أنا فى رحابك.. محمد عبدالوهاب يهزم «فقه النكد»
-عبدالوهاب تحدث عن فكرة تلحين القرآن لكنه لم يستطع تنفيذها على أرض الواقع
- يروى أنيس منصور أنه أسمعهم فى جلسة خاصة تلحينه بعض الآيات من سورة «الرحمن»
- عبدالوهاب كان متدينًا ولم تكن تفوته صلاة وكان يلجأ إلى مصطفى محمود كى يسأله فى الدين
- قبل وفاته بشهور- توفى فى 4 مايو 1991- كانت مفاجأة عبدالوهاب لجمهوره أغنيته لبيك اللهم لبيك
- بعض العلماء أضافوا للإسلام ما يمكن أن نسميه «فقه النكد»
فى واحدة من حلقات «نجوم دولة التلاوة» كنت أستضيف خبير المقامات الشهير الراحل أحمد مصطفى كامل، ومن بين ما عرضته عليه كان تلاوة لسورة «الضحى» بصوت الموسيقار الكبير محمد عبدالوهاب.
طلبت رأيه، فقال بطريقته الحادة: لا ينفع.. الصوت جميل.. لكنه لا يراعى الأحكام.
لم يكن تسجيل سورة «الضحى» بصوت عبدالوهاب متداولًا على نطاق واسع، لكنه كان معروفًا، ويبدو أنه كان مفتونًا بسورة «الضحى» تحديدًا، فقد تحدث عن استخدامه لإيقاعها الموسيقى وهو يلحن أغنيته الشهيرة «دعاء الشرق» التى كتبها الشاعر الكبير محمود حسن إسماعيل فى العام 1953.
كان عبدالوهاب يتحدث إلى سعد الدين وهبة فى برنامجه الحوارى الطويل «النهر الخالد»، وأخبره بأنه وهو يلحن مطلع هذه الأغنية التى تقول: يا سماء الشرق طوفى بالضياء/ وانشرى شمسك فى كل سماء، ذكريه واذكرى أيامه بهدى الحق ونور الأنبياء- رنت فى أذنه موسيقى سورة «الضحى»، فاستخدمها بعد أن أخبر محمود حسن إسماعيل بمناسبتها تمامًا لهذه الأغنية.
وأغلب الظن أن قراءة سورة «الضحى» بالطريقة الوهابية هى ما أوقعته فى حلمه بأن يقوم بتلحين القرآن، وهو الحلم الذى لم يحققه أبدًا، لكنه قد يكون مدخلًا مناسبًا لأن نقف على حدود حالة عبدالوهاب الروحية، وهى الحالة التى تمنحنا معرفة كاملة بما كان عليه، وكيف كان يرى الدين؟ وكيف كان يتعامل معه.

من المعروف عن عبدالوهاب- ليس له تاريخ ميلاد معروف حتى الآن- أنه نشأ نشأة دينية.
كان والده مقرئًا ومؤذنًا لمسجد سيدى الشعرانى ثم إمامًا للمسجد
فى كتاب «محمد عبدالوهاب.. سيرة ذاتية» الذى وثقه لطفى رضوان، يقول عبدالوهاب عن هذه النشأة: جاءت أسرتى من «أبوكبير- شرقية»، وعندما توفى جدى ترك خلفه ولدين يتلقيان علومهما بالأزهر الشريف، هما والدى الشيخ عبدالوهاب محمد وعمى الشيخ محمد أبوعيسى، ولم يستطع والدى أن يواصل علومه بالأزهر، ولكن عمى ظل بهذا الصرح العلمى العريق حتى نال إجازة العالمية، وكان الدين الحنيف يربط الأسرة كلها برباط وثيق، ويكاد يطبع حياة كل فرد من أفرادها، حتى إن أبى كان شيخًا لمسجد الشعرانى، كما كان عمى إمامًا لهذا المسجد، وأصبح باب الشعرية- وحى الشعرانى بالذات- مستقر الأسرة الثانى بعد أبوكبير.
