الخميس 08 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

د. عبد العزيز المسلم: أفتخر بأن معلمى «المصرى» أحمد مرسى

حرف

- التراث عنصر أساسى فى تكوين الشخصية العربية

- إطلاق جمعية التراث الثقافى الإماراتية قريبًا بالاستفادة من «التجربة المصرية»

- الجمعية المصرية للمأثورات الشعبية النموذج العربى الأمثل الذى نحاول محاكاته 

فى عالم سريع التحول، حيث تغمر العولمة والرقمنة حياتنا اليومية، يظل التراث الثقافى غير المادى الدرع الحامية لهويتنا ومصدر الإلهام للأجيال، وهى الحقيقة التى يؤمن بها ويعمل من أجلها الدكتور عبدالعزيز المسلم، رئيس معهد الشارقة للتراث.

وفى حواره التالى مع «حرف»، يكشف د. «المسلم» عن رؤيته العميقة فى صون التراث العربى، وتجربته الشخصية والمهنية التى امتدت لأكثر من 40 عامًا، ودوره فى تأسيس تجربة جمعية التراث الثقافى الإماراتية، مستلهمًا من التجربة الرائدة للجمعية المصرية للمأثورات الشعبية.

كما يكشف عن رؤيته للتحديات التى تواجه التراث الشعبى، والتعاون بين المؤسسات الرسمية والأهلية، وأهمية إشراك المجتمع المحلى والأجيال الجديدة فى حماية هذا الموروث الثمين.

■ بداية.. كيف ترى التعاون المشترك بين المؤسسات المعنية بالتراث الثقافى غير المادى، سواء كانت رسمية أو أهلية؟

- أرى أن هناك تعاونًا كبيرًا ومثمرًا بين المؤسسات الرسمية والأهلية، وهذا التعاون يعود بالنفع على الطرفين معًا. فالمؤسسات الرسمية تحتاج دائمًا إلى دعم المؤسسات الأهلية، خاصة أن أحد شروط «يونسكو» لحماية التراث الثقافى غير المادى يتطلب مشاركة المجتمع المدنى والمؤسسات الأهلية إلى جانب الجهات الرسمية.

هذا التعاون لا يقتصر على الجانب الإدارى أو التنظيمى فقط، بل يمتد ليشمل تبادل الخبرات، وتنسيق الجهود فى التوثيق، والحفاظ على الموروث الشعبى، وإشراك المجتمع المحلى فى المبادرات الثقافية. من خلال هذا التنسيق، يصبح العمل أكثر إنتاجية، وتظهر الجهود الشعبية والأهلية على المستويات العلمية والثقافية بشكل لائق، يعكس حقيقة ما تقدمه هذه المؤسسات من جهود متواصلة لصون التراث.

كما أن هذا التعاون يعزز من استدامة المشروعات الثقافية، لأنه يخلق شبكة من الدعم المتبادل، ويضمن إشراك المجتمع فى صون التراث، ما يجعل هذه الجهود أكثر تأثيرًا وفاعلية. فعندما تعمل المؤسسات الرسمية والأهلية جنبًا إلى جنب، يتم دمج الموارد والخبرات، ويزداد الوصول إلى الجمهور المستهدف، سواء من خلال التوعية أو برامج التوثيق أو الفعاليات التراثية، بما يسهم فى نقل التراث للأجيال الجديدة بصورة حية وواقعية.

■ كيف يمكن تحقيق التوازن بين صون التراث والحفاظ على أصالته، ومواكبة العصر ومتطلبات الحداثة؟

- هذه المسألة مُعقَدة إلى حد ما، لأن صون التراث قد يؤدى أحيانًا إلى تجميده بطريقة توقف الصورة العامة للحياة الاجتماعية، فى حين أن المجتمع اليوم يمر بمرحلة تحديث وتطور سريع، وأحيانًا يحدث ما يمكن وصفه بـ«شبه انقلاب على الحياة الشعبية التقليدية».

لكن من الضرورى أن نبقى على صورة التراث كما هى، مع السماح للحياة اليومية أن تستمر وتتطور. التحدى الأساسى يكمن فى التوفيق بين الحفاظ على التراث بصورته النمطية، وبين التعامل مع الأجيال الجديدة التى قد لا تتفاعل مع التراث بنفس الطريقة التقليدية.

