الجمعة 22 مايو 2026
المحرر العام
محمد الباز

«حرف» تنشر مقدمة الكتاب الأحدث لـ«د. خالد منتصر»

الظاهرة لا تموت.. مواجهة علمية شاملة لـ«خرافات ضياء العوضى»

حرف

- لا يمكن أن نقف مكتوفى الأيدى أمام هذا العبث

- ونقول إنه قد مات ونغلق الملف ونقول خالص العزاء لأسرته لكن ملف الضحايا لم يُغلَق

- إعطاء مرضى السكر الحلويات والسكر والعصائر بكثرة قد يؤدى إلى حالة التسمم السكرى glucotoxicity

- العوضى مجرد عرض لمرض شامل عضال أصاب العقل المصرى مرض «فوبيا العلم»

طرح المفكر الدكتور خالد منتصر، مؤخرًا، أحدث أعماله كتاب «ظاهرة ضياء العوضى.. من الطب البديل إلى بديل الطب»، بالتعاون مع دار ريشة للنشر والتوزيع، فى مواجهة علمية لمواجهة «طوفان الخرافات» الذى انتشر بعد وفاة الطبيب الساقطة عضويته فى نقابة الأطباء والمفصول من جامعته.

ومساهمة منا فى محاولة صد الخرافة، تنشر «حرف» مقدمة الدكتور خالد منتصر لكتابه المهم، الذى هو فى الأساس مقالات كتبها ليواجه بها ادعاءات ضياء العوضى فى حياته.

لماذا هذا الكتاب؟

عندما أعلنت عن نيتى لكتابة هذا الكتاب الذى جمعت فيه عدة مقالات كتبتها منذ أن ظهر ضياء العوضى فى الإعلام، وتحوَّل إلى ظاهرة، حتى حولته نقابة الأطباء إلى التحقيق، ثم الشطب، ثم وفاته فى دبى، وثَّقت فيها مراحل تلك المعركة التى لم تكن شخصية على الإطلاق، بل كانت علمية بحتة، وأضفت إلى تلك المقالات، ما يجعلها مرتبطة بظاهرة أكبر، وهى رواج الخرافة، والتفكير الخرافى، والعلم الزائف فى المجتمع المصرى، فصارت لدى وجهة نظر شاملة تُشكِّل كتابًا، عندما أعلنت عن نيتى لنشره، وتحمَّست له دار ريشة، والصديق حسين عثمان.

سألنى الأصدقاء باستنكار: «هل يستحق د. ضياء العوضى كتابًا؟، الراجل مات خلاص، ولا تجوز عليه غير الرحمة، رفعت الأقلام وجفت الصحف».

كان ردى على الشق الأول: نعم يستحق كتابًا، بل يستحق مُجلَّدًا، بل عدة كتب، ليس لأهمية كلامه، وعظمة نظامه، وغزارة علمه، وإنقاذه للبشرية، لكن لخطورته؛ ولأنه صار ظاهرة، كشفت كم يعانى العقل المصرى، من تغلغل الخرافات، فى داخل خلاياه، ومركز نخاعه، وجينات مادته الوراثية، والفكرة أخطر من الشخص.

خالد منتصر
خالد منتصر

ونحن بعد الموت أغلقنا أى حديث شخصى عنه، فنحن فى الكتاب لن نتحدث عن رأيه الذكورى المتسلط عن المرأة، ولن نفتح ملف هجومه على المتحف المصرى، وأصنامه، وسخريته من الجنود المصريين، ولا عن قوله عن نفسه أنا المنذر فى القرية الظالمة، وادعائه أن الضرب بالطائرات بدأ بعد خروجه من مصر، وأنه لا يحترم أى رجل اسمه كريم، وأنه يشك فى صلاحية عبدالحليم للأداء الحميم… إلى آخر كل هذه الآراء التى لن يناقشها الكتاب؛ لأنها ماتت بموت صاحبها، ولا تستحق عناء الرد والتفنيد.

لكننا سنناقش الآراء الطبية التى انتشرت بعد موته، انتشار النار فى الهشيم، وبدأ تكوين ألتراس، وجمهور، وصفحات داعمة، ولا يمكن أن نقف مكتوفى الأيدى أمام هذا العبث، ونقول إنه قد مات، ونغلق الملف، نقول خالص العزاء لأسرته، لكن ملف الضحايا لم يُغلَق، بل تضخم، وصار نظامه يلقى دعمًا عاطفيًّا بعد موته، وسيطرت نظرية المؤامرة على عقل أنصاره؛ لذلك كان هذا الكتاب ضروريًّا لأنه ليس نميمة، وليس خوضًا فى سيرة ميت، ولا تدخلًا فى شئون حياته الشخصية، وزيجاته، وطلاقاته.. إلخ.

هذا الكتاب عن علم زائف نشره د. ضياء العوضى، هذا العلم توغَّل، وترسَّخ، وعن أُسُس طب حديث وقواعد أراد أن يتكسَّب من هدمها، ومن دون أدلة أو براهين أو أبحاث أو حتى كلام منطقى، وعن ظاهرة عقل جمعى مصرى مُغَيَّب، مُسَرطَنٌ بالخُرافة، مسكون بالهلاوس والضلالات، لا بد من إنقاذه.

