صنايعى تمثيل.. باسم سمرة الذى جمع بين المليجى وزكى رستم
- «ممثل صنايعى» حقيقى يفصل الشخصية على مقاس روحه
- يجسد كل المعانى والمشاعر بفطرته لا بالخبرة ولا بالتعليم
- باسم سمرة يمتلك قدرة نادرة على تشكيل ملامح وجهه كما يشاء
مسيرة باسم سمرة غريبة واستثنائية، فالرجل الذى كان لسنوات طويلة واحدًا من أهم وجوه سينما يوسف شاهين ويسرى نصر الله ومحمد خان التى تخاصم العوام، صار فجأة نجمًا شعبيًا يردد الناس عباراته فى الشارع وعلى مواقع التواصل، وكأن هؤلاء العوام والجماهير العريضة اكتشفته للتو.
والحقيقة أن هذه المفارقة نادرة، وفى حالة باسم سمرة تبدو واضحة كالشمس، لأنه لم يسلك الطريق التقليدى للنجومية، بل عبر طريقًا وعرًا بدأ من أماكن بعيدة جدًا عن الكاميرات.
فلا هو جاء من المعاهد الفنية أو المسارح، ولا جاء من السينما، فلا علاقة له بها من قريب أو بعيد، هو مجرد مدرس صنايع هاوى تمثيل، ابن طبقة شعبية، تشكل وعيه فى أماكن قاسية ومفتوحة على الحياة بكل تناقضاتها.

فـ«باسم»، نعم، ولد فى الدقهلية عام ١٩٧١، لكن حياته كلها تشكلت عند سفح الهرم، فى نزلة السمان ونزلة البطران، هناك، حيث تمر الدنيا كلها فى شارع واحد، سائح أجنبى، وصاحب حنطور، ومرشد سياحى، ونصابين وخرتية ومسجلين، وعامل بسيط، وتاجر خيل.
وفى هذا العالم الشعبى، تعلّم سمرة أهم درس فى التمثيل: أن يقرأ البشر.. قبل أن يمثلهم.
وربما هذا ما يميزه.. إنه يجسد كل المعانى والمشاعر بفطرته، لا بالخبرة ولا بالتعليم.
ربما لأنه تعلم فى هذه البيئة أشياء لا تُدرس فى معاهد التمثيل.
ويؤكد هو ما أحاول أن أقوله، فقد أشار فى لقاء تليفزيونى إلى أنه يجيد قراءة وجوه الناس البسطاء، يقرأ التعب فى عيونهم، ويلتقط حركة الجسد قبل الكلام، ويفهم الذى يجلس أمامه من نبرة صوته حتى قبل أن ينظر إلى عينيه.
وربما لهذا السبب وأكثر، حين وقف أمام الكاميرا لاحقًا، لم يكن فى حاجة إلى دراسة أو إصقال موهبة، أو افتعال.
التحق باسم سمرة بكلية التربية، قسم التعليم الصناعى، ثم عمل مدرسًا للرسم الصناعى فى إحدى مدارس الجيزة.
قد تبدو هذه المعلومة عابرة، لكنها فى الحقيقة مفتاح لفهم شخصيته، فالرسم الصناعى علم قائم على الدقة والانضباط وفهم العلاقات بين الخطوط والزوايا.
ولهذا، حين بدأ يمثل، كان يتعامل مع الشخصية كأنها رسم هندسى معقد، يفككها أولًا، ثم يعيد تركيبها أمام الكاميرا.
هذا ما أشار إليه «سمرة» فى إجابته ردًا عن سؤال مذيعة، سألته: «ما علاقة التمثيل بالتعليم الصناعى؟».
وما لا يعرفه كثيرون أن باسم سمرة، عمل نقاشًا وفى المقاولات، فهو ابن الشارع ومدرسة الحياة، ومنها استمد الكثير من التفاصيل كيف يتكلم وكيف يغضب وكيف يصمت؟، ولهذا يتعجب كثيرون، كيف لباسم أن يجسد شخصية الرجل البسيط وتصدقه؟ وكذلك الشرير وتخافه؟، حتى الكوميديا يجيدها وكأنه كوميديان بارع.
