الثلاثاء 21 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

زد وألفا.. زيارة إلى جيل صنعه البلوجر والشاشة

حرف

- مصطلح «ADHD» يتم تداوله بفخر وكبرياء وعزة وكأن من يعانى هذا المرض كمن أنعم الله عليه

- هذا الجيل يستقى كل معلوماته وتوجهاته وغرائزه ودينه من الشاشة والبلوجر

«الثقافة والعلم أساسا الحضارة والاستقلال» مقولة خالدة لعميد الأدب العربى الدكتور طه حسين فى مستهل كتابه «مستقبل الثقافة فى مصر»، فإذا كنت بلا استقلال فكيف ترغب فى الثقافة وإذا كنت بلا حضارة فكيف ترغب فى العلم، ولكن: هذا السؤال يبدو منطقيًا قبل ميلاد الثورة التكنولوجية العالمية وظهور الإنترنت وصولًا إلى الخوارزميات الحاكمة للعالم.

يبدو هذا السؤال منطقيًا قبل ظهور العولمة فى أعقاب الانتهاء من الحرب العالمية الثانية وتوحشها فى ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضى، فلم يعد للحضارات تأثر يذكر الآن وفكرة الاستقلال لم تعد ذات جدوى والثقافة والعلم أصبحا نسبيين الآن.

فى ظل عدة متغيرات فى ملفات عدة مثل متغير القيم فى الروابط الاجتماعية ومتغير التعليم فى المدارس متنوعة الهوية، ومتغير السلوك فى مفهوم الأسرة الحديثة، ومتغير الشراهة الاستهلاكية فى الاقتصاديات الشرقية، والعديد من المتغيرات يمكن أن نُجملها جميعًا فى تغير سلم القيم الاجتماعية، وبمعنى آخر إعادة ترتيب أولويات القيم.

نشأت عن ذلك فجوة عميقة بين الأجيال المتعاقبة وبعضها، فجوة كبيرة يصعب رأبها دون مواجهة صريحة وحقيقية، الاختلاف بين الأجيال أمر طبيعى ومنطقى كما يوجد اختلاف بين موديلات السيارات، فكل عام أو كل عِقد تجد اختلافًا فى التكنولوجيا والماكينات لكن لا تجد اختلافًا فى قوانين المرور إلا من تعديلات تفرض التزامًا أكثر على قائد السيارة والطرق والقائمين عليها.

كانت الأجيال جميعها سابقًا تتبع خطوط الموضة العالمية الخاصة بكل المنتجات، إيمانًا بأن الموضة هى شخصية هذا الجيل، فنجد جيلًا يرتدى الملابس الضيقة وآخر يرتدى الملابس الفضفاضة، تقليد الأفلام الأمريكية أمر لا مفر منه فى كل العصور، من منا لم يقلد نجمه المفضل أو نجمته المفضلة، كل هذا منطقى، لكن غير المنطقى هو أن ينشأ جيل على تقليد خوارزميات، والخوارزميات فقط.

كنت قد تعرضت- فى ندوة سابقة- لتعريف الوطن بالنسبة لجيل زد ومن بعده ألفا، وهنا كانت الفجوة الكبرى أن الوطن بالنسبة لهم هو الجهاز اللوحى اللاصق فى يده وعينيه آناء الليل وأطراف النهار، الكابل الفايبر هو حبله السُُرى، الشاشة هى منزله ومسجده وكنيسته ومساحة الخروج والتنزه مع الآخرين، هذا الجيل يتنزه بكل حب وعفوية فى الفجوة العميقة أو الثقب الأسود الذى بينه وبين الجيل السابق جيل الآباء، والكارثة الأكبر أنه فى ظل التغيرات وتعديل الأولويات الذى طرأ على الكون كله أصبحت التربية الحديثة عنوانًا للتحضر والتمدن والأرستقراطية، أصبحنا اليوم نرى التربية الحديثة جدًا جدًا جدًا، الحديثة كليًا، وهى اللا تربية، نعم يكتفى الأهالى اليوم بالمشاهدة فقط، دون رقابة أو توجيه أو تعديل أو حتى نقاش يحتوى على اختلاف فى الرأى، وتزداد المسافة بين الأجيال وتبتلع الجيل أكثر فأكثر، بل من أجل أن تهرب من التربية تهب له الهاتف طوال اليوم حتى تتخلص من رسالتك!