الموازنة بين الاثنين تتطلب دمج التراث فى الحياة المعاصرة بطريقة حية ومرنة، بحيث يبقى التراث حاضرًا فى وجدان المجتمع ويؤثر على أسلوب الحياة الحديثة، دون أن يفقد أصالته وهويته. باختصار علينا أن نحافظ على التراث وندمج قيمه وروحه فى حياتنا اليومية، مع التكيف مع متطلبات العصر الحديث والجيل الجديد، لضمان استمراريته وانتقاله للأجيال المقبلة بطريقة طبيعية وحيوية.

■ ما أخطر التهديدات التى تواجه التراث الشعبى العربى فى الوقت الراهن؟ وهل العولمة تمثل خطرًا أم فرصة لإعادة تقديم التراث للعالم؟

- التهديد الأكبر الذى يواجه التراث الشعبى العربى اليوم هو التنكر للتراث نفسه. هناك فئات من المجتمع تتجاهل التراث، أو تعتبره جزءًا من الماضى غير الملائم للحياة المعاصرة، وهذا الانفصال عن الموروث يضع التراث فى موقف هش أمام التغيرات الاجتماعية المتسارعة.

أما بالنسبة للعولمة، فهى تحمل فى طياتها كلًا من الخطر والفرصة. العولمة قد تكون فرصة كبيرة إذا تمكنا من تقديم التراث للعالم بصورة أصيلة وحقيقية، مع الاحتفاظ بالقيم الجوهرية والهوياتية. فالخوف من التحديث أو الانفتاح على العالم الجديد ليس مبررًا، ما دام العربى متمسكًا بتراثه ومفتوحًا على الحوار مع الثقافات الأخرى.

باختصار، حماية التراث اليوم تتطلب ثقة بالهوية الثقافية، ووعيًا بالتحولات العالمية، واستغلال التكنولوجيا والفرص الدولية لنشر التراث، بحيث يصبح جسرًا بين الماضى والحاضر، ووسيلة لتعزيز الهُوية العربية على الصعيدين المحلى والعالمى.

■ ما دور المؤسسات الثقافية الرسمية مقارنة بدور المجتمع المحلى فى حماية التراث؟ وأيهما أكثر تأثيرًا على المدى الطويل؟

- للمؤسسات الثقافية الرسمية دور كبير ومحورى فى حماية التراث وصونه، فبعض هذه المؤسسات يقوم بجهود ممنهجة لتوثيق العناصر التراثية، وتنظيم المبادرات والفعاليات، ووضع السياسات التى تضمن استدامة التراث ونقله للأجيال المقبلة.

أما المجتمع المحلى، فقد يكون أحيانًا أكثر تقبلًا للتجديد، لكنه قد يتجاهل أو يتخلى عن الموروث الشعبى فى بعض الحالات، خاصة إذا شعر بأن التراث لا يتماشى مع الحياة اليومية أو متطلبات العصر الحديث. لذلك، يقع على عاتق المؤسسات الرسمية مسئولية التوعية المستمرة بأهمية التراث، ودمجه فى الحياة العامة بطريقة تجعل المجتمع يقدّر قيمته، بحيث يصبح الحفاظ عليه مسئولية مشتركة بين الجهات الرسمية والمواطنين على حد سواء.

فى النهاية، يمكن القول إن المؤسسات الرسمية تلعب دورًا أكثر تأثيرًا على المدى الطويل، لأنها تضمن البنية المؤسسية والسياساتية اللازمة لاستدامة التراث، بينما يسهم المجتمع المحلى فى الحفظ الواقعى من خلال التفاعل اليومى والممارسة المباشرة للتراث.

■ كيف يمكن غرس الوعى بقيمة التراث لدى الأجيال الجديدة، خاصة فى ظل هيمنة وسائل التواصل الاجتماعى وثقافة الاستهلاك السريع؟

- يمكن تحقيق ذلك من خلال استثمار وسائل التواصل الاجتماعى كأداة للتوعية وإبراز دور التراث فى حياة المجتمعات. هناك العديد من المؤثرين الرقميين الذين يقومون بدور فعال فى نشر الثقافة التراثية، وبيان قيمها، وتحفيز الشباب على الاهتمام بها.

