الضحايا والمساكين.. كيف فضح محمد التابعى جماعة الإخوان؟
- محمد التابعى لم يقتنع يومًا بجماعة الإخوان المسلمين ولم يصدقها أو يثق فيها أو يتعامل معها على أنها جزء من الحركة الوطنية
- رأى التابعى مبكرًا أن الجماعة تقوم بعملية غسيل مخ لمن يسيرون خلفها حتى لا يرون إلا ما ترى هى
- محمد التابعى كشف مبكرًا أن جماعة الإخوان الإرهابية تزرع الحقد فى نفوس أعضائها ضد خصومها والمختلفين معها
- أقطاب هذه الجماعة لا يعرفون شيئًا عن أصول دينهم، وقليل منهم الذى يحفظ بعض آيات القرآن
- الإخوان قاموا باغتيال أحمد ماهر والنقراشى والخازندار وسليم زكى ونسف مبنى محكمة الاستئناف
- الإخوان يتصفون بالجبن والانحلال الخلقى والقسم كذبا بالله العظيم
تمر هذه الأيام الذكرى الـ130 على ميلاد الكاتب الصحفى الكبير محمد التابعى- من مواليد 18 مايو 1896- وخلال هذا العام تمر الذكرى الـ50 على وفاته- توفى فى 24 ديسمبر 1976- وعندما كنت أفتش فى أرشيفه الصحفى الكبير وجدت جانبًا مهمًا من جوانب عبقريته وتفرده.
فقد تقاطعت السبل بين الكاتب الكبير الذى نعتبره المؤسس الحقيقى للصحافة الساخنة فى مصر وجماعة الإخوان الإرهابية، وهى التقاطعات التى جعلت الإخوان يحملون فى أدبياتهم على التابعى كثيرًا، مصدّرين صورة مشوهة له، فهم عن قصد ألحقوا به من الصفات ما اعتقدوا أنها يمكن أن تعيبه، أو تنتقص من قدره، أو تفقده ريادته المهنية التى لا يستطيع أن يجادل فيها أحد.
لم يكن الإخوان فى أى يوم من الأيام صادقين وهم يتحدثون عن محمد التابعى، لفقّوا عنه حكايات تنال من سلوكه، وجرّدوه من كل فضيلة، وهو الأمر الذى لم ينتقص منه شيئًا بقدر ما أكد خسّتهم ونذالتهم وكذبهم الذى لا يتوقف، فقد سلك الإخوان مع التابعى مسلكهم فى تشويه مخالفيهم، ولم ينسوا له أنه كان أحد السهام التى اخترقت قلب الجماعة فمزقته.

من بين أدبيات الجماعة ما كتبه أنور الجندى عن محمد التابعى فى كتابيه «الأقلام المسمومة» و«شخصيات اختلف فيها الرأى»، وهما الكتابان اللذان أهال فيهما الجندى التراب على التابعى وكل من تعلموا على يديه.
يقول الجندى: لا ريب أن محمد التابعى هو رأس هذه المدرسة «الروزيوسفية» التى خرّجت مصطفى أمين وإحسان عبدالقدوس وهيكل، وهو الذى وضع الأسس لصحافة ساخرة خليعة تعتمد على الإثارة والجنس وتتعقب الناس لمعرفة أسرار البيوت وكشف العورات.
وحتى يؤكد أنور الجندى أن النمط الذى سلكه التابعى فى الصحافة لم ينفصل عن حياته التى عاشها فقد أورد نماذج من حياته منها:
أولًا: ينقل عن التابعى ما قاله من أنه اعتاد أن يمضى كل سنة، ستة أو سبعة أشهر أو ثمانية خارج مصر بين باريس والريفيرا وسان موريتز، وأنه شبع من كل مفاتن الحياة ولم يعد هناك جديد يستهويه، ويقول التابعى: كنت آخذ معى إلى الكباريهات على ومصطفى أمين الذى كان يأتى مرغمًا لأنه ليس له مزاج فى شىء من الحياة إلا الجرى وراء الأخبار والأحاديث، وكان الناس يطلقون عليهما الحزب الخاص للتابعى.
ثانيًا: وينقل عن التابعى ما كتبه فى مقال منشور فى جريدة «أخبار اليوم» فى ٢١ أبريل ١٩٥٦ يقول فيه: على الشاطئ الرملى البدائى الساذج خطرت الغزلان، الغوانى والغانيات يرتدين ثياب الاستحمام وأحدث أزياء الصيف التى كن اشترينها من دورفيل ونيس وكان وروما وباريس، وكانت لى عشة صغيرة على شاطئ البحر مباشرة وكانت أشبه بدار ضيافة للأصدقاء، فقد كنت أرجوهم أن يقيموا معى ليؤنسوا وحدتى، وقد رووا قصصًا مثيرة أو قصصًا غامضة، وكلهم يؤكد أن قصته حقيقية وأن حوادثها وقعت وأبطالها عاشوا.
ثالثًا: ويستشهد الجندى بما كتبه حافظ محمود عن التابعى، قال عنه: بدأ محمد التابعى من المسرح وجو المغنيات والممثلات، ثم جاءت السياسة فأداها بنفس مفهوم السخرية والبحث عما وراء حجرات النوم، وفى مجلة «روزاليوسف» استعار أسلوب النقد المسرحى وحوّله إلى نقد سياسى، وأنشأ بأسلوبه مدرسة من ناشئة الصحافة وكبر تلاميذه وتفوقوا عليه.
رابعًا: ويسجل أنور الجندى رؤية محمد التابعى لنشر الصور العارية فى الصحف، حيث ينقل عنه قوله: كان بعض أصحاب الفضيلة من رجال الدين قد أثاروا فى وقت ما ضجة حول الصور العارية التى تنشرها الصحف والمجلات، ولم يقل لنا أحد يومئذٍ هل الاعتراض مقتصر على الصور العارية لكواكب السينما الأجنبيات ومن فى حكمهن؟ أم الصور العارية لنساء وفتيات غير معروفات بالاسم واللقب والصور العارية المرسومة من الخيال؟ أم بعض صور سيدات وآنسات المجتمع المصرى كما يظهرن فى الحفلات والمآدب والليالى الساهرة التى تقام فى أندية عامة أو فى بعض الفنادق؟ ثم ما هو المقصود تمامًا وعلى وجه التحديد من كلمة الصور العارية، هل يكفى مثلًا أن تكون الصورة لسيدة قد عرّت ظهرها وصدرها ونحرها نزولًا على أحكام آخر موضة جاءتنا من باريس أو روما أو لندن، إن الأجساد العارية فى الأفلام وإعلانات الجدران خاضعة لرقابة الأفلام، ولكن لأى رقابة تخضع الأجساد العارية فى حفلات مواسم الأوبرا.
ويرصد الجندى فى دراسته المستفيضة لمحمد التابعى أثرين فى الصحافة المصرية- وهذا من وجهة نظره بالطبع:
الأثر الأول: أنه قدم الصحافة التى تنشر فاحش القول وسقطه وتغالى فى الإقذاع فى الناس والبحث وراء أسرارهم فى تعرض وتلميح، ويغمس أصحابها أقلامهم فى السموم القاتلة والتصاوير الخلاعية التى كان لها أسوأ الأثر فى قرائها الشباب المراهقين، وكان التابعى حريصًا على فضح أسرار البيوت وكشف خفاياها وأعراضها لحساب الخصومة الحزبية.
الأثر الثانى: موقفه فى التحريض على الدعاة فى سبيل الله ورجال الدعوة الإسلامية كراهية فى تطبيق الشريعة الإسلامية، وعملًا على تدمير القوى المؤمنة التى تحمل لواء الدعوة إلى تحرير الحياة الفكرية والاجتماعية من التحريض على الفساد والشهوات والصور العارية والقصص الماجنة.
لم يكن محمد التابعى بهذا السوء أبدًا، ولم تكن المدرسة الصحفية التى أسسها بكل هذه العورات التى اجتهد أنور الجندى لإلحاقها به وبتلاميذه، لكن جماعة الإخوان الإرهابية اجتهدت فى تثبيت هذه الصورة تحديدًا عنه حتى تنزع عن التابعى أى شرعية، وحتى تشكك فى أى وكل شىء يمكن أن يقوله عن الجماعة الإرهابية.
إنها الصيغة التى اصطنعتها الجماعة الإرهابية لنفسها حتى تقطع الطريق على أى ناقد لها، ولأنها تعرف أنها لن تقدر على من ينتقدونها، فقد اختارت الطريق الأسهل الذى تجيده، وهو تشويه الناقدين لها، مثل محمد التابعى وغيره، فبحيلة بسيطة يمكنها أن تتخلص مما يقولونه عنها بأن تنشر عنهم مثل هذه الترهات، حتى تفقدهم مصداقيتهم، فلا يسمع لهم أحد من أبناء الجماعة، وبذلك تنجو الإرهابية بفعلتها مهما عظمت خستها وكبرت دناءتها.

لقد تأكد لى ما أقوله هنا من شهادة إخوانى سابق، عرف الجماعة على حقيقتها فخرج عنها.
الإخوانى السابق اسمه طارق البشبيشى، كتب على حسابه الخاص على «فيسبوك»: فى بداية تعرفى على الإخوان كان الأخ المُربّى يصطحبنى فى بعض مشاويره ويتحدث معى عن مشاهير المفكرين والأدباء وكان يقول: ألا تعلم بأن طه حسين قد تنصّر فى فرنسا، وكانت مهمته المكلف بها من أعداء الإسلام هى تشكيك المسلمين فى دينهم، وتوفيق الحكيم كان ملحدًا، وكان يقول فى بعض حواراته بأنه كان يتألم عند سماع الأذان، والعقاد كان يعقد صالونه الأسبوعى أثناء صلاة الجمعة، ونجيب محفوظ خرج من ملة الإسلام بعد كتابته رواية «أولاد حارتنا»، ومن أجل ذلك منحه أعداء الإسلام جائزة نوبل.
تشويه التابعى لم يكن صدفة أبدًا، فتشويه ناقدى الإخوان منهج لدى الجماعة وفلسفة يتبعونها ويعلّمونها لبعضهم بعضًا.