أطلت عليكم كطول المسافة بين الجيلين ولكن ما آل إليه الحال اليوم أن جيل زد يتخذ من الخوارزميات إلهًا جديدًا! نعم فهو منساق وفق معطيات الترند، ينساق خلف من لا يعلم من هو، أقصى معرفة له تكون اسم البلوجر المفضل لأنه هو المرجع له فى كل اختياراته، هذا الجيل هم فئران تجارب للفضاء الرقمى، حتى إنهم اليوم يفتخرون بأنهم مرضىَ لفرط الحركة وتشتت الانتباه، تخيل!.

ألاحظ منذ قرابة العام أن مصطلح «ADHD» «تشتت الانتباه وفرط الحركة» يتم تداوله بفخر وكبرياء وعزة، وكأن من يعانى هذا المرض كمن أنعم الله عليه، كمن مسه مس شيطانى أو أصابه برق فى ليلة ممطرة جعلت منه أعجوبة هذا الجيل ذى الإمكانات الخارقة، حتى ظننت أنى مهمل فى حق نفسى فى البحث حول هذا المرض ولماذا لم يصبنى الله به لأكون متميزًا كما ميز به الآخرين الذين استفاقوا وقرروا أنهم يعانون تشتت الانتباه وفرط الحركة.

ماهو  الـ «ADHD»

هو اضطراب سلوكى يتميز بعدم الانتباه «عدم القدرة على التركيز»، وفرط النشاط «النشاط الحركى المفرط»، والاندفاع «التصرف بناءً على نزوة أو على ما يبدو دون تفكير».

يؤثر اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه على الأفراد فى العديد من مجالات الحياة مثل العمل والعلاقات الشخصية والأداء اليومى العام. يمكن أن يؤدى اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه إلى ضعف احترام الذات والأداء الاجتماعى فى مرحلة البلوغ، مما يؤدى إلى زيادة الحساسية تجاه النقد.

يعد الأداء غير المنتظم فى العمل، والفشل فى تحقيق الأهداف وتسليم الأعمال فى المواعيد النهائية، والشعور المزمن بالإحباط أو الذنب أو اللوم، مؤشرات شائعة على اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، ويشير بعض الأبحاث إلى أن له سبب بيولوجى، حيث انخفاض مستويات الدوبامين، وهى مادة كيميائية فى الدماغ مسئولة عن الشعور بالسعادة والمكافأة، لدى الأفراد المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه.

يلعب الدوبامين دورًا مهمًا فى تنظيم الاستجابات العاطفية وبدء العمل على أى مهمة لتحقيق نتائج محددة، تُظهر كذلك دراسات تصوير الدماغ أن التمثيل الغذائى الدماغى للأفراد المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه يكون أقل فى مناطق الدماغ التى تتحكم فى الانتباه والحركة، وأبحاث أخرى تُرجع أن «نقص الانتباه وفرط النشاط» لا يعد مرضًا، ولكنه اضطراب فى هرمونات المخ، واضطراب فى طريقة توصيل أجزاء المخ للمعلومات، واضطراب فى التعامل.

وتظهر ملامح التشتت وعدم الانتباه فى عدم الاهتمام بالتفاصيل والوقوع فى الكثير من الأخطاء بسبب الإهمال، وصعوبة كبيرة فى الحفاظ على التركيز والانتباه، لا يبدو وكأنه يستمع لمن يتحدث معه وسهولة التشتت بأى مؤثرات خارجية علاوة على صعوبة فى اتباع التعليمات والتوجيهات خاصة المعقد منها أو المتسلسلة مصحوبة بصعوبة فى الترتيب والتنظيم والحفاظ عليهما قد تصل إلى تجنب المهام التى تتطلب جهدًا عقليًا وتركيزًا مستمرين، علاوة على فقدان الأدوات بسهولة ونسيان الأنشطة والمهام اليومية والتنقل من نشاط أو مهمة إلى أخرى دون إنجاز أى منهما.

