المحرر العام
محمد الباز

تحولات فيلسوف.. القصة الكاملة لمنصور فهمى من الإلحاد المزعوم إلى اليقين المراوغ

منصور فهمى
منصور فهمى

- أدخل الله الإيمان إلى قلب منصور فهمى بعد أن أكثر من قراءة القرآن وتعمق فى دراسة البخارى

- تعرض لظلم بين بسبب ضيق الأفق العام الذى كان سائدًا آنذاك وبسبب عبارات دفعها إليه جموح الشباب

- تعرض للفصل من الجامعة بسبب أطروحة بعنوان «حال المرأة فى التقاليد الإسلامية»

- كتب عنه نجيب محفوظ فى كتابه المعنون «المرايا»: إن محاضراته أقرب إلى التوجيهات العامة

- منصور فهمى هو أشهر المنسيين فى تاريخ الفكر العربى فى القرن العشرين

هل تعرفون الدكتور منصور فهمى؟ 

اسمه بالكامل منصور على فهمى البقلى. 

ولد فى العام 1886 فى قرية «شرنقاش» وهى إحدى قرى محافظة الدقهلية. 

التحق بكتاب القرية الذى تعلم فيه القراءة والكتابة وحفظ قدرًا لا بأس به من القرآن الكريم، ثم أتم دراسته الابتدائية فى مدينة المنصورة قبل أن ينتقل مع أسرته إلى القاهرة، ليحصل على شهادة البكالوريا من إحدى المدارس الفرنسية فى العام 1906، وينتظم بعد ذلك طالبًا فى مدرسة الحقوق. 

قضى منصور عامين فى مدرسة الحقوق، ليتم بعدها اختياره مع عدد من رفاقه للتدريس فى الجامعة المصرية التى تأسست فى العام 1908، ثم يسافر بعد ذلك إلى باريس ليحصل على الدكتوراه فى الفلسفة. 

كان موضوع الدكتوراه الذى درسه منصور فهمى هو «أحوال المرأة فى الإسلام»، ونال درجتها فى العام 1913. 

وبدلًا من أن يعود منصور فهمى ليستأنف تدريسه فى الجامعة المصرية تم قطع الطريق عليه، ليدخل فى شبه عزلة تمتد إلى العام 1920، لتتكون أمامنا أكبر قصة درامية لفيلسوف مصرى، تحوله إلى لغز كبير فى حياتنا.

كان يمكن لمنصور فهمى أن يتحول إلى واحد من أكبر المفكرين المجددين فى تاريخنا المعاصر، لكن يبدو أنه استسلم مبكرًا، بعد أن وجد نفسه بسبب رسالته للدكتوراه فى مرمى سهام التكفير وإنكار الثوابت والخروج على منهج الإسلام. 

 المؤسسة الثيوقراطية أو الحاكمة دينيًا التى تسيطر وتعتم على الجميع فى طريق الزوال

تبدأ قصة منصور فهمى الدرامية من دراسته عن «أحوال المرأة فى الإسلام».

ولكم أن تتعجبوا أن الدراسة التى انتهى منها فى العام ١٩١٣ ظلت حبيسة الأدراج بلغتها الفرنسية فلم تترجم إلا فى العام ١٩٩٧ عندما قامت رفيدة مقدادى بترجمتها وراجعها هاشم صالح وتولت نشرها دار الجمل. 

كانت هذه الترجمة إلى العربية بداية جديدة لمعرفتنا بمنصور فهمى، والتعامل معه على أنه رائد من رواد النظر فى التراث الإسلامى بمنهج جديد، ونعرف أيضًا قصة حياته التى تحطمت على صخرة الرافضين لما أنتجه، ولطريقته فى التعامل مع الحياة، فقد نسى رسالته تمامًا، ومضى للتدريس فى الجامعة وكتابة المقالات فى الصحف حتى توفى فى العام ١٩٥٩. 

مجلس مجمع اللغة العربية الملكى

لكن ما الذى قاله منصور فهمى فى رسالته، وكيف تحولت من عمل علمى يمكن إدارة نقاش فكرى حوله إلى جريمة؟ 

يمكننا أن نفتح معًا كتابه «أحوال المرأة فى الإسلام» لنتوقف قليلًا عند مقدمته التى شرح فيها ما يريد أن يصل إليه. 

ظاهرة عزل النساء لم تكن فقط بسبب العامل الدينى بل هى أيضًا نتيجة السلوك الاجتماعى والفروقات الطبقية

يقول منصور فهمى: غاية هذا البحث هو وضع المرأة فى الإسلام.. فخاصية حياة المرأة المسلمة أذهلت الأوروبيين منذ وقت طويل، فكتب الأدب تصف خيبة المطلقات، وحياة الحريم، وأما علماء العراق فإنهم يصورون النساء بالجاهلات المخبولات والمستعبدات لشهوات الرجل، بينما يصدم المسافر الأوروبى الذى زار الشرق المسلم بالوضع المؤلم للمرأة. 

ينطلق مستكملًا حديثه: الذى يذهل فعلًا فى وضع المرأة المسلمة هو العزلة المفروضة عليها، ومن هنا تأتى أهمية الدراسات المكرسة لدراسة العزلة، ومن ناحية أخرى فإن موضوع تحرير المرأة هو موضوع الساعة فى البلاد الإسلامية المتقدمة، فقد شعر المسلمون بالحاجة لإصلاح السلوك والأوضاع الاجتماعية فى حياتهم، ومن ضمن هذا الإصلاح إعطاء الأولوية لمصير المرأة. 

ويخبرنا منصور فهمى أن البحث الذى يقوم به يؤكد أن ظاهرة عزل النساء لم تكن فقط بسبب العامل الدينى، بل هى أيضًا نتيجة السلوك الاجتماعى والفروقات الطبقية. 

ولذلك فقد كان عليه مع أخذ معطيات تعقد الأسباب التى حددت وضع المرأة المسلمة أن يفحص الأسئلة المختلفة فى الظاهر، لكنها مرتبطة بصميم موضوعه، وهى الدين والقوانين والتقاليد، فكل هذه العوامل متعلقة فى بعضها. 

لهذا السبب تطرق منصور فهمى فى دراسته إلى موضوعات قد تبدو غريبة أو لا علاقة لها بموضوع دراسته، فتحدث طويلًا عن زوجات الرسول- صلى الله عليه وسلم-، لأنها كانت ذات صدى فى مجال القانون، وأثرت على سلوك الناس وتقاليدهم، فذهنية التقليد التى شجعت أوائل المسلمين المتحمسين للقرآن، دفعتهم أن يتبعوا حرفيًا أمثولة النبى، أى فى سيرته وتصرفاته التى اعتبرت موسومة بدمغة إلهية، وكذلك سلوك النبى- صلى الله عليه وسلم- تجاه زوجاته، وهو ما يعتبر أيضًا كمثل تقتدى به الأجيال المتعاقبة. 

ويرى فهمى أن فكرة الثبات المقدسة المدعمة بفكرة الألوهية، وبسبب الضغط الذى مارسته على الضمير قد أبطأت مسيرة التطور الأخلاقى. 

وبعد أن يعترف منصور بأن بحثه هو مناسبة للإشارة إلى التأثيرات الإيجابية التى أثرت على دراسته العلمية، يقول: ولدت مسلمًا ونشأت فى وسط مسلم، وبعدها جئت إلى باريس لإتمام دراستى، وفى باريس وتحت إشراف الأستاذ القدير ليفى- برول اكتسبت المناهج الضرورية للبحث الدقيق، وبحثى هذا يتوخى الحقيقة ولا شىء آخر.

كان منصور فهمى يعرف أن بحثه سيثير من حوله الخلاف، فأشار إلى ذلك بقوله: وقد يعتب البعض من أهلنا- من دون شك لهذه الذهنية النقدية- هؤلاء المسلمون الذى يحفظون احترامًا دينيًا للتقاليد، ونحن أردنا أن نكون صادقين فى عملنا رغم إحساسنا بالتمزق من فكرة جرح أو أذى الضمير المقصود لهؤلاء العزيزين علينا، ومع ذلك يكفى أن نفكر أن الحتمية غير موجودة فى الشخصية الإنسانية، وأن كل شىء قابل للتغير حسب الظروف المجتمعية. 

يضع منصور فهمى منهجه بين أيدينا. 

يقول: نحن فى الحقيقة لا نملك الماضى، وإنما هو بالأحرى ملك الأسباب المختلفة التى أسهمت فى خلقه، ولهذا آمل من أهلنا وأصدقائنا ألا يستاءوا منا، وألا يثير عملنا هذا ابتسامات السخرية والتعليقات اللاذعة بسبب غرابة دراستنا المطبقة على بعض التقاليد والمؤسسات، فلا مبرر للتهكم أو للغضب الذى إن دل على شىء، فهو يدل على عقلية ضيقة أو مغلقة، فالعالم يتجاهل هؤلاء، لأنه يبحث عن الحقيقة، فهل هناك من شعب يخلو من تقاليد شاذة أو غريبة، إن حكمنا عليها من وجهة نظر عصرية أو حديثة؟ 

من خلال دراسته للوثائق التاريخية، استنتج منصور فهمى الوقائع الضرورية التى أمسك من خلالها بخيط العلاقات بينها، وأشار إلى الصلات التى تربط عادة عزل النساء بنظام العبودية، فالأولى تريد التمييز بين المرأة الحرة وبين الجارية، وفى كل المؤسسات المختلفة التى تعمق فى دراستها والتى تشكل القاعدة لعمله، ذهل للصلة النسبية بين هذه المؤسسات. 

يقول منصور عن بحثه ليزيد الأمر وضوحًا: هذا البحث ما هو إلا تفاعل داخلى بين عدة عناصر وأسباب، وسيكون الحكم عليه أفضل إن أخذنا بعين الاعتبار هذا المنطلق- تفاعل مركب- فكل قسم يحمل بصمة مجموع المؤسسات التى بنيت على قاعدة واحدة، ومن جهة أخرى كان علينا أن نجمع بعض المعطيات عن وضع المرأة العربية قبل الإسلام، فسلوك قدماء العرب لعب دورًا فى تكون المؤسسات الإسلامية، وهو ما يساعدنى فى تعقب وباهتمام كبير الانحطاط المتزايد للمرأة المسلمة الذى لم يستطع النظام النظرى المتضمن فى القرآن من أجل حمايتها أن يمنعه. 