لكن ما حكاية ظاهرة ضياء العوضى منذ البداية، وما الذى جعلنى أقف هذا الموقف المضاد منذ البداية؟، وأكتب سلسلة مقالات منذرة ومحذرة، تدق أجراس الخطر، وتحمل نبوءة صلاح عبدالصبور، إذا لم ننتبه:

«رعبٌ أكبر من هذا سوف يجىء

لن ينجيكم أن تعتصموا منه بأعالى جبل الصمت أو ببطون الغابات

لن ينجيكم أن تختبئوا فى حجراتكم

أو تحت وسائدكم، أو فى بالوعات الحمَّامات

لن ينجيكم أن تلتصقوا بالجدران، إلى أن يصبح كلٌّ

منكم ظلًّا مشبوحًا عانق ظلًّا

لن ينجيكم أن ترتدوا أطفالًا

لن ينجيكم أن تقصر هاماتكمو حتى تلتصقوا بالأرض

أو أن تنكمشوا حتى يدخل أحدكمو فى سَمِّ الإبرة

لن ينجيكم أن تضعوا أقنعة القرَدَة

لن ينجيكم أن تندمجوا أو تندغموا حتى تتكوَّن من أجسادكم المرتعدة

كومةُ قاذورات

فانفجروا أو موتوا

انفجروا أو موتوا»

رحم الحكاية الذى حمل جنين تلك النبوءة، بدأ عندما كانت تطل علىَّ فيديوهات على الفيسبوك، بكثافة، وإلحاح، يظهر من كثرة تكرارها أنها مُمَوَّلة إعلانيًّا، ومعمول لها برومو احترافى، يتحدث فيها طبيب اسمه د. ضياء العوضى، قدَّم نفسه بأنه مدرس تخدير فى الرعاية المركزة بطب عين شمس، ومتخصص فى علاج الألم، والتغذية، كنت قد تعوَّدت على مثل تلك الفيديوهات، ومثل تلك الشخصيات، فمعركتى مع العلم الزائف عمرها أربعون عامًا، لا ملل، ولا كلل، برغم الهجوم والشتائم والبلاغات والتهديدات؛ لأننى أعتبرها قضية حياة أو موت بالنسبة لهذا الوطن، الذى يستحق مكانة علمية أفضل، لأنه كان مهد العلم والفن والضمير وفجرها؛ لذلك لم أعِر اهتمامًا، لا للفيديوهات ولا للشخص، وقتها، وقلت فقاعة، وزوبعة فى فنجان، وسرعان ما ستنتهى، مثلها مثل كثيرين، باعوا العلم الزائف، ثم اختفوا، وخفت تأثيرهم، وفنَّدنا ما يبيعونه من وهم، بردود علمية مفحمة، ومناظرات، ومقالات، وبرامج، قتلت بعضها فى المهد، وبعضها ما زال رمادًا خافت الاشتعال، منتظرًا الفرصة ليشتعل ثانيةً.

لم أنتبه للموضوع مرة أخرى، إلا عندما شاهدت الطبيب نفسه ضيفًا على برنامج الإعلامى «محمود سعد»، كان يقدمه بصفته مُجدِّدًا فى العلم، ويقدم نظرية جديدة فى الطب، تهدم الطب القديم الذى عفَّى عليه الزمن، هنا أحسست بنذير خطر، فالمذيع ليس مذيعًا فى بئر السلم، إنما هو نجم، بل من الممكن أن نعده أشهر مذيع مصرى معاصر، لو تكلمنا عن الإعلام المصرى فقط، لأن الإعلامى عمرو أديب، محسوب على قناة غير مصرية، إذن نستطيع أن نقول بمنتهى البساطة، إن د. ضياء هو ضيف على أهم برنامج، وفى ضيافة أهم مذيع، وأعلى نسبة مشاهدة «وصل الفيديو حتى كتابة تلك السطور نحو ٣ ملايين مشاهدة»، كنت أفرك عينىّ، غير مصدقٍ لما يحدث أمامى، وأقل ما يوصف به، أنه عبث، بل جريمة إعلامية.

لم أصدق أن الذى يسأل وينبهر ويفتح فمه مندهشًا مُعجَبًا، هو محمود سعد، خاصةً أننى كنت ضيفًا عليه فى برنامج البيت بيتك، ويومها هاجمت بعنف ظاهرة مدرس الألعاب ومدلك نادى الأهلى عادل عبدالعال الذى كان مُكتسحًا فى الميديا، ويعالج كل الأمراض، ويكسب الملايين ببيع الوهم للناس، من خلال تجارة الأعشاب والخلطات غير معروفة المصدر، وبعد الحلقة، قدم فيه د. حاتم الجبلى وزير الصحة آنذاك بلاغًا للنيابة، كما طالبت فى نهاية الحلقة، وخرجت يومها من ماسبيرو فى حماية الأمن، وكان شاهدًا على القصة فريق إعداد «البيت بيتك»، فكيف لمن حضر واقعة الضربة القاضية لهذا المُدلِّك، أن يسمح بتلك المهزلة؟!