وفى كتاب ضمن سلسلة أنغام من الشرق عن محمد عبدالوهاب- دون مؤلف معروف- يذهب كاتبه إلى تفاصيل أكثر عن نشأة عبدالوهاب الدينية.
يقول: نشأ فى أسرة دينية، حيث كان عمه محمد محمد أبوعيسى خطيبًا وإمامًا لمسجد سيدى الشعرانى، وكان والده الشيخ عبدالوهاب محمد أبوعيسى مقرئًا ومؤذنًا لهذا المسجد ثم خطيبًا وإمامًا، فقد نزح هذان الشقيقان إلى القاهرة للالتحاق بالأزهر الشريف من بلدتهما «بنى عياض» إحدى ضواحى مركز «أبوكبير- شرقية».
وهناك التحقا بالعمل فى هذا المسجد، وأقاما فى بعض الضواحى «مساكن الأوقاف المتواضعة» فى ذلك الحى، وقد اشتهرا برخامة الصوت، فكان الناس يتقاطرون على المسجد أفواجًا فى كل يوم جمعة، لكى يستمعوا إلى تلاوة القرآن الكريم من الشيخ عبدالوهاب وإلى الخطبة من أخيه الشيخ محمد.
ويضيف مؤلف الكتاب: فى هذا المحيط الدينى قضى عبدالوهاب سنوات طفولته، حيث كان والده يتمنى له أن ينشأ نشأة دينية، فيلتحق بالأزهر الشريف ويتفقه فى الدين، ثم يخلفه فى وظيفته الدينية كمقرئ، ومؤذن أو يصبح مثل عمه إمامًا وخطيبًا، فيؤذن فى الناس بالصلاة، ويؤم المصلين ويعظهم فى دينهم ودنياهم، فأدخله كُتاب الحى، حيث حفظ فيه ثلث القرآن تمهيدًا لإدخاله الأزهر الشريف، ولكن عبدالوهاب كان قد مال منذ حداثته إلى الموسيقى والغناء، واستهوته التسابيح والأذكار، فكان يحب الاستماع إلى أصحاب الأصوات الجميلة من أمثال سلامة حجازى ومنصور بدار وعلى محمود وعبدالحى حلمى وصالح عبدالحى وسيد الصفتى، وأخذ يرهف إليهم السمع ويلتقط ألحانهم وأغانيهم بأذنه الموسيقية، ويرددها كلما خلا لنفسه، وكيف لا وقد ورث رخامة الصوت عن أبيه وعمه؟
من طريف ما يذكر عن عبدالوهاب فى هذه الفترة أنه تسلل إلى فرح كان يغنى فيه الشيخ سيد الصفتى، ونام تحت الدكة، التى كان يغنى عليها المطرب لكى يسمعه خلسة دون أن ينتبه لوجوده أصحاب الفرح، كما أنه كان معجبًا بصوت صالح عبدالحى، عندما كان فى قمة المجد يتمنى أن يكون مطربًا مشهورًا مثله، حتى رآه يومًا يركب عربته الحنطور، فتعلق بمقعدها الخلفى لكى يرى صالح عن قرب، وإذ بسائق العربة يلسعه بالسوط لسعة لا تزال آثارها فى وجهه إلى اليوم.
يصف مؤلف الكتاب حالة والد عبدالوهاب عندما عرف ميل ابنه إلى الموسيقى والغناء، فقد كانت خيبة أمله كبيرة، عندما أدرك هوس ابنه بحب الموسيقى والغناء، وتركه كُتاب الشيخ محمد، لكى يتردد على المسارح والأفراح، فضيق عليه الخناق، وذهب به إلى صديق له ترزى لكى يشفيه الله من ذلك الهوس الذى أصيب به بحب الموسيقى والغناء.