وقبل أن يختم منصور فهمى مقدمته، نجده يشير إلى سنوات الدراسة فى السوربون وذكرياته الحلوة فى الحى اللاتينى، والانتظام المفيد الذى خلق منه ومن زملائه عقولًا متفتحة، ويشير إلى أستاذه ليفى- برول الذى أظهر اهتمامًا كبيرًا بتعليمه، وإلى التأثير الإيجابى الذى مارسه على تطوره العلمى. 

فى خاتمة الدراسة يمكننا أن نقرأ ما أعتقد أنه مثل صدمة لمن اطلعوا على دراسة منصور فهمى، وحتى يكون الأمر واضحًا، فإننى سأصوغه فى نقاط محددة: 

أولًا: تخلف المرأة المسلمة حقيقة لا نزاع فيها، فإلى أى حد يمكن إرجاع ذلك إلى الدين؟ فعامة الناس ينسبون إلى الدين أكثر مما يستطيع، فالدين هو نظام عقائدى، حيث الفعل لا أهمية له إلا إذا صاحبته آثار اجتماعية أخرى، ويجب البحث عن هذه الآثار فى الكل الثقافى الإسلامى، ويجب أيضًا رصد الحياة الاجتماعية الحاضرة فى العالم الإسلامى وإلقاء نظرة على الماضى، ويجب أيضًا التمييز بين العصور، الأوساط والطبقات المختلفة، وحينئذ سنرى بروز عدد من الملامح والنماذج الاجتماعية فى مختلف العصور والأوساط والطبقات. 

فالدين هو عامل من بين عوامل كثيرة، وهو ليس بالعامل الرئيسى، ومع ذلك ففيما يخص موضوعنا هذا فإن المرأة فى القرآن وفى السنة تختلف كثيرًا عن المرأة فى الواقع المعاش، فالحياة العملية أو الممارسة لها قوانينها التى هى أقوى من النظرية، ويمكن القول بأن الأسباب المعقدة والمتطلبات الملحة للحياة الاقتصادية والاجتماعية هى التى حسمت التطور الحقيقى للمرأة المسلمة. 

ثانيًا: فى الكل الفوضوى للتقاليد يستطيع الناقد أن يميز صوتًا رقيقًا متحمسًا وإنسانيًا كان لا بد منه للتطور الذى حدث داخل الجزيرة العربية، فبالنسبة للفقيه المؤمن كان ذلك الصوت هو صوت الله الذى ينبغى أن يرن صداه فى الأبدية اللامتناهية، أما بالنسبة للعالم الاجتماعى فإنه كلام الإنسان الذى يفكر تحت تأثير محيطه، ويصوغ قواعده حسب أخلاق وتقاليد عصره، وهذا هو موقف المصلح البارع الذى يعبر عن هوية النبى محمد. 

ثالثًا: أين نجد الكلام الصالح والمقدس للنبى الذى كان همه أن ينظم المجتمع العربى؟ فلا القرآن بشروحه أو تفسيره ولا مجموعة روايات السنة تستطيع دون نقد قاس أن توصلنا إلى ذلك الصوت الذى خنقته الأخطاء التاريخية المتراكمة فى تاريخ الإسلام، وإذا ما تم ذلك النقد نستطيع أن نجد كلمة منبعثة من فكر سليم وحقيقة تفرضها الطبيعة الإنسانية، وقانونًا تفرضه الضرورات الاجتماعية، وحماسًا للنظام والجمال والعدالة. 

من هنا يمكننا سماع الصوت الواضح للنبى محمد، وهنا أيضًا سيكون الملاذ الأخير للذين يريدون التمسك بالعقائد التى ببقائها راسخة وسط المتغيرات التى يجلبها التطور حتمًا، يستطيعون المحافظة على فكرة الثبات الإلهى، وهى فكرة غالية جدًا على قلوب المؤمنين. 

رابعًا: سيأتى اليوم الذى ينشق فيه التراث الإسلامى إلى قسمين: قسم قليل سوف يبقى على أمد الدهر، وهو يمثل العقائد التى تشبع الطبيعة الميتافيزيقية ورغبات النفوس الورعة والتقية، وقسم كبير يمثل العادات والتقاليد القديمة، وسوف ينفرض كليًا عندما يدخل التقدم والمؤسسات الجديدة إلى البلدان الإسلامية ويحلان محلها، وعندما تنقرض هذه المؤسسات البالية فإن علماء الاجتماع والفنانين سيجدون فى جردها مادة ممتعة للبحث التاريخى، ووقتها تصبح مؤسسات الزمن القديم التى مارست فى البلاد الإسلامية شريعة الذحل «قانون عقوبة المثل» فى حكم المهمل والمنسى، أما المؤسسات الأخرى التى هيمنت على الوعى طيلة قرون وقرون فستصبح حينئذ خاضعة للفكر ولتحليل الإنسان. 

خامسًا: قضية المرأة تطرح من جديد وبعيون جديدة بعد أن تم من الانصراف عنها بسبب آثار التقاليد القديمة والبالية التى ظلت عالقة بها، فى مصر والقوقاز وفى الهند وتركيا وبلاد شمال إفريقيا المتقدمة، كل امرئ يشعر الآن بأهمية الموضوع ويناقشه مشاركًا فى معركة تحرير المرأة، وأما الدين فيتراجع أمام هذه التيارات التحديثية لكى يعتكف فى ميدان الشعر والميتافيزيقا. 

فالدين فى بداية عهده يشبه الشجرة التى تمد ظلالها أكثر فأكثر، كلما ازدادت قوة ونموًا، فقد أظل الإسلام بظلاله الكثير من المعتقدات المختلفة والظواهر الاجتماعية المتعددة، وقد تدخل الله حتى بتفاصيل حياة البشر، وقد كان الهدف من بحثنا هو أن نكشف عن تاريخية الظواهر، وأن نربطها بالعوامل الاجتماعية، وأن نزيل عنها غبار الزمن المتطاول، والتقديس الذى لا مبرر له، فالفتوحات ونظام الرق والطبقات الاجتماعية وتعدد الزوجات والحكم الاستبدادى كلها أشياء أسهمت فى الانحطاط وتدهور وضع المرأة. 

سادسًا: العوامل الاجتماعية التى لعبت دورها فى تزايد انحطاط المرأة هى فى طريق الانحلال، والمؤسسة الثيوقراطية أو الحاكمة دينيًا التى تسيطر وتعتم على الجميع هى أيضًا فى طريق الزوال، فالتطور المحتم الذى لا مفر منه آخذ فى التشكل لتحرير المضطهدين، وقريبًا فإن الصورة العليلة للمرأة المسلمة ستتغير وستتحلى بالعافية والحيوية، عندما تنجح جهود الشبيبة التقدمية بإصلاح المجتمع وتنظيفه من التقاليد البالية، وعلى أنقاض المؤسسات المحطمة ستتشكل مؤسسات أخرى محافظة على خاصية وطبيعة الشعوب والأوساط الإسلامية، وإن تحرير المرأة سيتبع بالضرورة نفس قوانين المؤسسات الجديدة وبعيدًا عن تقليد المرأة الأوروبية ستحرر المرأة المسلمة، وستتطور وستأخذ كرامتها، وأخيرًا حقوقها حسب تاريخ وعبقرية شعبها. 

سابعًا: عندما نتأمل فيما يجرى فى العالم الإسلامى لا يسعنا إلا أن نحنى الرأس أمام ذكرى الكاتب المصرى قاسم أمين الذى بذل حياته فى سبيل قضية تحرير المرأة، والذى خطفه الموت قبل أن يتمكن من التمتع بنتيجة أعماله، فلنأمل أن تتواصل مسيرة التقدم لكى تكمل رسالته. 

بعد هذه الخاتمة نقرأ فى الكتاب نفسه مقالًا كتبه محمد حربى، ونجد فيه إشارة لما جرى لمنصور فهمى بسبب رسالته للدكتوراه. 

يقول حربى: كان يمكن لهذه الرسالة أن تختفى تحت أنقاض الدراسات الجامعية الأخرى، لولا أن حراس النظام التقليدى القديم قد هاجموها وصبوا عليها جام غضبهم، وهم بذلك أشهروها على غير علم منهم، وأتيح لها أن ترى النور وتنتشر بين الناس. 

يشير محمد حربى إلى أن منصور فهمى كان قد تعرض للهجوم فور عودته إلى مصر، فقد شهر به بعض الصحفيين الذين لا ضمير لهم، وحرضوا عامة الناس عليه لكى ينتقموا منه، ومما يؤسف له أن السلطات الجامعية انحنت بكل عار أمام هذه الحملات الصحفية الكاذبة، ولم تفعل شيئًا للدفاع عن أحد أعضائها، فقد تمت محاكمته بناء على تقرير لئيم ومغرض يقول ما معناه: إن المدعو منصور فهمى قد ناقش فى فرنسا أطروحة دكتوراه مضادة للإسلام ونبيه، وذلك تحت إشراف أستاذ يهودى يدعى ليفى- برول، وهكذا اضطهد منصور فهمى وأزيح عن التدريس الجامعى فى مصر، ولم يعد إلى الجامعة إلا بعد ثورة ١٩١٩. 

ويضيف حربى: يمكن القول إنه قد نسى من قبل الناس ولم يعد موجودًا كمفكر بعد عودته تلك، فقد حطمته الرقابة الصارمة والضغوط الاجتماعية وقضت على آماله وأحلامه فى التقدم والبحث العلمى، إن من يجهل الإكراهات اليومية الممارسة على الوعى فى المجتمعات الإسلامية لا يمكنه أن يفهم مسار منصور فهمى ولا مصيره، والواقع أنه تأثر كثيرًا من الناحية النفسية بعد أن أنكروا عمله واحتقروه، ولم تقم له قائمة بعدئذ، نقول ذلك على الرغم من أنه كان باحثًا صاعدًا يعد بعطاء كبير.

لا يمكننى أن أنكر على محمد حربى ما قاله من إشارات إلى قطع الطريق على منصور فهمى الذى كان يبشر بباحث مهم، لكننى أختلف معه، فلم ينته فهمى كمفكر وباحث مهم فقط؛ لأن هناك من هاجمه وانتقده، لكنه لأنه هو أيضًا استسلم ولم يقاوم. 

