السُّنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث.. لا يكون الإنسان سلفيًا بعمامة على رأس متحجر
- أهل القرآن خانوه خيانة فاجرة واتخذوه مهجورًا
- الأمة شغلت نفسها بمباحث نظرية شاحبة وقضايا جزئية محقورة وانقسامات ظاهرها الدين وباطنها الهوى
- يجب محاربة الغش الثقافى والانحراف الفكرى اللذين أبعدا الأمة الإسلامية عن كتاب ربها وسُنة نبيها
الكتاب الثالث لمحمد الغزالى هو «تراثنا الفكرى فى ميزان الشرع والعقل»، وصدر فى العام 1991.
خطا الغزالى هنا خطوة كبيرة فى كشف عوراتنا، إنه يدين الجميع.
يقول فى تقديمه لطرحه: أمة هى خمس العالم من ناحية التعداد، تبحث عنها فى حقول المعرفة فلا تجدها، فى ساحات الإنتاج فلا تحسها، فى نماذج الخلق الزاكى والتعاون المؤثر والحريات المصونة والعدالة اليانعة فتعود صفر اليدين.

ويسأل الغزالى: بماذا شغلت الأمة نفسها؟
ويجيب: بمباحث نظرية شاحبة، وقضايا جزئية محقورة، وانقسامات ظاهرها الدين وباطنها الهوى، واستغرقها هذا كله، فلم تعطِ عزائم الدين شيئًا من جهدها الحار، وشعورها الصادق، فكانت الثمرات المرة أن صرنا حضاريًا وخلقيًا واجتماعيًا آخر أهل الأرض فى سلم الارتقاء البشرى، حكومات إقطاعية، وجماهير تبحث عن الطعام، وفن يدور فى اللذة وطرقها، ومتدينون مشتغلون بالقمامات الفكرية وحدها كأنما تخصصوا فى التفاهات، أما العالم المتقدم فهو يعبد نفسه، ويسعى لجعل الشعوب المتخلفة وأولها المسلمون عبيدًا له، وأرضهم مصادر للخامات التى يحتاج إليها أو الأتباع الذين يستهلكون ما يصنع، ثم هناك بعيدًا عن الأعين بنو إسرائيل يمكرون ليقيموا الهيكل، أو جماعة الكرادلة والكهان الذين يعملون لإقامة مملكة الرب تمهيدًا لنزول المسيح له المجد.

يرصد الغزالى حال المسلمين لحظة تأليفه لكتابه، وهى لحظة أمسكت بما جرى فى حرب الخليج بعد غزو صدام حسين للكويت فى العام ١٩٩٠.
يقول: الجيوش التى جاءت إنما فعلت ذلك لتحمى موارد النفط- الذى هو شريان الحياة الصناعية- وتستبقى ضخها لمصالح شتى، آخرها مصلحة أصحاب البلاد، ففى الحياة يكثر أن يختلط النفع والضر، والإثم والبر، وعلى أولى الألباب أن يتريثوا طويلًا فى معالجتهم لبعض المشكلات.
وفى غضب يقول الغزالى: إن للنفط العربى قصة تبعث على الأسى والسخط، فإن مناجم هذا المعدن كثرت فى بلادنا، بيد أننا كنا مشغولين عنها بشئون أخرى جعلتنا نسرح بقطعان الضأن والماعز فوق هذه المناجم، دون فكر فى استثارتها أو ارتفاقها، إن الذى كشف هذه المعادن هم «الخواجات» أما نحن فكنا نتنازع: هل حديث التوسل صحيح أم ضعيف؟ هل كرامات الأولياء حق أم وهم، هل الحكم لبنى هاشم أم لأسر أخرى؟
وفى اعتراف صريح يقول الغزالى: إن أهل القرآن خانوه خيانة فاجرة، واتخذوه مهجورًا، فى الوقت الذى أنسوا فيه بباطل من القول، وسخف من الجدل، وغرقوا فى غيبوبة عجيبة من المباحث التى ما عرفها السلف، ولو عرفها ما أفلح أبدًا، ولا افتتح قطرًا، ولا أنشأ حضارة.