ما أعرفه جيدًا أن معلمنا الأكبر محمد التابعى لم يقتنع يومًا بجماعة الإخوان المسلمين، ولم يصدقها أو يثق فيها، أو يتعامل معها على أنها جزء من الحركة الوطنية، فقد كان يدرك أنها تمثل خطرًا كبيرًا، وحتى عندما كتب عنها، وأجرى مع حسن البنا حوارات صحفية مطولة، لم يفعل ذلك أبدًا من باب الترويج لها، بل من باب استغلالها صحفيًا، فقد كان الحديث عنها سببًا فى زيادة توزيع الصحف، لما أحدثته فى مصر من جدل وصخب.
فى ٥ مارس ١٩٤٥ أجرى محمد التابعى حوارًا موسعًا مع حسن البنا، نشره على صفحات مجلته «آخر ساعة»، وكان عنوانه «شعارنا سيفان ومصحف.. والقرآن دستورنا»... ترك فيه المساحة كاملة لمؤسس الجماعة ليتحدث كما يشاء.
وقد تعجبت وأنا أتصفح مذكرات محمود عساف الذى يعرفه الإخوان بأنه مؤسس مخابرات الجماعة.
كان عساف يتحدث عن شخصية غامضة فى الإخوان اسمه محمد البنا، يقول عنه: كان محمد البنا خطاطًا يبدأ عمله بعد الساعة ١٢ ليلًا، ومتى وجد الحائط الملائم فإنه يكتب عليه «الإخوان المسلمون» بخط كبير مرة بالثلث ومرة بالفارسى ومرة بالنسخ ومرة بالرقعة الغليظ، وتحتها «دعوة الحق والقوة والحرية» بخط أصغر، غالبًا ما يكون خطًا فارسيًا أو ديوانيًا.
يمسك محمود عساف بخيط الكلام مرة أخرى، يقول: طلبته مرة وأنا مدير لشركة الإعلانات العربية لكى يعمل معى بالنهار فى كتابة الإعلانات التى كان يعدها القسم الفنى عندنا، فأجاب معتذرًا بأنه لا يستطيع أن يكتب على الورق، بل على الجدران فحسب، تلك موهبة من الله: خط جميل بغير أن يتعلم قواعد الخط العربى.

ويضيف عساف: كان للافتات التى ملأت أرجاء القاهرة، والتى كتبها محمد البنا وحده بدون مساعد، أثرها الكبير فى نفوس الجمهور، وكنا نحن الإخوان نسعد كلما مررنا على لافتة عليها لفظ «الإخوان المسلمون»... وكنت إذا أردت أن أرى محمد البنا أجده دائمًا بالقرب من باب مكتب الإمام بين المغرب والعشاء.
ترتب على هذه الحملة- كما يقول عساف- التى خططها ونفذها محمد البنا وحده، أن بدأ الناس الذين لا يدرون شيئًا عن الإخوان المسلمين يتساءلون: عم هم؟ وبدأ الناس يتوافدون على المركز العام، وبخاصة فى أيام الثلاثاء ليستمعوا إلى الحديث الأسبوعى للإمام، وجاء نصر الله والفتح ودخل الناس فى دين الله أفواجًا معاهدين ومبايعين على ألا يأتوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، تائبين من كل عمل يخالف دين الإسلام.
ما هى علاقة محمد التابعى بكل ذلك؟
يقول محمود عساف: عاصر تلك الحملة تحقيق أجراه الأستاذ محمد التابعى فى «آخر ساعة»، وكان على صفحة غلافها العنوان التالى «رهبان الليل وفرسان النهار»، ثم تحقيق صحفى يشغل صفحتين من مقاس التابلويد عن فكر الإخوان المسلمين، وفى الصباح اختفت المجلة من السوق فى ساعاتها الأولى، فأعاد التابعى طباعة المجلة للمرة الثانية، وما لبثت «روزاليوسف» أن حذت حذو «آخر ساعة» ثم «المصور»، والكل يحاول أن يكتب عن الإخوان لكى يزيد التوزيع.
لم تكن الصحافة مهتمة بجماعة الإخوان إذن من باب القناعة بما تقدمه أو ما تحمله للناس، ولكن من أجل زيادة التوزيع، وهذا باعتراف محمود عساف، ثم إن الجماعة كانت تصدر وجهها الناعم، وفى الغالب كان هذا قبل أن تكشر عن أنيابها وتلجأ إلى العنف، ولم يكن هذا إلا خطة محكمة لجأت إليها الجماعة من أجل الوصول إلى أهدافها.
قبل ثورة يوليو بشهور، وتحديدًا فى ٤ يناير ١٩٥٢، تسببت جماعة الإخوان الإرهابية فى أول حادث طائفى تشهده مصر.
فى هذا اليوم وقع ما يعرف تاريخيًا باسم «مذبحة أقباط السويس»، حيث عمدت عناصر من جماعة الإخوان الإرهابية إلى التحريض على أقباط المدينة، ونشروا شائعات وألقوا بالاتهامات عما أسموه عمالة الأقباط للمحتل الإنجليزى، وكانت حجتهم فى ذلك أنهم يشتركون معهم فى ديانة واحدة هى المسيحية.
لم يتوقف الإخوان عند هذا الحد، بل واصلوا إجرامهم بأن أشاعوا على العوام بأن الأقباط يطلقون من نوافذ الكنيسة النار ببنادق إنجليزية على المسلمين.

نجح الإخوان بهذه الشائعات فى تهييج الغوغاء، وبعد أن هيجوهم قاموا بالهجوم على أقباط المدينة وسحلوا عددًا منهم بعد قتلهم والتمثيل بالجثث وتعليق خطافات الجزارة فى أجسادهم، وبعد ذلك ذهبوا بهم إلى كنيسة السويس وألقوهم بها، ثم حرقوا الكنيسة.
وقتها قامت الدنيا ولم تقعد، وكان طبيعيًا أن تعلن الكنائس عن أنها لن تحتفل بعيد الميلاد، وذهب مصطفى النحاس باشا، رئيس الوزراء، لمقابلة البابا «يوساب الثانى» البطريرك الـ١١٥، وعرض عليه أن يدفع ٥ آلاف جنيه لبناء الكنيسة، لكن الكنيسة رفضت التعويض، وأعلنت عن أنها ستقوم بإعادة إعمارها بنفسها.
التابعى حذر من حالة التعصب والطائفية التى تنشرها جماعة الإخوان فى المجتمع
هنا يظهر محمد التابعى الذى وقف على حقيقة الجماعة، واطّلع على وجهها القبيح الذى بدا للجميع، فشن هجومًا طاغيًا وشاملًا على الحكومة التى رآها متخاذلة، وعلى جماعة الإخوان المسلمين التى أثبتت التحقيقات- كما أشار فى مقاله بمجلة «آخر ساعة»- أنها بالفعل كانت وراء المذبحة التى وصفها بالدنيئة، ولم ينسَ أن يحذر من حالة التعصب والطائفية التى تنشرها جماعة الإخوان فى المجتمع، وقبل أن ينهى كلامه وجّه الشكر للكنيسة التى رفضت التعويض المالى الذى كان كبيرًا ومغريًا فى ذلك الوقت.
لم ينخدع محمد التابعى أبدًا لا فى جماعة الإخوان الإرهابية أو بها.
يمكنك أن تراه من زاوية ما أنه كان واحدًا ممن روجوا لجماعة الإخوان فى الأربعينيات، لكنها فى النهاية ستظل زاوية ضيقة جدًا، لا أقول ذلك دفاعًا عن التابعى ولا عن صحافته، فقد ننشر فى الصحف كثيرًا مما لا يعجبنا أو يتوافق معنا وذلك نزولًا على مقتضيات الصناعة الكبيرة التى تنتمى إليها الصحافة، لكن العبرة عندى هى أن التابعى وغيره عندما وقفوا على حقيقة الجماعة وقفوا لها بالمرصاد، ولم يتراجعوا عن موقفهم منها أبدًا.
يفسر لنا هذا المقالات التسعة التى كتبها التابعى بعد محاولة اغتيال جمال عبدالناصر فى ميدان المنشية فى العام ١٩٥٤، وهى مقالات كاشفة وفاضحة، وأعتقد أن كل من يتصدى لنقد جماعة الإخوان لا بد أن يراجعها أولًا، لأنها تقدم لنا مفاتيح عديدة لفهم الجماعة.
يمكنك أن تجد المقالات كاملة فى كتاب «هؤلاء هم الإخوان»، فقد كان التابعى واحدًا من الذين شاركوا فى تحريره، لكننا هنا سنحاول قراءة المقالات سوًيا، مع بعض الهوامش عليها.
المقال الأول كان عنوانه «الضحايا والمساكين».
بدأه التابعى بداية درامية، فبعد أن توالت الصدمات الفاجعات فى جلسات محكمة الشعب، كانت أكبر صدمة تلك التى أصابت «الجانى» محمود عبداللطيف- بطل محاولة اغتيال عبدالناصر فى المنشية- حينما رأى مُثُله العليا تتهاوى أمام عينيه، زعماؤه، زعماء قيادة الإخوان الذين طاعتهم من طاعة الله علّموه ولقّنوه، رآهم يتخاذلون ويجبنون ويكذبون ويحنثون فى أيمانهم بالله العظيم.. وكل منهم يحاول أن ينجو بجلده ويرمى التهمة على صاحبه وأخيه، أشباه الرجال هؤلاء هم الذين كان محمود عبداللطيف يؤمن بهم ويعتقد أن طاعتهم من طاعة الله.
يصف التابعى المشهد: كانت صدمة كبرى لهذا الفتى الأمى أو نصف الأمى أن يشهد بعينيه فى ساحة محكمة الشعب مصرع مُثُله العليا، سمع بأذنيه- فى ذهول وهو يكاد يكذب أذنيه- سمع أن فعلته التى أقدم عليها جريمة وخيانة فى حق الوطن، وأنها جريمة بشعة نكراء لا يقرها دين الإسلام ولا يرضى عنها المسلمون، سمع هذا بأذنيه، وممن؟! «سمعها من الذين حرضوه وأعطوه المسدس وأفهموه أن هذه هى أوامر قيادة الإخوان التى طاعتها من طاعة الله والرسول».
«سمعها محمود عبداللطيف بأذنيه من هنداوى ومن الطيب ومن خميس حميدة، وسمعها أخيرًا من المرشد العام حسن الهضيبى».
