير من البيوت، يبدأ الإفطار بهدوء. فالحساء ليس مجرد غذاء، بل مصدر راحة. تعكس الشوربات طريقة أكثر هدوء لكسر الصيام، فهى تضفى الدفء والسكينة على النفس، وتحقق توازنا يشعر بالرضا العميق.

بالنسبة لى، ترمز الشوربة إلى العناية والاهتمام. فهى تبطئ لحظة الإفطار، وتتيح للجسم الانتقال بسلاسة من الصيام إلى الوليمة.

تتكامل الأطباق الكلاسيكية كالفتوش مع أطباق عصرية غنية بالبروتين، مثل سلطة الدجاج والأفوكادو، وسلطة السلمون والروبيان، بالإضافة إلى توليفات موسمية نابضة بالحياة. 

تعد هذه السلطات، التى تقدم كوجبة واحدة، مثالية للأمسيات الفردية، أو لطلاب الجامعات، أو فى الليالى التى يصعب فيها إعداد الطعام لعدد كبير من الأشخاص.

تعكس هذه الأطباق كيف تطور مفهوم رمضان فى الغرب: أخف وأكثر مرونة، مع الحفاظ على نكهته وقيمته الغذائية. صممت هذه الأطباق للمشاركة. فهى بسيطة لكنها معبرة، تدعو إلى مد الأيدى عبر المائدة، لتذكرنا بأن رمضان، قبل كل شىء، مناسبة للتواصل.

ترى سعد أن رمضان فى الغرب ليس جامدًا، بل ديناميكى، يتشكل بفعل الهجرة والانفتاح والتجارب الجديدة.

أما كتابها الثالث «تراث لبنان»، فهو يقدم أكثر من ١٤٠ وصفة أصيلة من لبنان. ويدعو لتذوق أطباق عائلة سعد الشهية، تمامًا كما كانت جدتها وعمتها ووالدتها تعدها فى بيروت وفى منزلهم الريفى. 

مع وصفات مثل ورق العنب المحشى، والكشك، ومجموعة مختارة من المقبلات، إلى جانب الأطباق، تسلط الضوء على مزيج موثق من ثقافة لبنان وتراثه وتاريخه. يزخر الكتاب، أيضًا، بحكايات شخصية من حياتها خلال طفولتها التى قضتها مع جديها فى لبنان. ويأخذك فى رحلة طهى إلى تراث المطبخ اللبنانى- العريق الذى طال نسيانه. مطبخ تنبأت به سعد، بأنه على وشك الاندثار. وكرست أكثر من ثمانى سنوات للبحث فى العديد من الوصفات الموثقة وخصائصها الفريدة فى المطبخ اللبنانى.

فى الكتاب سلطت سعد الضوء على بساطة حياة المزارعين اللبنانيين وأسلوبهم فى تناول الطعام، مؤكدة أن هذه الحياة تكاد تنقرض بسبب عوامل سياسية واقتصادية. 

وذلك بعد أن قضت الكاتبة عطلتها الصيفية مع مزارعين لبنانيين محليين يطبخون قمحهم فى قدور كبيرة فى الحقول ويصنعون البرغل بأنفسهم. بالإضافة إلى العديد من اللاجئين السوريين الذين يشكلون الآن قوة عاملة رئيسية فى لبنان، خاصة فى مساعدة المزارعين فى منتجاتهم الموسمية وحصادهم.

الجوائز

حازت لينا سعد ٣ جوائز، حيث فاز كتابها الأول «أرض البياض» الصادر عن دار نشر «أوستن ماكولى» الإنجليزية المستقلة فى ٢٤٤ صفحة، عام ٢٠١٥، بجائزة جورماند العالمية لكتب الطبخ عام ٢٠١٦.

وتأسست جوائز جورماند العالمية لكتب الطبخ عام ١٩٩٥ على يد إدوارد كوانترو. تكرم هذه الجوائز سنويًا أفضل كتب الطعام والنبيذ، سواء المطبوعة أو الرقمية، بالإضافة إلى برامج الطبخ التليفزيونية.

وتقام جوائز جورماند سنويًا فى موقع مميز للغاية لعشاق فن الطهى. يمثل الحفل فرصة للقاء جميع الشخصيات البارزة فى عالم الطعام والكتب، حيث يشارك فيه مئات الناشرين والمؤلفين والطهاة والصحفيين.

وفاز كتابها الثانى «رمضان إكسبريس» الصادر أيضًا عن دار نشر «أوستن ماكولى» الإنجليزية المستقلة، فى ٢١٦ صفحة، عام ٢٠١٨، بجائزة دان جيفورد فى جوائز جورماند العالمية لكتب الطبخ عام ٢٠١٨.

جائزة دان جيفورد تُمنح سنويًا بواسطة منصة The Readable Feast بالتعاون مع منظمةOldways التى تكرم المؤلفين، الطهاة، الناشطين، أو الأكاديميين من منطقة «نيو إنجلاند» فى الولايات المتحدة، ممن قدموا إسهامات إيجابية ودائمة فى ثقافة الطعام وأنماط الحياة الصحية.

وتخلد الجائزة ذكرى «دون جيفورد»، المؤسس لمنظمة Oldways غير الربحية فى عام ١٩٩٠، الذى عُرف بجهوده الكبيرة فى الترويج للأنظمة الغذائية الصحية والمستدامة، مثل «حمية البحر الأبيض المتوسط» حتى وفاته فى عام ٢٠١٠.

كما نال كتابها «تراث لبنان: إرث لبنان» المنشور ذاتيًا عام ٢٠٢٠، فى ٤٣٩ صفحة، لقب «الأفضل فى العالم» المرموق فى جوائز جورماند العالمية لكتب الطبخ، متفوقًا فى ثلاث فئات منفصلة، بما فى ذلك فئتا ثقافة الطعام والنشر الذاتى عام ٢٠٢١.

أطبخ وأكتب.. لينا سعد: الطعام يحفظ تراث لبنان من خطر الاندثار