وقد نشرت على صفحتى الشخصية منشورًا تكلمت فيه بالتفصيل عن هذه النقطة، وهى أن باسم سمرة يتمتع بوجه، يستطيع أن يخرج منه ملاكًا أو شيطانًا أو أى وجه إنسانى يريده فى اللحظة نفسها.
ورغم أن ملامحه حادة وقاسية فى ظاهرها، فإن هذا الوجه تحديدًا هو سر لعبته الكبرى. إنه الوجه الذى يجمع بين الخشونة والمرونة فى آنٍ واحد، الوجه الذى يذكّرنا مباشرة بجينات مدرسة كاملة فى التمثيل المصرى، مدرسة العمالقة مثل زكى رستم ومحمود المليجى، تلك المدرسة التى كانت ملامح أصحابها توحى بالقسوة، بينما كانت عيونهم تفتح أبوابًا أخرى من الإحساس والإنسانية.
باسم سمرة يمتلك قدرة نادرة على تشكيل ملامح وجهه كما يشاء. تراه فى لحظة ذلك الرجل القاسى الذى يؤذى ببرود أعصاب، ثم لا يلبث أن يتحول فى لحظة أخرى إلى إنسان بسيط ساذج دهسته الحياة دون رحمة. والمفارقة أن التحولين يخرجان بالقدر نفسه من الصدق، بحيث يشعر المشاهد بأنه أمام إنسان حقيقى لا أمام ممثل يؤدى دورًا.

وهذه المنطقة تحديدًا، منطقة التحول بين القسوة والإنسانية، يشترك فيها معه من أبناء جيله ممثل موهوب آخر هو طارق لطفى، الذى يمتلك بدوره تلك القدرة على الانتقال المفاجئ بين الحالات النفسية المتناقضة.
لكن إذا عدنا إلى جذور هذه المدرسة سنجد أن السر الأكبر فيها يعود إلى ما كان يملكه زكى رستم تحديدًا، ذلك الثبات الانفعالى الذى كان يصنع الرعب قبل أن تنطق الشخصية بكلمة واحدة.
لم يكن رستم يحتاج إلى صراخ أو مبالغة فى الأداء، بل كانت نظرة واحدة منه كافية لتخلق حول الشخصية هالة من الهيبة والخطر، وهذا تحديدًا ما التقطه باسم سمرة بذكاء فطرى. فهو لا يعتمد على الصوت العالى ليبدو قويًا، بل على حضور داخلى هادئ.
نظرة واحدة منه قد تختصر تاريخ الشخصية كله، وتجعل المشاهد يشعر بثقلها قبل أن تتحرك.
وفى الوقت نفسه يحمل سمرة شيئًا واضحًا من ميراث محمود المليجى، الممثل الذى جعل الجمهور يحبه رغم أدوار الشر نظرًا لصدقه الفنى!
وباسم سمرة يسير فى الاتجاه نفسه، يجعلك تكره ما تفعله الشخصية، لكنك تحترم صدق الممثل الذى يجسدها.
ولكى نفهم مدى اتساع أدواته يكفى أن نتأمله فى مسلسل «ذات» وهو يجسد شخصية عبدالمجيد، الرجل البسيط الذى يركض خلف لقمة عيشه بقلب طيب وسذاجة صادقة.
ثم نقارن ذلك بأدواره التى يقدم فيها البلطجة فى أكثر صورها عنفًا، أو حتى بأدواره الكوميدية كما فى فيلم «تيتة رهيبة».
عندها ندرك أننا أمام ممثل «صنايعى» حقيقى، يفصل الشخصية على مقاس روحه.
إنه ممثل يعمل بالغريزة أكثر مما يعمل بالحسابات التقنية.
وفى رأيى هذه الغريزة، كانت سببًا كافيًا فى بداية التسعينيات لاكتشافه من قبل يوسف شاهين ليمنحه فرصة الظهور فى فيلم «القاهرة منورة بأهلها».