«كان محمود يعتقد إلى يوم ارتكاب الجريمة أن هؤلاء جميعًا أقرب منه إلى الله، وأن المرشد العام الإمام من أولياء الله، بل لعله يلى مباشرة طبقة الأنبياء والمرسلين، ثم سمع فى ساحة المحكمة ما سمع، ورأى المُثل العليا تتهاوى أمام عينيه، وأدرك كيف خدعوه وضللوه، وتخلوا عنه الآن».
هل يمكن أن نقول إننا عثرنا على أحد المفاتيح التى تفتح لنا مغاليق الجماعة؟
إنه هو بالفعل.. مفتاح الخداع والخديعة، فالجماعة تقوم بعملية غسيل مخ لمن يسيرون خلفها، حتى لا يروا إلا ما ترى هى، ولا يقتنعون إلا بما تريده هى، ولذلك يقدمون على تنفيذ ما يؤمرون به دون نقاش، فالسمع والطاعة عندهم فريضة.

يضع محمد التابعى أيدينا بعد ذلك على مفتاح آخر، وهو مفتاح يفسر لنا سر عداء الجماعة لمن يختلفون معها.
يقول: ولم يكن بين محمود عبداللطيف وبين جمال عبدالناصر عداء ولا ثأر موروث، ولكن هؤلاء القوم- أقطاب الجماعة- الإخوان الكبار الأقرب منه إلى الله والرسول الذين تجب لهم الطاعة لأن طاعتهم من طاعة الله، هؤلاء القوم أفهموه أن جمال عبدالناصر قد خان الأمانة وباع مصر فى اتفاقية الجلاء.
«وها هو يسمع- وقد تولاه ذهول- هؤلاء القوم يقررون أمام المحكمة أن اتفاقية الجلاء لم تكن سبب اغتيال جمال عبدالناصر، وأن الاغتيال كان أمرًا مقررًا سواء أكانت الاتفاقية أمضيت أم لم تمض، وأن جمال عبدالناصر لم يبع بلاده ولم يخُن الأمانة».
«إن الكراهية سلاح مهم من أسلحة جماعة الإخوان، فهى تزرع الحقد فى نفوس أعضائها ضد خصومها والمختلفين معها، ليكون من السهل بعد ذلك دفع هؤلاء الأعضاء دفعًا لتنفيذ ما تريده الجماعة ضد خصومها ومعارضيها».
يعود التابعى إلى محمود عبداللطيف الذى وقف ورأسه يكاد ينفجر والدمع فى صوته، وقف يستنزل لعنة الله على الذين خدعوه وضللوه، ويعلن ندمه وحسرته ويحمد الله على نجاة الرئيس جمال عبدالناصر، والتفت إليه رئيس المحكمة قائد الجناح، جمال سالم، وقال له: اقعد يا غلبان.
يلتقط محمد التابعى ما قاله جمال سالم لعبداللطيف، ويعلّق عليه: نعم غلبان.. ضحية.. مسكين، يسميه القانون «الجانى» ولكنى أسميه- وأنا أستسمح عدالة القانون- ضحية ومجنيًا عليه من زعامة أو قيادة عصابة الإخوان، أو هو جانٍ ومجنى عليه، وجنايته أنه صدّق وآمن برسالة الإخوان، وأن زعماء الإخوان لا ينطقون عن الهوى ولا يصدرون فى أعمالهم إلا عن كتاب الله ولا يستهدفون سوى خدمة الإسلام وعزة المسلمين.
يضغط التابعى أكثر على المعنى الذى يريده، فهو يرى أن هذه هى جناية محمود عبداللطيف، الفتى الأمى أو شبه الأمى، جنايته التى جناها عليه المتعلمون المثقفون، والزعماء الذين أقسم بين أيديهم يمين السمع والطاعة، فى معصية أو فى غير معصية، لهم وحدهم حتى تفسير الكتاب... أما هو فإن عليه السمع والطاعة.
ويضع التابعى يده مبكرًا على ما تجاهلناه، وهو خطة الجماعة الإرهابية فى تجييش العناصر التى تأتمر بأوامرها، فهو يرى أن هناك غير محمود عبداللطيف كثيرون، عشرات بل مئات، شبان وفتيان مسلمون امتلأت صدورهم بحماسة الشباب وقلوبهم بحب الله والرسول فذهبوا إلى جماعة الإخوان يطلبون مزيدًا من الهداية ومن نور الله، وأن تبصرهم الجماعة بأمور دينهم وأن تهديهم سواء السبيل.
يلتمس التابعى العذر للشباب ويلقى باللائمة كلها على قيادات الجماعة الإرهابية، يقول: وما أظن أن واحدًا منهم خطر بباله وهو يطرق باب جماعة الإخوان أن الجماعة سوف تجعل منه قاتلًا باسم الله، وغادرًا لئيمًا باسم الدين الحنيف، ما أظن أن أحدًا منهم مرّ بباله هذا الخاطر وإلا لكان نكص على عقبيه.
شبان وفتيان فى مقتبل العمر تنقصهم التجربة وينقصهم الإدراك السوى والقدرة على وزن الأمور بميزانها الصحيح، شبان سُذّح.. آلات وأدوات سهلة طيعة.. تناولها زعماء الإخوان وقادتها وصاغوها فى القالب الذى أرادوه.. وأخرجوا منها آلات خرساء صمّاء، تتحرك بلا إرادة وتنفذ مشيئة سواها بلا تعقيب نزولًا على حكم السمع والطاعة.. وأن طاعة القادة من طاعة الله، وإن كانت هذه الآلات الخرساء الصمّاء تستحق التحطيم، فأولى منها بالتحطيم وقطع الأيدى التى حركتها الرءوس التى فكرت ودبرت ورسمت لها خطط الاغتيال وأمرتها بالتنفيذ.

بحس إنسانى نادر يحاول التابعى أن يقف على حقيقة ما يجرى، فالشباب الذين تغرر بهم جماعة الإخوان جميعهم ضحايا، فليس الضحايا وحدهم هم الذين أريقت دماؤهم ظلمًا وعدوانًا على أيدى هذه الآلات المسخّرة الخرساء، بل هناك كذلك الضحايا التى امتلأت نفوسها سمًا صبّه فيها زعماء الإخوان ممزوجًا بآيات الكتاب الكريم، النفوس التى ضللت وخدعت باسم الله والصلاة على نبيه سيد المرسلين، وقيل لها اقتلى وانسفى ودمرى فى سبيل الله، لكى نحكم أو نقيم حكومة نشرف عليها نحن الهضيبى وحميدة ويوسف طلعت والطيب وهنداوى ودوير.
وينهى التابعى مقاله الأول بقوله: هذا حديث الضحايا أو بعض الضحايا وبقى حديث المساكين.. والمساكين مثل الضحايا كثيرون، ومنهم المساكين الذين لم يُلدغوا بعد من جحر جماعة الإخوان، ولا يريدون أن يتعظوا بما وقع فى مصر، ومن هنا لا يزالون يحسنون الظن بزعماء الجماعة ودعوة الجماعة ويتهمون مصر بالمبالغة والتجنى.
فى مقاله «نعم.. حدث انقلاب» يرصد التابعى جانبًا آخر مما جرى للجماعة وعليها.
يقول: أرادت عصابة الإخوان أن تقوم بعمل انقلاب فى هذا البلد، وقد وقع فعلًا انقلاب، ولكنه ليس الانقلاب الذى كانت تريده عصابة الإرهاب، انقلاب فى الرأى العام، هذا هو الانقلاب الذى حدث والذى كان أبعد ما يكون عن خاطر الإخوان وتدبيرها.
«كان الرأى العام إلى ما قبل جريمة الإخوان الأخيرة يقف موقفًا مايعًا من جماعة الإخوان».
«فريق منه كان يعطف على هذه الجماعة ويلتمس لها أسباب العذر عما اقترفت من جرائم فى العهد السابق، ظنًا منه أنها جرائم طارئة وقعت فى ظروف عارضة تحت ضغط أسباب قاهرة وأنها- هذه الجرائم- لن تتكرر خصوصًا بعد أن ولى أمر الجماعة رجلٌ من رجال القضاء، وهو السيد حسن الهضيبى، المستشار السابق بمحكمة النقض، الذى مارس القضاء سبعة وعشرين عامًا وفوق رأسه فى قاعة القضاء حكم الله (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)، لا أن تحكموا بالقتل غدرًا واغتيالًا«.
«وفريق كان يقف من الجماعة موقف الحياد».
«وفريق كان يغالب نفسه على حسن الظن بالجماعة ويؤثر التريث حتى يرى ما ستفعل هذه الجماعة فى العهد الجديد».
«وفريق كان يسىء الظن بالإخوان وبدعوتها ودعاواها، ولكنه اضطر أن يكتم سوء ظنه فى صدره بعد أن رأى الريح تملأ قلاع الإخوان والتيار فى خدمة سفينة الإخوان، وكل أمر مسير لخدمة مصالح الإخوان».
يفسر التابعى موقف الفريق الأخير بأنه كتم سوء ظنه فى صدره، لأنه أشفق أن يكون سوء ظنه إثمًا، لكن عندما توالت الحوادث فى العام الأخير، وظهر الإخوان على حقيقتها، وافتضح ما كان خافيًا من أمرها، وعرف الشعب الحقائق تغير حال هذا الفريق تمامًا.
كان الشعب قد سمع مثلًا أن جماعة الإخوان أنشأت جهازها السرى أو جهازها الخاص لكى تحارب به فاروق فى طغيانه وفساده، ولكى تحارب الإنجليز فى منطقة القناة، ثم عرف الشعب أن هذا الجهاز السرى لم يطلق رصاصة واحدة على فاروق، أو أحد رجال حاشية الفساد التى كانت تحيط بفاروق، وأن قيادة الجماعة طُلب منها أن توفد «جندها» لمحاربة الإنجليز فى القناة، ولكنها رفضت.
«إذن فلا هى حاربت فاروق.. ولا هى حاربت الإنجليز».

