الأحد 12 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

على مقعد خلف نافذة.. جدل الذاكرة والغياب فى مجموعة حسين منصور الجديدة

حرف

- حسين منصور اعتمد استلهام الحكايات الشعبية المجموعة مسكونة بالفقد والمحبة والإخفاق الرومانتيكى

تتشكل المجموعة القصصية «على مقعد خلف نافذة» للقاص حسين منصور، والصادرة فى القاهرة «سلسلة إبداعات قصصية فى الهيئة المصرية العامة للكتاب»، من أكثر من عشرين نصًا قصصيًا، تتفاوت فيما بينها نسبيًا فى الطول، والقصر، والمساحة والكمية، وتشكل فى مجموعها متن السرد القصصى. 

لا تتأخر القصة المركزية التى تحمل المجموعة اسمها كثيرًا؛ إذ يضعها الكاتب فى صدارة المجموعة «على مقعد خلف نافذة»، بما يثيره العنوان من شواغل المكان، وظرفية الحدث القصصى. فكل شىء يقع، والسارد يتسمع الأصوات التى تأتيه من وراء ستار: «هكذا كونته المشاهدات، وبنى على أساسها مفهومه عن الحياة التى عاشها وحيدًا بعد وفاة أبويه، حياة ساكنة، خالية، إلا من صوت يأتيه كل ليلة من شباك صالة الشقة التى ورث سكناها، صوت ضحكة مثيرة حرة، وخلف هذا الشباك بالضبط كان يجلس يمارس طقسه الأثير- وللحقيقة- كان يشعر بالنشوة، واتساع العالم، ومن هذا المصدر كان ينتظر ويجد...». 

ثمة بطل وحيد إذن يجلس على مقعد خلف نافذة يتسمع ضحكة مجلجلة من امرأة يظهر صوتها مدى جمالها، فصارت سلواه فى لياليه الطويلة الحزينة، يبدو البطل تعيسًا، ومنعزلًا عن محيطه الاجتماعى، يخبره الطبيب، والدراويش أيضًا أن حياته قد دنت، فيقرر أن يظهر امتنانه للجميع، ويدفع ما عليه تجاه أى شخص وحين تأمل واقعه لم يجد نفسه مدينًا لأحد، أو لشىء، سوى لهذه الضحكة المجلجلة التى توقظ مواته الداخلى بفعل الخيال الذى يملؤه. وحينما يقرر أن يدق الباب لا يجد نفسه يعرف أحدًا. وتخرج إليه امراة تعيده إلى الكهف من جديد. وتنتهى القصة نهاية دالة ابنة التحول الدرامى المبرر، فالضحكة والصوت المحبب لم يعد يحركانه من جديد: «كان صوت الجارة ووجهها صاعقين، ود لو يضرب رأسه فى الحائط ندمًا؛ فلم يفعل، ودخل شقته، إنها إحدى صور الحقيقة التى لا يعرفها، وهو العائش فى خيالاته؛ ليالٍ طوال يجلس على كرسىٍّ خلف شباك مفتوح، يلتقط ضحكة الجارة، ويستدعيها إن هى غابت». 

يبدو الحكى سبيلًا للنجاة ومغالبة الألم فى «تعالوا أحكى لكم»، إذ ثمة رجل يتألم، يحكى لطفله المتوعك قليلًا: «أهمس بالمعوذتين فى كفى وأدلك بطنى وجنبى (يا رب) صوت بكائه أخذنى، قبضت على جنبى بيد، واستندت على الجدران بالأخرى، كان قد استيقظ (عايز بابا) كنت بجواره تمامًا، داعبت شعره، وقبلت رأسه، لم يسكت، قلت لاعبيه- يؤلمنى بكاؤه- لاعبته أمه فلم يسكت.