فى محل الترزى كانت الصدفة التى غيرت مجرى حياة عبدالوهاب تمامًا، ففى الوقت الذى أدخل الأب فيه ابنه محل هذا الترزى لكى يبعده عن الجو الموسيقى، إذ به يلتقى فيه شقيق هذا الترزى، واسمه محمد يوسف شمعون، يعمل فى الصباح ترزيًا وفى المساء كورس فى فرقة فوزى الجزايرلى التى كانت تعمل وقتها على مسرح «الكلوب المصرى» بالحى الحسينى الذى تحول بعد ذلك إلى فندق.
فى بداياته احتاط عبدالوهاب لنفسه من أن تعرف أسرته أنه صار مغنيًا فأطلق على نفسه اسمًا مستعارًا هو «محمد البغدادى»
أخذ عبدالوهاب يرافق شمعون كل مساء فى الذهاب معه إلى مسرح الجزايرلى، حتى اكتشف فوزى جمال صوته وأظهره على المسرح بين فصول الروايات ليلقى بعض قصائد الشيخ سلامة حجازى، كما اشتهر حينها بأغنية مطلعها «عندى منجة وصوتى كمنجة».
احتاط عبدالوهاب لنفسه من أن تعرف أسرته أنه صار مغنيًا، فأطلق على نفسه اسمًا مستعارًا هو «محمد البغدادى»، ولكن شقيقه الأكبر حسن عبدالوهاب- أصبح وزيرًا للمالية وهو والد المطرب سعد عبدالوهاب- لم يلبث أن اكتشف الحقيقة وألقى القبض عليه متلبسًا بجريمة الغناء، ثم قاده إلى المنزل، حيث كانت تتنظره علقة ساخنة من والده.
وفى الواقع فإن أباه الرجل التقى المتدين قد غضب منه وفرض عليه رقابة شديدة لكى يحول بينه وبين الغناء، لأنه كان يريد أن يجنب أسرته العار الذى قد يلحقها من اشتغال ابن مؤذن وإمام وخطيب مسجد الشعرانى بهذا الفن.
التحول الكبير فى حياة عبدالوهاب حدث فى كُتاب الحى، فقد تم اكتشاف قدرته على الغناء ومناسبته له هناك.
فى حواره مع الأثرى الكبير أحمد عثمان وهو حوار خاص أجراه معه عثمان نشرته جريدة «المصرى اليوم» يقول: فى هذا الوقت كنت فى الكتاب الملحق بمسجد سيدى عبدالوهاب الشعرانى القطب الصوفى الذى هو جد والدى، كان الشيخ يسمع لنا ما حفظناه، يشير إلى الطفل منا ويقول له: اقرأ يا ولد، ولاحظ علىّ الشيخ أننى أقرأ القرآن بطريقة منغمة، ولا أقرأ مثل بقية الأولاد بسرعة ولهوجة، سمعنى أقرأ سورة «الضحى» بهذه الطريقة، فكان أول من أدرك أننى يمكن أن أكون مطربًا.

هناك رواية أخرى تخص الكتاب، تفسر لنا لماذا هرب عبدالوهاب إلى الغناء، نجدها فى كتاب «فيكتور سحاب» «محمد عبدالوهاب.. سيرة موسيقية»، يقول: أحب عبدالوهاب تجويد القرآن وهو فى الرابعة من عمره لجمال صوت الشيخ رمضان، الذى أخذ يرتاده فى جامع سيدى الشعرانى وحفظ القرآن، وكان يختط طريقه مقرئًا لولا أن العريف الجديد للكتاب الشيخ عبدالعزيز كان قبيح الصوت شديدًا على الأولاد فبدل مجرى حياته.
هذه النشأة الدينية جعلت من عبدالوهاب شيخًا ابن مشايخ، ولقد لعب المشايخ دورًا كبيرًا فى تطوير الموسيقى والغناء، وإن كان هناك من يصر على تغييب هذا الدور، ربما لأنهم يرون أنه لا يليق أن يرتبط الغناء بالمشايخ، أو لا يجب أن يقول الناس إن المشايخ هم أصل الموسيقى عندنا.

يرفض عبدالوهاب هذا المنطق.