ركَّزت فى لغة الجسد، فاكتشفت فورًا، ومن دون أى جهد، أن هناك مشكلة نفسية ما، أما ما يقوله، فقد كان من قبيل الكوارث الكونية، والخطايا الطبية، التى تجعل طالب سنة أولى طب، يشنق نفسه بأمعاء آخر جثة فى مشرحة كلية الطب، أما الثقة التى كان يتحدث بها فى وجوه المشاهدين، فهى ثقة لم أشاهدها من قبل، إلا شهرين بالعيادة النفسية فى فترة الامتياز، عند من كانوا يدخلون علينا، ويحاولون هدايتنا بصفتهم أنبياء ورسل!، أجاب عن سؤال «إنت جبت معلوماتك ونظريتك منين؟»، بآخر وأغرب إجابة توقعتها، «هو حد سأل أينشتاين إنت جبت نظريتك منين؟!»، تطور الأمر معه بعد ذلك فى بوستات أخرى إلى: «هو حد سأل الأنبياء هما جابوا كلامهم منين؟!!» استفزَّنى اللقاء، وكتبت مُنتقدًا محمود سعد بشدة، فخرج يرد بعد أن انتشر انتقادى، وقال إنه أراد أن يعرض رأيه ثم يعرضه للتفنيد بعد ذلك، وبالطبع لم يكن هذا الكلام مُقنِعًا لطفل؛ لأن برنامج باب الخلق ليس برنامج توك شو ولا مناظرات ولا جدل، ولكن توجهاته الأساسية فى الغالب، أنه يسلط الضوء على نماذج إنسانية مشرفة ومؤثرة.

ثانيًا: طوال البرنامج وهو يقدمه ويلمعه على أنه جيفارا الطب، الذى أغفلته نوبل!!، وهل أى شخص عابر سبيل فى الطريق، يأتى به محمود سعد ليعرض آراءه على مائدة التفنيد للناس؟!، بعد هذا اللقاء صعدت نجومية د. ضياء إلى السماء، وصار النظام الغذائى الذى اخترعه، وكان يقدمه على استحياء فى اللقاءات الأولى، التى كانت نسبة مشاهداتها لا تتعدى العشرات، وأطلق عليه اسمًا له صبغة قرآنية «الطيبات»، صار هذا النظام أشهر من نار على علم، وحديث البيوت المصرية، وبدأت بعض القنوات التى تبيع الهواء تعرض عليه أن يقدم حلقات طبية، يجيب فيها على أسئلة المشاهدين الطبية.

وكانت هناك قناة جديدة، حظيت بموافقته، وهى قناة «هى»، زادت الثقة، وبدأت الإجابات الحاسمة على التليفون، تكشف عن نرجسية عجيبة، وأحيانًا عنف فى الرد، واتهامات بعدم فهم المريضة أو المريض لشرح الدكتور ضياء، وبدأنا نرى العجب العجاب فى ربط كل أمراض الدنيا بالقولون والمعدة، لدرجة أن مريضة كانت تسأله عن سبب الانفصال الشبكى فى العين، فكانت إجابته: «أكيد قولونك منفوخ»!!

بدأت الظاهرة تستفحل، وبدأ المرضى يستخدمون، ويقتنعون، ويطبقون تلك التخاريف التى لا تنتمى إلى أى علم، أو حتى منطق، مثل:

- البيض ممنوع لأنه يتسبب فى جيوب أنفية.

- والدواجن ممنوعة لأنها تتسبب فى panic attacks وكوابيس.

- والفول ممنوع لأنه أكل اليهود.

- والورقيات أكل الحمير.

- والماء ممنوع شربه إلا عند العطش.

- وعلاج السكر هو النوتيلا، وربع كيلو سكر، والبسبوسة، ومعلبات العصير بالمواد الحافظة، وليست العصائر الفريش.

- وممنوع أخذ أقراص علاج السكر، أو حقن الإنسولين، حتى لمريض السكر من النوع الأول، الذى يُعَدُّ منع الإنسولين بالنسبة إليه، بمثابة جريمة قتل مع سبق الإصرار والترصد.

وعندما قرأت على الشاشة أنه عضو هيئة تدريس بطب عين شمس، كتبت لرئيس جامعة عين شمس وقتها، وكان د. محمود المتينى، وتساءلت كيف تسمح جامعة عين شمس، وكلية الطب العريقة بها، بمثل هذا العبث؟، وكان رده الصادم، بأنه مفصول من الكلية بقرار مجلس كلية، ووافقت عليه إدارة الجامعة، وحصل موقع «القاهرة ٢٤» على صورة قرار الفصل.

بدأت جدارية الفوضى السريالية تظهر ملامحها، من الممكن أن تقدم نفسك إعلاميًّا بأى صفة، إذا كنت تدفع، وتؤجر الهواء، إذا فعلت ذلك، قل ما تشاء، حتى لو قلت إنك أستاذ فى هارفارد وتعمل فى كليفلاند!!

