الإثنين 20 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

نصف محمد الغزالى الآخر.. «ثلاثية التجديد».. الفكر الدينى خارج المساحات الآمنة

حرف

يظل الشيخ محمد الغزالى لغزًا محيرًا بالنسبة لىّ، وربما لكثيرين غيرى. 

حياته الممتدة من العام ١٩١٧ إلى العام ١٩٩٦ شهدت كثيرًا من التحولات التى لم تكن حادة ولكنها ملحوظة، ومن هنا تتداخل لدىّ ملامح الدهشة بأمارات الإعجاب. 

كان واحدًا من علماء الدين الذين أحببتهم، وشعرت بإنسانيتهم فى مدرسة الدعوة إلى الإسلام الذى يتصالح مع الحياة، بحثت فى حياته مبكرًا جدًا، وراق لى أن أكتب منذ سنوات بعيدة، عن حبه للموسيقى، بل نشرت له صورة تاهت ضمن ما تاه من أوراقى وهو جالس إلى البيانو إلى جوار أحد أبنائه، لم يكن يعزف، بل كان يستمتع بصوت الموسيقى. 

يومها- وكان هذا منذ ما يزيد على أكثر من عشرين عامًا- جاءتنى طالبة جامعية، تلوم علىّ ما فعلت.

قالت لى باحتجاج ظاهر: كيف تقول إن الشيخ محمد الغزالى كان يحب الميوزيك؟

نطقتها هكذا ومضت، لتضعنى فى حيرة، فالبنت عصرية فى ملابسها وفى حديثها، ولم تكن محجبة، فما الذى يضيرها ما إذا كان الشيخ محمد الغزالى يحب الميوزيك أو يكرهها؟ 

أدركت وقتها حجم الجريمة التى ارتُكبت فى حق أجيال كثيرة بفعل دعايات جماعات الإسلام السياسى وفى قلبهم السلفيون، فقد شوهوا الوعى الدينى، حرموا ما أحل الله، وضيقوا على الناس فى الحلال، وما هذه الفتاة إلا دليلًا على هذه الجريمة. 

لم أتوقف عند الفتاة الصغيرة، وبدأت رحلتى لاستكشاف الشيخ محمد الغزالى. 

هالنى أنه رغم الرحابة التى كان يتحرك بها وعليها، إلا أننى وجدته صادمًا عندما وقف أمام المحكمة فى قضية المفكر الكبير الشهيد فرج فودة، ليقول للقاضى إنه يجوز للأفراد أن يقيموا الحدود المعطلة، وإن كان فى هذا افتئات على حق السلطة، إلا أنه لا يستوجب العقوبة... وكأنه كان بذلك يبارك قتل مفكر اختلف معه أو اختلف معه غيره. 

وتحيرت فى أمره عندما وجدته ينقض انقضاض الأسد الغاضب على مفكر عظيم فى حجم وقامة الدكتور نصر حامد أبوزيد، ويشارك مع من كفّروه وحكموا بالتفرقة بينه وبين زوجته، لأنه لا ينبغى لامرأة مسلمة أن تكون على ذمة رجل كافر، وتوقفت عند وصفه الذى ألصقه به فى أحد مقالاته عندما قال عنه «كويفر».. تصغيرًا من شأنه وتحقيرًا لمقامه، فنصر عنده ليس «كافرًا» ولكنه مجرد «كويفر». 

وفى أوراقه كانت لا تزال أصداء تصديه لرواية «أولاد حارتنا» للأديب العظيم نجيب محفوظ- وكتابته تقريرًا ضدها كان سببًا فى عدم طباعتها فى مصر- تتردد فى كل وأى حديث يتناول سيرة محفوظ وما حدث له بعد محاولة اغتياله. 

حاولت أن أفهم هذه الازدواجية فى حياة الشيخ، فهو محب للحياة، لكنه ضد الإبداع ويحاصر الاجتهاد، وما كان له أن يفعل ذلك، فحتى لو كان اجتهاد الآخرين يخالف ما استقر عليه، فلا شىء يجعله يكفّر ويبارك القتل ويقف خلف المصادرة. 