لنسمعه وهو يقول: كل الفنون ارتبطت بالأديان والعبادات، وعندنا فى مصر بالذات والعالم العربى كان الارتباط بين الدين والفن ضروريًا، ولا يعبر فقط عن مسألة مزاج، وأنا أرى أنه كان ضرورة أن تخرج الموسيقى عندنا من الجامع، لأن القرآن كان هو العامل الأهم والمصدر الرئيسى للموسيقى، الخشوع فيه مذهل، والخشوع يعنى إحساسًا، والإحساس هو روح الفن، لا يوجد فن دون إحساس وروح ووجدان.
ويؤكد عبدالوهاب أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين الموسيقى والقرآن الكريم، والدليل على ذلك عنده أن الموسيقيين الكبار عندنا كانوا فى الأصل من مقرئى القرآن، فالشيخ عبده الحامولى الذى نعتبره «باخ» الموسيقى العربية كان فى الأصل مقرئًا فى الجامع الأحمدى بطنطا، والشيخ سيد درويش نفسه كانت نشأته دينية وعمل مقرئًا فى بداياته فى الإسكندرية، والشيخ أبوالعلا محمد الذى قدم لأم كلثوم الكثير من ألحانه فى بداياتها كان قارئًا للقرآن، والملحنون الكبار أيضًا خرجوا من قلب قراءة القرآن، فالشيخ زكريا أحمد بدأ كقارئ للقرآن، والمفاجأة أن رياض السنباطى هو الآخر بدأ كقارئ للقرآن فى المنصورة، لكنه لم يكن فى جلسات عامة، وأخبر عبدالوهاب بنفسه أنه تعلم الموسيقى من القرآن.

ولا ينسى عبدالوهاب السيدة أم كلثوم فيخصها بأنه كان من أبرز مزاياها البيان أو الإبانة فى حروفها وهى تغنى، فلا يشكل عليك أى حرف من حروفها، وكل كلمة سليمة رصينة بارزة تفهمها بالضبط، وكأنها تجود القرآن، فالتجويد فى أصله الغرض منه الإبانة، يعنى أن تصل الآيات للأذن واضحة مبينة تمامًا، وكان السبب فى ذلك لدى السيدة أم كلثوم هو تأسيسها القرآنى.
وكما لم ينس عبدالوهاب السيدة أم كلثوم فإنه لم ينس نفسه أيضًا.
يقول: أنا خرجت من مسجد، عشت وتربيت فى مسجد سيدى الشعرانى بباب الشعرية، وفيه تعلمت القرآن وقرأته، ولم تختلف هوايتى وقتها عن هواية المشايخ، فأنا لم أستمع إلى مطرب أفندى أبدًا، كان كل سمعى منحصرًا فى أصوات المشايخ، خاصة الشيخ محمد رفعت والشيخ على محمود طه والشيخ الشعشاعى، وكنت أهرب من البيت كثيرًا حتى أسمعهم.
من بين كل المشايخ الذين استمع إليهم محمد عبدالوهاب كانت فتنته بالشيخ محمد رفعت أكبر، وكان رأيه فيه أنه هو الأعظم.
يحكى عبدالوهاب أن الشيخ محمد رفعت جاء ليقرأ عند أحد الجيران الذى كان عائدًا من رحلة الحج، وكان العائدون من الحج يقيمون ليلة يجلبون لها قراء القرآن والمنشدين.
يقول: كان عمرى وقتها ست سنوات، وكنت هاتجنن للذهاب إلى حفل جارنا والاستماع إلى الشيخ رفعت، وكنت كلما حاولت الدخول قاموا بطردى لأنه ممنوع دخول الأطفال إلى الصوان، فكرت ماذا أفعل؟ وجدت أن الصوان مقسوم إلى جزءين مفتوحين على بعضهما، جزء للأكل الضيوف يجلسون فيه أمام لوح خشب والصوانى أمامهم عليها من خيرات الله، صحون فيها أرز ولحمة وخضار وسلطة ومن كل شىء، رأيت رجلًا عجوزًا عمره يقترب من الـ٨٠ سنة، يحمل صينية وفى طريقه لإدخالها إلى الصوان، فقلت له: عنك الصينية أشيلها مكانك، ودون تفكير وضع الرجل الصينية فوق دماغى، ولأنها كانت ثقيلة على طفل فى عمرى فقد سقطت بها على الأرض، وطارت على الناس وتلوثت ملابسهم، وكان نصيبى من جنونى بالاستماع للشيخ رفعت أن تلقيت علقة ساخنة لا أنساها أبدًا.