بعد أن نُشِر قرار الفصل، طلبه الإعلامى خيرى رمضان لمناظرة، واقترح عليه أن أكون أنا الطرف الثانى، كان الرد: «أنا فوق المناظرة، لا يوجد أحد فى العالم مسموح له أن يقول رأيه فى نظام د. ضياء العوضى»، والإعلامى خيرى رمضان حىٌّ يُرزَق، ويستطيع الحكى عن تلك التجربة مع العوضى، وبرغم أننى غير مقتنع بالمناظرات، وأعتبرها صراع ديوك، وأكتفى بعرض آرائى فى مقالاتى، فالمُشاهد المُغيَّب الواقع تحت تأثير التنويم المغناطيسى لتاجر الوهم، لا يقتنع أبدًا بأى منطق عقلانى، لكننى اندهشت من هذا الموقف المغلف بالبارانويا المتضخمة، حتى هذه اللحظة، لم يحدث أى صدام شخصى، أو مواجهة مباشرة، حتى فوجئت به يدخل على صفحتى على الفيسبوك، مُعلِّقًا على بوست أعبر فيه بأسلوب كوميدى عن عشقى للبطيخ مع الجبنة، مصحوبًا بصورة منقولة فيها بطيخ شرائح على مائدة طويلة، وجدته يهاجمنى بعنف، ويحذرنى، «حتموت من البطيخ.. يا خالد»!!.

كنت حتى هذه اللحظة لا أعرف أنه يُحرِّم البطيخ لأنه سام وقاتل!، أخذت كلامه على سبيل الهزار، وضحكت، لكنها كانت الكوميديا السوداء، فقد وجدت الألتراس يقتحم التعليقات، ويشتم، ويسب بهستيريا، ويرسل الريبورتات لإدارة الفيسبوك، كيف تجرؤ على انتقاد إله الطب؟!.

لم أكن يومًا خصمًا لشخص، أنا خصم للفكرة، الفكرة المعادية للعلم، الفكرة المعادية للعقل، لم أعرفه شخصيًّا طيلة نشرى للمقالات المُحذِّرة من نصائحه فى نظام الطيبات، هذا النظام الذى أطلق عليه البعض نظام الخبائث، بدأ بعض الأطباء المستنيرون يكتبون على وسائل التواصل، وبعضهم بدأ يبث فيديوهات مضادة، ولكنها كلها برغم فائدتها، كانت تحصر نفسها فى الرد الطبى، لكننى كنت أراها ظاهرة ليست طبية فقط، إنها ظاهرة عقلية، نفسية، عرَّت وفضحت العقل الجمعى المصرى.

العوضى مجرد عرض لمرض شامل، عضال، أصاب العقل المصرى، مرض «فوبيا العلم»، كما أطلقت عليه هذا الوصف والتشخيص منذ ربع قرن، وحذرت، وكتبت عن أن الجهل بالعلم من الممكن علاجه، لكن كراهية العلم فى منتهى الصعوبة، وكلما تفاقم مرض فوبيا العلم، أصبح من المستحيل علاجه، hopless case، الرد العلمى والتفنيد الطبى كان ضروريًّا، لكن كان ضروريًا أيضًا تفسير التغييب العقلى الذى حدث للأتباع.

الدفاع المستميت للمؤمنين بنظامه، تأخر الدولة فى التصدى لتلك الظواهر، انتشاره فى الإعلام، هذه الميوعة الإعلامية العجيبة، والجرى وراء الترند ولو على حساب جثث الناس!، كان لا بد من تفكيك هذه الظاهرة؛ لذلك كانت فكرة هذا الكتاب قبل نشره بكثير، وفى أثناء حياة د. العوضى نفسه، حتى لا يقول البعض أنتم تبارزون الفارس بعد أن ترجَّل عن حصانه!، نقول لهم لا بل كتبنا، وانتقدنا فى حياته، وفنَّدنا ممارساته، وكان من نتائجها، ونتائج كتابات أطباء آخرين لهم ثقل علمى، وبصيرة وضمير علمى ومهنى يقظ، نتيجة مهمة، وإن جاءت متأخرة، التحقيق معه فى نقابة الأطباء.

تجمعت أمام النقابة فيديوهات وتسجيلات وروشتات للدكتور ضياء، كانت أهم حالة، فجَّرت الموقف، مريضة زرع الكلى، التى أوقف لها مثبطات المناعة، وادَّعى أنها قد تحسَّنت، ومرضى الفشل الكلوى، الذين يغسلون الكلى بانتظام لإنقاذ حياتهم، تم الاستدعاء، ومناقشته فى تلك الحالات، وكانت معظم ردوده، أنا حر!!.

وانتهت التحقيقات بشطبه من النقابة، ثم أغلقت وزارة الصحة عيادته للمرة الثانية، بعد أن فتحها مُتحديًا قرار الإغلاق الأول، كانت تلك أول إجراءات إدارية صارمة تُتَّخَذ ضد صاحب الطيبات، ولكن للأسف كان المرض قد تحوَّل إلى وباء، وصار الفيروس أكثر شراسة، وانتشر عبر الإنترنت، فصار حصار الظاهرة وتفادى توابعها أشبه بحصار عاصفة انفجار قنبلة نووية، انفجرت فى كوخ!.