أمى كانت إذا شكوت ألمًا فى رأسى، أو فى بطنى تقول (معلش، هأقولك حدوته حلوة) وتضع رأسى فى حجرها، وتحكى حواديت كثيرة حتى أنسى الألم، أو أنام. قلت (ها أحكى لك حدوتة، صل على النبى، كان فيه ست صغيرة صغيرة......) نام ولم يسمع الحدوتة، آه! عدت إلى فيروز ومعزلى الخاص (يا جبل اللى بعيد خلفك حبايبنا)». 

لتترافق الحكايتان: الأصلية «حكاية الأب والابن»، والموازية «حكاية الجدة التى يستعيد الراوى حكايتها»، ويشكلان معًا متن القصة وجوهرها، ويصبح جدل الخطين السرديين: الرئيسى، والموازى، التقنية المركزية التى تنهض عليها القصة، وتكون أغانى فيروز وصلًا بين النوستالجيا المستعادة، وراهن الحكاية. 

تتشكل قصة «لم يعطها البحر ولدًا» من ١٣ مقطعًا سرديًا، وتنهض على تفعيل الأسطورة الشعبية، حيث المرأة التى نزلت البحر وهو نائم، فتدب فيها قوة هائلة!. لكن الجميع يتعامل معها بوصفها صارت جنية. يخشون منها، لتبدأ معاناة (دهبية) الشخصية المركزية فى القصة، بدءًا من عزوف الرجال عنها، رغم كونها جميلة، ووصولًا إلى عقمها، وزوجها الذى يستشعر الغربة، ويبحث عن ولد يؤنس وحدته الداخلية». ويوظف القاص حسين منصور هنا تقنية المقاطع السردية المرقمة، بدءًا من المقطع رقم واحد، إلى المقطع رقم ١٣، وتبدو الانتقالات بين المقاطع السردية جيدة، وتأتى النهاية الدراماتيكية بغياب دهبية فى البحر، ذلك الذى لم يعطها ولدًا كما تمنت: «بلا قرط ولا خلخال، جاءت، ألقت الشال، والمداس، وخطت نحو البحر هل تريدنى لك يا بحر (تدنو) هذا ما تريده، تضع قدمًا فى الماء (ماذا سأفعل إذا عدتُ وسألنى عن ولد يداعبه كبقية الخلق؟ أنت لم تره بالأمس لما حدثنى عن غربته، ووحدته، حرمتنى الرجال أعوامًا والآن تحرمنى الولد، أنت قاس يا بحر تريدنى لنفسك، أحبك وحدك، أجلس معك وحدك لماذا لم تسحرنى صنطةً أو عودَ صفصاف؟ خذنى يا بحر ) الماء إلى ركبتيها، تنزل، إلى خصرها إلى صدرها، كفّاها تملسان على وجه البحر، وشعرها تبتل أطرافه، (خذنى يا بحر، خذنى أو أعطنى ولدًا) شعرها انفرد على كتفى البحر، انزلقتْ، تركتْ نفسها بين يدى البحر الذى لم يعطها إلى الآن ولدًا». 

وتبدو سردية الريف حاضرة هنا، وبقوة، مثلما تحضر فى قصص أخرى من بينها «عروس التيل». وهى قصة تتماس مع استلهام التاريخ المصرى القديم، حيث تيمة القربان، والذى يختلف هنا، ويأخذ منحى مغايرًا للغاية، إذ يغيب البنات لخلل فى الواقع المعيش. 

حسين منصور

وتبرز سردية الريف أيضًا فى قصة «سمن وعسل»، إذ نجد الصغير الذى يذهب لشراء بقرش صاغ عسل، وقرش صاغ سمن، وبما يحيل القارئ النموذجى، إلى قصة «الحاوى سرق الطبق»، لنجيب محفوظ، حيث الولد الذى يذهب لشراء الفول، فينسى كل شىء، إذ يتفرج على الساحر، ويضيع الطبق. 