هذا الشغف الكبير بالشيخ محمد رفعت تحول إلى دراسة وتأمل.
وقد يكون هو السبب فى أن يقول عبدالوهاب «إن أشجع فنان على الإطلاق هو قارئ القرآن الكريم، لأنه يأتى غير متسلح بأى أداة موسيقية كالعود مثلًا، ومع ذلك يطرب الجمهور ويهز قلبه، فقط بصوته المجرد».
ولم يكن غريبًا أن يخضع صوت الشيخ للتحليل الموسيقى العلمى الدقيق من الموسيقار الكبير.
يقول عبدالوهاب عن محمد رفعت: لم أسمع طوال حياتى صوتًا ضيق الحجم خافتًا كصوته، وبرغم ضيق حجمه وخفوته، على ثمانى عشرة درجة موسيقية، أو ثمانية عشر مقامًا موسيقيًا سليمًا، ويمتد بكل انسجام واقتدار على أقسام الأصوات الرجالية الثلاثة المعروفة عند الموسيقيين، وله فوق ذلك كله استعارة صوتية عجيبة تتألف من ثلاث درجات موسيقية ساحرة، ما سمعنا مثلها أبدًا، فاجتمعت بذلك لصوته العبقرى مساحة موسيقية هادئة تضم واحدًا وعشرين مقامًا تقريبًا، كما تنطوى الطاقات الهائلة فى الذرة الصغيرة.
كانت العلاقة التى ربطت بين محمد عبدالوهاب وبين القرآن علاقة خاصة، من نوع مميز، اسمعه فقط وهو يقول: ضميرى يرتاح كلما أتممت قراءة القرآن.
كان عبدالوهاب معتادًا على قراءة القرآن، وكانت له طقوسه الخاصة فى عبادته التى لم يكن يظاهر بها أبدًا، بل كان يعتبرها أمرًا خاصًا بينه وبين ربه.
فى أحد حواراته الصحفية كشف عن بعض طقوسه وتحديدًا فى شهر رمضان، حيث ظل طوال عقود طويلة من حياته يصلى ويقرأ القرآن، كما كانت له عادة فى سنوات شبابه طوال شهر رمضان، وهى قيامه برفع الآذان من فوق مئذنة مسجد سيدى الشعرانى، ودعوة الناس للصلاة، وكان من بين ما يتميز به أنه كان يستخدم المقامات الموسيقية المختلفة فى رفعه للآذان، وكان يفعل الأمر نفسه عندما يقضى بعض الأيام فى قريته بالشرقية.

هذه الروح هى التى دفعت محمد عبدالوهاب مبكرًا إلى محاولة تلحين القرآن.
كانت المحاولة الأولى فى العام ١٩٤٢.
وقتها كان وزير الأوقاف هو عبدالحميد عبدالحق فى حكومة مصطفى النحاس، تقدم عبدالوهاب بطلب رسمى لتلحين القرآن، وكانت حجته فى ذلك الوقت أنه لاحظ أن كل المقرئين لا يلتزمون لحنًا معينًا فى أداء الآيات الكريمة، وفى كل مرة يتلونها بشكل مختلف ومغاير، ويخضع أداؤهم فى الغالب للمزاج الشخصى، ولسيطرة المقرئ على صوته، وعلى صحته نفسها، ويجب أن يكون هناك عقل بجانب الروحانية فى أداء الآيات البينات.
فحصت وزارة الأوقاف طلب عبدالوهاب، وعرضته على عدد من المشايخ وقراء القرآن، فرفضوا ما يريده، وقالوا بشكل حاسم إن هذا حرام ولا يجوز.