فى هذه الأثناء تواصل معى د. أسامة حمدى، وهو خبير مصرى مهم فى أمريكا، وقامة طبية محترمة، له ثقل فى مجال مرض السكر، أبدى انزعاجه ودهشته من كلام هذا الطبيب، وعبَّر عن صدمته من موقف المؤسسات المنوط بها الرقابة على مثل هذا الهزل اللاعلمى، وسألنى عن بداية ظهوره، وعندما عرف أن البداية كانت مع الإعلامى محمود سعد صُدِم، وكان د. أسامة قد كتب أهم ردود على كلام العوضى عن السكر، ردود مفحمة، وتصيب الهدف، أقتبس منها ردًّا كان له صدى كبير فى وقتها، وعبَّرت له عن امتنانى لدخوله تلك المعركة، برغم رذاذها السخيف، وهو رجل يعيش فى أمريكا، وغير معتاد على مشاغبات ولجان الفيسبوك ورذائلهم، وذبابه المزعج، أختار لكم اقتباسًا، واعذرونى على طوله، لكن لأهميته سأُضمِّنه مقدمة الكتاب، وأكتفى به بوصفه refrence علميًّا لقطع الطريق على كل الفتاوى من أرباع المُدَّعين، فقد قطعت جهيزة قول كل خطيب، كما يُقال فى التراث العربى، يقول د. أسامة:

«فى ٨ نقاط.. مرض السكر ليس حقل تجارب!

فى أثناء زيارتى القصيرة لمصر منذ أيام، أرسل لى أحد الأصدقاء فيديو لأحد الأشخاص يدعو فيه مرضى السكر إلى أن يوقفوا علاج الإنسولين، مُدَّعيًا أن الإنسولين قاتل، وأن أدوية السكر تعصر البنكرياس، وأنه لا مانع أن يصل مستوى السكر إلى ٦٠٠ فى الدم، ولا مانع أن ينتج الجسم الأسيتون ويتحول الدم إلى الناحية الحمضية، وأن المخ يحتاج إلى السكر؛ لذا على مريض السكر أن يأكل السكر والنوتيلا والبسبوسة ليغذى المخ، وأخذ يتمتم بعبارات طبية من الواضح أنه لا يفهمها، أو يدرك معناها، فما يقوله أقرب إلى الهذيان بكلمات طبية غير مترابطة أو ذات معنى، ولكنها تبدو للمستمع غير العارف بالطب كأنه يتكلم كلامًا علميًّا سليمًا. والأهم أنه تبدو عليه- بوضوح- أعراض الخلل العقلى والاضطراب النفسى من طريقة كلامه، وحركاته، ونرجسيته.

للحق، لم أصدق ما رأيت، ولم أفهم كيف سُمِح لهذا الشخص، الذى قيل لى أنه طبيب، أن ينشر هذه الخزعبلات على العامة فى مصر دون ملاحقة، وهى التى قد تؤدى حتمًا إلى وفاة كثير من مرضى السكر، خاصة من النوع الأول، إذا اتبعوا أيًّا منها؟ وتعجَّبت أكثر من سكوت المختصين فى مرض السكر بمصر عن الرد عليه، وتوضيح خطورة ما يقول، والأهم لماذا لم توقفه وزارة الصحة حتى الآن وهى المسئولة عن صحة المصريين؟ ولماذا لم تتحرَّك الداخلية لتودعه إجبارًا فى مصحة للعلاج؟ ولماذا تفتح له وسائل الإعلام نافذة لنقاش هذه الهرتلات الشاذة والمتهورة؟!

ولهؤلاء المرضى وأهاليهم ولعموم المصريين أقول ببساطة ووضوح:

١- مريض السكر بالنوع الأول لا ينتج بنكرياسه الإنسولين تمامًا؛ نظرًا لتدمير الجهاز المناعى لخلايا البنكرياس. فالإنسولين هرمون حيوى جدًّا، وهو الذى يُدخِل السكر إلى كل خلايا الجسم ليمدها بالطاقة، فهو مفتاح الخلية للتزود بالطاقة، وفى حالة التوقف عن العلاج بالإنسولين تتعطَّش خلايا الجسم للسكر الذى يظل محجوزًا فى الدم ولا يستطيع دخول الخلايا، وهو ما نطلق عليه جوع الخلية، بالرغم من وفرة السكر بالدم Starvation despite plenty؛ لذا يحس المريض بجوع شديد، خاصةً للمواد السكرية، بالرغم من ارتفاع السكر فى الدم، وإذا استمر جوع الخلايا للسكر، يبدأ الجسم- و-خاصةً الكبد- بتكسير الدهون وبروتينات العضلات لتحويلها إلى سكر، فيرتفع السكر ارتفاعًا حادًّا فى الدم، ومع ذلك يظل فى الدم ولا يستطيع الدخول لعدم وجود الإنسولين «مفتاح الخلية»، ويبدأ السكر الزائد بالنزول فى البول مصحوبًا بكمية كبيرة جدًّا من الماء، فيحدث عطش شديد، وجفاف حاد، قد يؤدى إلى فشل الكُلَى إذا لم يُعالَجْ فورًا.

