واحة الثقافة.. هل ينهار مشروع المليار جنيه قبل أن يبدأ؟
- ظهور شروخ وتصدعات وملاحظات على الحوائط تستدعى ترميمًا عاجلًا ومن ثم ميزانية إضافية
- طول فترة الانتظار تتطلب إعادة الفحص والتأهيل لكل التجهيزات
- أعمال مرتبطة بالسباكة والكهرباء تحتاج لإعادة تأهيل وتجهيز قبل التشغيل الكامل
- أزمة منتظرة فى فعاليات المسرح الكبير إذا لم يتم الافتتاح خلال الفترة المقبلة
- المبنى يحتاج لتشغيل وصيانة ومتابعة مستمرة خاصة الأنظمة الكهربائية
لم يعد السؤال بشأن مشروع «واحة الثقافة» بمدينة 6 أكتوبر مرتبطًا فقط بموعد افتتاحه، ولا بحجم الأموال التى أُنفقت عليه طوال نحو 30 عامًا، وإنما أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا، هل المشروع الذى تأخر كل هذه السنوات جاهز بالفعل لاستقبال الجمهور والفعاليات، أم أن سنوات التأخير نفسها صنعت أزمات جديدة داخل منشآته؟
يأتى هذا التقرير استكمالًا لما نشرناه فى العدد السابق من جريدة «حرف» حول مشروع «واحة الثقافة»، والذى تناولنا خلاله رحلة المشروع منذ انطلاقه عام 1996، وتكلفته التى بدأت بنحو مليونى جنيه، قبل أن تقترب اليوم من حاجز المليار جنيه، مرورًا بتعاقب نحو 10 رؤساء على دار الأوبرا المصرية خلال هذه السنوات، دون أن يفتح المشروع أبوابه للجمهور بصورة نهائية، لكن الملف لا يتوقف عند حدود الزمن والتكلفة.
فحسب ما تم رصده، ظهرت خلال الفترة الأخيرة مجموعة من الملاحظات والأزمات داخل أجزاء من المشروع، بعضها يتعلق بحالة منشآت تم الانتهاء منها منذ سنوات دون تشغيل، وبعضها يرتبط بأعمال البنية الأساسية، بينما يفتح بعضها الآخر باب التساؤلات حول مدى ملاءمة بعض التصميمات للاستخدام الفعلى، سواء فى قاعات البروفات أو فى المسرح.
واللافت أن هذه الملاحظات تأتى فى وقت كان من المفترض أن يتحول فيه المشروع من منشأة تنتظر اكتمالها إلى أحد البدائل المهمة أمام دار الأوبرا المصرية خلال الفترة المقبلة.


كان المخطط أن يشهد مشروع «واحة الثقافة» افتتاحه خلال شهر يونيو الماضى، وهو موعد كان يحمل أهمية خاصة، ليس فقط باعتباره نقطة النهاية المفترضة لرحلة طويلة من الإنشاء والتجهيز، وإنما أيضًا بسبب ارتباط المشروع بخطة تشغيلية تخص دار الأوبرا المصرية.
فقد كان مطروحًا أن يستقبل «واحة الثقافة» جانبًا كبيرًا من حفلات وفعاليات المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية خلال عام ٢٠٢٧، بالتزامن مع إغلاق المسرح الكبير لفترة تصل إلى نحو ٨ أشهر، لتنفيذ أعمال تطوير وإصلاح، وهنا تظهر أهمية المشروع بصورة أكبر.
فـ«واحة الثقافة» لم يعد مجرد مشروع ثقافى مؤجل ينتظر انتهاء الأعمال داخله، وإنما كان من المفترض أن يؤدى دورًا عمليًا فى الحفاظ على استمرار النشاط الفنى خلال فترة إغلاق أحد أهم مسارح دار الأوبرا.
وبالتالى، فإن تأخر افتتاح المشروع عن الموعد المخطط له لا يعنى فقط استمرار تأجيل تشغيل منشأة ثقافية ضخمة، وإنما يطرح أيضًا أسئلة حول البدائل التى ستلجأ إليها الأوبرا لاستيعاب أجندة الحفلات والفعاليات خلال فترة إغلاق المسرح الكبير، خاصة إذا استمر العمل فى «واحة الثقافة» ولم يصبح جاهزًا بالشكل المطلوب.