بحث الغزالى يتحول إلى تساؤلات ملحة وضرورية.
يتساءل أولًا: عندما قام الأوروبيون بتصنيع النفط وتلوين مشتقاته، ثم صنعوا الناقلات العملاقة فحملته إلى أرضهم، أعطونا ثمن السلعة التى ابتدعوها.. فماذا صنعنا بهذا الثمن؟
ويجيب: ذهب أقله فى خيرنا، وذهب أكثره فى ضرنا، ولن أتحدث عن مخزاة السرف فى مواطن الشهوات، ولا المجازفات المجنونة بمال الله فى إرضاء الشيطان، ولا الأرصدة التى تعمر بنوك أوروبا وأمريكا، وتجمدها حلًا لها، فالحديث مهين لأمتنا.
ويعود ليسأل مرة أخرى عن سر هذه المحنة من الجذور؟ ما الذى جرنا إلى هذا القاع السحيق فجعلنا نأخذ ولا نعطى، وجعلنا نتحرك فى موضعنا أو إلى الخلف، وجعل بيننا وبين كتابنا بُعد المشرقين؟
يجيب الغزالى هذه المرة بالأسباب التى دفعته ليكتب كتابه عن تراثنا الفكرى.
يقول: إن هذا الكتاب محاسبة نفسية لموقفنا فى الحاضر والماضى، ولن يصلح لنا مستقبل إلا إذا دققنا فى هذا الحساب، ووضعنا أيدينا على أسباب العوج، وكل محاولة لاقتحام المستقبل بفكر عصور الانحطاط لن تزيدنا إلا خبالًا.

ويقول- وهذا هو الأهم-: كنت أقرأ أسماء الأسلحة الحديثة فأشعر بهول ما بلغه القوم من قوة، هذه صواريخ جو جو، وجو أرض، وأرض جو، وهذه طائرات قاذفة، وتلك مقاتلة، وهذه سبتية، وهذه مزودة بمدافع للهجوم، وهذه تفلت من شباك الرادار، أما المقذوفات من شتى الأسلحة ففنون وجنون، هذه فخاخ ألغام، قلت: ما أروع ما أعد هؤلاء لنصرة معتقداتهم وقيمهم، فهل أعد المسلمون شيئًا من هذا فى بلادهم بتفوقهم الصناعى ومهاراتهم الخاصة؟
ويجيب الغزالى عن سؤاله: كلا.. اللهم إلا ما نشتريه منهم فيبيعون لنا ما يستغنون عنه، ثم يمدوننا بذخائره بين الحين والحين، وما أعرف فشلًا فى نصرة الدين والشرف والأرض والعرض أقبح من هذا الفشل.
ويسأل من جديد: ما الذى شغلنا عن مثل هذا الإنتاج؟
ويجيب: بالجدل المحموم فى غيبيات نهينا عن التقعر فيها بتجسيم الخلاف الفقهى، وإيقاد الشرر منه، مع علمنا القاطع بأن وجهات النظر كلها مأجورة من الله سبحانه، ولا لوم على مخطئ إن عرف خطأه، بالانصراف عن شئون الدنيا مع نسيان حقيقى لخالق الدنيا والآخرة، إنه انصراف بلادة وغباء، وليس تجردًا لتقوى، ولا ترفعًا عن شهوة.
ثم يسأل الشيخ: هل يشعر المسلمون بأن لهم رسالة كبرى تزحم البر والبحر وتشغل العالمين؟
ويجيب: ما أخالهم يشعرون، إنهم يعيشون فى زوايا متواضعة متقاصرة من الأرض، ينظرون إلى التقدم الحضارى بعيون ناعسة، وينظر العالم إليهم نظرة استهانة، ربما أعطاهم شيئًا من العون المادى الذى يسألون، وربما تصدق عليهم بشىء من العون الأدبى الذى إليه يرنون.