وهنا يمكننا أن نعود إلى القصة كما جرت. 

ليس صحيحًا أن الهجمة على منصور فهمى بدأت بعد أن عاد من باريس حاملًا شهادة الدكتوراه، لكنها بدأت وهو هناك، وقبل أن يناقش رسالته من الأساس. 

ما جرى أن الجامعة المصرية التى كانت فى بداياتها تلقت تقريرًا من أحد الصحفيين يصف فيه رسالة منصور فهمى بأنها تعادى الإسلام وتخرج على ثوابته، وأن الأستاذ الذى أشرف على الرسالة يهودى، وقد يكون هو السبب فى أن يأخذ منصور فهمى هذا الطريق، فلا بد أن لأستاذه تأثيرًا كبيرًا عليه. 

لم تكذب الجامعة خبرًا، ولم تبحث فى حقيقة التقرير، لم تطلب نسخة من رسالة فهمى، ولم تستفسر منه عما قدمه فيها، صدقت ما جاء فى التقرير، وعلى الفور أرسلت إلى جامعة السوربون وطلبت منها تأجيل مناقشة الرسالة، إلا أن إدارة السوربون رفضت الطلب المصرى، وتمت مناقشة الرسالة فى موعدها المحدد. 

وعن كتاب «دور جامعة القاهرة فى بناء مصر الحديثة» الذى جمع مادته «دونالد مالكوم» ينقل سعيد الشحات فى زاويته الصحفية «ذات يوم»: أزعج عنوان رسالة منصور فهمى فى حد ذاته المسئولين بالجامعة المصرية، الذين كانوا قد أغلقوا قسم الطالبات قبل ستة أشهر، فأبرق مجلس الجامعة إلى باريس طالبًا تأجيل مناقشة رسالة فهمى، وكان مقررًا عقدها فى أول ديسمبر ١٩١٣، لكن المناقشة جرت فى موعدها، ونال فهمى الدكتوراه، وبعد أربعة أيام اجتمع المجلس لبحث الأمر، وحضر هذا الاجتماع ماسبيرو وعالم الآثار الإسلامية على بهجت. 

ويضيف مالكوم: كانت الجامعة المصرية قد سددت ثمن طباعة الرسالة، فأبرقت إلى باريس بطلب إعادة النسخ الباقية، وأصدرت أمرًا بعودة فهمى إلى مصر، وبعد ذلك حرصت الجامعة على مراجعة جميع موضوعات الرسائل ومسوداتها قبل تقديمها إلى الجامعات الأوروبية، وألغت تعيين فهمى فى منصب الأستاذية، كما حرم من العمل فى الوظائف الحكومية، واستمرت الجامعة عامًا كاملًا دون تدريس مادة الفلسفة، ثم أوكلتها إلى مستشرق إسبانى. 

كان الدكتور طه حسين أحد ضحايا ما حدث مع منصور فهمى. 

يقول: كان الدكتور طه حسين ممن طبقت عليهم الجامعة المصرية شرطها بأن تتلقى رسالته عن «ابن خلدون» قبل مناقشتها فى السوربون. 

وعندما نفتح كتاب «الأيام» الذى وثق فيه طه حسين ذكرياته وقصة حياته، نجده يقول: كان الصديق الكريم الدكتور منصور فهمى هو الذى اضطر الجامعة إلى أن تأخذ طلابها فى أوروبا بأن يعطوا أنفسهم هذا العهد، فالناس لم ينسوا ما أثارت رسالة الدكتور منصور فهمى من ضجيج وعجيج أثار سخط الهيئات الرسمية أولًا، وسخط الرأى العام بعد ذلك، واضطر الصديق الكريم أن ينأى عن مصر قريبًا من عام، ولا يعود إليها إلا حين اضطرته الحرب أن يعود، وحيل بينه وبين التعليم فى الجامعة أعوامًا حتى إذا كانت الحركة الوطنية سنة ١٩١٩، وما نشأ عنها من الأحداث ومن تحرر العقول، أذن له بما كان ينبغى أن يؤذن له منذ أتم دراسته فى فرنسا، ومنذ أثار الدكتور منصور ذلك الضجيج أقامت الجامعة نفسها رقيبًا على رسائل طلابها، وأخذت عليهم العهد ألا يقدموا رسائلهم إلى الجامعات الأجنبية، حتى تأذن لهم هى فى ذلك، وبعد أن تقرأ الرسائل وتقرها. 

عندما عاد منصور فهمى إلى القاهرة وجد حملة صحفية فى انتظاره، وكانت الاتهامات الموجهة إليه تتلخص فى أنه ملحد يسعى إلى إفساد الشباب ويقود مؤامرة يهودية ضد الإسلام.. وكان قرار فصله من الجامعة جاهزًا على التوقيع. 

وقد تسأل عن الذى أزعج دعاة التقليد وحراسه فيما قاله منصور فهمى. 

هنا يمكننا أن نضع أيدينا على عدة نقاط مهمة، أعتقد أنها هى التى أزعجت المعترضين وحراس العقيدة. 

أولًا: كان منصور فهمى يفرق فى دراسته بشكل واضح بين الدين الذى نزل على النبى محمد، فهو يمثل العقيدة فى نقائها الأول، وبين المؤسسات التى ظهرت من أصول مختلفة، أخذت بمرور الزمن هيبة القوانين المقدسة، وبينما كان النبى محمد يسعى إلى حماية المرأة وصيانتها، فإن المؤسسات الدينية والقوانين أدت إلى انحطاط وضع المرأة، وذلك لأنها حولت سلطة الأب أو رب العائلة إلى سلطة مقدسة تصل فى درجتها إلى سلطة الله. 

ثانيًا: هذا الوضع الدينى الذى ظهر فى صورة وضع اجتماعى جعل البيت هو عمل المرأة الوحيد، وقضى عليها أن تنزوى فيه قهرًا ولا تخرج منه إلا إلى قبرها. 

 رأى منصور فهمى أن الحجاب ليس إلا حصيلة للتقاليد المجتمعية ولا علاقة له بالدين

ثالثًا: على الرغم من أن الإسلام أعطى للمرأة شخصية خاصة بها، إلا أن المرأة بعد الإسلام وجدت نفسها فى وضع أكثر دونية عما كانت عليه قبل الإسلام، فإذا كانت وضعيتها متدينة نظريًا قبل الإسلام، إلا أنها كان لها حضور اجتماعى، فكانت تشارك فى الغزوات وتعمل فى التجارة ولها حرية اعتناق الدين الذى تريده، لكن بعد الإسلام ومن خلال تفاوت النصوص المقدسة، انقلب أمرها، فنظريًا كان من المفترض أن تكون أفضل، لكن واقعيًا واجتماعيًا كانت أسوأ بكثير، فقد أسهمت المؤسسات ذات المصادر المختلفة كتعدد الزوجات والأرستقراطية والثيوقراطية فى ترسيخ مهانة المرأة تدريجيًا. 

رابعًا: رأى منصور فهمى أن الحجاب ليس إلا حصيلة للتقاليد المجتمعية، ولا علاقة له بالدين، فالشريعة الإسلامية لا علاقة لها بالحجاب، ودخل إلى ذلك من مدخل أن الحجاب والعزلة لم يفرضا على الجوارى، بل إن عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- نهر الجارية ذات الحجاب؛ لأنها تشبهت بالحرائر، وعليه ففى العزلة والحجاب تمييز للحرائر كشرف لبنات الطبقات الراقية عن بنات العامة، وهى الفكرة التى تطورت من ميراث عزل المرأة بعيدًا عن الحرب القبلية حتى لا تؤخذ كغنيمة حرب. 

الحجاب لم يكن عادة عربية لكننا أخذناه عن شعوب أخرى مثل الترك والفرس ولم يستعمل النقاب أبدًا فى عصر الرسول

خامسًا: ذهب منصور فهمى إلى أن الحجاب لم يكن شاملًا فى عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم تخضع النساء جميعًا لاستعمال الحجاب، وقد أخذت عادة الحجاب مع مرور الزمن تعمم مع تقدم الإسلام، وعليه فالأمر طبقى بالأساس، حتى إن عزلة النساء أصبحت مع الزمن شيئًا مألوفًا حتى أصبحت شيئًا طبيعيًا. 

سادسًا: الحجاب لم يكن عادة عربية، لكننا أخذناه عن شعوب أخرى مثل الترك والفرس، ولم يستعمل النقاب أبدًا فى عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، ويستشهد بما قاله ابن سيرين- وهو من علماء القرن الأول الهجرى- الذى يقول إن النقاب لم يكن سوى موضة تم استحداثها فى النصف الثانى من القرن الأول الهجرى. 

لم يسأل منصور فهمى ولم يناقش ولم يقاوم ولم يعترض.. بل إنه لم يرد على أى هجوم قاده ضده أزهريون وسياسيون، بل قرر العودة إلى قريته «شرنقاش» وعمل فى زراعة أرضه، حتى قامت ثورة ١٩١٩، فقرر العودة وكله أمل فى أن يكون الناس نسوا أمر رسالته. 

قبلت الجامعة عودة منصور فهمى إلى التدريس، لكنها كانت عودة مشروطة بأن يعتذر عما جاء فى رسالته، وأن يعلن توبته عن أفكاره السابقة، وهو ما استجاب له دون أن يناقش. 

يقول منصور فهمى عن ذلك: يبدو أننى انحرفت قليلًا، حيث كانت معلوماتى عن الإسلام طفيفة، وحين قوبلت بضجة كبرى ازددت عنادًا، ثم كتب الله أن أجلس طويلًا مع بعض المشايخ العلماء من ذوى الأفق الواسع والصدر الرحيب، فبدأت أخلص من الزيغ لأعود إلى حظيرة الدين والحمد لله. 

عمل منصور فى الجامعة كأستاذ عادى لا شىء يميزه، واستطاع أن يصل إلى رئاسة قسم الفلسفة وعمادة كلية الآداب، وخارج الجامعة عمل مديرًا لدار الكتب، وتولى رئاسة جامعة فاروق الأول «الإسكندرية حاليًا»، وشارك كعضو مؤسس فى مجمع اللغة العربية.