٢- حرق الدهون وبروتينات العضلات يؤدى إلى ارتفاع ٣ مواد حمضية سامَّة جدًّا فى الدم، ومنها الأسيتون Acetone الذى يُعطى لفم المريض رائحة الفواكه العطنة. أما الأحماض الأخرى فتصيب المريض بغثيان شديد وقىء؛ ما يزيد اضطراب أملاح الجسم والجفاف، واستمرار حمضية الدم يؤدى إلى خلل شديد فى أملاح الجسم، خاصة البوتاسيوم، وتؤدى إلى الإرهاق الشديد واضطراب تركيز المخ، وقد تصل فى بعض الأحوال إلى توقف عضلة القلب. وفى حالة عدم العلاج العاجل قد يحدث رشح فى المخ، خاصة فى الأطفال، تليها غيبوبة كيتونية قد تؤدى إلى الوفاة إن لم تُعالَج على الفور؛ لذا توقف العلاج بالإنسولين، ولو لمدة يوم أو يومين عند مريض السكر بالنوع الأول كما يطلب هذا الشخص قد يؤدى إلى كارثة صحية قد تؤدى إلى الوفاة. لقد كتبت بروتوكول علاج هذه الحالات، والذى يطبق فى معظم مستشفيات أمريكا والعالم. وللمختصين وضعت اللينك فى التعليقات ليقرأوه.

٣- ما لا يعرفه هذا الشخص أيضًا، أن المخ وخلايا البنكرياس، لحكمة إلهية، من الأعضاء القليلة التى استثناها الخالق من الحاجة إلى الإنسولين للتزود بالطاقة حتى يبقى فى العمل فى هذه الظروف الحرجة، وإرسال المخ لرسائل الجوع والحاجة للسكر، ليس لأن المخ لا يصله السكر المرتفع، ولكن لجوع خلايا الجسم كما ذكرت أعلاه. ويحتاج المخ إلى نحو ١٣٠ جرامًا من النشويات يوميًّا ليأخذ السكر الكافى لعمله اليومى. ومن حكمة الله أنه فى حالة منع السكر عن المخ، يستمر فى عمله على المواد الكيتونية الحمضية السابق ذكرها.

٤- إذا أخطأ المريض وأخذ جرعات عالية من الإنسولين فسيقل السكر فى الدم إلى أقل من ٧٠، وينقص بذلك السكر المتدفق إلى المخ، ما قد يؤدى إلى غيبوبة انخفاض السكر خاصة إذا انخفض السكر عن ٥٤، والتى يمكن علاجها بسرعة بأخذ مادة سكرية قبل تلف المخ أو حدوث تشنجات؛ لذا، فإن الإنسولين ليس قاتلًا كما يقول هذا المدعى، ولكن العلاج بجرعات غير منضبطة قد يؤدى إلى ارتفاع حاد أو انخفاض حاد فى السكر، وهما ما يحاول المتخصصون مساعدة المريض لمنعهما، عن طريق ضبط جرعات الإنسولين وتحليل السكر اليومى، أو استخدام أجهزة قياس السكر المستمر glucose sensors، أو استخدام مضخات الإنسولين، أو البنكرياس الصناعى.

٥- إعطاء مرضى السكر الحلويات والسكر والعصائر بكثرة قد يؤدى إلى حالة تُسمَّى التسمم السكرى glucotoxicity. ومع أنها عادة لا تؤدى إلى غيبوبة كيتونية فى مرضى النوع الثانى للسكر، لكنها توقف عمل ما تبقى من خلايا البنكرياس الذى قد يتوقَّف تمامًا فى بعض الحالات عن العمل لمرحلة وقتية عند وصول السكر لمستويات تتعدَّى ٤٠٠ مجم، مع إمكانية حدوث ارتفاع شديد فى التركيز الأسموزى للدم وفى خلايا المخ ما له نتائج خطيرة. أما إعطاء مثل هذا الكم من السكريات لمرضى النوع الأول فقد يؤدى إلى مضاعفات وخيمة على المدى الطويل، مثل نزف واعتلال شبكية العين الذى قد يؤدى لفقد البصر، واعتلال الأعصاب الطرفية الذى قد يؤدى إلى بتر الأطراف، واعتلال الكلى الذى قد يؤدى إلى الفشل الكلوى، فتحول السكر إلى سكر كحول Sorbitol كذلك اتحاد السكر العالى مع بروتينات الجسم protein glycation يؤدى إلى مضاعفات السكر كما يستهلك مضادات الأكسدة الطبيعية فى الجسم، وهو أمر مُثبَت علميًّا بآلاف الأبحاث العلمية السليمة.

٦- أدوية السكر لمرضى النوع الثانى من السكر ليست دواءً واحدًا. ومرضى النوع الثانى يمكنهم خفض عدد أدوية السكر أو جرعاتها بعد خفض الوزن، وقد يتوقَّف بعضهم عن العلاج بالإنسولين تمامًا بعد خفض الوزن، ونرى ذلك بوضوح فى المراحل المبكرة لمرض السكر من النوع الثانى، خاصة فى السنوات الخمس الأولى للمرض.

