الفهلوة والتخصص
أدرك المصريون القدماء منذ آلاف السنين أن الحضارة إنما هى نظام وتخصص، لذلك فالمهندس اينونو أوكل إليه الملك خوفو بناء الهرم الأكبر، ولم يقم هو ببنائه، لأنه غير مخصص فى علوم العمارة والبناء والحضارات الكبرى التى عرفتها البشرية عبر تاريخها وحتى الآن قامت جميعها على مبدأ النظام والتخصص.
البلدان المعاصرة التى تراجعت حضاريًا، من أهم سمات تخلفها غياب النظام وانتفاء التخصص، أو بالأحرى هيمنة الفوضى على تفاصيل الحياة، والعمل بأسلوب الفهلوة طوال الوقت، والمصريون عمومًا يحبذون الفهلوة فى معظم الأحيان، وأسباب ذلك كثيرة ومتراكمة، وربما ارتفاع نسبة الذكاء بينهم من أهم هذه الأسباب، وهم عمومًا يلجأون إلى إيجاد حلول لكل مشاكلهم اليومية، استنادًا إلى فكرة أنهم يعرفون كل شىء، وقادرون على فعل كل شىء، وباتت الفهلوة أسلوب حياة. أتأمل ذلك وأنا أستعيد ما حدث فى جائزة ساويرس فى دورتها الأخيرة، حيث خرج أحد الشعراء المحكمين فى الجائزة ليلقن كُتاب القصة القصيرة درسًا فى كيفية كتابة هذا الموضوع الأدبى وخصائصه، والأمر كان غريبًا فعلًا ومضحكًا ومثيرًا للسخرية أيضًا، لكنه يستحق التأمل فى مُحكمى هذه الجائزة واختيارهم واختيار مُحكمى الجوائز الأدبية عمومًا بالمنطقة العربية بأسرها، ففى معظم الجوائز هذه تكون هناك اعتبارات عديدة لا علاقة لها بالتخصص تنضب محكمين لهذه الجوائز، وهذا فى مرات كثيرة، نجد صحفيين، وباحثين سياسيين وغيرهم يحكمون فى مجال القصة القصيرة والروايات، وبالنسبة لجائزة ساويرس على وجه التحديد فتاريخ التحكيم فيها عجيب غريب ومثير للسخرية حقًا، ولم تكن السابقة الأولى فى ذلك، هى أن شاعرًا يحكم فى مجال القصة القصيرة، فالتحكيم فيها عادة لبن سمك تمر هندى، وقائم على علاقات شلل وسط البلد من المثقفين، أو شلل الساحل الشمالى فى الصيف، فما معنى أن يحكم أستاذ جامعى تخصصه وثائق ومكتبات فى الرواية أو القصة؟ إنها الفهلوة وعدم احترام التخصص؟ هل يجوز أن يحكم مهندس ميكانيكا فى جائزة معمارية، رغم أن الموضوع يتعلق بالهندسة، إن السؤال ينطبق على ذلك الشاعر الذى يُحكم فى القصة القصيرة.
الفهلوة كمنهج مجتمعى لا تقود إلا إلى مزيد من التخلف والتراجع الحضارى، وربما نعود مرة أخرى إلى التعليم وبرامجه وطرق تدريسه، وهو ما يُكرس الفهلوة ولا يحترم التخصص، وينتج فى النهاية حتى مثقفين يستندون إلى الفهلوة كمنهج حياة وأسلوب لمواجهة المشاكل، وإن هذه والله لمصيبة كبرى ابتليت مصر بها.