لم ييأس عبدالوهاب، وكانت المحاولة الثانية فى العام ١٩٦٧.
وقتها كانت مجلة الكواكب تجرى معه حوارًا، نشرته فى عددها الصادر فى ١٢ ديسمبر ١٩٦٧، ويومها أعاد عرض فكرته لتلحين القرآن، وكانت لديه مبرراته أيضًا.
هذه المرة قال: يجب أن يفكر المقرئ فى كل آية وكيف تقال، خاصة أن فى القرآن آيات متجاورة، ولكنها مختلفة المعانى، كآيات الوعد بالجنة والوعيد بالنار، ثم الآيات القصصية التى يجب أن تلقى بأداء مغاير لسائر الآيات.
وبرؤية واضحة لفكرته يضيف عبدالوهاب: فى رأيى أن القرآن الكريم عقل وروح معًا، فهو تنظيم لصلة البشر بالله، ولا يمكن فى لحظة الارتجال السريعة أن ينظم القارئ فى عقله ما يجب أن يؤدى به الآيات الكريمة كما يجب أن تؤدى.

المفاجأة أن عبدالوهاب هذه المرة كشف عن أنه بدأ فى مشروعه.
سجل آيات من سورة البقرة بصوته على شريط كاسيت وكان يعود إليها بين الحين والآخر
أشار إلى أنه قام بتجربة لنفسه على آيات يحرص على قراءتها كدعاء قبل النوم كل مساء، وهى الآيات التى جاءت فى ختام سورة البقرة وهى «لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين».
سجل عبدالوهاب هذه الآيات بصوته على شريط كاسيت وكان يعود إليها بين الحين والآخر، ويقول عن هذه التجربة: كان الغرض من تلحين هذه الآيات هو إعطاء كل كلمة حقها من اللحن الذى يوضح معناها دون الحاجة إلى استخدام الآلات الموسيقية، وحتى تكون هناك الأسس السليمة التى يلتزم بها جميع المقرئين فى الأداء، ولا يترك هذا الأمر للارتجال، الذى يتحكم فى مزاج كل مقرئ ومدى سيطرته على صوته.
لم ينجح عبدالوهاب فى محاولته الثانية أيضًا، فقد تصدى لها هذه المرة الشيخ أحمد حسن الباقورى الذى كان وزيرًا للأوقاف بعد الثورة، ولم يستخدم فى كلامه الحلال أو الحرام، لكنه تحدث مع عبدالوهاب بالمنطق.
كان من بين ما قاله الباقورى إنه يحترم رغبة الأستاذ محمد عبدالوهاب، كما يحترم ويقدر نشأته الدينية وفنه العظيم.
ويقول: الأستاذ محمد عبدالوهاب لم يأتِ بجديد يمكن أن يكون موضوع نقاش فى هذا الأمر، فهو نفى استخدام الآلات الموسيقية فى تلحين القرآن، وهذه غيرة مشكورة على كتاب الله، وقد فرّق بين الآيات التى تشير إلى الجنة ونعيمها، والآيات التى تشير إلى النار وجحيمها، وقال إن أداء هذه الآيات ينبغى أن يختلف بعضه عن بعض، وهذا كلام ليس جديدًا، فهو مأثور من أسلافنا الصالحين، فروى عنهم أن القارئ منهم حينما كان يمر بآية نعيم أضاء وجهه، وبدا الفرح فى نغمته، وإذا مر بآية عذاب حزن وبدا عليه كدر شديد.
ويزيد الباقورى وجهة نظره إيضاحًا، يقول: أما الاجتهاد فى تحسين الصوت بقراءة القرآن، وإظهار المقدرة فى القراءة من المد وغيره، كما هو معروف فى علم التجويد، فأعتقد أن القدر الذى يدعو إليه الأستاذ عبدالوهاب بعيد عن الموسيقى وملتزم بحدود التجويد التى اصطلح عليها علماء القرآن، وهذا لا شىء فيه، وهى دعوة مشكورة لا ينكرها الإسلام وإنما يرحب بها.