٧- القول بأن أدوية السكر تعصر خلايا البنكرياس، وتسبب الأنيميا، وتؤدى إلى انتفاخ الجسم، وتؤدى إلى تجويع المخ والعضلات، وتوقف الكوليسترول قول خاطئ تمامًا، وينم عن جهل طبى مريع. وعلى العكس، بعض أدوية السكر كالميتفورمين تزيد حساسية الجسم للإنسولين وتخفض من فرص حدوث بعض السرطانات. كما أن الإنسولين هرمون حيوى لمرضى النوع الأول وبعض مرضى النوع الثانى، ووقف الأدوية المنبهة للبنكرياس قد يؤدى إلى انخفاض شديد فى الوزن؛ لأنه هرمون نمو يحتاج إلى الجسم بشدة للنمو، بخلاف دوره فى إدخال الجلوكوز «الطاقة» لخلايا الجسم.

٨- السكر التراكمى يقيس مدى انضباط السكر على مدار ٩٠ يومًا، واختلاف قياسه من يوم إلى آخر قول غير دقيق وينم عن جهل مطبق؛ لأن التغير فى مستواه بطىء جدًّا، ولكن للمعامل مستوى خطأ مقبول قد يصل إلى ٠.٢٪. فالقول إنه غير مفيد أو غير سليم خاطئ.

للحق، أطالب السلطات المسئولة فى مصر بالوقف الفورى لهذا الشخص، وفحصه عقليًّا ونفسيًّا عن طريق مختصين فى هذا المجال، ومحو جميع فيديوهاته الكارثية من وسائل الإعلام والسوشيال ميديا، وأن تضرب النقابة ووزارة الصحة بيد من حديد على هؤلاء المدعين للعلم الذين يشكلون خطرًا داهمًا على صحة المصريين. ونصيحة لجميع مرضى السكر ألَّا يستمعوا إلى هذا الهذيان أو يجربوه حتى لا يعرضوا حياتهم للخطر. اللهم قد بلغتكم!

د. أسامة حمدى».

اعتبرت كلام د. أسامة حسمًا علميًّا فى مجال السكر، وللأمانة كان هناك الطبيب محمد ممدوح إن لم تخُنِّى الذاكرة، ردَّ ردودًا مهمة فى مجال الكلى، وأيضًا د. محمد المهدى فى مجال التشخيص والتحليل النفسى، ولكنى كنت بالرغم من ذلك غير متفائل بمثل تلك الجُزُر المنعزلة من الأطباء، التى تتعامل مع الوضع، كأخطاء طبية، يكفى للتصدى لها فقط، الرد والتفنيد العلمى، وكنت مُصرًّا على أن المشكلة، أكبر من خرافات طبية، إنها ظاهرة تغييب عقلى، ونشر سموم خرافة، ووعى جمعى مشلول، وغياب فكر نقدى، وعداء سافر للعلم، ودروشة، أشبه بحفلة زار جماعى، ولا يكفى لمنعها والقضاء عليها وإنقاذ الغلابة المساكين الضحايا منها، مجرد بوست هنا، ومقال هناك، إنها تحتاج تيارًا تنويريًّا، وكتيبة إيقاظ وعى كاملة، وتكرار، وإلحاح، وإحساس بالخطر، وقرون استشعار مستفزة على الدوام، وحذرة باستمرار، والحذر لا يكون من النموذج الذى يقوم بتغييب الناس والمجتمع فقط، ولكن المهم الحذر من تفشى الغيبوبة الفكرية والنقدية والعلمية، الخوف ليس فقط من البارانويا، لكن الخوف الأساسى من المازوخى، الذى هو عصب ألتراس الخرافة، والوهم، هو من يدشن صنم العجوة ثم يعبده، ويقدسه.

«ما خطورة تلك الظاهرة بالذات، ليُفرَد لها كتابٌ خاص، بالرغم من أنك قد قابلت نماذج فى درجة خطورتها، وأوهامها، وبعدها عن معايير العلم، والطب الحديث، وجعلتها مجرد فصول فى كتب متناثرة؟».

سؤال سأله أصدقائى المتابعون لمعاركى مع سماسرة العلم الزائف، والتى أخوضها منذ أن تخرَّجت فى الكلية، واعتبرتها قضيتى الرئيسية؛ لأن فى رأيى المتواضع، أى تغيير سياسى، لن يكون مُجدِيًا، وليس له أى تأثير أو مردود، إذا كانت الأرضية الاجتماعية خرافية، وإذا غاب التفكير النقدى والعلمى وجسارة الشك والسؤال، عندها ستكون أى ديمقراطية، مجرد شكل، مجرد طلاء ملون على جدار أكله السوس!، ما كتبته عن مدرس الألعاب عادل عبدالعال، وزغلول النجار، وحساسين، وصاحب الكركمين، وغيرهم، فى كفة، وضياء العوضى فى كفة أخرى؛ لأن رموز الظاهرة الأولى، لم يجرؤ أحد منهم، أو يتجاسر على القول، «ألقوا بالأدوية كلها فى سلة القمامة، واعتمدوا فقط على نظام النوتيلا، والبسبوسة، ومنع البطيخ والفراخ والماء»، أعلى سقف لهم كان قول بعضهم، إن الغرب سرق أدويتهم من تراثنا الدينى، أو يستخدم الأعشاب بنسبة ما مع العلاج… إلخ، لكن د. ضياء العوضى بدأ من مُنطلق أن الطب نفسه وهم!!، ويسخر ويتهكَّم، «عمل لكم إيه الطب؟، أساتذتى بيموتوا فى الرعاية قدامى، وماشيين على الدوا…»، فى عملية زرع ألغام فى أساس البناء، وليس فى حُجرة، أو شقة، أو بدروم، ويُسمى هذا ثورة، ورسالة إلهية، ووحى ربانى، هذه أولى نقاط خطورة الظاهرة، التى احتاجت كتابًا منفصلًا مُحذِّرًا.