«وعرف الشعب أن قيادة هذه العصابة- عصابة الإخوان- كانت تسلمت من الضباط الأحرار كميات ضخمة من الأسلحة والذخائر لكى تستعملها فى معركة القناة، ولكن بعض هذه الأسلحة بيع لحساب بعض زعماء الجماعة لكى يقتنى به هذا البعض الأطيان ويشيد به العمارات، والبعض الآخر أودع فى مخابئ سرية، لا لاستعماله ضد الإنجليز وإنما لاستعماله ضد المواطنين المصريين».
جماعة الإخوان تحالفت مع الصهيونية وزودت حكومة إسرائيل بالمعلومات الكاذبة ضد الدولة المصرية
«وعرف الشعب بعد هذا وذاك أن جماعة الإخوان التى قامت دعوتها ودعايتها على أنها تريد حماية دين الإسلام من أعدائه، قد تحالفت مع الشيوعية التى هى عدوة دين الإسلام وكل دين، بل تحالفت مع الصهيونية وزودت حكومة إسرائيل بالمعلومات الكاذبة والاتهامات الظالمة تضارب بها حكومة مصر».
الإخوان ليسوا جنود الله وإنما جنود الشهوة.. جنود الشيطان كما يؤكد محمد التابعى
«وعرف الشعب فوق هذا وذاك أن زعماء الجماعة قوم جبناء منافقون كاذبون، فهم مثلًا حاربوا اتفاقية الجلاء فى منشورات كثيرة عديدة، ورموا جمال عبدالناصر وإخوانه بالخيانة وأهدروا دمهم.. ثم وقفوا أمام محكمة الشعب يقررون أن اتفاقية الجلاء لا غبار عليها، وأنها أحسن بكثير من الاتفاق الذى كان انتهى إليه مرشدهم الهضيبى مع الإنجليز، ثم رآهم الشعب كيف تخاذلوا وجبنوا وكيف أن كلًا منهم راح يمسح التهمة فى صاحبه وأخيه المسلم لكى ينجو بعنقه وجلده».
كان كل ما سبق سببًا- كما يسجل التابعى- فى أن تزول الغشاوة عن عين الشعب، فرأى الإخوان على حقيقتهم، فلا هم جنود الله ولا حاجة، وإنما جنود الشهوة.. جنود الشيطان.
ويرصد التابعى نتائج انقلاب الرأى العام على الإخوان، ففى يوم أمسك جمهور المصلين بأفراد ينتمون إلى جماعة الإخوان وساقوهم إلى مراكز البوليس، وسمع من صديق له أن سيدة كريمة قالت له: آه لو وقعت إيدى على أحد هؤلاء الإخوان، لن أسلمه إلى البوليس إلا بعد أن أدشدش رأسه بإيد الهون.
وتحت عنوان «خيار وفقوس فى موازين الثورة» يكتب محمد التابعى مقاله الثالث، ويبدأه بقوله: لولا المقام جد لاخترت عنوانًا لهذا المقال الأغنية المشهورة «صحيح خصامك ولا هزار!!» والسؤال موجه إلى رجال الثورة، صحيح خصامكم مع جماعة الإخوان المسلمين؟.. أم أنه مثل كل مرة سابقة، خصام أحباب سوف يعقبه عتاب ثم تبادل الأحضان والقبلات؟
وبعد أن يحدد التابعى سؤاله، يقول: ما كان ينبغى أن يكون فى موازين الثورة ميزان للخيار، وميزان للفقوس، مجاملة ومودة للخيار، وحزم وشدة مع الفقوس.
يوضح التابعى رؤيته أكثر، عندما يقول: الخيار هو جماعة الإخوان المسلمين، والفقوس هو بقية الأحزاب والهيئات الأخرى التى جعلت من السياسة عبثًا ولعبًا وتجارة وشطارة.
ما الذى جرى حتى يقول التابعى: ما كان ينبغى أن تختلف الموازين، ولكن هذا ما حدث؟
الواقع- كما يرصد التابعى- أنه منذ قامت الثورة فى يوم الأربعاء ٢٣ يوليو عام ١٩٥٢ والإخوان- وحدهم دون سائر الهيئات والأحزاب- هم الأفضلون المدللون الأعزة الأحباب الذين ترجى مودتهم ويطلب ودهم ويحرص على رضاهم.. ويكتفى منهم بالخطوة الواحدة لا يخطونها إلا بعد أن يخطو إليهم رجال الثورة خطوات.

«دلال منهم من بعد دلال.. يقابله حرص ومجاملة من رجال الثورة ما بعدهما حرص ولا مجاملة».
«والذين يتتبعون سير الحوادث ينظرون ويقارنون ويعجبون، أما سواد الشعب فقد ثبت فى خاطره- ومنذ اليوم الأول- وظواهر الحال وسير الأمور تؤيده فيما ذهب إليه، ثبت فى خاطره أن هذه الثورة هى من صنع الإخوان المسلمين، أو هى على الأقل لم تقم إلا بتأييدهم، وأنهم فيها أصحاب الفضل الأكبر، وأنها أولًا وأخيرًا منهم ولهم، من حسابهم ولحسابهم».
«وإلا ففيم هذا الإعراض والدلال من جماعة الإخوان ومرشدهم أو مُفسدهم العام؟.. وفيم كل هذا الصبر وكل هذا الحرص على الود والمجاملة من جانب الثورة ومجلس قيادة الثورة؟».
وحتى يؤكد التابعى ما يذهب إليه، يبدأ فى استعراض الحوادث التى جرت.
«فقد قامت الثورة فى يوم الأربعاء ٢٣ يوليو، وكان المرشد العام حسن الهضيبى أو حسن الهضيبى بك، كما أصر دائمًا على أن يكتب اسمه فى دفتر تشريفات فاروق مشفوعًا بلقبه «بك»- يقيم يومئذ فى مصيفه برمل الإسكندرية، ورحم الله سلفه حسن البنا».
«وطلب بعضهم من حسن الهضيبى- وفى أول يوم لقيام الثورة- أن يصدر بيانًا للناس يؤيد فيه باسم جماعة الإخوان الثورة ورجالها وأهدافها التى أعلنتها فى بيانها الأول، ولكن حسن الهضيبى «بك» رفض وقال ما معناه «إن الله مع الصابرين».
«والمرشد أو «المفسد» العام لا تعوزه أبدًا الآية الكريمة أو الحديث الشريف الذى يبرر به اتخاذ أى موقف من مواقف الدجل والنفاق، وكان معنى الصبر هنا وعدم الإسراع إلى إصدار بيان بتأييد الثورة، كان معناه الانتظار والتريث حتى ينجلى عثار المعركة التى نشبت بين رجال الثورة وفاروق، عن أيهما الغالب وأيهما المغلوب، وإلا فماذا يكون موقف حسن الهضيبى «بك» إذا أيد الثورة فى بيان منشور، ثم غلبت الثورة على أمرها وانتصر عليها جلالة «الملك الكريم» وولى النعم والأمر فاروق؟!
«ومن هنا نصح فضيلة المرشد العام بالتريث والانتظار، وأن الله مع الصابرين، وذهب إليه فى اليوم التالى- الخميس ٢٤ يوليو- مَن يرجو ويلح فى الرجاء أن يقوم الإخوان- وبطريقة ما- بإظهار اغتباطهم بالثورة وتأييدهم لرجالها، وإنه إذا كان من غير المرغوب فيه إصدار بيان منشور، فلا أقل من أن يعود السيد المرشد العام إلى القاهرة ويزور قادة الثورة فى مبنى القيادة العامة، أو على أقل القليل يحدثهم بالتليفون مهنئًا وداعيًا لهم بالنجاح والتوفيق، ولكن الهضيبى بك رفض وأصر واستمسك بأن الله مع الصابرين».
«ومرت أيام الخميس والجمعة والسبت والأحد، وتم طرد فاروق، ولما تأكد فضيلة المرشد العام من أن الثورة قد تمت فعلًا، وأن فاروق قد غادر فعلًا أرض مصر وأنه قد أصبح فى عرض البحر فى طريقه إلى منفاه، رضى فضيلته أن يترك مصيفه وأن يعود إلى القاهرة لكى يتفضل ويتنازل ويزور رجال الثورة ويبلغهم طلباته أو شروطه، وهى أن تكون الثورة ومجلس قيادتها تحت وصايته بوصفه المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، فلا يقضون أمرًا إلا برأيه ولا يبرمون أمرًا إلا بمشورته».
يقترب التابعى أكثر، ليضع أيدينا على موقعية الإخوان فى ثورة يوليو الأمر الذى أحدث التباسًا كبيرًا.
يقول: لقد جزع حسن الهضيبى لقيام الثورة لأنها قلبت حسابه رأسًا على عقب وأفسدت عليه خططه وسياسته، وكان حسابه وكانت سياسته منذ تولى أمر جماعة الإخوان أن يحالف فاروق وأن يصل إلى حكم مصر عن طريق «ولى أمره ونعمته» فاروق، ومن هنا كانت مقابلته الكريمة للملك الكريم، وكانت زياراته المتكررة للقصر الملكى وتسجيل اسمه فى دفتر التشريفات فى كل مناسبة، وإعلانه فى أحاديثه المنشورة فى الصحف عن وجوب طاعة ولى الأمر فاروق.
«كانت هذه هى السياسة التى رسمها الهضيبى وهى تولى سلطات الحكم فى مصر عن الطريق الشرعى، وبتأييد ولى الأمر الشرعى الذى كان اسمه فاروق، وما كان المرشد أو المفسد العام لتعوزه يومئذ مائة آية كريمة ومائة حديث نبوى شريف يبرر بها سياسته هذه لو أنه كان أفلح فى تحقيق مناه».
«ولكن الثورة قامت.. فأفسدت حسابه وقلبت موازينه، ولقد جزع الرجل فى أول الأمر، ولكنه لم يلبث أن استرد هدوء نفسه ومن ثم أسرع عائدًا إلى القاهرة لكى يطلب من الثورة أن تقيمه وصيًا عليها، أى أن يحكم مصر!، وما فاته عن طريق فاروق.. قد يناله عن طريق مجلس قيادة الثورة»!