أحد أبرز الملفات التى تستحق التوقف أمامها يتعلق ببعض المبانى التى تم الانتهاء من تنفيذها منذ سنوات، لكنها ظلت خارج الخدمة ولم تبدأ مهمتها الأساسية حتى الآن. فمع مرور الوقت وغياب التشغيل، ظهرت فى بعض هذه المنشآت شروخ وتصدعات وملاحظات على الحوائط، بما يستدعى أعمال معالجة وترميم وإصلاح قبل الاستخدام الفعلى.
وهنا تظهر مفارقة المشروع بوضوح: منشآت أُنجزت بهدف أن تخدم النشاط الثقافى والفنى، لكن تأخر تشغيلها جعلها تواجه اختبارًا آخر قبل أن تستقبل أول جمهور.
المشكلة هنا لا تتعلق فقط بالشكل الخارجى أو بمعالجة بعض التشققات، وإنما بالسؤال الأوسع: ما الذى يحدث لمنشأة تم تنفيذها ثم ظلت لسنوات دون تشغيل؟
فالمبنى الثقافى ليس قطعة إنشائية مكتملة بمجرد انتهاء أعمال البناء، وإنما يحتاج إلى تشغيل وصيانة ومتابعة مستمرة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمنشآت تضم أنظمة كهربائية وميكانيكية وصحية وتجهيزات مسرحية وفنية.
ومع طول فترة الانتظار، تصبح الحاجة إلى إعادة الفحص والتأهيل أمرًا متوقعًا قبل التشغيل، ما يفتح الباب أمام تكلفة إضافية لم تكن لتظهر بالضرورة بالدرجة نفسها لو دخلت المنشآت الخدمة فى توقيتها المخطط.


لا تتوقف الملاحظات عند الحوائط والمنشآت، إذ تشير المعطيات المتاحة إلى وجود أعمال مرتبطة بالسباكة والكهرباء تحتاج إلى إعادة تأهيل وتجهيز قبل دخول المشروع مرحلة التشغيل الكامل.
وهذه النقطة تحديدًا تكتسب أهمية خاصة، لأن أعمال البنية الأساسية داخل أى منشأة ثقافية لا يمكن التعامل معها باعتبارها تفاصيل ثانوية.
فالكهرباء ترتبط بأنظمة الإضاءة والتشغيل والتجهيزات الفنية والأمن والسلامة، بينما ترتبط شبكات المياه والصرف بأنظمة التشغيل اليومية للمبنى.
ومع مرور سنوات على تنفيذ بعض الأعمال دون تشغيل فعلى، يصبح من الضرورى التأكد من صلاحية هذه الأنظمة وكفاءتها قبل استقبال الجمهور، وبالتالى، فإن السؤال هنا لا يتعلق فقط بما تم إنفاقه لإنشاء المشروع، وإنما بما قد يحتاجه المشروع من أعمال إضافية حتى يصبح قادرًا على العمل بكفاءة، وهذا يقودنا إلى نقطة أكثر أهمية: هل تكلفة التأخير أصبحت الآن جزءًا من تكلفة المشروع نفسه؟


من بين الملفات التى تستحق الفحص أيضًا قاعات البروفات داخل المشروع، فبحسب ما تم رصده، توجد ملاحظات على تصميم بعض هذه القاعات، تتعلق بوجود أعمدة فى مناطق داخلية قد تؤثر على الرؤية أثناء البروفات، قد تبدو المسألة فى ظاهرها هندسية بحتة، لكنها فى الحقيقة مرتبطة بوظيفة المكان.
فقاعة البروفة ليست مجرد مساحة مغلقة يجتمع فيها أعضاء الفرقة، وإنما هى مساحة عمل فنية تحتاج إلى رؤية واضحة ومتبادلة بين المشاركين، خصوصًا فى البروفات التى تعتمد على الحركة الجماعية أو التفاعل المسرحى أو الأداء الموسيقى.
وجود عناصر إنشائية فى مواضع تؤثر على خط الرؤية يمكن أن يفرض قيودًا على استخدام القاعة، ويجعل من الضرورى بحث مدى توافق التصميم القائم مع طبيعة النشاط الذى يفترض أن تستضيفه، وهنا يجب التمييز بين وجود ملاحظة هندسية وبين وصفها بأنها «خطأ هندسى» بصورة قاطعة؛ فالحسم فى هذه المسألة يحتاج إلى مراجعة التصميمات والرسومات التنفيذية والتقارير الهندسية المتخصصة، لكن مجرد ظهور هذه الملاحظة قبل تشغيل المشروع يطرح سؤالًا مشروعًا: هل تمت مراجعة التصميمات من منظور الاستخدام الفنى الفعلى، وليس فقط من منظور التنفيذ الإنشائى؟