ولكن...

ليس هذا ما أتحدث عنه، لا أتحدث عن المرض السريرى، نحن بصدد مرض خوارزمى، وهو موضة التميز بمرض، كنا قد تحدثنا فى مقال سابق بعنوان «فئران تجارب» عن التجارب الطبية وغيرها تحولت إلى تجارب افتراضية.. الأمر لا يكلف الشركات سوى أن يقوم بلوجر على منصة التيك توك بتسييل لعابك نحو ما قبض من أجله الثمن سواء كان الترويج لمرض أو دواء، يجرى البلوجر عليك تجارب افتراضية تصب فى مصلحة الممول سواء شركة أدوية أو مطعم أو سوبر ماركت أو فرايد تشيكن، تجارب تجارية بحتة، فلم يعد اليوم مجال لهيئات البحث العلمى، التجارب العملية الافتراضية هى الأكثر انتشارًا وربحية.

جيل زد وألفا

«إن أسلحتنا هى الإرباك العقلى وتضارب المشاعر وإشاعة الذعر وإثارة التردد وعدم استطاعة خصومنا الخروج بقرار حاسم» هيرمنان روشسنج. 

لا أرغب فى أن أحمّل هذا الجيل المزيد من الأعباء التى لا يعلم عنها شيئًا، فلا يصح أن نتحدث معه عن الهوية والفلسفة والقيم المؤسسة للكون، صعب أن يفهم منك معانى مثل الوطن والأمن القومى والاستراتيجيات، فلم يتحدث إليهم البلوجر عن تلك الأمور القديمة، صعب أن يفهم الآن رسالة الأب والأم فى الحياة، فالأم والأب بالنسبة لهم هم وظائف بيولوجية فقط لا تتعدى عملية الولادة ومصدر الصرف النقدى.

فهو يستقى كل معلوماته وتوجهاته وغرائزه ودينه وتذوق الأكل وتكوينه وتحضيره من الشاشة والبلوجر، فإذا كان لا بد من توجيه أحد فلا بد من توجيه الآباء والأمهات ألا يتخلوا عن أدوارهم الأساسية التى خلقنا من أجلها الله سبحانه وتعالى.

فنجد اليوم بعد مرور هذا الجيل بالحبل السُرى الفايبر وحياته داخل الوطن الافتراضى، وركوبه الدائم لقطار الترند، أنه لا شىء يميز فردًا واحدًا عن الآخر فكلهم نفس قصة الشعر ونفس لون الأظافر، ونفس الموضة ونفس ونفس ونفس... ونفس كل شىء، حتى أصبح التميز ينحصر فى المغالاة فى التقليد.

وحين تصبح المغالاة هى مرادف التميز فى اللغة الافتراضية، يصبح اللا ممكن هو الممكن بعينه، وتنهار هنا القيود وآخر حصون المبادئ والقيم، فاليوم نرى جيل زد وألفا يتباهى ويتشدق بأنه مصاب بنعمة الـ«ADHD» «فرط الحركة ونقص الانتباه» نعم يتباهى أفراد هذا المجتمع الغريب بأنهم أصحاب قدرات خارقة فى القدرة على تصوير عدم التركيز على أنه القدرة على التركيز فى أكثر من شىء!! وهنا نتساءل: ما الأشياء المتعددة التى يستطيعون تنفيذها فى وقت واحد؟!.

هى القدرة على الكتابة على الواتس آب والماسنجر والإنستجرام والتيك توك فى وقت واحد، القدرة على الحديث فى الكافيه للمجموعة كلها فى وقت واحد لأنه لا أحد يسمع الآخر من صخب الأصوات المتداخلة من مختلف الطاولات، أما الأعمال المهمة مثل البحث أو المذاكرة فهى من الأدوار الأساسية والمهام الأصيلة لتطبيقات الذكاء الاصطناعى، إنما هم! يَحيون للمتعة فقط.