أحس رجال الثورة- كما يسجل التابعى- بهذا كله منذ اليوم الأول، وفهموا حسن الهضيبى على حقيقته وأدركوا ما يرمى إليه، هو وخاصته وبطانته من بين أفراد الجماعة، ولكنهم بدلًا من أن يحزموا أمرهم ويأخذوه بالشدة والحزم اللذين أخذوا بهما الكثيرين من فقوس أو زعماء الأحزاب والهيئات الأخرى، آثروا أنا يعاملوه وحده هو وجماعته معاملة الخيار فمدوا له فى حبال الصبر والود والمجاملة، وآية ذلك أن القانون الصادر بإلغاء الأحزاب والهيئات السياسية لم يمسهم بسوء، ولم تتناولهم أحكامه بحجة أن الإخوان المسلمين لا شأن لهم بالسياسة.. هكذا؟ وأنهم جماعة تزاول نشاطًا دينيًا وثقافيًا واجتماعيًا.
وفى وصلة انتقاد واضحة لرجال الثورة الذين فات عليهم ما فعل الإخوان، يقول التابعى: نعم!.. كأنما اغتيال النقراشى كان عملًا دينيًا؟.. واغتيال القاضى المستشار الخازندار كان عملًا ثقافيًا؟.. ومحاولة نسف مبنى محكمة استئناف القاهرة كان عملًا اجتماعيًا.

يضع محمد التابعى بعد ذلك حاجزًا بين ما فعلته الثورة وما قامت به الجماعة.
ففى الوقت الذى سارت فيه الثورة فى طريقها تهدم وتبنى، وتصلح وتعمر وتؤلف بين القلوب وتحشد القوى لمكافحة المستعمر وتجند الشباب وتدربه على استعمال السلاح، ومضت فى طريقها مؤيدة من جميع المصريين إلا من جماعة الإخوان «ومفسدهم» العام وحلفائهم الذين اختاروهم يومًا من بين فلول الأحزاب البائدة، ويومًا آخر من بين الشيوعيين والصهيونيين الذين أطلق بعضهم لحيته تشبهًا بالإخوان لكى يستطيع هو أيضًا أن يتاجر بالدين وينصب نفسه إمامًا ومرشدًا للمسلمين.
«ناصب الإخوان وحلفاؤهم الثورة العداء، ومن اجتماعاتهم ومن أوكارهم وجحورهم انطلقت الشائعات ضد الثورة ورجالها، فما من إشاعة خبيثة وما من شائعة ظالمة إلا وكان مصدرها الإخوان وحلفاءهم الشيوعيين، هذا وقادة الثورة يسمعون ويرون ويعرفون ويسكتون، وكانت محكمة الثورة لا تزال قائمة، كانت قائمة يوم انطلقت مظاهرات يقودها نفر من الإخوان تنادى بسقوط الثورة ورجالها وسقوط الحكم الظالم القائم»؟!
يستكمل محمد التابعى غضبته ولن أقول ثورته.
يقول: وكانت محكمة الثورة قد حاكمت فعلًا نفرًا من المصريين، وكان الادعاء المقام ضدهم أنهم نشروا الشائعات الكاذبة ضد الثورة وضد أمن البلاد، أو أنهم عملوا على تقويض الثورة ونظام الحكم القائم، وصدرت فعلًا من محكمة الثورة أحكام بالسجن ضد هذا النفر من المصريين.. وكان هذا النفر من جماعة الفقوس.
«أما الإخوان الذين نادوا جهارًا نهارًا بسقوط الثورة وحكمها ونظامها، والذين اختلقوا الشائعات الكاذبة الظالمة وأطلقوها فإن واحدًا منهم لم يقدم لمحكمة الثورة أو لأى محكمة أخرى... لماذا؟ لأنهم من جماعة الخيار، وللخيار حصانة خاصة أو ميزان خاص».
«وكان بعد هذا وذاك أن وضعت السلطات يدها على خيوط مؤامرة واسعة من صنع الإخوان ومرشدهم العام.. وضبطت فى نفس الوقت مقادير ضخمة من الأسلحة والمواد المتفجرة مخبأة فى دور بعض البارزين من جماعة الإخوان، وألقى القبض عليهم واعتقل فى نفس الوقت السيد المرشد العام وأعلن فى الصحف أن الجميع سوف يقدمون لمحكمة الثورة أو يمثلون أمام محكمة عسكرية، ولكن إن هى إلا أيام حتى أفرج عن الجميع، وحفظت القضية أو القضايا، وأغمض القانون عينيه عن الأسلحة والمواد المتفجرة التى كانت مخبأة معدة لغرض خبيث خبىء».
لا يترك محمد التابعى هذه القضية تفلت من بين يديه، فعليها يبنى ما يريد الوصول إليه.
يقول: لقد كان بين الادعاءات التى أقيمت فى محكمة الثورة على نفر من المصريين الادعاء الخاص باتصالهم بدولة أو بسلطة أجنبية بقصد الإضرار بالثورة ومصلحة البلاد، ولقد ثبت- ومنذ شهور عديدة وأيام كانت محكمة الثورة لا تزال قائمة- أن حسن الهضيبى اتصل بدولة أجنبية هى بريطانيا وبأحد رجالها وهو مستر إيفانز، وكان الاتصال بقصد الإضرار بالثورة ومصلحة البلاد، لأن فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان قبل فى حديثه أو مفاوضاته مع ممثل الدولة الأجنبية المذكورة أمورًا كان رجال الثورة يرفضونها لأنها ليست فى مصلحة البلاد، ومنها مثلًا- وهذا باعتراف وإقرار حسن الهضيبى نفسه- عقد اتفاق سرى مع بريطانيا يبيح لها العودة إلى قاعدة القنال عند قيام الحرب، أى حرب؟ وكل حرب تقع اليوم أو بعد عشرين أو خمسين عامًا.
«ولقد حوكم بعض من رجال مصر أمام محكمة الثورة من أجل ادعاءات أقل خطرًا وشأنًا بكثير من هذا الادعاء الذى كان يمكن رفعه ضد المرشد العام».
يختم محمد التابعى مقاله بقوله: هذا صنيع الثورة مع جماعة الإخوان، وهذا جزاؤها- جزاء سنمار- من جماعة الإخوان ومرشدهم العام، وأنا لا أستعدى أحدًا على أحد، وإنما أطلب فقط أن يكون للثورة صاع واحد أو كيل واحد، وأن يكون المصريون أمام موازينها سواء، لا فضل لخيار على فقوس.
المقال الرابع اختار له محمد التابعى عنوان «أخ فى الله».
يكشف التابعى عن أن رسائل وصلته من الإخوان المسلمين بينها رسائل التأييد ورسائل التهديد، ومن هذا النوع الأخير رسالة موقّعة بـ«أخ فى الله».
بأسلوبه الساخر يقول التابعى: ويقول «أخويا فى الله» إنه صبر طويلًا على مقالاتى «المأجورة» ضد جماعة الإخوان وكظم غيظه من التهم السخيفة، التى رميت بها هؤلاء الإخوان المجاهدين فى سبيل الله، ولكن صبره نفد عندما قرأ لى مقالًا أخيرًا رميت فيه هؤلاء الإخوان بالخسة والجبن والندالة، ومضى أخويا «فى الله» يقوله.. إننى أمر به كل يوم فى طريقى وإنه سوف ينفذ فىّ حكم الله.
رد التابعى: أقول لصاحب الخطاب المذكور إنه ليس فى الله أخ جبان أو غادر أو قاتل لئيم.
ثم أسأله: هل قرأ حديث فضيلة الأستاذ الكبير شيخ الجامع الأزهر المنشور فى «الأهرام» فى يوم الأربعاء ١٧ نوفمبر.. لقد قال فضيلة الشيخ بين ما قاله: وشر أنواع القتل هو قتل الغيلة وهو اغتيال البرىء الآمن وأخذه على غرة فإنه يمثل الدناءة والخسة والوحشية.
«هل سمعت يا أخويا فى الله ما يقوله شيخ الإسلام وإمام المسلمين، ولكنك مسكين وضحية من ضحايا عصابة الخداع والتضليل؟».
المقال الخامس كان واضح الدلالة لا يحتاج إلى تأويل بداية من عنوانه.
جماعة الإخوان مثل «الحشاشين» تخدر أتباعها بالدين وتبشرهم بدخول الجنة من غير حساب
كتب التابعى مقالًا بعنوان «حسن»، وتمهل قليلًا قبل أن تعتقد قبل أن تقرأه، فالمقال أكبر من أن يكون مقالًا عن حسن البنا وحده، فهو يقارن فيه بين جماعة الحشاشين التاريخية الشهيرة وجماعة الإخوان الإرهابية.
وتأتى المقارنة على النحو التالى:
أولًا: جماعة «الحشاشين» كانت جماعة دينية أو هكذا كانت تزعم، وكانت تتوسل بالاغتيال والقتل إلى تحقيق مآربها، وكانت تستعين «بالحشيش» على تهيئة أعضائها المكلفين بالقتل وجعلهم آلات صماء لا إرادة لهم، ومن هنا أطلق التاريخ على الجماعة اسم «الحشاشين»، وكان يقودها حسن الصباح، وجماعة الإخوان تستعين بالاغتيال على تحقيق مآربها السياسية.
ثانيًا: كانت الجماعة الأولى- جماعة الحشاشين- تخدر أعصاب أعضائها بالحشيش.. أما الجماعة الأخرى- الإخوان- فكانت تخدرهم بالدين وتبشرهم بدخول الجنة من غير حساب.
ثالثًا: وزيادة فى السخرية يقول التابعى حتى تتم المقارنة ويكتمل التشابه، لقد تولى منصب المرشد العام فى جماعة الإخوان حسنان، «حسن» البنا و«حسن» الهضيبى.. وسبقهما وتولى قيادة جماعة الحشاشين حسن ثالث كان حسن الصباح.

نصل بكم إلى المقال السادس، وهو المقال الذى أخذ التابعى عنوانه من عنوان بيان الجماعة الذى تبرأت فيه من أعضائها الذين ارتكبوا أعمال عنف وقتل، ليكشف عن زاوية مهمة من زوايا الجماعة الإرهابية.
مؤكد أنكم عرفتم عنوان مقال التابعى، هو بالفعل «ليسوا إخوانًا... وليسوا مسلمين».