ثانى النقاط المهمة، المستعصية على التفسير، من يلجأ إلى أمثال هؤلاء، دائمًا يقول: الأطباء جشعون، الفيزيتا غالية ومكلفة، لكن المفاجأة، هى أن فيزيتا العوضى ٣٠٠ و٤٠٠ دولار!!، إذن هذا المبرر غير مقنع، ويصعب فهم هذه الظاهرة، وسبب الاقتناع بها، بل واكتساحها الذى دهس عقولًا كثيرة فى طريقه.

ثالث النقاط الغريبة فى تلك الظاهرة العوضية، هى التعامل المتعجرف مع المرضى، فكل التسجيلات، فيها «شخط، ونطر، وتهزىء لهم»، لكنهم ينفذون فرماناته بالحرف، وهذا هو العجيب، والذى يحتاج إلى تحليل نفسى واجتماعى، ومعه يثير الدهشة والغضب والخوف على مستقبل هذا البلد، فى ظل وجود مثل تلك العقليات المريضة، التى ليست بالعدد القليل، ولكنها تتكاثر وتتجمع وتتحالف كالجراد.

كان من الغريب أيضًا أن معظم الألتراس من مُقدسيه «نساء»، بالرغم من هجومه الذكورى الذى وعدناكم ألا نخوض فيه فى هذا الكتاب، وهنا نطلب معونة أطباء السيكاترى، أغيثونا، هل تلك مازوخية؟!.

جاءت وفاة د. ضياء العوضى الدراماتيكية، الله يرحمه، لتكون أخطر نقاط تميز واختلاف الظاهرة العوضية عن الظواهر السابقة، الزغلولية والكركمينية وغيرهما، من مظاهر علم زائف، فقد تحوَّلت إلى الديانة العوضية، وصار الشخص مُقدَّسًا، ونظامه كهنوتًا، فهو فى حياته أراح الألتراس من الإحساس بالذنب تجاه تخلفهم، فأصبحوا يقولون تخلفنا ليس ناتجًا عن عيب فينا، ولكن لأن الغرب يتآمر علينا، وبالطبع منح موته نظرية المؤامرة، خَتْمًا سرمديًّا، وأصبح لديهم البطل المُخلِّص، الذى ما أن مد إليهم طوق النجاة، قتله الموساد وقتلته الماسونية، بل ووصل الاتهام إلى آفاق عبثية من الهلاوس، فتم اتهام تاجر فراخ بجرجرته لخارج مصر، واغتياله!!.

تجمَّعت تلك الخيوط لتصنع من الظاهرة بعد الرحيل، هالة مقدسة، وحضورًا كثيفًا، واستمرارًا مُزمنًا، برغم الغياب، وهذا هو الخطر، لذلك ستجد فى الكتاب ما تعتبره تكرارًا، هو ليس تكرارًا، بل عرض للفكرة من زوايا عرض ورؤية وتناول مختلف، فالظاهرة صادمة، وعدم تفكيكها، وتحليلها، من زواياها كافة سيجعل الفُتات منها يتحول مرة أخرى إلى جبل، مثلما كان يعلمنا أساتذة الجراحة أن ترك أم القيح، فى الخراج، يصبح نواة لتكوين خراج جديد، كنت قد تخيَّلت بأنك استأصلته، ونظفته.

حاولت تناول ظاهرة د. ضياء العوضى من كل جوانبها، وحاولت عرض المفاهيم المشوشة عند الكثيرين، والمعانى التى كنا نظنها بديهيات، فإذا بنا نكتشف أن معظم شعبنا بل مثقفينا، يجهلونها، مفهوم ومعنى العلم، معنى الدواء والعلاج، ما هو الشفاء، ما هو الطب القائم على الدليل، وهل الطب يبنى على التجارب الشخصية، وما هو العلم الزائف؟؟؟…إلخ.

فى النهاية أشكر الصديق حسين عثمان صاحب دار ريشة على حماسه لإصدار هذا الكتاب، فى موسم بعيد عن سوق معرض الكتاب، أشكره لأنه أحس بأهمية الكتاب، والمضمون الذى يحمله، وإنه ليس كتابًا لحظيًا، أو مرتبطًا بمناسبة، ولكنه كتاب عن ظاهرة كادت تعصف بعمود خيمة وطن، ظاهرة تغييب العقل أمام سطوة وتسونامى الخرافة، أخيرًا من يريد كتابًا يهدهده ويزغزغ قناعاته، ويدلل ويدلك غدة التفكير بالتمنى عنده، أرجوه ألا يقرأ هذا الكتاب.