ويضيف: إننى أجزم بأن فلسفة الكون فى القرآن الكريم بعيدة جدًا عن أفهام قرائه، وأن جمهرة المسلمين لا تسمع من هدير الآيات شيئًا طائلًا، فهم «كمثل الذى ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء»، لقد قرأت قوله تعالى «الله الذى خلق السموات والأرض، وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم، وسخر لكم الفلك لتجرى فى البحر بأمره، وسخر لكم الأنهار، وسخر لكم الشمس والقمر دائبين، وسخر لكم الليل والنهار»، إن ضمير الجمع للمخاطب تكرر خمس مرات فى هذه الكلمات، كأن الله يقول للسامعين: هذا كله لكم.. لكم أنتم.. لكم وحدكم، والسامعون هنا هم أبناء آدم جميعًا، أهل الأرض كلهم، كما قال فى موضع آخر «خلق لكم ما فى الأرض جميعًا»، وقال «هو الذى خلق لكم الأرض ذلولًا».
وهو يتأمل فى هذه الآيات ويفكر فيها، سأل الغزالى نفسه: هل العرب والمسلمون من بين جمهور المخاطبين؟ هل الكلام يتناولهم مع سائر الناس؟ أم هم مستثنون من الناس؟
ويجيب: إنهم غرباء بين الأرض والسماء، حتى الفلاحة وهى حرفة بدائية أجادها غيرهم، وأكثر ثمارها، وهم يحرزون أرغفتهم بشق الأنفس، وقد صور غيرهم الخيرات فى باطن الأرض، وشرع يستخرج السائل والجامد من معادنها، ونحن ننظر دهشين، وبعض شطارنا يفتى بأن التصوير حرام، وقد سالت فوق ثبج البحار بوارج ومدمرات وشقت أعماقها غواصات تحمل الردى، وناقلات نفط عملاقة وغير عملاقة، ما صنع من هذا كله فى موانينا الجميلة، إننا نرمقها معجبين بعد أن يتم غيرنا صنعها.

ويتساءل الغزالى: أين نحن من دنيا الناس، وأين نحن من ديننا؟ هل ننصفه أو نشرفه بهذا التخلف السحيق، بل هل نستطيع حمايته يوم تسكر القوة أصحابها-وما أكثر سكراتها- فيتحركون للنيل منا والإجهاز على بقيتنا؟
ويجيب: إن المسلمين أقرب إلى الموت منهم إلى الحياة، وقد تهز بعضهم غرائز الدنيا فيصيح ويسعى، لكنه لا يفعل شيئًا، ولا يبلغ هدفًا، لأنه ما استفاد من النعمة التى يسرها الله له، أعنى أنه ما استفاد من الوحى الذى أغناه عن التجارب ومهد له سبيل الكمال، وعلمه كيف يؤدى حق الله، وكيف يحتفظ بحق نفسه.
رأى الغزالى يومًا إحدى الصور التى أرسلتها مركبة فضاء، ورأى الشمس والأرض نقطًا ضئيلة فى بحر الظلام الذى يسود الملكوت، فسبح بحمد ربه، وتضاءل فى ذاته، وأحس بأن قيوم السماوات والأرض صاحب ملك لا يبلى على امتداد الأزل والأبد، فما لا نبصر أضعاف أضعاف ما نبصر من هذا العالم الضخم الفخم، وشعر بأن الجديد الذى انطبع فى نفسه صورة طبق الأصل للقديم الذى رسمه الوحى فى عقله وقلبه.