يقول التابعى: كلمة قالها حسن البنا فى عام ١٩٤٨، وقد قالها يصف بها جماعته أو الذين انحرفوا من أعضاء الجماعة، ولعل الرجل قال كلمته هذه يومئذ بلسانه، أو هى خرجت من بين شفتيه لا من قلبه، لأنه يصعب على العقل أن يصدق أن أمرًا ما أو شيئًا ما كان ممكنًا أن يقع يومئذ فى جماعة الإخوان أو بيد أحد الإخوان من غير أمر وموافقة المرشد العام حسن البنا.
لكن لماذا يجزم التابعى بهذا؟

يشير هو إلى أنه يصعب على العقل أن يصدق أن البنا لا علاقة له بما تقترفه أيادى أعضاء الجماعة من جرائم، فالشهود فى قضية محاولة اغتيال عبدالناصر، ورغم وفاة البنا إلا إنهم يتحدثون عنه بطريقة توحى بأنه كان الكل فى الكل فى الجماعة، وكان يشرف مباشرة على الجهاز السرى وكان رأيه القول الفصل، وكان «عملاقًا» على حد تعبير أحد الشهود الذين إذا ذكروا اسم حسن البنا حرصوا على أن يقرنوه أو يردفوه بقولهم رضى الله عنه! رضوان الله عليه.. والإمام الشهيد.. إلى آخره.
ويعلق التابعى على ذلك بقوله: إلى هذا الحد بلغ من تقديرهم أو توقيرهم واحترامهم لمنشئ جماعة الإخوان المسلمين، ولهذا قلت إنه يصعب على العقل- أو عقلى أنا على الأقل- أن يصدق أن أعمال الجهاز السرى بقيادة عبدالرحمن السندى فى عامى ١٩٤٧ و١٩٤٨ قد وقعت بغير علم وموافقة حسن البنا.. هذا ما لا يقبله العقل.
ويتابع التابعى: ولهذا قلت إن كلمة «ليسوا إخوانًا.. وليسوا مسلمين» قد خرجت من بين شفتيه فقط لا من قلبه.. ولعله قالها وهو مرغم وكاره، ولكنه قالها يومئذ لكى يسترضى بها الحكومة ويتقى نقمة القانون، ولكنها مع ذلك كلمة تصدق اليوم كل الصدق فى حق هؤلاء الإخوان، فما أعرف جماعة من المتهمين- ويتأدب القلم فلا يقول المجرمين- لا أعرف متهمين تنكر بعضهم لبعض كما تنكر الإخوان أمام محكمة الشعب، فراح «الأخ» يرمى التهمة على أخيه، ويحاول جاهدًا أن ينقذ نفسه وعنقه ولو دقت أعناق إخوانه أجمعين.
اطلع محمد التابعى على تحقيقات محاولة اغتيال عبدالناصر، وخلص منها إلى عدة حقائق- على حد تعبيره- منها:
أولًا: أقطاب هذه الجماعة التى تزعم أنها قامت لنشر تعاليم الإسلام وتبصير المسلمين بأمور دينهم الحق لا يعرفون شيئًا عن أصول دينهم، وقليل منهم الذى يحفظ بعض آيات القرآن، وأقل القليل الذى درس التفسير أو يحفظ الحديث، وقد امتحنت المحكمة بعضهم فسقط فى الامتحان.
كلما ارتفع مقام «الأخ» فى الجماعة كلما هبط نصيبه من الشجاعة والصراحة
ثانيًا: كلما ارتفع مقام «الأخ» فى الجماعة هبط نصيبه من الشجاعة والصراحة وازداد نصيبه من الجبن والمراوغة والنفاق، والواقع أن الجبن والمراوغة واللف والدوران كان من نصيب الإخوان المتعلمين المثقفين حملة الشهادات العليا والدبلومات، ومنهم القاضى والمحامى والصيدلى وخريج كلية الزراعة أو كلية العلوم، وكانت الصراحة أو الشجاعة الأدبية من نصيب الأميين أو أنصاف الأميين، أما المتعلمون فقد علمهم العلم كيف يلفون ويراوغون ويداورون.
ثالثًا: جاء فى الأنباء أن بوليس الإسكندرية «ضبط» فى مسكن قطب- كبير من أقطاب جماعة الإخوان- صندوقًا من الويسكى، وأسفر تحقيق البوليس عن أن الأخ المسلم الكبير المذكور كان يعاشر سيدة يونانية معاشرة الأزواج من غير عقد زواج.
رابعًا: تبين من التحقيقات وأقوال الشهود أن نظام الجماعة قام على أسس مقتبسة من نظم البوليس السرى فى روسيا «الأوجيو» و«الجستابو» فى ألمانيا و«الأوفرا» فى إيطاليا الفاشية، ففى كل هذه الأنظمة كان يوجد جواسيس وراء الجواسيس، وإرهابيون وراء الإرهابيين، فكان بريا فى روسيا وهملر فى ألمانيا النازية يعهد إلى بعض رجاله بمراقبة البعض الآخر من رجاله، كما أنه كان يأمر بعض الإرهابيين باغتيال الإرهابيين الذين لم تعد لهم فائدة أو الذين يخشى من ثرثرتهم أو افتضاح أمرهم، وقد تبين أن الجهاز السرى فى جماعة الإخوان كان يسير على هذه النظم، ومن هنا اغتال إخوان إرهابيون زميلًا لهم هو المهندس السيد فايز؛ لأنه «ثرثر» وتحدث بما لا ينبغى أن يتحدث عنه، ومن هنا كذلك اعترف يوسف طلعت بأنه كان هناك من يهدده بالقتل إذا هو حاد عن الطريق.. الطريق الذى رسمه سلاح الغدر والإرهاب.
فى مقاله السابع «عقلية الإخوان» يعود محمد التابعى مرة أخرى إلى الخطابات التى كانت تصله من أعضاء الجماعة.
يقول: جاءنى بالبريد خطابان طريفان، أحدهما يسألنى كيف يمكن لعاقل أن يصدق أن النيابة العمومية تسمح للنوبى الذى عثر على مسدس محمود عبداللطيف بالحضور من الإسكندرية إلى القاهرة سائرًا على قدميه ومعه المسدس، ويمضى الخطاب فيقول إن هذه الواقعة تكفى وحدها للتدليل على أن الحكاية كلها مسرحية مزيفة.

يعلق التابعى على الخطاب بقوله: الخطاب حديث كما يدل خاتم البريد على الغلاف، ومعنى هذا أن صاحب الخطاب لا يقرأ الصحف ولا يسمع الإذاعة، بل لعله كذلك لم يسمع بالاعترافات التى أدلى بها فى محكمة الشعب محمود عبداللطيف وهنداوى دوير وإبراهيم الطيب والهضيبى ويوسف طلعت وغيرهم، أو لعله سمعها كلها ولكنه مع ذلك يكذبها ويكذبهم، وهذه عقليته المخدرة والسلام!
أما الخطاب الثانى فقد وصل التابعى من «أخت مسلمة»، وهو خطاب طويل ومكتوب باللغة العامية، وينقل التابعى منه هذه العبارة كما كتبتها: «أمن العدل أن يعذبوا الإخوان بوضع السبرتو على أرجلهم ويشعلون فيهم النيران، أمن الحق أن يوضع على أجسامهم الزفت المغلى؟!».
ويعلق التابعى: كأنها لا تعيش فى مصر وكأنها لم تقابل أحدًا من الذين شهدوا جلسات المحاكمة ليؤكد لها أن «إخواننا المسلمين» قد مثلوا جميعًا أمام محكمة الشعب، وهم فى أتم صحة وعافية وليس فى أبدانهم أثر لعذاب أو تعذيب، ولو كان وقع شىء فى هذا لكانوا انتهزوا فرصة وجودهم فى المحكمة وأعلنوا وفضحوا الحكومة على مسمع من المئات الذين يشهدون جلسات المحكمة.. ولكنها عقلية الإخوان والأخوات!
ثم تمضى «الأخت المسلمة» فى خطابها وتقول: «كفاية الإبر التى يحقنون بها الإخوان علشان تلخبط عقولهم وتحل ألسنتهم وتغيبهم عن وعيهم حتى لا يقولوا الحقيقة».
ويعلق التابعى: ولعمرى ما قرأت عبارة حوت من المتناقضات قدر ما حوته هذه العبارة، ما حاجة الحكومة مثلًا بالسبرتو وإشعال النار ووضع الزفت المغلى، ما دامت عندها هذه الإبر التى تحل عقدة اللسان؟ كذلك كنا نسمع عن إبر أو حقن تحل عقدة اللسان ليقول الصدق، ولكن- لا أنا أو أنتم- سمعنا عن إبر تنطق المرء بالكذب! وأى كذب! وأى خيال وأى إسهاب فى التفاصيل! أنا شخصيًا مستعد لأن أستعمل هذه الإبر، لكى أتفرغ بعدها لكتابة القصص المثيرة التى سوف تنافس قصص إسكندر ديماس!... ولكنها عقلية الإخوان والأخوات!
وتختم «أختنا المسلمة» خطابها بهذه العبارة: «وإذا كان حد بيرسل لك جواب تهديد وأنت إيه ذنبك أنت عبدالمأمور.. وعشمنا فى وجه الله».
ويعلق التابعى أخيرًا: أى أننى كنت ما كتبت عن الإخوان نزولًا على أمر الحكومة؟! ومثلى طبعًا جميع الصحفيين والكتاب فى مصر، ومثلنا طبعًا الصحافة الأجنبية ووكالات الأنباء الأجنبية ومحطات الإذاعة فى الخارج، فهؤلاء جميعًا كتبوا وتحدثوا وأذاعوا الكثير عن جرائم الإخوان وتدابيرهم الجهنمية.. ولكن «أختنا المسلمة» تعذرنا وتعذرهم لأننا وهم عبيد مأمورون!
ويختم التابعى مقاله بقوله: عشمنا فى الله خير حقًا أن يرد على هؤلاء الإخوان.. والأخوات عقلهم المسلوب.
فى مقاله الثامن يؤكد محمد التابعى أنه «ليس هناك إخوان.. وإخوان».