كما يمكن للإعلام الرسمى أن يلعب دورًا مهمًا، لكن ليس عبر القنوات التقليدية فقط، بل من خلال المنصات الرقمية الحديثة التى يتفاعل معها الشباب بشكل يومى. فكرة دمج التراث فى المحتوى الرقمى بطريقة مبتكرة تفاعلية جاذبة، تجعل التراث جزءًا من الحياة المعاصرة، ولا يسمح له بأن يتحول إلى مادة جامدة أو متحفية.

■ الدعوة إلى تكوين أرشيف عربى للمأثورات الشعبية، ما الخطوات التى قام بها معهد الشارقة للتراث فى هذا الشأن؟ وما تصوراتكم المستقبلية؟

- معهد الشارقة للتراث قام بدور رائد فى هذا المجال، حيث جمع خبرات عربية واسعة، وشارك فى العديد من مشاريع التوثيق عبر أرشيف التراث العربى، بدءًا بمشروع «مكنز التراث العربى»، الذى يضم مجموعة ضخمة من الموروث الثقافى غير المادى.

حاليًا، يعمل المعهد على «مكنز التراث المعمارى»، بالإضافة إلى العديد من المشروعات الأخرى التى تتم بالتعاون مع الجهات الرسمية والخبراء العرب، وتهدف إلى توثيق وتثمين التراث الثقافى العربى بكل أشكاله.

أما المستقبل، فيتجه إلى توسيع نطاق هذه المشاريع، عبر مركز التراث العربى التابع للمعهد، ليصبح مرجعًا متكاملًا للتوثيق والبحث والدراسة، ويتيح المجال للباحثين والأجيال الجديدة للتفاعل مع التراث العربى بطريقة علمية ومعاصرة، بما يضمن الحفاظ عليه ونقله للأجيال القادمة.

■ كيف ينظر معهد الشارقة للتراث إلى تجربة الجمعية المصرية للمأثورات الشعبية بعد مرور ٥٠ عامًا على تأسيسها؟ وهل ترونها نموذجًا عربيًا رائدًا فى حفظ الذاكرة الشعبية؟

- الجمعية المصرية للمأثورات الشعبية تمثل أحد أهم النماذج العربية التى نحاول محاكاتها والاستفادة منها فى العمل الأهلى الثقافى. نحن بالفعل أسسنا جمعية التراث الثقافى الإماراتية، التى سترى النور قريبًا، وكانت تجربتها مستوحاة إلى حد كبير من التجربة المصرية.

الدور الذى قامت به الجمعية المصرية على مدار عقود كان بالغ الأهمية، ولا يمكن أن نغفل مساهمة مؤسسها الراحل الدكتور أحمد مرسى، الذى أفخر بأنه علمنى قبل أكثر من ٤٠ عامًا، وكنت أحد طلابه. كنت ألتقى به دائمًا فى «يونسكو» فى أثناء تسجيله لعناصر التراث المصرى، وكان دائمًا يشجعنا ويدعمنا.

بالفعل، يمكن القول إن الجمعية المصرية للمأثورات الشعبية هى النموذج الأمثل للجمعيات الأهلية غير الهادفة للربح فى الوطن العربى، فهى تجمع بين العمل العلمى المنهجى، والصون الواقعى للتراث، وإشراك المجتمع المحلى فى حماية الذاكرة الثقافية.

■ ما أوجه التشابه والاختلاف بين التجربتين المصرية والإماراتية فى توثيق وصون التراث الشعبى؟ وهل يمكن الحديث عن «مدرسة عربية موحدة» فى هذا المجال؟

- أوجه التشابه واضحة فى البدايات، فغالبًا ما تكون الانطلاقة متماثلة، سواء فى مصر أو الإمارات، من حيث الرغبة فى الحفاظ على التراث ونقله للأجيال المقبلة. التجربة الإماراتية استفادت كثيرًا من التجربة المصرية، سواء من حيث الخبرات، أو من خلال الاستعانة بالباحثين والمتخصصين المصريين.

أما عن فكرة وجود «مدرسة عربية موحدة»، فهناك جهود حالية لإيجاد أرضية عربية مشتركة للتعاون بين الدول، بحيث يمكن للخبرات الرسمية أن تتلاقى وتضع معايير موحدة فى صون التراث الشعبى. هذه الجهود تهدف إلى تطوير تجربة عربية نموذجية تجمع بين الأصالة والكفاءة العلمية فى حماية الموروث الثقافى.