يقول الغزالى: القرآن علمنى هذا من قبل، لكن هل يعلم الناس هذا؟ ومن يعلمهم وأهل القرآن نيام عنه، مشغولون بكلام خفيف الوزن «ولو أنهم آمنوا وأتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون»، فهل نعود مرة أخرى لتدبر كتابنا وبناء الحياة وفق دلالته؟
ويرصد الغزالى أنه فى عصور مضت ربما كانت المسافة بين العلم بالإسلام والعمل له لا تتجاوز أشبارًا أو أذرعًا، أما فى الآونة الأخيرة فإن المسافة تبلغ أميالًا طويلة، وهو لا يتحدث هنا عن سياسة الحكم والمال، وإنما يتحدث عن الأخلاق والتقاليد والقدرات المطلوبة لإحسان أى عمل وإدارة أى جهاز.
يقول: إننى رأيت أيامًا يؤدى العمال فيها ما عليهم دون أن يشعروا بأى حق لهم، لعلهم كانوا يطبقون الحديث المعروف «أدوا الذى عليكم وسلوا الله الذى لكم»، وهذا الحديث يأبى الظلم، ولكنه يحرس المجتمع من عواقب التفريط والإضراب عن العمل، ثم جاء بعد ذلك جيل من العمال والفلاحين يطالبون بحقوق ليست لهم، وقلما يؤدون عملًا أو يكملونه أو يتقنونه.
ويضيف الغزالى: وكثيرًا ما أنظر فى أحوالنا فأرى الفوضى التى تسبق النظام فى أغلب الإدارات، وأرى أجهزة ضخمة وثمرات تافهة، وأرى نسيانًا متعمدًا لقوله تعالى «لا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا فى الأرض بعد إصلاحها»، وقلما رأيت الجودة فى صناعاتنا، أو شارات الإحسان والتجويد فى إنتاجنا، وقد يكثر المال فى أيد لا تعرف قدره، فيزداد الإقبال على المخدرات والبحث عن المتالف، وربما نظرت إلى فئات فى المجتمع فتذكرت المثل الذى يقول فى عبدالسوء: إذا جاع سرق وإذا شبع زنى.
يقف محمد الغزالى عند علة الدعاة إلى الإسلام.
يقول: بعض الأمراض الخبيثة تظهر لها أعراض على سطح الجلد، فيظن المعالج القاصر أن هذه البثور سطحية ويشتغل بمداواتها على هذا الأساس، وسيقضى عمره دون أن يصل إلى شىء، ومن المشتغلين بالدعوة من لا تعدو عينه هذا السطح، والأمر أخطر مما يتوهمون، وسيأتيهم أجلهم وهم فى أماكنهم لا ينقصون ذرة من علل أمتنا.
يضعنا الغزالى فى قلب فكرة كتابه من جديد، فقد تعاون مع أولى الألباب لتشخيص العلة وتحديد الدواء، باحثًا فى الحاضر والماضى، مستقرئًا ما يظهر وما يخفى، فكان هذا الكتاب الذى تدور فكرته حول المسار الفكرى فى تراثنا.

من بين ما جاء فى الكتاب ويؤكد فلسفة الغزالى وهدفه ما كتبه تحت عنوان «من عجائب دنيا المسلمين».
يقول: أليس عجيبًا أن تكلف أمة ببناء إيمانها على دراسة الكون، ومع ذلك تحيا محجوبة عن الكون ونواميسه وأسراره وقواه؟
أهذه هى استجابتها لقول الله «إن فى خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب، الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، ويتفكرون فى خلق السماوات والأرض، ربنا ما خلقت هذا باطلًا».
لو كانت أمتنا تكاسلت واستنامت تعيش على ظهر الأرض وحدها، لكان وزر تخلفها على رأسها، تعانى منه فى شئونها قلت أو كثرت، لكن أمتنا فى سباق مع أمم أخرى لا تنام، أمم لا رسالة لها، أو لها رسالة مادية محددة قوامها الباطل والهوى، ومع ذلك فإن المبطلين يسابقون الريح نشاطًا وعزيمة، ونحن ممثلى الحق جاثمون على الثرى، ننظر ببرود أو بلاهة إلى الآخرين، ولا نعى من رسالتنا شيئًا ذا بال.