ويقول فيه: أغالب العقل والمنطق لكى أحسن الظن بهذا النفر من كبار جماعة الإخوان الذين وقفوا أمام محكمة الشعب يعلنون استنكارهم جرائم القتل والغدر، ويؤكدون إيمانهم بأن دين الإسلام ينهى عن القتل والغدر، ويبدون سخطهم على حسن الهضيبى وما جرته سياسته على جماعة الإخوان، ويفخرون بأنهم تركوا الجماعة أو استقالوا منها بعد أن انحرفت «الدعوة» عن سيرتها الأولى، كما رسمها حسن البنا، وقد انحرفت، كما أكدوا أمام محكمة الشعب، لدواع شخصية وأغراض ذاتية كانت تساور نفس حسن الهضيبى وبطانته التى اصطفاها وقربها إليه دون سائر الإخوان.
«أغالب العقل والمنطق لكى أحسن الظن بالسادة الأفاضل عبدالرحمن البنا وعبدالمعز والبهى الخولى والكثيرين غيرهم من جماعة الإخوان الذين ينكرون علمهم بوجود جهاز سرى أو أسلحة وذخائر أو تنظيمات سرية أو سياسية وخطط مرسومة للقيام بعمليات اغتيال ونسف وإرهاب».
«أغالب العقل والمنطق لكى أصدقهم وأحسن الظن بهم، ولكن العقل يأبى ويتمرد، والمنطق قاطع قاس لا يلين.. وكلاهما- العقل والمنطق- لا يؤمنان إلا بالوقائع الثابتة المؤيدة بألف دليل ودليل».
«وكلاهما- العقل والمنطق- لا يؤخذان بالزيف والتشويه، ولا بهز الرءوس إنكارًا واستنكارًا!.. ولا باللحى التى لم تهتز أسى وغضبًا، إلا بعد وقوع الفأس فى الرأس.. ولا بالدموع التى تجرى على الوجنات حسرة على ما أصاب «الدعوة» من انحراف».
«كأن الدعوة لم تنحرف إلا فى عهد حسن الهضيبى وحده.. أما فى عهد (الإمام الشهيد) فإنها كانت تسير على صراط مستقيم، وهذا هو الخطر الذى نوشك أن نعرض له طوائف السذج وما أكثرهم فى هذا البلد، وهذه هى الغلطة التى نوشك أن نتعثر فى حبالها، حتى لتضطرب فى يدنا موازين القانون والعدل والإنصاف.. فنفرق بين إخوان.. وإخوان».

يضع محمد التابعى الحقيقة كاملة أمام قرائه.
يقول: وعندى أن الإخوان جميعًا سواء، سواء فى المسئولية، وإن تكن مسئولية كل منهم بقدر معلوم، وسواء فى المبدأ والغاية وتحقيقها والوصول إليها بوسائل الاغتيال والإرهاب، وسواء فى العلم بوجود جهاز سرى مسلح مدرب على فنون حرب العصابات، وسواء فى شهوة الحكم والرغبة فى الاستيلاء على سلطات الحكم بالقوة والإرهاب».
«عندى أن الإخوان جميعًا سواء، سواء منهم الذين بقوا مع الهضيبى وأخلصوا لبيعته ومشوا وراءه لا يسألونه إلى أين؟ وسواء منهم الذين اختلفوا معه وانشقوا عليه، لأنه- كما زعموا- قد انحرف بالدعوة عما كانت عليه فى عهد إمامهم الشهيد رضى الله عنه ورضوان الله عليه!!».
«وعندى أن حسن الهضيبى لم ينحرف قيد شعرة عن دعوة حسن البنا، ولم يحد عن صراطها المستقيم، وإلا فليقل لى أحد أين هو وجه الانحراف؟ وأين هى الفروق بين نشاط الجماعة فى عهد الهضيبى.. ونشاطها فى عهد «الإمام رضوان الله عليه»؟
وحتى يثبت التابعى أن الإخوان جميعًا سواء فى عهد حسن البنا أو فى عهد حسن الهضيبى، يقول: نشاط إجرامى إرهابى هنا.. ونشاط إجرامى إرهابى هناك! جهاز سرى هنا.. وجهاز سرى هناك! ورئيس الجهاز السرى هنا اسمه يوسف طلعت.. وكان اسمه هناك عبدالرحمن السندى! وأسلحة وذخائر ومدافع هنا.. ومثلها هناك، ومحاولة اغتيال قائد الثورة وإخوانه والضباط الأحرار، ويقابلها هناك اغتيال أحمد ماهر والنقراشى والخازندار وسليم زكى ونسف مبنى محكمة الاستئناف، وإلقاء القنابل على دور السينما والمحال التجارية، والجهاز السرى برئاسة يوسف طلعت كان خاضعًا مباشرة لحسن الهضيبى، والجهاز السرى برئاسة عبدالرحمن السندى كان خاضعًا مباشرة لرضوان الله عليه.
يواصل التابعى حجته فى المساواة بين الإخوان جميعًا.
يقول: أى فرق إذن بين هؤلاء الإخوان.. وهؤلاء الإخوان؟، وأى شىء وقع فى عهد حسن الهضيبى ولم يقع مثله فى عهد حسن البنا إمامهم الشهيد؟ ولكنهم يزعمون أنهم تركوا الهضيبى وثاروا عليه، لأنه انحرف عن الدعوة لدواع شخصية وأغراض ذاتية؟ وهل كان اغتيال أحمد ماهر فى عهد المرحوم حسن البنا لدواع وطنية قومية؟، أم أن الرجل قتل خيانة وغدرًا؛ لأنه- كما ظنوا- أسقط حسن البنا فى الانتخابات، ومن هنا اجتمع مكتب الإرشاد وقرر فى جلسة سرية قتل أحمد ماهر؟ وهل كان اغتيال النقراشى والخازندار لدواع وطنية أو دينية روحانية؟ النقراشى الذى وقف فى مجلس الأمن يقول للإنجليز «يا قراصنة اخرجوا من بلادنا، الخازندار الذى حكم بذمة القاضى فى قضية نسف وتدمير بإرهاب، وما كان فى مقدوره أمام أدلة الإثبات أن يحكم بغير هذا!.. بل لو أن حسن البنا نفسه كان فى مركزه لما استطاع أن يحكم بغير ما حكم به الخازندار؟».
ويوجه التابعى كلامه للإخوان مباشرة يقول:
«أعود فأسأل هؤلاء السادة الأجلاء من كبار الإخوان الذين كنت أحب أن أحسن بهم الظن.. لولا أن العقل يأبى والمنطق يثور».
«أعود فأسألهم: ما الذى حدث اليوم فى عهد المرشد حسن الهضيبى.. ولم يحدث مثله بل أكثر منه فى عهد المرشد الشهيد؟»
ويجيب هو عن تساؤلاته: هذه الجرائم، جرائم القتل الغادر والاغتيال والنسف والتدمير! هذه الجرائم التى وقعت فى عهد المرحوم حسن البنا وبيد أفراد من الإخوان ومن أعضاء الجهاز السرى كما ثبت من التحقيقات ومن أحكام القضاء، هذه الجرائم هل وقعت بعلم حسن البنا أو من غير علمه ومن غير إذنه؟ لو كانت جريمة واحدة لقلنا ربما وقعت بغير إذن منه؟
ولكنها جرائم وجرائم وجرائم وقعت خلال أربع سنوات من ١٩٤٥ إلى ١٩٤٨.. وفى كل مرة يضبط فيها الفاعل المجرم، فإذا به أخ من «إخوانكم المسلمين»، فما الذى فعله يومئذ الإمام الشهيد الذى لم تنحرف الدعوة فى عهده عن صراطها المستقيم؟ ما الذى فعله وهو باعترافكم وشهادتكم جميعًا الآمر الناهى فى شئون الجماعة، العالم بكل ما ظهر وما خفى.. العملاق الجبار الذى تنحنى له رءوس الإخوان سمعًا وطاعة؟ ما الذى فعله رضوان الله عليه؟ هل أنكر أو استنكر؟.. أو بكى واستبكى.. وندب حظ الإسلام والمسلمين؟ هل حل جهازه السرى، أو ذهب إلى الحكومة وقال لها اجمعى هذه الأسلحة من أيدى هؤلاء المجرمين العتاة؟
ويواصل التابعى: وأنتم يا رفاق الإمام الشهيد بين صحابة وتابعين، وهذه ألقابكم وصفاتكم ما دام أحدكم قد وقف فى محكمة الشعب يقارن بين حسن البنا ومحمد صلى الله عليه وسلم! وأنتم يا أخيار يا أبرار يا أبرياء من كل دم زكى أريق.. يا حريصون على سلامة الدعوة وطهارة دين الإسلام.. يا من غضبتم لانحراف الهضيبى وعصابته.. أنتم ماذا فعلتم يومئذ؟
هل سألتم إمامكم الشهيد لماذا يقتل «أخوكم المسلم» العيسوى الدكتور أحمد ماهر؟
ولماذا يقتل أخ منكم النقراشى؟.. وأخ ثالث لكم القاضى الخازندار؟
هل سألتموه فى هذا.. وناقشتموه وحاسبتموه.. ثم غضبتم وخرجتم وتركتموه؟
أم سكتم.. وتجاهلتم ما لا يتجاهل.. ورضيتم أن تكونوا صمًا بكمًا أو طراطير، تمامًا مثل زملائكم الطراطير فى عهد الهضيبى؟
ثم جئتم أمام محكمة الشعب تتحدثون عن الدعوة وانحرافها وعن إمامكم الشهيد رضوان الله عليه، ولولا بقية من حياء لقال أحدكم صلوات الله عليه.

ويسأل التابعى: رضوان الله على من؟
هل رضوان الله على من أنشأ الجهاز السرى وزوده بالسلاح ودربه على فنون القتل والاغتيال باسم الدين؟
وهل رضوان الله على من اغتيل فى عهده أحمد ماهر الوطنى الشجاع والنقراشى الطاهر الذيل والخازندار القاضى العف النزيه.
ويعود مرة أخرى فيسأل: هل وقع حقيقة انحراف فى عهد الهضيبى؟ أم أن الانحراف داء قديم؟ وإذن فيم الخلاف؟ وفيم الخروج على الهضيبى وشق عصا الطاعة عليه؟
ويجيب التابعى: هذا ما يجب أن يعرفه الشعب وما أكثر طوائف السذج فيه، الحقيقة التى يجب أن تعلن هى أنه ليس هناك إخوان وإخوان، بل إن الجميع سواء، وإن الجميع أقروا الغدر والقتل والإرهاب.. والجميع أقروا قيام جهاز سرى، وأقروا سياسة الاستيلاء على الحكم بالقوة المسلحة.