ولم يكن ذلك مجرد دور صغير، بل كان دخولًا مباشرًا إلى مدرسة سينمائية محترفة وصارمة لا تعترف بأنصاف الموهوبين.

شاهين رأى فى باسم سمرة ما كان يبحث عنه دائمًا، وجهًا مصريًا حقيقيًا.
ومن هنا بدأ الطريق الحقيقى. انتقل باسم سمرة إلى العمل مع يسرى نصر الله، أحد أبرز تلاميذ شاهين، وشارك فى أفلام أسست لما يمكن تسميته بالسينما الواقعية الجديدة فى مصر، مثل «مرسيدس».
فى تلك المرحلة لم يكن نجمًا جماهيريًا، لكنه كان ممثلًا يحظى باحترام النقاد وصناع السينما.
فى فيلم «المدينة» تحديدًا قدم واحدًا من أهم أدواره، حيث جسد شخصية شاب يحلم بالتمثيل ويجد نفسه فى عالم قاسٍ بعيدًا عن أحلامه، كان الأداء فى هذا الفيلم كاشفًا لطبيعته كممثل يعتمد على السليقة أكثر من الحسابات التقنية.
وهذه الطريقة تمنحه صدقًا نادرًا أمام الكاميرا، لكنها فى الوقت نفسه تحمل بعض المخاطر.
فالسليقة قد تدفع أحيانًا إلى اندفاع زائد، أو إلى تداخل الكلمات فى مخارج الألفاظ. وهو ما ألاحظه فى أغلب أعماله فى بعض المشاهد، بعض الحروف تطير ونفسه غير منتظم، ربما لأنه لم يتعلم ولا ابن مسرح كما قلنا.
لكن كثيرين يرون أن هذه العيوب نفسها هى جزء من واقعيته، لأن الناس فى الحياة الحقيقية لا يتحدثون بلغة مسرحية منضبطة.
وفى رأيى جزء كبير من جماهيرية باسم سمرة وحب الناس له، يرجع لشخصيته خارج الشاشة، فشخصيته مثيرة للإعجاب.
فهو معروف بجرأته وصراحته التى تصل أحيانًا إلى حد الصدام.
لا يحب المجاملات، ولا يؤمن بفكرة النجوم الأقل منه موهبة، ولذلك دخل فى خلافات علنية مع بعض نجوم الصف الأول، معبرًا عن رأيه دون مواربة.
البعض يرى فى هذه الجرأة تهورًا، لكن آخرون يرونها طبيعته وفطرته، فهو يتحدث بالطريقة نفسها التى عاش بها طوال حياته.

ورغم هذه الصورة الصاخبة، فإن حياته الشخصية تبدو مختلفة تمامًا.
فهو رجل شديد المحافظة على أسرته، متزوج من ابنة عمه، ولديه ابنتان يحرص على إبعادهما عن الأضواء. يرفض ظهورهما فى الإعلام، ويقول دائمًا إنه رجل شرقى يغار على بيته.
وحين يبتعد عن التصوير يهرب غالبًا إلى مكان آخر تمامًا: مزرعته فى نزلة السمان. ويرفض طلب ابنتيه وأسرته أن يعيش فى الأماكن الجديدة مثل الشيخ زايد، والكومباوندات، ويقول: «هنا حياتى، هعيش وأموت هنا».
وفى رأيى هذا ما يجعله محتفظًا بشىء من التوازن رغم كل ما مر به. فالرجل الذى عرف العمل اليدوى والتدريس والمقاولات قبل التمثيل لا يمكن أن يبتلع بسهولة وهم النجومية.
وفى السنوات الأخيرة حدث تحول لافت فى مسيرته...
بدأ هذا التحول بمسلسل «العتاولة»، وتحول إلى ظاهرة، وانتشرت عباراته بين الناس بسرعة مدهشة، وهذا العام كان التحول جبارًا وإثباتًا أنه فنان نادر جدًا بدوره فى مسلسل «عين سحرية»، وأنه واحد من أهم ممثلى جيله.