الآدمية فى ديننا علم عجزت عنه الملائكة، وظفر به آدم وحده، فاستحق الخلافة فى الأرض، والآدمية فى حياتنا طعام وسفاد، وتحاسد وتفاخر، أى هى الحيوانية الهابطة.
الآخرون سيروا الأقمار الصناعية، وأرسلوا مركبات الفضاء تزودههم بمزيد من المعرفة، وفى الوغى لهم أظافر تخنق وتذبح وتصعق وتفعل المنكر بعدوها، أما نحن فقد نتودد لهم مشترين من أسواقهم، أو متزدوين من غنائمهم، أو مستعيرين من أسلحتهم ما نحتاج إلى تعلمه منهم قبل أن نحسن استخدامه.
أنا ما أشك فى أن هناك عطبًا أو كسرًا أو تلفًا فى كياننا الفكرى والنفسى، جعلنا فى هذا الوضع المهين، وما نصح أبدًا إلا بذهاب هذه العاهات، وعندئذ نصنع كما يصنعون.
لقد كان لتعمق الأوروبيين فى العلوم الكونية أثره فى انفتاح أبواب الغنى عليهم، إن القوى والأسرار التى اكتشفوها كانت لخزائن السماوات والأرض، فلا غرابة فى ارتفاع مستوى معيشتهم، ولا غرابة فى اتساع دائرة الرفاه والتنعم لديهم، إنهم استثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمرها غيرهم، فخدمهم الرطب واليابس والسائل والجامد والحديد والذهب والتراب والهواء، وتوشك أن تأخذ الأرض زخرفها، وتزدان إلى خادم طيع لأطماع الإنسان.. أى إنسان.
وما أشك فى أن المسلمين يحملون من التناقض وزرًا كبيرًا، فهم ما تذوقوا الحق الذى اصطفاهم الله له، ولا حملوه إلى الناس كى ينفعوهم به، ونشأ عن ذلك أن جماهير المسلمين فقيرة كسيرة الجانب والثراء الذى ناله بعضهم عارية من الاتصال بالأجانب والعمل لهم أو معهم، ونشأ عن هذا أيضًا أن أممًا كثيفة العدد تذلها الديون التى أخذتها وتكاد تنقض ظهرها، ومع الديون ربا مضاعف، ومعهما جميعًا لا دين ولا دنيا إلا ما يظفر به الأذناب من فضلات الأرباب.
فى اقتحام جرىء يتحدث محمد الغزالى عن خطورة الجهل بالآخرين، ويعتبر أنه من الأخطاء التاريخية التى أساءت إلينا طويلًا هو جهلنا بغيرنا، وقصورنا عن إدراك أحوالهم العامة، وقد يكون هذا الغير خصمًا ضاغنًا أو عدوًا مزعجًا، وأكثر الغارات التى قوضت بنيانا الحضارى كانت تشبه الزلازل المباغتة التى لا يعرف لها وقت أو تتخذ لها أهبة، وقد سقطت لنا عواصم وضاعت من دار الإسلام أقطار والمسلمون فى غفلات أول الليل.
ويقدم الغزالى من وجهة نظره خارطة طريق للخروج من هذا الوضع المتأزم، وهو عبارة عن جهاز ذو نشاط مزدوج.
النشاط الأول يقوم على الأسس الآتية:
أولًا: سبر الارتقاء الثقافى والإحاطة بالآماد التى بلغها غيرنا حتى نعرف من نخاطب؟ وماذا نقول؟
ثانيًا: إدراك المستوى العمرانى والصناعى والحضارى الذى يسود العالم من حولنا، فإن من الهزل أن تعرض الإسلام أمم متخلفة، ينظر إليها غيرها شذرًا، ولا تستطيع أن تساند حقها بدعائم مادية أو علمية.