يظن جيل زد وألفا أن ما يسمى فرط الحركة وضعف التركيز هو قمة التميز والتركيز والإبداع، دون شك ستظل الفروق الفردية بين الأشخاص حاضرة ولكن لا يمكن أن نبنى عليها افتراضية أن الجيل بالكامل ناجح وذكى ومبدع ومتميز، فالمعطيات التى نراها الآن والتصرفات والأنماط المتماثلة وإن صح القول النمط الموحد للجيل- لا تبشر باختلاف أو تميز أو إبداع.

وما يقال إن هذا الجيل تعرض لضغوط من الأجيال الأخرى هو غير صحيح، حتى ضغوط الحرب والأوبئة أو المجاعات هو عارٍ تمامًا من الصحة، إن ما تعرض له هذا الجيل هو ضغط رقمى فى الواقع الافتراضى الذى يحيا بداخله، داخل شرنقته الرقمية، يتعرض للتوتر لأسباب لا دخل له بها على الإطلاق ولا تمسه بخير أو بسوء، هُم يمرر لهم الأمور التى تحفز هرمونات التوتر والسعادة والجوع والخوف والأمل، تمرر لهم محفزات تتحكم فيهم وتجعلهم فى دائرة مفرغة لا خروج منها إلا مع قطع حبل الفايبر أو الكابل السرى المغذى لهم، لا خروج من هذه الدائرة إلا بعودة دور الأسرة الحقيقى وليس البيولوجى.

ماذا يحدث لو؟ تنازل كل منا عن دوره لشخص آخر؟

سيكون الشخص المتنازل له هو الأقوى والأكثر خبرة والأكثر قدرة على القيام بهذا العمل المفوض له عمله، التفويض فى الإدارة هو أمر مهم ومحمود ومن أساسيات الإدارة الناجحة، لكن التوكيل العام الرسمى للإدارة وبهذا الشكل المطلق سيكون المفوض له هو المدير وأنت يا عزيزى على مقاعد المتفرجين، تخشى أن يؤخذ برأيك فليست لديك القدرة الآن على اتخاذ القرار، وليست لديك المعطيات لاتخاذ القرار، فستظل أسيرًا لهذا المفوض المُطلق. 

تنازل كل منا عن دوره للذكاء الاصطناعى؟

سيصبح هو سيد العالم ونحن العبيد، سنصير أكثر غباءً وهو الأكثر ذكاءً، لن نعلم من نحن فهو الذى يعلم عنا أكثر، سيلتهم الطاقة المخصصة لنا ومسطحات المياه المسئولة عن حياتنا، سيصبح هو الإله ولن نقوى حتى على التفكير فى التخلص منه لأنه يقرأ تصرفاتك، يتحكم فى نمط حياتك ورغباتك وغرائزك.

سيتمكن الذكاء الاصطناعى من إنهاء وجودك حيًا حتى تفقد روحك وتفارق إلى العالم الآخر ويظل هو يعمل فى الواقع الافتراضى، سيصير هذا الجيل يعمل لدى الذكاء الاصطناعى فليس لديهم القدرة على التفرقة بين الأمور وبعضها، لقد اعتاد على التقليد والانسياق، فهو يتباهى الآن بأن تطبيق الذكاء الاصطناعى الخاص به ذكى جدًا ويفهمه جيدًا ويطيع أوامره ويساعده على عمل الأبحاث والمذاكرة ما عدا دخول الامتحان على حد علمى!

لا تهاون فى دور الأسرة الحقيقى، لا تهاون فى رسالة الأُبوة والأمومة الحقيقية، الرسالة الحقيقية ليست فى الإشراف الفوقى، رسالة الأسرة فى التوجيه والتربية الحقيقية والتعليم الحقيقى للقيم والمبادئ الأساسية وليست الترندية والغربية، الأسرة هى النواة الحية التى يرغب الخوارزميون فى اغتيالها، يقول أمل دنقل لا تصالح! 

وهنا نقول لا تتهاون! ولو منحوك الذهب..

أترى حين أفقا عينيك..

ثم أثبت جوهرتين مكانهما..

هل ترى!

هى أشياء لا تشترى