راوية عبدالعظيم
تحتاج صناعة نشر الكتب الورقية فى مصر إلى ثقافة وخيال وشجاعة، إضافة إلى ميل للمغامرة والمخاطرة، إذ إن دورة رأس المال فى هذه الصناعة بطيئة ولا يترتب عليها مردود ربحى سريع، مقارنة ببعض الأنشطة الاقتصادية الأخرى، لذلك فهناك دور نشر تنجح وتبقى مستمرة فى مجال الأعمال هذا، بينما توجد دور نشر أخرى سرعان ما تخبو وتختفى مثل النيران، علينا القول إن ثمة موهبة فى هذا المجال، فبعض الناشرين لديه حس فطرى بالكتاب وصناعته، ومدى نجاحه، أى درجة احتياج القارئ لهذا الكتاب، ولعل أوضح مثال على ذلك، كان الحاج محمد مدبولى، رحمة الله عليه، فرغم أنه كان أميًا لا يقرأ ولا يكتب، إلا أنه جمع الحسنيين، أى الموهبة والشجاعة وكذلك القدرة على إدارة أموال النشر.
وإذا ما ذكرنا الشجاعة والمغامرة فى النشر، فلا بد أن نتذكر الأستاذة الراحلة المرحومة راوية عبدالعظيم، فقد كانت رائدة فى مجال النشر، شديدة الشجاعة والقدرة على المواجهة، خصوصًا فى أشد أوقات النشر حرجًا وصعوبة خلال ثمانينيات القرن الماضى، حيث كانت هناك قيود شديدة على صناعة النشر، فقد غامرت هذه الناشرة فى لحظة معقدة من التاريخ المصرى، وبعد مقتل الرئيس السادات نشرت باكورة أعمال دار سينا للنشر التى أسستها، وكانت كتبًا من نوع «من قتل السادات؟» وكتاب عن خالد الإسلامبولى الغامض والقاتل للرئيس وهى كتب من وضع الأستاذ الصحفى المرموق عادل حمودة، ولم تمض إلا سنوات قليلة، إلا وكانت هذه الناشرة تطرح العديد من الكتب شديدة التصادم مع تيار الإسلام السياسى والذى كان خطابه بتلاوينه المختلفة، يعلو ويهيمن على كل الخطابات المجتمعية الأخرى، كالخطاب الناصرى والخطاب الليبرالى وجميع الخطابات الأخرى التى كانت موجودة آنذاك ومنذ ثورة يوليو ١٩٥٢.
نشرت راوية عبدالعظيم أعمال د. حسن حنفى ود. سيد القمنى والشيخ خليل عبدالكريم والمستشار العشماوى، ثم للدكتور نصر حامد أبوزيد صاحب نظرية قراءة النص المقدس كنص لغوى والذى عانى معاناة يعرفها القاصى والدانى من التيار الإسلامى السياسى والذى انتهى بالتفريق بينه وبين زوجه د. ابتهال، وكانت هذه الناشرة مقاتلة ومغامرة إلى درجة نشرها كتاب د. عبدالرحمن بدوى المعنون تاريخ الإلحاد فى الإسلام، وذلك فى أوج صعود التيار الإسلامى السياسى وتوهجه.
قامت راوية عبدالعظيم بنشر عشرات الكتب فى حقول معرفية مختلفة أخرى، وظلت تتعامل مع النشر بمنطق الشجاعة والمغامرة وإعلاء كل ما هو مستنير وخير من أعمال فكرية وعندما أسست كاتبة هذه السطور مجلة هاجر النسائية البحثية مع د. هدى الصدة، وهى مجلة اهتمت بقضايا النساء على نحو علمى جاد، قامت راوية عبدالعظيم بدعم هذه المطبوعة ونشرها، وكان ذلك يعد شجاعة ومغامرة مالية، فمن سيقرأ مجلة / كتابًا لا يتناول الأزياء والطبيخ ويكتب لها حسن حنفى ولطيفة الزيات وفريال غزول ونصر حامد أبوزيد وأمثالهم من مفكرى وكتاب الاستنارة فى زمن التكفير والتضليل.
جاءت راوية عبدالعظيم من خلفية سياسية يسارية وسجنت عام ١٩٧٢ بعد احتجاجها على مبادرة روجرز الشهيرة، ثم سافرت إلى بيروت وتزوجت لفترة أحد عناصر مجاهدى خلق الإيرانية، وهى فى الأصل سليلة عائلة الشيخ الجوهرى، أحد المشايخ الذين قاوموا حملة نابليون فى العام ١٧٩٨، وعاشت بالموسكى فى الحارة المعروفة باسمه والموجود بها جامعه حتى اليوم، وظلت راوية طوال حياتها وحتى مماتها مُشبعة بروح الحارة المصرية العريقة وابنة الشعب المنحازة لكل ما هو خير وإنسانى، رغم ما عاشته من تفاصيل حياة صعبة وغنية فى آنٍ معًا، وكانت مقاتلة فى مجال النشر وفى زمانها كانت أسطورة نشر حقيقية.
أكتب عن راوية عبدالعظيم اليوم بمناسبة وفاة الناشر محمد هاشم، رحمه الله، والذى وصفه البعض بأنه ناشر شجاع، فإنما رغبت فى تذكر تلك الشجاعة المقدامة التى عاشت وماتت فقيرة بسبب النشر الأستاذة راوية عبدالعظيم، رحمها الله.