تاريخ الشيخ يمكن أن يضع أيدينا على سر هذه الازدواجية. 

لقد بدأ حياته إخوانيًا، دخل الجماعة على يد مؤسسها حسن البنا وهو فى السنة الثالثة فى كلية أصول الدين بجامعة الأزهر فى العام ١٩٤٠، لكنه تركها بعد سنوات قليلة بعد خلاف مع مرشدها الثانى حسن الهضيبى، وقرر أن يكون مستقلًا فى أفكاره بعيدًا عن الجماعة التى كانت قد تركت ظلالها عليه بالفعل. 

لن أخوض هنا فى تفاصيل الخلاف بين الغزالى ورجال الجماعة، فالخلافات بينهم لم تكن لوجه الله أبدًا، ولكن كانت تغلبها وتغالبها المصالح الشخصية والعقد النفسية وأوهام الزعامة وضلالات القرب المزعوم من الله، ولكنى سأثبت هنا ما قاله عن سبب رحيله عن الجماعة وكشفه لها. 

يقول الشيخ فى كتابه «من معالم الحق فى كفاحنا الإسلامى الحديث»: «عندما شرع قانون السمع والطاعة لم يفترض فى الأطراف التى تمثله إلا قيادة راشدة تنطق بالحكمة وتصدع بالحق وتأمر بالخير، ثم جنودًا يلبون النداء ويمنعون العوائق ويتممون الخطة، أما الطاعة العمياء لا لشىء إلا لأن القائد أمر، وأمره واجب الإنفاذ فذلك منكر كبير وجهالة فاحشة لا يقرها شرع ولا عقل». 

لا ألوم على محمد الغزالى تحبيذه مبدأ السمع والطاعة بشروط، ويحسب له أنه كشف زيف مبدأ الجماعة، فقد أضاف إلى ما قاله: الثقة فى أهل الدين تغرس حسن الظن فيما يأتون ويذرون، وتجعل المرء يتلقى توجيههم بالقبول الحسن، فهو ينزل عنده مطمئنًا إلى أنه يطيع فى المعروف. 

ينزل الغزالى بالفكرة النظرية إلى أرض الواقع. 

يقول: لا يمكن أن نلوم إنسانًا على نقاوة صدره وليونة طبعه، ولكن المؤمن لا يأذن لأحد أن يستغل هذه الصفات النبيلة فيه ليجعل منه شخصًا طائش القياد ضرير العين والقلب وفساد الأديان الأولى جاء بعد طراوة الأتباع فى أيدى رؤسائهم وتحولهم مع مبدأ السمع والطاعة إلى أذناب مسيرة لا فكر لها ولا رأى. 

يقترب الغزالى من الصورة أكثر، فالذين يحسبون أنفسهم جماعة المسلمين يرون مخالفة قائدهم ضربًا من مخالفة الله ورسوله، وطريقًا ممهدة إلى النار وبئس القرار. 

ويتحسر الإخوانى السابق، فيقول: يعز علىّ أن يلعب بالإسلام وأبنائه بهذه الطريقة السمجة، وأن تتجدد سياسة الخوارج مرة أخرى فيلعن أهل الإيمان ويترك أهل الطغيان، وذلك باسم أن القائد وبطانته هم وحدهم أولو الأمر، وأن لهم حق السمع والطاعة؟ وأن الخارج عليهم يصدق فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «من رأى من أميره شيئًا فكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرًا فيموت إلا مات ميتة جاهلية»، وقوله: «من خلع يدًا من طاعة لقى الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس فى عنقه بيعة مات ميتة جاهلية». 

يواصل الغزالى كشف الزيف فيقول: هذه الأحاديث وأمثالها وردت فى منع الفتوى الجسيمة التى يحدثها الشاغبون على الدولة، الخارجون على الأحكام، بيد أن تعليم هذا الجنون كان أسلوب تربية وتجميع عند بعض الناس، أن يقال إن الولاء للقيادة يكفر السيئات، وإن الخروج على الجماعة يمحق الفضائل. 