المسرح الرئيسى فى المشروع يفتح بدوره ملفًا آخر يتعلق برؤية الجمهور، فبحسب الملاحظات التى تم رصدها، توجد تساؤلات حول مدى وضوح الرؤية من بعض المقاعد الجانبية، وما إذا كان جميع أفراد الجمهور سيتمكنون من مشاهدة خشبة المسرح بصورة مناسبة، وهذه نقطة شديدة الحساسية فى أى مسرح، لأن نجاح القاعة لا يقاس بعدد المقاعد التى يمكن وضعها داخلها فقط، وإنما بمدى تحقيقها شروط المشاهدة والاستماع والراحة.
وقد يكون المسرح قادرًا من الناحية النظرية على استيعاب العدد المستهدف من الجمهور، لكن السؤال الأهم هو: هل كل مقعد يوفر تجربة مشاهدة مناسبة؟ ومن هنا تأتى ضرورة مراجعة الرؤية من مختلف مناطق الجمهور قبل التشغيل النهائى، خاصة إذا كانت هناك ملاحظات فعلية على المقاعد الجانبية.
وإذا كانت هذه الملاحظات تحتاج إلى معالجة أو تعديل، فإن اكتشافها قبل الافتتاح أفضل بالتأكيد من اكتشافها بعد استقبال الجمهور، لكن ذلك يعنى فى الوقت نفسه ضرورة إدراجها ضمن الأعمال المطلوب حسمها قبل الإعلان عن تشغيل المشروع.

كل هذه التفاصيل تصبح أكثر أهمية عندما نضعها فى سياق رحلة المشروع المالية والزمنية، فـ«واحة الثقافة» بدأ عام ١٩٩٦ بتكلفة قُدرت بنحو مليونى جنيه، وفق الأرقام التى تناولناها فى التقرير السابق، وكان الهدف إنشاء مجمع ثقافى وفنى يخدم مدينة ٦ أكتوبر والمناطق المحيطة بها.
لكن المشروع لم يدخل الخدمة طوال هذه السنوات، بينما تغيرت أسعار الخامات وأجور العمالة وتكاليف الإنشاء والتجهيز، وتغيرت أيضًا احتياجات المؤسسات الثقافية والفنية نفسها.
ومع مرور نحو ثلاثة عقود، اقتربت التكلفة الإجمالية للمشروع من مليار جنيه، كما شهد المشروع خلال هذه الفترة تعاقب نحو عشرة رؤساء على دار الأوبرا المصرية، بما يعكس حجم الفترة الزمنية التى استغرقها المشروع.
وفى فبراير ٢٠٢٦، تم الانتهاء من المرحلة الثامنة من المشروع، والتى بلغت تكلفتها نحو ٤٨٥ مليون جنيه، بينما طُرحت احتياجات المرحلة التاسعة والأخيرة بنحو ٢٣٧.٣١٦ مليون جنيه، مع استهداف الانتهاء وبدء التشغيل خلال العام المالى ٢٠٢٦/٢٠٢٧.
لكن اكتمال الأعمال الإنشائية لا يعنى بالضرورة أن المشروع أصبح جاهزًا للتشغيل، فالمرحلة الأخيرة يجب أن تشمل، إلى جانب استكمال الأعمال، مراجعة كل ما تم تنفيذه سابقًا، والتأكد من سلامة المنشآت والأنظمة، واختبار التجهيزات، ومراجعة الوظائف الفنية للمسارح وقاعات البروفات، والتأكد من أن المشروع بالكامل يعمل كوحدة واحدة.

على مدار السنوات الماضية، كان تأخر «واحة الثقافة» يُطرح أساسًا باعتباره مشكلة فى موعد الافتتاح، لكن المعطيات الجديدة تجعل المسألة أكثر تعقيدًا، فكل سنة تأخير لا تعنى فقط خسارة سنة من التشغيل، وإنما قد تعنى أيضًا حاجة بعض الأعمال التى تم تنفيذها مبكرًا إلى إعادة تأهيل أو إصلاح، إلى جانب احتمالات إعادة بعض الأعمال لتتلاءم مع احتياجات التشغيل الحالية، وهنا يتحول الزمن من مجرد رقم فى الجدول الزمنى إلى عنصر له تكلفة، منشأة كان يفترض أن تبدأ العمل منذ سنوات، ثم ظلت مغلقة، تحتاج عند تشغيلها إلى التأكد من صلاحية كل مكوناتها، ما يضيف أعباءً جديدة إلى مشروع اقتربت تكلفته أصلًا من المليار جنيه.
والسؤال الذى يفرض نفسه: كم كانت ستتكلف هذه الأعمال لو دخل المشروع الخدمة فى موعده الأول؟ وكم تكلف الآن بعد سنوات الانتظار؟