ويقول التابعى: هذه هى الحقيقة أو الحقائق التى
يجب أن تعلن حتى لا يخدع البسطاء والسذج بدعوى هذا النفر من كبار الإخوان الذين يزعمون اليوم أنهم خرجوا على الهضيبى لأنه انحرف بالدعوة عن صراطها المستقيم، ولقد بينت بدلائل الواقع القاطع الذى لا يأتيه الباطل، أن الهضيبى لم ينحرف، بل كان أخلص المخلصين للدعوة كما رسم سيرها الإمام الشهيد رضوان الله عليه، أخلص المخلصين لأنه احتفظ بالجهاز السرى الذى أنشأه حسن البنا، وأخلص المخلصين لأنه قوى الجهاز وأعاد تنظيمه من جديد وزوده بالأسلحة والذخيرة، وأخلص المخلصين لأنه أقر سياسة الإرهاب، أو على الأقل لم يقاومها ولم يعترض عليها، فكيف إذن تتهمون الرجل ظلمًا بالانحراف؟ فيم إذن الخلاف بينكم وبين الهضيبى؟، لم يكن الخلاف على مبدأ أو غاية أو على وسيلة، وإنما كان الخلاف على المناصب والسلطة فى جماعة الإخوان ومكتب الإرشاد.
ويضع التابعى الإخوان أمام أنفسهم عندما يقول لهم: هل تحتفظون بسلطاتكم التى كانت لكم فى عهد المرحوم حسن البنا؟.. أم تتخلون عنها لهؤلاء الغرباء الدخلاء «العيال»- على حد تعبير أحدكم- الذين أتى بهم حسن الهضيبى ومكن لهم فى الجماعة وأولاهم ثقته وقربهم إليه؟ وقد نظر بعضكم إلى حسن الهضيبى نفسه على أنه دخيل عليكم، فكيف يرث حسن البنا فى عزه ومقامه وسلطانه؟ بل كيف يرثه فى لقبه «المرشد العام»؟.
يكشف التابعى غطاءً جديدًا عن جسد الجماعة المتعفن.
لا خلاف بين الإخوان على وسيلة من وسائل الإرهاب والاغتيال وإنما خلاف على المناصب والسلطات
يقول: والذى يقرأ أقوال الأستاذ عبدالرحمن البنا، شقيق الإمام الشهيد «!!» يشعر بأن الخلاف دب أول ما دب يوم اتخذ الهضيبى لنفسه لقب المرشد العام! وكان عبدالرحمن يريد أن يظل هذا اللقب وقفًا على شقيقه حسن رحمة الله عليه، هذه هى حقيقة أو حقائق الخلاف، لا خلاف على غاية وشهوة فى الحكم، ولا خلاف على وسيلة من وسائل الإرهاب والاغتيال، وإنما خلاف على المناصب والسلطات، وكيف يجوز فى شرع الله وشريعة الدعوة أن يتقدم على منير الدلة وحسن العشماوى وصالح أبورقيق وغيرهم من الهلافيت أو العيال الذين لا سابق تاريخ لهم فى خدمة الجماعة.. ولا هم مثلكم من الصحابة والتابعين؟
هذه هى الحقائق التى يجب أن تعلن- كما يقول التابعى- لأننى أشفق على طوائف السذج والبسطاء أن تؤخذ بأقوال هذا النفر من كبار الإخوان، وأن تعود «الدعوة»- إياها!- سيرتها الأولى، والذين خرجوا مع السيد عبدالرحمن السندى لا يزالون موجودين، ومخابئ الأسلحة والذخائر لا تزال سليمة لم تمس، والأسلحة التى وجدت أقل بكثير من الأسلحة التى لم يعثر عليها بعد، والجهاز السرى القديم قد يبعث من جديد، وقد تنحى اليوم رءوس إلى أن تمر العاصفة بسلام! فإذا ما اطمأنت عادت ورفعت رءوسها لتبشر بالجهاد ولتلقن المؤمنين سورة آل عمران.
ويختم التابعى مقاله الثامن بقوله: هذا ما أخشاه، وأشفق منه على هذا البلد الذى لم ينكب فى تاريخه الحديث بقدر نكبته بهذه الدعوة! دعوة الإخوان المسلمين!، دعوة الإخوان كما صورها الأستاذ عبدالقادر عودة أمام محكمة الجنايات، حين سأله الأستاذ حمادة الناحل عن رأيه فى اغتيال النقراشى.
لقد ابتسم ساعتئذ وكيل الإخوان وقطب الدعوة وأجاب: النقراشى؟.. عيل داسته عربة الإخوان!
وما أكثر «العيال» الذين كانت عربة الإخوان تنوى أن تدوسهم فى طريقها إلى الحكم والسلطان.
مقال التابعى التاسع والأخير الذى نستعرضه هنا عنوانه «تعبئة قوى النشر والإرشاد».
يقول فيه: لو كان الأمر بيدى لأصدرت أمرًا أو قانونًا عبأت بموجبه جميع قوى الدعاية والنشر والتوجيه والإرشاد لفضح أعمال أعضاء جماعة الإخوان وتبصير الشعب بمقدار ضلالهم وخستهم ونذالتهم وفداحة الجرم الذى اقترفوه فى حق دين الإسلام.
«ولن تأتى قوى الدعاية والنشر بأقوال أو حجج من عندها، بل سوف تكتفى بالأقوال التى أدلى بها هؤلاء الشهود «الإخوان» فى ساحة القضاء أمام محكمة الشعب، والأقوال التى أدلوا بها فى محاضر التحقيق، وأن فى هذه وتلك ما يصلح لأن يكون موضوعًا ومادة لعشرات المقالات وعشرات الأحاديث وعشرات الخطب التى تلقى فى المساجد أو من محطة الإذاعة».
يضرب التابعى مثالًا على ما يريده.
مثلًا هذه المسرحية أو هذه المأساة «الأخ المسلم» محمود الحواتكى يقسم بالله ثلاثًا أن «أخاه المسلم» إسماعيل محمود كاذب فى أقواله، و«الأخ المسلم» إسماعيل يقسم بالله العظيم أن «أخاه المسلم» محمود الحواتكى هو الذى يكذب فى أقواله.
ويقول لهما قائد الجناح جمال سالم: لا بد أن يكون أحدكما كاذبًا وحانثًا فى يمينه بالله العظيم.
ويوافق الاثنان على أن أحدهما كاذب.
والشاهد أو «الأخ المسلم» الآخر الذى يبدى أمام المحكمة أسفه وندمه ويعلن أنه لو كان قد عرف عن هذه الجماعة ما عرف اليوم لما انضم إليها، ويبكى حسن لأن الجماعة قد رمته هو وشقيقه المحبوس معه فى هذه المصيبة وليس للعائلة سواهما!
والشاهد أو «الأخ المسلم» الآخر الذى يزعم أنه لم يقبل الانضمام إلى الجهاز السرى إلا ليكون «صمام الأمان» لمنع وقوع الجريمة.
ثم تبين من مناقشته واستجوابه أنه كاذب، وأنه لم يقصد فى ساعة ما أن يكون «صمام أمان»، بل دخل الجهاز السرى وهو مفتوح العينين وعالم مقدمًا بمهمة الجهاز وهى القتل والنسف والاغتيال.
وخامس وسادس وسابع وثامن.. إلى آخره.
جميعهم أقسموا اليمين على المصحف الكريم أن يقولوا الحق، لكنهم لم يقولوه كله، لأن كلًا منهم كان كل همه أن ينجو بجلده وأن يرمى التهمة على «أخ مسلم» آخر.. وأن يتوب اليوم ويندم ويأسف ويتحسر، وهو لم يتب ويندم إلا بعد أن أصبح عنقه فى قبضة القانون.
ويتساءل التابعى: أهذا هو الإسلام الذى علموه ولقنوه على أيدى زعماء جماعة الإخوان؟ أهذه هى الدعوة أو دعوة الفدائية والاستشهاد فى سبيل الله؟ أهذا الجبن والانحلال الخلقى والقسم كذبًا بالله العظيم هى كل ما تعلموه فى جماعة الإخوان؟ أهؤلاء هم «الرجالة» أو «الرجال» الذين أراد حسن البنا أن يربيهم ليخوض بهم البحار؟
ويجيب التابعى: هؤلاء الكاذبون الخائنون فى إيمانهم المتهالكون على النجاة بجلودهم بأى وسيلة أشبه بفئران السفينة عندما تشرف على الغرق، لقد كنت أمقت الواحد منهم، ولكنى كنت أحترمه لو أنه وقف أمام محكمة الشعب وقفة الرجل الذى لا يبكى ولا يحاول إلصاق التهمة بآخرين ولا يندم ولا يتخاذل، الرجل الذى كان يقول لمحكمة الشعب إنه فعل ما فعل عن عقيدة.. وإنه ليس نادمًا على ما فعل، الرجل الذى كان يتحمل نصيبه من المسئولية كاملًا، ويقف فى ساحة القضاء مرفوع الرأس ثابت الجنان قوى الإيمان بأن ما فعله كان حقًا فى سبيل الله.. وفى سبيل ما قد يلقى من قصاص، كنت أحترم هذا «الأخ المسلم»، ولكننى لم أجده.
ويصف التابعى أحوال المجرمين المتهمين فى محاولة اغتيال عبدالناصر بقوله: كلهم- وبعد أن دخلوا السجون وأطلقت على أعناقهم يد القانون- بكوا وندموا وأسفوا وراحوا مثل جرذان السفينة يتلمسون أسباب النجاة، وهذه هى الدعوة التى أفلحت جماعة الإخوان فى نشرها وتلقينها، الدعوة إلى الجبن والكذب والنفاق.
يوضح التابعى فكرته أكثر: لدينا موضوع ومادة لعشرات المقالات والخطب والأحاديث وكما قلت- لو كان الأمر بيدى- لعبأت كل القوى ولو لمدة أسبوع واحد لفضح هذه الجماعة التى لا يلمس الناس اليوم أثرًا واحدًا لها فى خير أو فضيلة، ولكنهم يلتمسون لها عشرات النقائص والرذائل تعلن عنها أقوال واعترافات إخوانها المسلمين.