ترك منصور وراءه تمامًا دراسته الأولى، لم يعد إليها، ولم يفكر فى أن يواصل اجتهاداته، أسهم بكتابات فى الصحف والمجلات الثقافية، لكنه لم يهتم بإصدار كتب أخرى. 

فى مقاله «منصور فهمى بين اتجاهين» الذى كتبه محمد رجب البيومى فى الهلال عدد ١ مارس ١٩٨٨ يحدثنا عن كتابات منصور فهمى الصحفية: 

يقول: كان الدكتور منصور فهمى ينشر مقالاته الأدبية فى الصحف والمجلات، فتحدث أثرها القوى بما تتضمنه من فكر نير، وتعبير مشرق، وخيال موثق، ولا أدرى لماذا لم يحرص على جمعها فى كتب متداولة، كما فعل زملاؤه من أمثال طه حسين وأحمد أمين والمازنى والعقاد والبشرى، حيث لم يترك غير مجموعة صغيرة أخذت عنوان «خطرات نفس»، وقد أتيح لنا أن نسمع خطبه الرائعة بجمعية الشبان المسلمين، وكلماته الرصينة بمجمع اللغة العربية، لنتذوق أشهى ما يقدمه المفكر الأديب من عطاء فياض، كما أتيح لنا أن نسعد بمجالسته والاستمتاع بثمار خواطره فى سويعات حافلة هى من أشهر الذكريات. 

ويتساءل البيومى عن سر الإهمال المتعمد حين يترك هذا المفكر المبدع خواطره تمضى فى طيات الصحف، فلا يقرؤها التالون من أبناء العربية. 

حاول أن يقدم رجب تفسيرًا لذلك، يقول: لعل روح الفيلسوف قد طبعته بميسم الزهد الجانح عن المباهاة، إذ إنه رأى فى كل ما قدم من روائع ما لا يراه الناس، فحسبه قطرة فى محيط زاخر يمتد تياره من الأزل إلى الأبد، فى هضم الفكر الإنسانى الرحيب، ولو علم أن هذه القطرة الصافية قادرة على أن تبل الظمأ وتنفع الغليل، ما تركنا اليوم نتلهف على مقالاته بالأهرام والسياسة والهلال والسفور ومجلة المجمع ومجلة الشبان، كما نتلهف على حلم لذيذ طاف بالعين قليلًا ونكص. 

ولو كان رجب البيومى قرأ مقالًا كتبه طاهر الطناحى فى مجلة الهلال أيضًا ولكن فى عدد ١ مايو ١٩٥٩ لوجد إجابة عن إهمال منصور فهمى فى مسألة جمع مقالاته فى كتب أو إصدار كتب من الأساس. 

كتب الطناحى عن منصور فهمى فى مقاله الشهرى الذى كان ينشره تحت عنوان «حديث القلم». 

يخبرنا عن معرفته به أولًا، يقول: عرفت منصور فهمى فى عنفوان الصبا، ومشرق الشباب، وكنت أتردد على الجامعة المصرية قبل تحويلها إلى الحكومة بعام، وكان يدرس الفلسفة وعلم الأخلاق بأسلوب جديد، وكنا نحن الشباب نتعشق الأسلوب الحديث والتجديد فى الكتابة والخطابة والتدريس، وكانت المدرسة الجديدة ظهرت فى ذلك الحين قد فتحت أمام الجيل الجديد آفاقًا جديدة فى العلوم والفنون وطرق البحث، وكان منصور فهمى أحد أساتذة هذه المدرسة وأعلامها الميامين، ثم مضت الأيام والأعوام، وعرفته صديقًا فى الصحافة، وكاتبًا اجتماعيًا كبيرًا اتصلت أسباب عملى بلقائه كثيرًا، فزادتنى معرفتى له عن كثب تقديرًا لأدبه وعلمه وخلقه الكريم، وقد كان خير ما فيه عفة لسانه وصفاء نفسه وطهارة جنانه وزهده فيما يطمع فيه الكثيرون وقناعته حيث يكون الطموح افتئاتًا على الغير أو اغتيالًا لحق من الحقوق، وكان عصاميًا مجاهدًا، لكنه كان يؤثر السلام على الحرب، فلم يدخل يومًا فى معركة، بل كان يأخذ الحياة من طريقها الآمن، فابتعد عن الصراع ابتعاد الفيلسوف الذى هانت عليه الدنيا وآثر الراحة والهدوء، ولهذا لم يعرف أنه نازع مع المنازعين، أو اضطهد مع المضطهدين، وقد ثابر على وظيفته بخلقه الرضى حتى صار عضوًا فى مجمع الخالدين. 

طرقنا باب الطناحى ليفسر لنا لماذا لم يصدر منصور فهمى كتبًا، ولماذا لم يضم مقالاته التى نشرها فى الصحف فى كتب ليتركها خلفه، فإذا به يقابلنا أولًا بتفسير لماذا لم يدخل معركة من أجل اجتهاده فى رسالته للدكتوراه عن أحوال المرأة فى الإسلام، فقد كان رجلًا مسالمًا يبتعد عن المعارك. 

لا يتركنا الطناحى نقف كثيرًا على بابه، لكنه يتحدث عن زهد منصور فهمى فى الكتب، وأعتقد أن ما قاله يدخل فى باب العجب العجاب. 

يقول تحت عنوان: لماذا لم يؤلف؟ عاش منصور فهمى أستاذًا ومحاضرًا وكاتبًا، ولو جمعت محاضراته وكتاباته لملأت عددًا من الكتب، ولكنه رحمه الله كان لا يميل كثيرًا إلى التأليف، وعلى الرغم من أنه تولى منصب المدير العام لدار الكتب المصرية، فقد كان يرى أن هذه الكتب المكدسة ما هى إلا قبور أو جثث تراكمت فى أنحاء المكاتب والحوانيت، وأن مقتنيها وبائعيها تربيون يعيشون بجانب عالم من الأموات، وأن القليل منها جدير بالتقدير والتقديس؛ لأنه يؤدى رسالة العلم والفن والحياة، أما الكثير من الكتب فهو مصنفات يكرر بعضها بعضًا بصور مختلفة. 

ويضيف الطناحى: روى لى منصور فهمى وأنا جالس معه فى مكتبته الخاصة ما قاله جيته الفيلسوف الألمانى عن الكتب على لسان فوست: هذه الكتب عالم تسرح فيه العتة، ويسوق الضجر إلى النفوس، ثم قال: ولقد مر بالفيلسوف ديكارت وقت نصح فيه الناس بعدم القراءة، لأنه رأى أن كثيرًا مما تحويه الكتب باطل، وأن بعضها ناقل عن البعض الآخر، وليست محتوياتها غير تكرار لمادة ضئيلة قد يكون فى النظر إلى الحياة وممارسة تجاربها غنى عن ضياع الوقت، وإعنات الذهن والنظر فى الاطلاع عليها، ولذلك نرى كثيرًا من العلماء يحجمون عن تأليف الكتب حذرًا من التكرار، وقد قضى جافان حياته ولم يؤلف غير قصة واحدة عن حياته وحياة امرأته حبًا فى ذكرى عهد سعيد من أيامه. 

قد يمر علىّ وعليك منصور فهمى مرورًا عاديًا، إذ ما الذى حدث، فقد قدم أفكارًا رأى أنها خطأ فتراجع عنها، لكننى أعتقد أن المسألة أعمق بكثير، فنحن أمام مفكر يمكننا التعامل معه على أنه نموذج للخضوع لسطوة واستبداد المجتمع الذى لا يريد أن يفكر، ولا يترك أحدًا يفكر، فهو يعيش على ما تركه له أسلافه دون محاولة للتفكير لنفسه على ضوء ظروفه وأحواله واحتياجاته. 

يردد عدد من الوعاظ ومن يقدمون أنفسهم لنا الآن على أنهم علماء دين عن منصور فهمى قصصًا كثيرة مفادها أنه كان ملحدًا، لكنه تاب وعاد الإسلام، ويستشهدون على ذلك بمقال كتبه الدكتور محمد أبوزهرة عن فهمى بعد وفاته. 

يقول أبوزهرة: اختار الله للقائه عالمًا عظيمًا ومؤمنًا تقيًا، ورجلًا ذا خلق قويم، هو الدكتور منصور فهمى الذى ينتهى نسبه إلى الحسن بن على، بدأ حياته فى تربية مدنية حتى تخرج فى الجامعة المصرية القديمة فى فوجها الأول، وذهب إلى فرنسا، ونفسه الحساسة قد تأثرت بما فى فرنسا من انحراف فكرى، فبدت فى كتاباته عبارات منحرفة عن الإسلام، ولما قاومه المتدينون وغيرهم ازداد عنفًا فيما أصيب به عقله من انحراف، وكان عجبًا أن يكون ذلك من سلالة النبى، حتى لقد شك العارفون فى هذه النسبة، وظنوها من أخطاء التاريخ أو افتراءات بعض الناس. 

كانت هذه المقدمة ضرورية غالبًا بالنسبة لمحمد أبوزهرة حتى يبنى عليها ما يريد أن يقوله بعد ذلك. 

يقول: ولكن فوجئ الناس بالدم الطاهر يتغلب على انحراف فرنسا، فإذا منصور فهمى هو النقى الطاهر والمحتسب كل أعماله إلى الله. 

وتحت عنوان دال جدًا هو «كيف دخل الإيمان قلبه؟ يقول أبوزهرة: لقد تاب وأناب، وكان كلما تذكر ما كان منه ذرف الدموع، فكان يحس بألم المعصية إحساسه بروعة التقى، ولقد ذاكرناه مرة: كيف دخل الإيمان قلبك؟ 

منصور فهمى مع عباس العقاد

أجاب منصور فهمى عن هذا السؤال بقوله: لقد ابتلانى الله بالانحراف الذى سميته ردة، ولكن الله الذى اختبرنى بالانحراف هدانى بالإيمان، ولقد كان انحرافى فكريًا، ثم اشتدت بى اللجاجة عندما رميت بالكفر، واستمررت على ذلك حتى لقيت المرحوم الشيخ الأكبر حسونة النواوى، زرته فى منزله فى سنة ١٩٢٥، فوجدت شيخًا وقورًا يملأ القلب بمهابته وتقواه، وكنت أسمع الكثير عن شجاعته وهمته واستهانته بشئون الدنيا، فلما قدمت إليه قال لى: أأنت الذى يقال عنك ملحد؟ فقلت: نعم يا مولاى، فربت على كتفى، وقال لى: اقرأ القرآن، واقرأ البخارى إن لم تكن قرأته، فوعدت الشيخ الوقور بذلك. 

