أحمد المريخى يكتب: شمبانيا

ثقبٌ فى الباب
نفسُ التلفاز القديم
نفسُ الفيلمِ ونفسُ الممثلِ
ورجلٌ يضحكُ كمَنْ مَلَكَ الكونَ
أخبطُ رأسى فى الحائط يأتينى الصوتُ:
«لا تجزع يا حبيبى، هذا حائط..
ما أجملَ هذا الحائط!
وهذا بحرٌ، ما أحلى ماءَ البحرِ
وهذا رأسٌ لا يخشى الحائط،
سبق له أن شَرِبَ البحر».

.. وحين مررتُ أمام دُكانكَ لمحتُ الوردةَ
نفسُ الوردةِ أراها منذ سنوات
كأنها تطلعُ كلَّ يوم،
البُرعمُ فى حُمرة الخدِّ
الندى معلَّقٌ فى انثناءةِ التوِّيج
الوريقاتُ تتنفَّسُ الشمس
نفسُ الرائحةِ، رائحةُ كلِّ يوم..
أقولُ «صباح الخير»
تتقدَّمُ خطوتين.. وترشُّ بشفتيك الهمس:
«صباح الصباح»
تنظرُنى حتى أتوارى
أنا أيضًا أنظرُكَ مِنْ «تحت لتحت»
ألمحُ وجهكَ وأنا أستديرُ مع الملف،
نفسُ الابتسامةِ.. ابتسامةُ كلِّ يوم.

.. وتضع يدك فى جيبك كمَنْ يتحسَّسُ ذاكرةً
تُخرجُ صورَ اليوم وتفردُها فوق «البَنك»،
هذى لمُحبٍّ أضناهُ الشوق
وهذى لمعوزٍ عاشَ على الحَمْد
وهذى لعجوزٍ تَتَشبَّثُ بسُلَّمِ الباصِ،
وإذ تصعدُ تجلسُ تحكى قصة ركوبها كمَنْ عبَر قناة السويس
وحطَّمَ خط بارليف!

هل هذا هو ما لديك؟
«حكاوى القهاوى» وهَذَيانُ المُشردينَ،
وتوابعُ «شمبانيا الشوارع»؟
تفتحُ فاكَ مزهوًّا بنضال باعةِ المناديلِ،
«حمادة يلعب ودينا تلعب وبابا يدفع»!
وبحكمتك تختالُ علينا..
تُباهى بشقةِ الحى القديم،
الجدرانُ الشائخةُ ونوادرُ السُلَّمَةِ المكسورةِ
وذكرياتُ الراديو!
مثلُكَ الآن يملكُ سيارةَ دفعٍ رُباعى
ويسكنُ فيلا فى «الرحاب»
أو على الأقل «دوبليكس فى كومباوند»..
تضحكُ..!
يجرحُكَ الشرُّ ومثل الأطفال تعالجُ جُرحك، «الدمعُ سلام»
«يا برودك يا أخى»، تتبخترُ بالشاى
وتُبهجُك نتانة الترمس على كورنيش القاهرة
ثُمَّ تُغرِّدُ فى الحارة ممنونًا: «يا حلو صبَّحْ يا حلو طُلْ»
أهكذا هى السعادة؟!