ثالثًا: دراسة التيارات السياسية والقوى العسكرية التى حظى بها غير المسلمين، وتقدير ما نقدمه للأديان والمذاهب الأخرى من دعم، وووضع ذلك تحت أنظار المسئولين.
أما النشاط الثانى فهو داخلى يقوم بما يأتى:
أولًا: محاربة الغش الثقافى والانحراف الفكرى اللذين أبعدا الأمة الإسلامية عن كتاب ربها وسُنة نبيها، وجعلاها صورة مشوهة للدين الحق، وأعجزها عن نصرته.
ثانيًا: إعادة بناء الأمة الإسلامية على أساس أن الوحى حياة، وأن دراسة الكون أهم ينابيع الإيمان، وأن حسن استغلاله سلاح اقتصادى وعسكرى خطير.
ثالثًا: كرر القرآن فى أربعة مواضع السمات الأولى لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وهى تلاوة آيات الله على أنها منهاج العمل، وتربية الأمة على الأخلاق المتينة والتقاليد الظاهرة- وهذه هى التزكية التى لا نكاد نعى منها شيئًا طائلًا- وتعلم الكتاب والحكمة.
رابعًا: غربلة التراث الإسلامى الذى آل إلينا فى هذه العصر لاستبقاء ما يوافق الكتاب والسُنة واستبعاد ما عداه، ونحن أصحاب وحى معصوم، وفى تاريخنا العلمى قمم وأئمة، قد تختلف أفهامهم فى الفروع الثانوية ولكنهم قلما يختلفون فى الأصول والغايات، ومن الممكن جمع شتات العالم الإسلامى مع صدق النية وسعة الأفق.
ما يشير إلى أن الشيخ محمد الغزالى تغير كثيرًا هو مناقشته لما قاله توفيق الحكيم عندما سُئل: هل يمكن لدولة عصرية الاعتماد على الإسلام نظامًا للحكم؟
أجاب الحكيم: ممكن ولكن لا بد من تفسيرات جديدة للإسلام تتفق والمفاهيم العصرية، فمن المؤسف تبنى البعض تفسيرات القرون الوسطى للنصوص الدينية.
فى موضع آخر كان الغزالى سيكفر توفيق الحكيم وينهال عليه سبًا وشتمًا بطريقته، لكنه هنا يتعامل بهدوء شديد، يقول: فى هذا الكلام تخليط ظاهر، فالمطلوب هو تفسير الإسلام التفسير الصحيح، وعندما تعرف حقائق الإسلام فإنها ستكون الدواء الناجع والتقويم الصحيح للأعصار كلها قديمها وحديثها.
ويشتبك الغزالى مع لويس عوض، يقول: تدبر- أيها القارئ الكريم- ما نقوله لك، وتدبر معه قول الدكتور لويس عوض عندما سئل: هل يحافظ الإسلام حتى يومنا هذا على شمول دعوته؟
قال: كلا.. وإذا كان الإسلام قد استطاع التغلب على بيزنطة قديمًا، فلأنه كان دينًا علمانيًا، أكثر من المسيحية فى القرن السابع، وكان معنيًا بالأمور الحيوية عنايته بالنواحى الروحية، على حين كان البيزنطيون لا يهتمون إلا بشئون الآخرة.
ثم قال: ويبدو أن ما تحلم به الجماعات الإسلامية المعاصرة هو إسلام بيزنطى.