يستكمل منصور فهمى الحكاية التى نقلها عنه أبوزهرة: ولما خرجت استحييت ألا أفى بعهدى، فعكفت من بعد ذلك على قراءة البخارى، وعجبت لغفلتى الأولى، وجدت حكمًا ونظمًا، وأخذت أقارن ذلك بما درست من فلسفة، فوجدت ما جاء به محمد أعلى من كل فلسفة، وأن الإلهام الإلهى يبدو فى كل حديث، فلم أجد إلا أن أقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، تبت إلى الله ورجعت إلى الله. 

ويختم محمد أبوزهرة مقاله بقوله: من ذلك الوقت والدكتور منصور فهمى يقوم بحق الإسلام عليه، يدعو ويرشد ويهدى ولا يهمه أن يقول عنه الناس: إنه رجعى أو مجدد، إنما يهمه أن يعرف الناس بحقائق الإسلام، وكان أحب المجالس إليه تلك التى فيها إعلاء للإسلام، وإنا نقول: إن الدكتور منصور فهمى آمن بالإسلام كما آمن الصديقون لأنه لم يرثه وراثة، بل اعتنقه دراسة وتفكيرًا. 

لم يكن ما كتبه محمد أبوزهرة غريبًا بالنسبة لى، لكننى توقفت عند ما نسب إلى العقاد الذى كان يعرف منصور فهمى جيدًا وكان زميلًا له فى مجمع اللغة العربية. 

ففى رثاء منصور فهمى قال العقاد: التقيت به حيث كان يخطب خطبة وطنية آخر سنة ١٩١٩، فوجدت رجلًا مديد القامة يلقى خطبة بصوت مهدج جياش، يصل إلى النفوس، فسألت: مَن الرجل؟ فقيل لى: منصور فهمى، وكان يذكر اسم رجل آخر، وهو مرقص فهمى، فقلت لمن بجانبى: أهذا هو الذى يقولون إنه كان محاميًا؟ قال: لا، إن هذا مسلم، فقاطعنا ثالث وقال: ولكنه ملحد، ولكننى مع كل هذا آنست فى الرجل معنى كنت أتمنى له الهداية بعد الضلال. 

يكشف العقاد عن أنه اتصل بمنصور فهمى تلميذ له. 

يقول: فى آخر سنة ١٩٢٠ عُيّن مدرسًا للفلسفة بالجامعة المصرية، فكان يلقى الدروس، وبأسلوب عربى فصيح، يجمع بين المحاضرة والخطابة، وكانت تبدو منه عبارات أحيانًا لا تخلو من انحراف، ولكنه سرعان ما يطويها طيًا ويسترسل، ولا يلج فى الدعوة إلى الشر، كما يفعل غيره من زملائه الذين ما زلنا نسمع منهم الضلال إلى اليوم. 

التقى العقاد بعد ذلك- كما يقول- الشيخ محمد الببلاوى، يقول: ذكرت له ما أحس به نحو ذلك الرجل، فقال: إننى لأرجو ما ترجو لأنه حسنى، وهو عندنا من الأشراف الحسنيين الثابتى النسب، فقلت له: إذن فإننى مطمئن بأن ذلك الرجل سيهديه الله سبحانه وتعالى، وأعتقد أنه لو لم يشتهر بالإلحاد، ولو لم يناوله ناس بأنه ملحد، لسارع إلى الهداية. 

ويضيف العقاد: بعد ذلك علمت أن الله تاب عليه، وهو فى الجامعة كان حصن الإسلام من سنة ١٩٢٧ إلى أن تركها فى سنة ١٩٣٥، ولعل من مآثره أن كلية الآداب بعد أن كثرت فيها الطالبات مع الطلبة، فأصر على أن يكون لهن غرفات خاصة للدراسة، واستمسك بذلك ولم يحدث الاختلاط إلا بعد أن ترك الجامعة. 

ويختم العقاد كلمة رثائه لمنصور فهمى بقوله: لقد أدخل الله الإيمان إلى قلب منصور فهمى بعد أن أكثر من قراءة القرآن وتعمق فى دراسة البخارى، ولقد قلت مرارًا فى غير حضرته: إنه آمن كما آمن الراشدون، لأنه لم يرث الإيمان ميراثًا، بل اعتنقه بالحجة والبرهان. 

ويدخل على خط اختطاف منصور فهمى الدكتور محمد رجب البيومى بمقال الهلال الذى عرض فيه لفهمى بين اتجاهين. 

يقول البيومى: عندما قدم منصور فهمى رسالته كانت ثقافته ثقافة طالب يحمل الشهادة الثانوية فحسب، وطبيعى أن مثله ممن لم يقرأ القرآن، ولم يدرس تاريخ نبى الإسلام، لا يستطيع أن يخلص من تأثير أساتذة كبار يحاطون بهالات التقديس، ويظهرون الإخلاص العلمى للحقائق، على حين يخفون المكيدة الآثمة لهذه الحقائق عدوانًا وإثمًا، فانساق إلى أوهام باطلة، سجلها فى رسالته، وعاد إلى مصر فرحًا بمرتبة الشرف التى نالها، والباحث الناشئ لم يكن وصوليًا فى انتهاز الفرصة حين أرضى حقود مشرفه، ولكنه كان جاهلًا بالحقائق الإسلامية، وقد تلقاها مشوهة كاذبة عن قوم مغرضين، فهو حين خط الرسالة لم يكن منافقًا يُظهر غير ما يُبطن، ولكنه كان جاهلًا لا يعرف أبعاد ما يكتب، ونحن نقرر ذلك، لنعرف أسباب توبته السريعة فيما بعد، إذ اتضحت له الحقائق الخالصة دون زيف، فأسرع إليها نادمًا مخلصًا، وأسرع المخطئ إلى تصحيح أخطائه، وكم رأينا من المخطئين فى بحوثهم العلمية مَن يصرون على الخطأ تعاليًا على الاعتراف به، وهم من الحق بمكان بعيد. 

ويضيف: طرد الدكتور منصور فهمى من الجامعة، ورأى نفسه فى الفضاء الفسيح دون أن ينتفع بجهوده، وقد طلب منه أن يعلن خطأه، فامتنع، وهو فى إصراره المبدئى يعتقد أنه كتب ما كتب عن دراسة واعية، ولكن مساجلات شفوية، دارت بينه وبين كبار العلماء أقنعته أنه اعتمد على روايات كاذبة تذكر فى الحواشى خطأ، كما ألم بأن ما يقال فى كتب المناقب، منه الصائب والمخطئ، وأن الحديث النبوى له مصطلح دقيق يعرف به الصحيح من الموضوعات، وقد فاقت كثرة الموضوعات ما روى من الصحيح، وعلى الدارس أن يرجع إلى الصحاح من الأسانيد وأن يقف على جهود العلماء فى إيضاح المرسل والمتواتر والمتصل والمنقطع والمرفوع من كلام رسول الله حتى يعلم ما يستشهد به، وما مكانه من الصحة والخطأ. 

منصور فهمى عاد وآب ليتخذ مكانه بين الأعلام العاملين فى «جمعية الشبان المسلمين» والكتاب المدافعين عن الإسلام

وبيقين يقول البيومى: هذه المناقشات رفعت عن عين الدكتور منصور فهمى ستارًا كثيفًا فأخذ يبحث عن الحقيقة، وكأنه فى صحراء مبهمة لا يجد الطريق، وما زال يبحث ويجد، ولم تجد القراءة وحدها، بل كان الاتصال بأئمة الإسلام مصباحه الوضىء. 

ويدلل البيومى على ما رآه من توبة منصور فهمى، يقول: فى السنوات الأخيرة التى أدركت فيها جانبًا شخصيًا من حياة الفيلسوف الكبير، دفعتنى إلى الإعجاب به وتذكر مواقفه المؤمنة، كنت أصلى المغرب منفردًا بمسجد جمعية الشبان المسلمين ذات مساء، فأحسست إنسانًا يصلى خلفى مؤتمًا بى، فاطمأننت كثيرًا لأصلى صلاة الإمام، وحين ختمت الصلاة أدهشنى أن يكون المأموم أستاذنا الأكبر منصور فهمى، فأبديت حيرتى الكبيرة، ولحظ الرجل الكبير مشاعرى المتسائلة، فربت على كتفى فى لطف، وقال فى مودة: الشاب أَوْلى بالإمامة من الشيخ، لأن الشاب لم يسود من الصفحات ما سوده أبوه وجده، فقلت: وأى شاب يبلغ مبلغ أستاذ الجيل، فابتسم وأخذنا نتحدث عن شئون دينية حتى قدمت العشاء. 

وفى تقدير أعتقد أن فيه بعض المبالغة، يقول البيومى: فى كتاب «خطرات نفس» لمنصور فهمى موضوع رائع تحت عنوان «أنت أنت الله» يصلح أن يكون نشيدًا للمؤمن المنيب، وقد كان السلف من آبائنا يقرأون أوراد الشاذلى والبكرى والنابلسى كنمط من الأدب الصوفى الرفيع، وفى رأيى أن ورد «أنت أنت الله» يفوق ما كتبه هؤلاء، فهل نجعله وردًا للصباح والمساء؟ 

وفى مقاله «الإياب الفكرى.. والانبهار بالغرب» يشير محمد عمارة إلى منصور فهمى. 

يقول عنه: بدأ الدكتور منصور فهمى باشا حياته الفكرية برسالته للدكتوراه، التى ذهب إلى باريس سنة ١٩٠٨ لإنجازها، وهى الرسالة التى امتلأت بافتراء على صورة المرأة للإسلام، بل طالت بيت النبوة، لكن منصور فهمى كجزء من ظاهرة الإياب إلى الإسلام والعدول عن الانبهار بالغرب فى مرحلة النضج الفكرى، قد عاد وآب ليتخذ مكانه بين الأعلام العاملين فى «جمعية الشبان المسلمين»، والكتاب المدافعين عن الإسلام، حتى لقد كتب المقدمة للعمل الإسلامى الفذ «المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم» الذى وضعه العلامة محمد فؤاد عبد الباقى. 