يستنكر الغزالى على من يذهبون فى هذا الاتجاه مسلكهم. 

ويسأل: أى إسلام هذا؟

ومَن من علماء الأولين والآخرين أفتى بهذا اللغو؟

وكيف تلبسون الدين هذا الزى المنكر؟ 

فقد تغلغل هذا الضلال فى نفوس الناشئة حتى سأل بعضهم: هل يظن المسلم نفسه مسلمًا بعدما خرج من صفوف الجماعة؟ ولنفرض أن رئيس الجماعة هو أمير المؤمنين وأن له حقوق الخليفة الأعظم، فهل هذا يؤتيه على أتباعه حق الطاعة العمياء؟ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤت هذا الحق، ففى بيعة النساء قال الله له: «ولا يعصينك فى معروف». 

ثم تأتى الخاتمة عندما يقول الغزالى: غاية ما أبغى أن أشرح قانون السمع والطاعة، وأن أمنع الكهان والدجالين من الاحتيال به على ناشئة قليلة الفقه فى الإسلام. 

وحتى لا يترك الغزالى الأمر مطلقًا، فإنه يشير صراحة إلى الجماعة الضالة. 

يقول: إن قيادة الإخوان حريصة على الأوضاع الغامضة، والقرارات المريبة الجائرة، وهى مسئولة أمام الله ثم أمام الناس عن مشاعر الحيرة والبلبلة التى تغمر قلوب الإخوان فى كل مكان، ثم هى كذلك مسئولة من قبل ومن بعد عن الخسائر التى أصابت الحركة الإسلامية فى هذا العصر، وعن التهم الشنيعة التى توجه للإسلام من خصومه المتربصين، فقد صورته على أنه نزوات فرد متحكم، كما صورت هيئة الإخوان المسلمين وكأنها حزب من الأحزاب المنحلة تسودها الدسائس وتُسيرها الأهواء. 

نذر محمد الغزالى نفسه بعد ذلك إلى الدعوة، يمكن أن تلحظ عنده تعصبًا هنا أو تزمتًا هناك، لكن هذا كان من رواسب الماضى فيما يبدو، لكنه بمجمل ما قدمه لا يمكن أن نتجاهل جهوده فى التفكير والاجتهاد، ولا يمكن أن ننقص من حقه شيئًا فى تصحيحه لعقيدة الجماعات التى انتهجت العنف فى الثمانينيات والتسعينيات، وهو ما أغضب كهان الدين عليه، للدرجة التى تجرأ عليه البعض وأعلنوا كفره الصريح... لكنه لم يكن يعبء بشىء من هذا أبدًا.

يحتل الشيخ الغزالى، رغم ما تركه لدىّ من توتر، مكان ومكانة واحد من المفكرين الكبار الذين هزوا عروش الجمود والتخلف والانحطاط الحضارى. 

فى سنواته الأخيرة، تحول محمد الغزالى من عمامة محافظة إلى عمامة مشاغبة من خلال ثلاثة كتب مهمة، هذه الكتب على أهميتها إلا أنها لا تحظى بالاهتمام الواجب رغم أنها أثارت الزوابع من حول الشيخ، وجعلته فى مرمى السهام، وإن كان الأهم من ذلك أن ما فيها حاضر فى معركتنا ضد جنرالات التطرف وقادة الإرهاب، ومن الواجب علينا وضعها تحت الضوء من جديد. 

الكتب الثلاثة:

-السُّنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث.. عن نعى الموتى والحديث معهم وشهادة المرأة وأحاديث الآحاد.. وأشياء أخرى

-قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة.. كيف رد الشيخ الغزالى الاعتبار لآراء قاسم أمين؟

-السُّنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث.. لا يكون الإنسان سلفيًا بعمامة على رأس متحجر