وفى «سمن وعسل»، نرى تلك النهاية الباسمة، حيث عبيط القرية الذى يأتى ليمنحه قرشين دفعة واحدة، وتمثل الخالة فى القصة الشخصية الحافزة، والتى تدفع بالموقف الدرامى الراكد إلى الأمام، حين تمنحه قرش صاغ يقرر الرهان به على البنت. غير أن اللص الكبير يضحك عليه كالعادة. لتظلل القصة حالة إخفاق مصحوبة بقسوة الواقع.

تكشف المجموعة عن أنساق العلاقات المضمرة بين الأب والابن، فى كثير من قصصها، ويبدوان «الأب/الابن» مثل وحدتين سرديتين مركزيتين، ويظهران بقوة فى قصة «من حكايا المساء»، حيث العلاقة النفسية الحميمة التى تجمع بينهما، ويرتبط بهذا المنحى الموضوعى فى القصص آلية استدعاء الطفولة بكل ما تحمله من معان ودلالات. 

وتبدو القصص التى تغرق فى التجريد، مثل قصة «حتى لا يستيقظ النيام»، رغم الإهداء التقريرى، أو التى تذهب للترميز المباشر «قصة الفرعون الأخير» الأقل جمالًا فى النصوص.

يوظف الكاتب تقنية الرسائل فى قصة «نصف أسطورة»، وتبدو الالتماعة هنا فى تلك الرسالة التى لم تصل من محب لحبيبة ستتزوج غدًا، إذ يوصى أصدقاءه أن يبعثوا بها لحبيبته بعد وفاته، تلك الحبيبة التى لم تكن تعرف بحبه لها، لتصلها الرسالة بعد عشر سنين من كتابتها: «لا أدرى أيكتب لهذه السطور أن تقرأ أم ستدفن معى إذا ما مت ولا أدرى هل ينفذ الصحاب ما وصيتهم به: أن يرسلوها إليك بعد موتى، أم يهيلون التراب على حبى لك؟

لا أدرى هل ستبكين عندما تقرأينها كما بكيت أنا حبًا لك؟ بربك لا تبكى، إنى أخشى على خديك من دمع، وأعرف أنك لو علمت بحبى ستقولين: ماذنبى؟ لم أكن أعلم، رفقًا بنفسك فقد اخترت عذابى، ولا تجرحى ورد خديك بالدموع فقط اذكرينى واذكرى عمرًا قضيته فى حبك وعشته لك.

آه..! كم رغبت أن أعلن، وأن تزلزل كلماتى الكون ولكن أنى ذلك ومن لى بالصراخ؟ فصوتى مسجون فىّ يزلزلنى، يحطمنى ولا أدرى عندما يخرج صوتى لماذا لا يسمعنى أحد؟ هل تسمعينى الآن؟

إنى أسمع همسك فى منامك، أحدثك فى أحلامى فهل خطرت لك يومًا ببالٍ؟ هل ستصدقينى؟ أم ستمزقين رسالتى ثم تتهمينى بالجنون؟ أكاذبة كانت عينى ألم تلحظى فى عينى يومًا عبرة معلقة أم كانت عينى مثل صوتى؟».

وتلوح النهاية الحلمية فى قصة «نصف أسطورة»، مثلما لاحت فى قصة «عروس النيل».

ثمة ذات مهشمة ومهمشة تلوح فى القصص الأخيرة من المجموعة.

تعتمد قصة «الرحيل فى الذاكرة»، على تفنية القصة داخل القصة، حيث ثمة نص ممتد، يعزز من جدل الغياب والذاكرة. 

وبعد.. فى مجموعة قصصية تعتمد على استلهام الحكايات الشعبية، وتنطلق من أسطورة المكان الريفى، حيث الموالد وحلقات الذكر، والدراويش، تبدو قصص حسين منصور «على مقعد خلف نافذة» مسكونة بالفقد، والمحبة، والإخفاق الرومانتيكى، والروح الباحثة عن معنى للعالم، والواقع، والأشياء.