قد يكون ما كتبه محمد أبوزهرة وما قاله العقاد وما أشار إليه محمد رجب البيومى وما نشره محمد عمارة فى أمر منصور فهمى حاسمًا بالنسبة لنا فيما يتعلق بالحديث عن اتهامه بالإلحاد ثم عودته إلى الإيمان كما يزعمون، لكن لدينا شهادة للدكتور زكى مبارك فى كتابه «الأسمار والأحاديث» أعتقد أنها تضيف بعض الهوامش على هذه القصة. 

فى ١١ مارس ١٩٣١ كتب زكى مبارك تحت عنوان «أهواء وآراء فى مجلس سمر فى باريس» الآتى مسجلًا ما دار بينه وبين أصدقائه منهم محمود عزمى وزوجته.

فارس: شىء غريب. 

مبارك: ما هذا؟

عزمى: لا شىء!

مبارك: يا أستاذ عزمى.. إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان، ومع ذلك فهى قصاصة من جريدة مصرية، وما أحسبها من الأسرار بعد أن نشرت فى مصر وجاءت إلى باريس.

عزمى: ولكن فى هذه القصاصة ما لا يرضيك. 

مبارك: وكيف كان ذلك؟

عزمى: زعموا بأن الدكتور منصور فهمى صار من المؤمنين.

مبارك: وذلك هو ما تسره إلى فارس؟

وهنا يقرأ الأستاذ عزمى تلك القصاصة، وفيها ما معناه: وبعد أن انتهى الأستاذ الثعالبى من محاضرته صاح الحاضرون: نريد أن نسمع الدكتور منصور فهمى، فرفض الدكتور منصور، فألح الجمهور فى الطلب، وألح الدكتور فى الرفض، ثم اضطر فى النهاية إلى الكلام فقال: أيها السادة.. ماذا تريدون من رجل قالوا: إنه ملحد؟ إن الذين هاجمونى لم يعرفوا أن للشباب هفوات، ومع هذا فلى الشرف أن أعلن أننى متمسك أشد التمسك بالإسلام، ومن أجل هذا أعانق هذا الرجل المسلم. 

مدام عزمى: هذا جبن، إن منصور جبان. 

عزمى: نحن لا نقبل رأيك فى منصور؛ لأنك تكرهينه. 

مبارك: الدكتور منصور جبان؟ لو كان الدكتور منصور جبانًا لأعلن إسلامه يوم كانت مصالحه تتوقف على كلمة واحدة يرضى بها رؤساء الجامعة المصرية، وهو اليوم وقد اطمأن على مركزه ومستقبله وأصبح غير محتاج إلى مصانعة أحد، أفتظنون أن عواطفه نحو الإسلام فى هذه الظروف نوع من الجبن؟ إنكم لا تعرفون الدكتور منصور، لقد مرت به أوقات كان لا يؤمن فيها بأكثر التقاليد القديمة، فكان يجاهر بتركها، غير مبالٍ بما يلحقه من الأضرار الاجتماعية فى بلد درج أهله على تقديس التقاليد.

مدام عزمى: أنت لا تعرف منصور كما نعرفه، لقد ربيناه نحن نعرفه منذ ثلاثين عامًا أو تزيد.

مبارك: ومع ذلك لا تعرفونه يا مدام، إن الدكتور منصور ملك من الملائكة، وحسبه أنه الرجل الوحيد الذى عرفناه يترفع عن الدسائس والصغائر فى عصر كله نفاق وخداع.

عزمى: حقيقةً الدكتور منصور رجل طيب. 

مبارك: لا يخفى على خبثك يا سيد عزمى. 

عزمى: قلت لك: إنه طيب، فهل تريدنى أن أقول أكثر من ذلك فأزعم أنه فيلسوف؟

مدام عزمى: فيلسوف؟ لقد احتقرته يوم عرفته، فقد قال لى: أنا تولستوى مصر.. فيا للوقاحة. 

توفيق: إن رسائله لا تدل على تفكير عميق.

مبارك: تنقصها الطنطنة فقط لتصير من التفكير العميق. 

توفيق: إنه ضعيف فى اللغة.

مبارك: وأنا لم أزعم أنه تخرج فى الأزهر أو دار العلوم، ولكننى أؤكد أنه كأستاذ فلسفة يعد من كبار الأساتذة، ولا يعرفه إلا من أخذ عنه.

عزمى: يظهر أننا لن نتفق معك فى تقدير منصور.

مبارك: الذى يهمنى من هذا الجدل شىء واحد، هو أن الدكتور منصور تطور فى آرائه الدينية والاجتماعية، فهو الآن فى طور الإيمان، وهو رجل لا يعرف ما الجبن ولا يدرى ما النفاق.

فارس: إسلام منصور فهمى هو عندى أفضل من إسلام طه حسين يوم أعلن عن طريق قلم المطبوعات أنه يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. 

تونى: ومع ذلك طه حسين شجاع، لأنه ترك بقية الصيغة فلم يقل: وإن عذاب القبر حق، وسؤال الملكين حق، والصراط حق، والميزان حق، والحساب حق، إلى آخر الحديث.

مبارك: الدكتور طه شجاع، الذى وقع منه كان رأى مدير الجامعة المصرية، فهو الذى اقترح منشور الإيمان. 

ما الذى نفهمه من هذه المسامرة التى وثقها زكى مبارك فى كتابه؟ 

أغلب الظن أن منصور فهمى لم يكن فى يوم من الأيام ملحدًا، هو بالكاد كما قال كانت له نظرات فى التراث، اعتبرها هو هفوات، لكنها لم تصل أبدًا إلى درجة الإلحاد، لكنه صمت أمام الاتهامات التى لحقت بها، وعندما هدأت الهجمة عليه، قرر ألا يعود مرة أخرى إلى ما قاله، لكن يبدو أن علماء الدين مثل أبوزهرة والرجعيين مثل العقاد ومحمد عمارة ورجب البيومى، قرروا أن يجعلوا منه ملحدًا عاد إلى الإيمان كنوع من الانتصار على كل من يحاولون الاجتهاد فى عصره.. وفى غير عصره. 

لم يكن منصور فهمى شخصية عابرة فى تاريخنا الفكرى والثقافى، لكنه يبدو أنه تعرض لحالة من التشويه التى طمست ملامح مشروعه، وكان من هذا التشويه محاولة مصادرته لاتجاه بعينه. 

الغريب أن آراء تلاميذه اختلفت فيه. 

ويمكننا هنا أن نمسك بما كتبه نجيب محفوظ عنه، وكان تلميذًا له فى مدرجات كلية الآداب. 

لم يكتب نجيب عن منصور فهمى مقالًا، بل اختار أن يكتب عنه صورة قلمية روائية صدر بها مجموعته المهمة «المرايا» ومنحه اسم إبراهيم عقل، وأعتقد أن الاسم كان مقصودًا بما يحمله من دلالات، فإبراهيم لأنه كان يسير على نهج أبى الأنبياء إبراهيم فى الاكتشاف، وعقل لأنه فى رسالته وفى محاضراته كان يعلى من شأن العقل. 

يخبرنا نجيب محفوظ بأول مرة سمع عن منصور فهمى الذى هو إبراهيم عقل. 

يقول: سمعت أول ما سمعت عن الدكتور إبراهيم عقل فى مقالة للأستاذ سالم جبر، لا فكرة لى الآن عن موضوع المقالة، ولكنه ذكر فى سياقها الدكتور إبراهيم عقل، باعتباره عقلًا فذًا، بشر فى وقت ما بثورة فكرية فى حياتنا الثقافية، لولا وشاية حقيرة أجهضته قبل أن يقف على قدميه، رددها شخص لا أخلاق له زاعما بأنه- الدكتور إبراهيم- طعن فى الإسلام ضمن رسالة الدكتوراه التى قدمها للسوربون، وشن على الدكتور هجومًا ناريًا فى عديد من الصحف والمجلات، فاتهموه بالإحاد، وتبنى آراء المستشرقين المبشرين لنيل الدكتوراه على حساب دينه وقومه، ثم طالبوا بفصله من الجامعة، واهتز الدكتور من جذوره حيال الحملة العاتية، ولم يكن ذا طبيعة مقالته ولا قبل له بتحدى الرأى العام، فضلًا عن حرصه على وظيفته وشدة حاجته إليها، فأنكر التهمة، ودافع عن عقيدته، وتوسل بكثيرين لإخماد الفتنة واسترضاء مؤججيها. 

التحق نجيب بالجامعة فى العام ١٩٣٠، ويقول عن منصور فهمى كما عرفه: وجدته أستاذًا مساعدًا بها، والظاهر أن المحنة التى مر بها علمته كيف يركز نشاطه فى دروسه الجامعية، وينسحب من الحياة الفكرية خارج جدران الكلية، ولا حظنا أن همته يطويها الفتور والملال، وأن دروسه أقرب إلى التوجيهات العامة منها إلى المحاضرات الدسمة التى يلقيها علينا زملاؤه، ورغم ما تمتع به من صحة وحيوية ونضج تربع فوق الأربعين من العمر، وما لبث أن انقلب فى مجالسنا نادرة ودعابة. 

ويسهم نجيب فى فك لغز عدم إقبال منصور فهمى على تأليف الكتب. 

يقول: مرة سألته فى أثناء مناقشة بقاعة المحاضرات: لم لم تؤلف كتبًا يا دكتور؟ فرمانى بنظرة متعالية وقال بصوته الجهورى: أتظن أن عالم الكتب فى حاجة إلى مزيد؟ وجعل يهز رأسه الكبير فوق قامته المديدة، ثم قال: لو فرشنا بالكتب سطح الأرض لغطته مرتين، ثم بامتعاض وازدراء: ومع ذلك فلو عددنا الكتب المتضمنة جديدًا من الفكر لما غطت سطح زقاق. 

