الثلاثاء 07 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

محمد الباز يكتب: هل عاد منتصر إلى تراب الحاجر؟

أحمد زكى في فيلم
أحمد زكى في فيلم الهروب

كان الحزن هو اللغة الوحيدة التى تحدث معنا بها أحمد زكى فى أسطورته «الهروب».. الفيلم الذى يمكن أن يكون الأقرب إلى قلوب وعقول الكثيرين من عشاق النجم الأكثر إبداعا وعبقرية وعظمة فى تاريخ السينما المصرية.

لم يكن أحمد زكى فى «الهروب» هو هذا الصعيدى الذى يبحث عن الانتقام من زوجته التى خانته وهربت خارج مصر، وفى طريقه إلى تحقيق مراده يقتل أبرياء وخونة آخرين، ولكنه كان الباحث عن سر وجوده وعلته، كانت الكلمة الأثيرة لديه طوال الفيلم «نفسى أرجع الحاجر»... قريته الصغيرة الهاربة هى الأخرى فى قلب الصعيد القاسى الذى لا يرحم هؤلاء الذين خرجوا من رحمه.

«منتصر» كان هذا هو اسمه، محاولة ساذجة لأن يكون له من اسمه نصيب، لكن طوال الفيلم، كما هو طوال الحياة، ليس إلا أسيرا لرحلة من الانكسارات المتتالية، انكسارات يحاول الهروب منها بمحاولة يائسة للعودة إلى التراب الذى منه خرج، وكتب عليه ألا يعود إليه مرة أخرى.

أبدع أحمد زكى فى أدواره جميعا، حتى تلك التى كان يعنف نفسها على أنه أداها، لكن «منتصر» تقريبا كان هو أحمد الحقيقى، البطل الأسطورى الذى يعتقد أنه قادر على كل شىء، لكن وفى لحظة مكثفة جدا من العبثية التى تحيط بنا من مولدنا إلى مماتنا يكتشف أنه لا يقدر على أى شىء مهما كان صغيرا وتافها.

نخرج من بلدنا بحثا عن الحياة، نحب ونكره، نلتقى ونفترق، ننجح ونفشل، نكسب ونخسر، نملأ الدنيا صخبا ويضيع صوتنا فى الزحام، نملك كل شىء ونفقد كل شىء... وفى النهاية نعود جسدا بلا روح إلى ترابنا الأول، هذا التراب الذى ينتظرنا فى مقابر بلادنا البعيدة، لا نملك تغييرا لمصائرنا، ولا فرصة لكتابة مشهد نهايتنا كما نريد.

لم يقل لنا أحمد زكى كيف تصرف فى جثة منتصر بعد أن نزل بكلمة النهاية؟ هل حملة على كتفيه وعاد به إلى الحاجر كما يريد، أم أنه احتفظ به فى قلبه وسار به، حتى وجد نفسه هو أسيرا لمرضه الأخيرة فى حجرة باردة، ودع فيها كل حياته، وراقب انسحاب روحه بالتدريج، مؤكد أن أحمد لم يفارق منتصر حتى مات هو، أخذه معه إلى قبره، إلى أرض الخوف التى كان يحن إليها دون أن تكون لديه القدرة ليعودها، لكن الموت وحده من أجبره على أن يعود.

عشر سنوات كاملة هى عمر حياة أحمد زكى الثانية، ولا فارق بينها وبين حياته الأولى على الإطلاق، فهو لم يختر الثانية كما لم يختر الأولى تماما، يمكن أن تجده فى الثانية حائرا مهموما غاضبا يائسا، فلا شيء تغير، ولا أحد يستطيع أن يفهم ما يراد به أو منه.

عشر سنوات أرهقتنا الحياة، جمعتنا وفرقتنا، أمسكنا فيها النجوم بأيدينا، وفجأة ودون سابق إنذار حتى ولو من باب الرحمة بنا والشفقة علينا، انطفأت النجوم فى أيدينا دون أن ندرى.

مرة واحدة جمعتنى الظروف بأحمد زكى، لم أدع بعدها أنى صديقه، ولم أسع إلى تخليده، فكل من حاولوا ذلك شوهوه، لأنهم كتبوا عنه بأقل ما يستحق، فتشوا فى حياته، بحثوا عن أسراره، يريدون أن يسجلوا ما جرى فى أيامه الأخيرة طمعا فى أن يبهروا من يريدون معرفته أكثر، دون أن يعرفوا أن أحمد لم يكن ممثلا عابرا، بل كان إنسانا مقتحما... جعلنا عرايا كثيرا أمام أنفسنا، ولأنه كان قاسيا مثل أقداره، لم يحاول أن يسترنا ولو لمرة واحدة، كان يفضحنا أمام أنفسنا، فكلنا فاسدون ولو بالصمت العاجز، ولم يبذل جهدا بأن يربت على ظهورنا، ويقول لنا إن القادم أفضل، لأنه كان يعرف أنه لا شىء أفضل على الإطلاق.

بعد أيام تنتهى صفحاتنا الصاخبة وقنواتنا الثرثارة من تذكر أحمد.. لكن من يحملونه فى عيونهم، ويعيشون به، سيظلون يبحثون خلف سره الأكبر، خلف محاولاته لكشف لغز الحياة التى نعيشها، دون أن ينجح هو فى تحقيق حلمه بأن يعود إلى الحاجر.. التى كان يعتقد أن سره مدفون فيها.. ولم يكن هذا سوى وهم كبير من أوهامه... وأوهامنا نحن أيضا.

نشر هذا المقال فى 2015 فى ذكراه العاشرة ويصلح للنشر كل عام