الحديث عن افتتاح المشروع يصبح أكثر إلحاحًا مع اقتراب عام ٢٠٢٧، فى ظل الخطة الخاصة بإغلاق المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية لنحو ٨ أشهر من أجل التطوير والإصلاح، فالمشروع كان مطروحًا ليكون أحد البدائل المهمة لاستضافة حفلات المسرح الكبير خلال تلك الفترة، وهذا يعنى أن «واحة الثقافة» كان أمام اختبار حقيقى: ليس فقط أن تفتح أبوابها، وإنما أن تكون جاهزة فنيًا وتقنيًا لاستقبال فعاليات بمستوى وحجم الحفلات التى تقام على المسرح الكبير، وهنا يصبح الفارق كبيرًا بين «افتتاح المشروع» و«جاهزية المشروع للتشغيل». فالافتتاح الرسمى يمكن أن يتم بحفل أو فعالية، لكن تشغيل منشأة بهذا الحجم يحتاج إلى منظومة متكاملة من أنظمة الكهرباء والصوت والإضاءة والتكييف والمياه والصرف والسلامة، إلى جانب جاهزية خشبة المسرح وقاعات البروفات ومناطق الجمهور والخدمات المساندة، ولهذا فإن الموعد لم يعد مجرد تاريخ احتفالى، وإنما اختبار فعلى لقدرة المشروع على أداء الوظيفة التى أنشئ من أجلها.

أمام هذه الصورة، يبدو أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى أكثر من مجرد إعلان موعد جديد للافتتاح، المطلوب أولًا حصر كامل لحالة جميع المبانى التى تم تنفيذها فى مراحل سابقة، وتحديد ما يحتاج منها إلى ترميم أو معالجة، كما تحتاج شبكات الكهرباء والسباكة وسائر أنظمة البنية الأساسية إلى مراجعة واختبارات تشغيلية قبل دخول المشروع الخدمة.
أما قاعات البروفات والمسرح، فيجب أن تخضع لمراجعة فنية متخصصة من منظور الاستخدام، للتأكد من أن التصميمات المنفذة تحقق الوظائف المطلوبة منها، وفى المسرح تحديدًا، ينبغى اختبار الرؤية من مختلف المقاعد، وليس الاكتفاء بالتأكد من اكتمال المقاعد والمدرجات، هذه الإجراءات لا تعنى بالضرورة أن المشروع غير صالح للتشغيل، لكنها تعنى أن الانتقال من مرحلة الإنشاء إلى مرحلة التشغيل يحتاج إلى مراجعة دقيقة وشفافة. بعد نحو ٣٠ عامًا من بداية المشروع، وبعد انتقال تكلفته من ملايين قليلة إلى ما يقرب من مليار جنيه، لم يعد الجمهور ينتظر فقط معرفة موعد افتتاح «واحة الثقافة»، إنما يريد معرفة ماذا سيجد عندما تُفتح الأبواب؟، وهل ستكون منشأة مكتملة وجاهزة للعمل لسنوات طويلة؟ أم ستبدأ رحلة جديدة من الإصلاحات والصيانة بعد فترة قصيرة من التشغيل؟، وهل سينجح «واحة الثقافة» فى القيام بالدور الذى كان متوقعًا منها، خصوصًا مع احتياج دار الأوبرا إلى بديل خلال فترة إغلاق المسرح الكبير فى ٢٠٢٧؟ وهل أصبحت كل الملاحظات المتعلقة بالمبانى والبنية الأساسية وقاعات البروفات والمسرح جزءًا من خطة الإصلاح النهائية؟
القضية أصبحت أن مشروعًا ثقافيًا ضخمًا أنفقت عليه مئات الملايين، واقتربت تكلفته من مليار جنيه، يجب أن يثبت عند افتتاحه أنه قادر بالفعل على أداء المهمة التى أنشئ من أجلها، و«واحة الثقافة» يحتاج فى النهاية إلى افتتاح حقيقى، لا مجرد قص شريط؛ افتتاح يعنى أن المبانى صالحة، والمنشآت آمنة، والأنظمة تعمل، والمسرح يحقق وظيفته، وقاعات البروفات مناسبة، والجمهور يستطيع أن يدخل ويجلس ويشاهد العرض دون أن تبدأ بعد ذلك قصة جديدة من الإصلاحات.