يشير نجيب إلى أن إبراهيم عقل الذى هو منصور فهمى كان يتحدث كثيرًا عن المثل العليا وضرورة التمسك بها، لكنه يرصد جانبًا مهمًا فى شخصية فهمى يقول عنه: فى مطلع العام الدراسى تولى الدكتور إبراهيم عقل منصبًا جامعيًا كبيرًا، ولكنه اغتال فى سبيله جميع مثله العليا، كانت الهتافات العدائية للسراى تتردد فى جنبات الوادى، ونشرت جريدة «التايمز» أن مظاهرة فى أسوان هتفت لمصطفى النحاس رئيسًا للجمهورية، وانقسمت البلاد إلى أقلية موالية للملك، وأغلبية معادية تكاد تجهر بعدائها، وإذا بالدكتور إبراهيم عقل ينشر مقالة فى الأهرام، يدعو فيها للولاء لصاحب العرش، وينوه بأيادى أسرته على نهضة البلاد، وبخاصة محمد على وإسماعيل، كانت أزمة تهاوت فيها القيم إلى الحضيض، وتقوضت كرامات الكثيرين من الرجال، ورمى الأبرياء المهزلة بأعين حمراء، ولكن حتى صفوفهم لم تبرأ من فساد، عصر الزلازل والبراكين المتفجرة، عصر إحباط الأحلام وانبعاث شياطين الانتهازية والجريمة، عصر الشهداء من جميع الطبقات، وظل الدكتور يخطر بيننا متظاهرًا بالثبات والشجاعة، يطالعنا بنظرات متحدية تخفى فى أعماقها إحساسًا بالهزيمة والذنب، وكنا نلقاه بالاحترام اللائق بمركزه، على حين نضمر له الاستهانة والسخرية، الاستهانة والسخرية أجل، لا البغضاء ولا الرغبة فى القتل، كما شعرنا بهما نحو كثيرين من رجال السياسة، لم تكن شخصيته تثير شيئًا من ذلك، وكان لخفة روحه ومناوراته البهلوانية خليقًا بأن يتبدى لنا مهرجًا أو دجالًا لا شريرًا أو سفاكًا للدماء، أو عدوًا حقيقيًا للشعب.

جرى بعد ذلك وفى اليوم الأخير للدراسة، أن دعا منصور فهمى نجيب محفوظ ورفاقه إلى مكتبه، كانوا عشرة، هم طلاب الليسانس للقسم الذى يرأسه إلى جانب منصبه العام. 

يقول نجيب: أجلسنا أمام مكتبه، وراح ينقل بين وجوهنا عينيه الزرقاوين مطيلًا الصمت والتأمل، وابتسم وهو يهز رأسه فى تعالٍ ساخر، وقال: نحن على وشك الفراق ولا يجوز الفراق بلا كلمة، وعاد ينقل بصره بيننا مواصلًا هز رأسه، ثم قال: طالما خمنت ما دار بنفوسكم يومًا، ولكن ليس الأمر كما توهمتم. 

ويضيف: ها هو يطرق الموضوع بعد صمت طويل، صمت طويل جدًا، ولكن علينا أن نلزم أنفسنا الأدب والحذر، علينا أن نذكر أننا سنمتحن فى كل مادة تحريريًا وشفويًا معًا، وعلينا أن نذكر أن من حق مجلس القسم تعديل نتيجة الامتحان- بصرف النظر عن الدرجات الحاصل عليها الطالب- لتتفق مع مستواه العام كما يقرره الأساتذة، كل ذلك يضعنا تحت رحمته بلا مراجع ولا معقب، وواصل حديثه قائلًا: المسألة أننى وجدت أناسًا يخطبون، وأناسًا يعملون، فاخترت الانضمام إلى العاملين، وكلنا فى النهاية مصريون.

تخرج نجيب محفوظ فى الجامعة لكنه لم ينس أستاذه، يقول: انقضى زمن طويل لم أره فيه مرة واحدة، غاب عن عينى كما غاب عن وعيى، مرت ثلاثة عشر عامًا دون أن أراه، حتى عرضت مناسبة غير سارّة، بل مناسبة مؤسفة غاية الأسف، إذ فقد ابنيه الوحيدين فى وباء الكوليرا الذى اجتاح البلاد عام ١٩٤٧، وعانيت صدمة وأنا أتلقى الخبر، وذهبت إلى الجيزة للاشتراك فى تشييع الجنازة، سار الرجل وراء النعشين بقامته الطويلة كأنها صورة ناطقة لليأس الأعمى، ولا أظنه عرفنى، وأنا أُقدم له العزاء، لم يتلفت إلى أحد، ولم يهتم بشىء مما يدور حوله. 

ويرصد نجيب ما جرى لمنصور فهمى- وهو فى الغالب رصد روائى- فى سنواته الأخيرة: قيل إنه أصبح يُرى كثيرًا فى جامع الحسين، وإنه يمضى الساعات متربعًا أمام المقام، وفى كلمة أنه يتدروش ويسلم للإيمان تسليمًا بلا قيد ولا شرط، وأثار مسلكه الكثير من الجدل عن الإيمان بصفة عامة، والإيمان بالنشأة، والإيمان بالاقتناع، والإيمان بسبب الكوارث، وإيمان الفلاسفة، وإيمان العجائز. 

ويضيف: فى عام ١٩٥٠ ترك الدكتور إبراهيم عقل الخدمة لبلوغه السن القانونية، فتفرغ تمامًا للدروشة، وفى يوم من عام ١٩٥٣ صادفته أمام الباب الأخضر بحى الحسين- ذاهبًا أو راجعًا من الجامع لا أدرى- فجذبتنى طلعته المهيبة المجللة بالمشيب، واقتربت منه مادًا يدى للمصافحة فصافحنى وهو يحدجنى بنظرة لا يلوح فيها أنه عرفنى، فلما ذكّرته بنفسى هتف بصوته الجهورى: أنت.. كيف حالك؟ ماذا تفعل؟ 

فلما أجبته قال: لا تؤاخذنى فأنا لا أقرأ.

وسايرته حتى موقف سيارته فى ميدان الأزهر، وهناك سألنى: ماذا يدور فى الدنيا؟

فذكرت من الأمور ما رأيته جديرًا بالذكر، منوهًا بصفة خاصة بالثورة الجديدة فقال: هبوط صعود، موت بعث، مدنى عسكرى، فلتسر الدنيا فى طريقها، أما أنا فإنى أستعد لرحلة أخرى.

ويصل نجيب محفوظ إلى خاتمة صورته القلمية عن منصور فهمى، وهى صورة يختلط فيها الواقعى بالخيالى، يقول: غاب عنى من جديد حتى قرأت نعيه عام ١٩٥٧ على ما أذكر، وأطرف ما سمعت عنه بعد ذلك ما قيل من عثور ابن أخيه على مخطوط له لترجمة غاية فى الجمال لديوان «أزهار الشر» لبودلير، لم يعرف بالضبط تاريخ ترجمته، ولما كان ابن أخيه هو الوريث الوحيد له- توفيت زوجته فى العام السابق لوفاته- فقد أذن بنشره، وهكذا بقى اسمه فى المكتبة العربية مقرونًا باسم بودلير على ديوان «أزهار الشر». 

وفى تلخيص لرحلة منصور فهمى يقول نجيب: لا خلاف فى الرأى عن الدكتور إبراهيم عقل بين طلبته، فقد اعتبروه- بلا استثناء- مهرجًا، ولكن ثمة مفكرًا له وزنه مثل الأستاذ سالم جبر كان يراه ضحية لمجتمع فاسد، وإن لم يغفر له انهزاميته، وذات يوم قال لى أستاذى ماهر عبدالكريم بصوته الهامس: إنكم تظلمون إبراهيم عقل.

فلم أتكلم احترامًا لعواطفه نحو صديقه، فقال: إنه عقلية فذة، وكان يبهرنا بذكائه، ونحن فى السوربون.

فقلت: لم يستفد أحد من ذكائه شيئًا.

فقال متجاهلًا تعليقى: وهو الوحيد فى مصر الذى يتمتع بعقل فلسفى، بالنظرة الشاملة للأشياء.

ونظر إلىّ باسمًا ثم استطرد: لم يخلق كاتبًا، ولكنه محدث موهوب، نوع من سقراط، خص أصدقاءه الحميمين بزبدة أفكاره، وطرح أيسر ما عنده على الناس.

فقلت له: لعله يحتاج إلى أفلاطون جديد ليرد إليه اعتباره. 

ولكنه اندثر فلم يبق منه إلا مأساة، وترجمة نادرة لأزهار الشر.

لا يمكن أن تكتمل هذه الصورة لمنصور فهمى بدون صورة أخرى كتبها تلميذ آخر له وهو الفيلسوف الكبير الدكتور مراد وهبة. 

فى ٢٠ ديسمبر ٢٠٢٣ كتب مراد وهبة مقاله «منصور باشا فهمى مزارعًا» ونشره فى جريدة الأهرام. 

يقول مراد: تتلمذ كل منا- نجيب محفوظ وكاتب هذا المقال- على يد منصور باشا فهمى، عندما كنا طالبين بقسم الفلسفة بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول، هو عندما كان طالبًا فى عام ١٩٣٩ وأنا عندما كنت طالبًا فى عام ١٩٤٥، وكان منصور باشا يحاضرنا فى علم الجمال، فماذا كان انطباع كل منا؟

يعرض مراد وهبة ما قاله نجيب محفوظ عن منصور فهمى، ثم يعلق عليه. 

يقول: كتب عنه نجيب محفوظ فى كتابه المعنون «المرايا»: إن محاضراته أقرب إلى التوجيهات العامة منها إلى المحاضرات الدسمة التى يلقيها علينا زملاؤه، وأنه قد تحول من الإيمان الدينى إلى الدروشة الدينية. 

وفى اعتراض واضح على كلام نجيب، يقول وهبة: أما أنا فقد استمعت إليه فى علم الجمال، إلا أنه كان يقول كلامًا بلا معنى، وعندما علم أن إحدى الطالبات عازفة بيانو، أخبرها بأنه سيأتى لها بهذه الآلة الموسيقية لتعزف عليها ما تشاء من مقطوعات موسيقية، ثم يفتح بعد ذلك باب الحوار، مع تعليقات منه، بدا أنها بلا معنى.

ظل منصور فهمى فى تجربته المأساوية ملهمًا للكتاب والمفكرين. 