■ فى ظل التحولات الرقمية والتغيرات الاجتماعية المتسارعة، ما أخطر التحديات التى تواجه التراث الشعبى العربى اليوم؟ وكيف يتعامل معهد الشارقة للتراث مع هذه التحديات؟

- أحد أبرز التحديات اليوم هو التزوير الرقمى، خاصة مع التطورات فى «الذكاء الاصطناعى»، التى قد تسمح بتزييف الصوت والصورة، أو إعادة إنتاج عناصر تراثية بشكل غير أصيل، مثل محاكاة تجربة «السيرة الهلالية» فى أماكن أخرى غير مصر.

هذا التسارع التكنولوجى يشكل تهديدًا كبيرًا للتراث، لذلك يعمل معهد الشارقة للتراث على تطوير آليات التوثيق العلمى الرقمى، واعتماد أساليب مبتكرة لحماية التراث، مع الحرص على التحقق من أصالة المواد التراثية قبل نشرها أو استخدامها فى أى مشاريع بحثية.

■ كيف يمكن للمؤسسات البحثية والجمعيات الأهلية المعنية بالمأثورات الشعبية أن تجذب الأجيال الجديدة للاهتمام بالتراث، دون أن يتحول إلى مادة متحفية جامدة؟

- هناك العديد من الأساليب الحديثة لجذب الشباب، مثل استخدام الواقع المعزز، والتراث التفاعلى، والألعاب التعليمية الرقمية، التى تجعل الموروث الشعبى حيًا وقابلًا للتفاعل. كما يمكن إشراك الجيل الجديد نفسه فى عرض التراث بطريقة مبتكرة، وإتاحة المجال لهم لتقديمه بأسلوبهم الخاص، ما يحول التراث من مجرد مادة جامدة إلى تجربة حية تعكس روح المجتمع وتستوعب متطلبات العصر.

■ من واقع خبرتكم، ما الرسالة الأهم التى يجب أن ترفعها احتفالية اليوبيل الذهبى للجمعية اليوم إلى صناع القرار الثقافى فى العالم العربى؟

- الاحتفال بيوبيل الجمعية الذهبى يمثل رسالة قوية تقول: «نحن هنا، والجمعية موجودة بطاقمها وخبراتها، ومستعدة لدعم كل الجمعيات الوليدة والمبادرات الرسمية». كما أن الاحتفال يعكس مدى قدرة الجمعية على استعراض إمكاناتها وخبراتها، ويؤكد استعداد الجمعيات الأهلية للتعاون مع المؤسسات الرسمية، بما يضمن صون التراث وتعزيزه فى المنطقة العربية.

■ متى شعرتم لأول مرة بأن التراث لم يعد مجرد مجال دراسة، بل أصبح جزءًا من هويتكم الشخصية ومساركم الإنسانى؟

- منذ بداياتى الأولى، شعرت بأن التراث عنصر أساسى فى تكوين الشخصية العربية، فهو يشكل الدرع الحامية لهويتنا. أحيانًا قد يكون من الصعب منافسة الغرب فى كثير من المجالات العلمية، لكن التراث يمنحنا القوة للحفاظ على هويتنا، والتأكيد على أصالتنا، والتميز بطرقنا الخاصة دون الانبهار بالآخر.

■ فى رحلتكم الطويلة مع التراث، ما أكثر لحظة شعرتم فيها بأنكم تؤدون «واجبًا أخلاقيًا» تجاه الناس والتاريخ، وليس مجرد عمل مهنى؟

- كنت دائمًا أشعر بذلك عندما أُتيحت لى فرص كبيرة للابتعاد عن التراث والانشغال بأعمال أخرى، لكن داخلى كان يدفعنى للاستمرار، لأننى كنت أعلم أن جهودنا فى حفظ التراث ستثمر يومًا ما.

واليوم، بعد أن وصل المعهد إلى مستوى متقدم يضم أكثر من 1000 موظف، مع مراكز ومكاتب دولية وإصدارات متعددة، أشعر بأن هذا العمل أصبح واجبًا أخلاقيًا بامتياز، وليس مجرد نشاط مهنى. وكان الدعم المستمر من الحكومة الإماراتية، وخاصة اهتمام وثقة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمى، محفزًا كبيرًا لاستكمال هذه المسيرة، وتحقيق أهداف صون التراث على الصعيدين المحلى والعربى.