ويقول الغزالى: هذا الكلام على ما فيه من تشويش، صائب فى جوانب عديدة، إن أشرف ما تزين به العلمانية دعواها هو تطلعها إلى إنسانية سليمة تنمو مواهبها فى جو ضاح من الحريات المصونة، تحرسها عدالة اجتماعية وسياسية ممتدة، وينعم فيها الرجال والنساء، والصغار والكبار بحقوق لا يعكرها افتئات طبقى أو عرقى، وينفتح فيها على الحياة، فيستغلون قوى الكون باقتدار مادى وعلمى، إن حضارتنا الأولى كفلت هذا كله وضمت إليه أمرًا آخر لا تعرفه الحضارة المعاصرة هو الإيمان بالله والتزام هداه، والإعداد للقائه، والشعور بأن هذه الحياة الدنيا جسر إلى ما بعدها من خلود، ذاك تاريخ سلفنا العظيم، بيد أن الخلوف التى ورثت هذه الحضارة أشبهت أجيال اليهود والنصارى بعد ما قست قلوبهم وخمد فكرهم، ولا يكون الإنسان سلفيًا بعمامة على رأس متحجر، وفكر طفولى، ولا تكون المرأة سلفية بنقاب يشوه ملامح الإنسانية ويطمسها، قبل أن يستر ملامح الوجه وسيمًا كان أو دميمًا.
ويعود الغزالى مرة أخرى إلى توفيق الحكيم ليعتمد على كلامه من جديد.
يقول: المفاهيم العصرية التى يتمناها توفيق الحكيم هى حقائق الإسلام الذى جاء به الوحى قبل أن يتجرأ عليه أدعياء السلفية، ويقدموه للناس شرابًا مرًا يورث المرض والتخلف والهزائم، والواقع أن أعداء الإسلام يفتحون الأبواب للسلفية الحديثة، حتى إذا أدرك الناس فحواها ثارت على الإسلام ثائرتهم، وقرروا الابتعاد عنه، وفضلوا عليه كل نحلة أخرى.

وبرؤية ناضجة ينحاز محمد الغزالى إلى إعادة كتابة التاريخ، حيث هناك بواعث ملحة على إعادة كتابة التاريخ الإسلامى حتى القرن الخامس عشر للهجرة، يتعاون فيها جملة من العلماء الثقات والمحققين المهرة.
يقول: المآخذ كثيرة على السرد التاريخى الشائع بيننا، وهى مآخذ تجعل هذا التاريخ لا يخدم الشخصية الإسلامية، ولا يحقق المنافع المرجوة منه تربويًا وسياسيًا، وأول ما نلاحظه أنه من ناحية الكم ناقص، فالمسلمون خمس العالم تقريبًا، وقد دخلت فى دين الله أجناس شتى، فمع العرب الترك والفرس والأكراد والهنود والزنوج، وأجيال من الصين والمغول والإندونسيين والماليزيين، وهى أجناس تنتشر بين المحيط الهادى والهندى والأطلسى، ثم هناك جماعات غفيرة فى طول أوروبا وعرضها، وأخرى فى الأمريكتين، والتاريخ الذى يدرس هو لجماعة محدودة من المسلمين تسكن ما يسمى الآن الشرق الأوسط يهتم فيه العرب بأنفسهم فقط.
ويضيف: وإذا كان التاريخ الشائع الآن منقوصًا من ناحية الكم، فهو منقوص كذلك من ناحية الكيف، فعلى سبيل المثال ولا يزال التلامذة فى المدارس يقرؤون أن بغداد عاصمة الخلافة العباسية سقطت فى أيدى التتار وحدهم، وأن هذا الجنس الفوضوى أغار على قاعدة الإسلام بدوافعه الخاصة، وما يدرسه التلاميذ غلط كبير، والأوروبيون يدرسون ما وقع فى دار الإسلام على أنه غارة مغولية صليبية، قام فيها التتار بالدور الذى تقرر عليهم، وقام الصليبون بدور مماثل.
ويحدد الغزالى غايته فيقول: أحسب أنه لا بد من إعادة كتابة التاريخ على نحو سليم، نبدأ كتابة ما تجاوزناه، ونعيد تصحيح ما غلطنا فيه.