وهذا الشاعر الكبير أحمد عبدالمعطى حجازى يكتب فى أهرام ١٣ سبتمبر ٢٠١٧ عن رسالة منصور فهمى. 

يقول حجازى: سوف أبدأ بالرسالة الجامعية التى بحث فيها الدكتور منصور فهمى أحوال المرأة فى الإسلام، وحصل بها على الدكتوراه مع مرتبة الشرف الأولى من جامعة السوربون، لكنها اتهمت فى مصر بالإساءة للإسلام، وعوقب منصور فهمى وفصل من الجامعة الأهلية التى بعثت به إلى فرنسا، وصودرت رسالته فلم تنشر لا باللغة الفرنسية التى كُتبت بها ولا بترجمة عربية حتى بادر بعض المثقفين العرب المهاجرين فى أوروبا فأزاحوا عنها سنوات الظلم والمصادرة والنسيان ونشروها مشكورين فى ترجمة عربية قامت بها رفيدة مقدادى وصدرت عن منشورات الجمل فى ألمانيا. 

ويسأل حجازى عما يقوله منصور فهمى فى رسالته؟

ويجيب: يقول إن أحوال المرأة فى الإسلام ليست منفصلة عن أحوال غيرها، وإنما هى ثمرة للتداخلات والتفاعلات التى تحدث بالضرورة بين الأوضاع والأفكار والظواهر الاجتماعية المختلفة، فإذا كانت المرأة فى المجتمعات الإسلامية معزولة متخلفة فتخلفها ليس نتيجة لقصور طبيعى فى المرأة ولا لسيطرة الرجال على المجتمع فحسب، ولا للشرائع الدينية وحدها، ولكنه نتيجة لأوضاع كثيرة فى ميادين مختلفة نتجت عن أسباب عديدة وتراكمات متواصلة بعضها جديد وبعضها قديم. 

ويضيف حجازى: ونحن نتتبع أسباب العزلة التى كانت مفروضة على المرأة المصرية إلى عهد قريب ولا تزال لها آثار باقية يرمز لها الحجاب والنقاب اللذان استعادا سلطانهما على الوجوه والعقول، وجوه النساء وعقول الرجال التى سيطرت عليها جماعات الإسلام السياسى، أقول إننا نتتبع أسباب هذه العزلة، فنراها فى الماضى كما نراها فى الحاضر، فى الوضع الراهن للمرأة وفى وضعها القديم فى الجزيرة العربية فى الجاهلية حين كانت المرأة مهددة دائمًا بأن تكون غنيمة يستولى عليها الرجال الذين لا يستطيعون أن يعيشوا إلا بأن يسطو بعضهم على بعض ليضع الغالب يده على كل ما يملكه المغلوب الذى يستسلم أو يموت تاركًا لخصمه الماء والمرعى والقطيع والنساء.

ويقول تعليقًا على ما وصل إليه منصور فهمى: إذا أردنا اليوم للمرأة أن تتحرر، فعلينا أن نفهم هذه الأسباب وهذه الأوضاع التى أدت إلى استعبادها لنعيد النظر فيها ونتخلص مما نجده سلبيًا يقيد حركتنا ويحكم بالقهر والتخلف علينا جميعًا وليس على المرأة وحدها.

وبأسلوبه الأدبى البديع يصف صلاح عيسى ما حدث لمنصور فهمى بأنه مأساة، عندما كتب فى ١٩ يوليو ٢٠١٣ عنه بمناسبة صدور كتاب «تراث منصور فهمى» عن دار الكتب المصرية. 

يقول صلاح: لا بد أن كثيرين سيتساءلون فى دهشة: من هو«منصور فهمى» هذا الذى تعنى دار الكتب المصرية- بجلالة قدرها- بنشر تراثه فى كتاب من ألف صفحة من القطع الكبير، بعد أكثر من نصف قرن على وفاته، وستتحول دهشتهم إلى ما يشبه الذهول، عندما يكتشفون أن هذا التراث هو مجموعة من المقالات الصحفية نشرها صاحبها على صفحات جريدة «الأهرام». 

وفيما يشبه إعادة الاعتبار يقول صلاح عيسى عن فهمى: هو أشهر المنسيين فى تاريخ الفكر العربى فى القرن العشرين، وكان مقدرًا لاسمه أن يلمع كالشهاب بين جيل الربع الأول من ذلك القرن، ومنهم طه حسين، وسلامة موسى، وعلى عبدالرازق، وعباس محمود العقاد، ومحمد حسين هيكل باشا، لولا أن الرياح أتت بما لا تشتهى السفن. 

ففى الثانية والعشرين من عمره- كما يقول صلاح- كان طالبًا فى مدرسة الحقوق الخديوية، حين تأثر بأعلام الثقافة العربية العصرية آنذاك، ومنهم الإمام محمد عبده، ولطفى السيد، وقاسم أمين، ونشر مجموعة من المقالات الفلسفية، لفتت أنظار عالم الآثار المصرية «ماسبيرو»، فأشار على المسئولين فى الجامعة المصرية التى كانت وليدة آنذاك، بأن تضمه إلى طلابها، ليتحول من دراسة القانون، إلى دراسة الفلسفة، وأن ترسله على نفقتها فى بعثة إلى «جامعة السوربون» ليدرس هناك على يد «ليفى- برول» أحد أقطاب المدرسة الاجتماعية الفرنسية.

وبعد خمس سنوات- وفى عام ١٩١٣- حصل على درجة الدكتوراة فى الفلسفة عن أطروحة بعنوان «حال المرأة فى التقاليد الإسلامية»، صدرت فى العام نفسه فى كتاب بالعنوان نفسه- لم يكن ما قاله صلاح هنا صحيحًا-. 

لكنه يعود ليقول: بعد شهور من صدور الكتاب وشى به أحد زملائه، فبدأت الصحف المصرية تنشر مقالات تشير إلى أن الرسالة تنطوى على فقرات تسىء إلى الدين الإسلامى، وإلى شخص الرسول صلى الله عليه وسلم، فقامت الدنيا ولم تقعد وتتالت المقالات، التى لم تقتصر على تفنيد معلومات خاطئة وردت فى الرسالة بشأن موقف الإسلام من المرأة، بل وهاجمت كذلك الجامعة المصرية التى ترسل طلابها إلى أوروبا لدراسة الفلسفة، وهى علم كان الشائع آنذاك أن دراسته حرام، لأنها تهز إيمان الذى يدرسها، بل وتعتمد الشهادات التى يحصل عليها هؤلاء الطلاب وفيها ما يستهين بالعقائد الدينية. 

ولأن الجامعة كانت ناشئة آنذاك، وكانت أهلية تعتمد فى تمويلها على تبرعات المتبرعين، فقد قررت أن تسد الباب الذى يأتى منه الريح، ففصلت منصور فهمى وتبرأت من كتابه، وقررت أن تكون طرفًا ثالثًا يراجع الأطروحات التى يقدمها طلاب البعثات لتطمئن إلى أنها تخلو من الشطط. 

ويشير صلاح عيسى إلى أن رئيس الجامعة استدعى طه حسين زميل منصور فهمى، وسأله عن رأيه فى رسالة فهمى فأدرك أن إدارة الجامعة تريد منه أن يصدر باعتباره أزهريًا سابقًا فتوى بتكفير زميله، فقال لرئيس الجامعة فى رد حاسم: كنت أحسبنى فى الجامعة، حيث لا يسأل المرء عن رأيه، فإذا بى فى الأزهر لا أسأل عن رأيى فقط، بل أسأل كذلك عن رأى غيرى. 

ويرصد صلاح عيسى مشهد نهاية حياة منصور فهمى، يقول: فى الحادية عشرة والنصف من صباح يوم ١٧ مارس ١٩٥٧، غادر منزله إلى مكتبه فى مجمع اللغة العربية، وما كادت السيارة تتوقف أمام باب المجمع، حتى قال له السائق: اتفضل باشا، ولكنه لم يتلق إجابة، وكرر نداءه، فلم يتحرك، واكتشف السائق أن الباشا غادر الدنيا. 

وقبل أن ينهى صلاح عيسى مقاله يشتبك مع نجيب محفوظ، على هامش ما كتبه عن منصور فهمى فى «المرايا». 

يقول: كان نجيب محفوظ من بين تلاميذ منصور فهمى، درس الفلسفة على يديه فى بداية الثلاثينيات، وكتب عنه فصلًا فى روايته «المرايا» ركز فيه على الآثار السلبية التى تركتها عاصفة اتهامه فى دينه على شخصيته، وهى آثار يستطيع القارئ أن يتبين إذا كانت سلبية أم لم تكن حين يقرأ كتاب «تراث منصور فهمى» الذى يضم ما نشره من مقالات صحفية، ولم يجمعه فى كتب، كما يضم كل ما كتب عنه، ومن بينها مقالات تؤكد أنه تعرض لظلم بين بسبب ضيق الأفق العام الذى كان سائدًا آنذاك وبسبب عبارات دفعها إليه جموح الشباب، عطلت مسيرته الفكرية، وحرمته من المكانة التى كان يستحقها كأحد رواد الفكر العربى الحديث. 

طالت بيننا الرحلة مع منصور فهمى. 

قد تكون كونت تصورك الخاص عنه. 

أما أنا فأقول: إننا فقدنا مفكرًا كبيرًا، بسبب الهجمات العشوائية على دراسة لم يقرأها أحد، كان يمكن أن تكون أساسًا لتجديد الفكر الدينى، وتكون مقدمة لأن يكون لدينا فيلسوف بارز، لكننا أجهضنا تجربته، ثم جاء من ينقض عليه ليختطفه ليقول إنه كان ضالًا فهداه الله، رغم أنه لم يفعل أكثر من التفكير الذى هو كما يقول العقاد فريضة إسلامية. 

على أى حال، دراسته الرائدة عن حال المرأة فى الإسلام لا تزال موجودة ومتاحة، ويمكن للجميع أن يطلعوا عليها، وأعتقد أن قراءتها بعيدًا عن الاتهامات بإلحاد صاحبها وعدائه للإسلام أمر مطلوب، فربما تكون هناك فائدة.. أى فائدة فى مشوار رغبتنا الحقيقية فى تجديد الفكر الدينى.