ويختم الباقورى كلامه موجهًا رسالة إلى عبدالوهاب، يقول: رجائى إلى الأستاذ عبدالوهاب أن يدعو خلاصة من المهتمين بكتاب الله عز وجل، ثم يتلو عليهم من كتاب الله ما يرى أنه خليق بحسن تقديره، حتى يستطيع هؤلاء أن يحكموا له أو عليه.
كان الشيخ الباقورى ذكيًا فى طرحه، إنه لم يفتح الباب لعبدالوهاب ليدخل منه بأريحية، وفى الوقت نفسه لا يغلقه فى وجهه، بل يجعل ما يريده معلقًا بشرط أن يقول أهل القرآن رأيهم فيه، فعل ذلك وهو يعرف جيدًا أن من يعملون بالقرآن لن يقبلوا بما يطرحه الموسيقار الكبير، من باب أنهم يرونه حرامًا بالفعل، ومن باب آخر لأنهم ما كانوا ليقبلوا أن يكون عبدالوهاب أستاذهم ومعلمهم ومن يصحح لهم قراءتهم.
بعد ثلاث سنوات كانت المحاولة الثالثة لعبدالوهاب.
لم يكن هو من طرح الفكرة هذه المرة، ولكنه تحدث ضمن تحقيق مطول كتبه ضياء الدين بيبرس فى عدد مجلة الهلال التاريخى الذى صدر عن القرآن فى ديسمبر من العام ١٩٧٠.
كان عنوان التحقيق «تلحين القرآن بين أهل الفن ورجال الدين».
وفيه قال عبدالوهاب إن تدبر القرآن هو دليله إلى تلحينه.

وأضاف: من يتدبر كلام الله ويدرسه ويفكر فى مدى تعبير تلاوته أو تجويده خاليًا عن معانيه، يلاحظ أن الآيات متباينة وسريعة الانتقال من معنى شامل إلى معنى آخر شامل أيضًا، وأن الآيات فيها تتابع فى التعبير المتباين عن الرحمة والغفران والعذاب والوعد والوعيد، وتقدم صورًا شديدة الجاذبية للجنة والنار والإيمان والكفر.
ويرى عبدالوهاب أن هذه المعانى كلها يؤديها القراء على نمط واحد، يستوى فيه التعبير فى الأداء عن الرحمة والعذاب، وقد يكون من الأفضل أن يتباين التعبير فى الأداء تباينًا يجعل المستمع يتدبر آيات الله، وهو تدبر يدعو إليه القرآن فى آيات عديدة يحضرنى منها آية كريمة تقول «أفلا يتدبرون القرآن».
ويقترب محمد عبدالوهاب مما يريده، يقول: تدبر القرآن هو منطلقى إلى فكرة تلحينه، وهو أيضًا شفيعى ودليلى والنجم الهادى الذى يلهمنى فكرتى، وأنا أعرف سلفًا أن كلمة مثل التلحين تثير مخاوف الكثيرين، وكفيلة بأن تصدم مشاعرهم، إذ ربما يقترن فى أذهانهم التلحين المتواتر للكلام العادى بما يتنافر مع جلال القرآن، وربما ظن آخرون أن التلحين هو الأداء بفرقة موسيقية أو البعد عن الدراسة الوافية للنطق فى القرآن أو الافتئات على قوانين التجويد الصحيح.
فى حديثه هذه المرة كان محمد عبدالوهاب حريصًا جدًا، تشعر وكأنه يسير على الشوك.
يقول: أنا إذن أقدر الخوف الذى قد ينبعث فى الصدور، وأطمئن المشاعر الغيورة على الدين من هذه الناحية، فالقصد من كلمة تلحين عندى هو أداء كلام الله أداء يحاول أن يتفق بقدر الإمكان مع معانيه، وأتصور طبعًا أن يستلزم الأمر نوتة موسيقية، ولكن من قال إن التجويد بأصوله الحالية لا يمكن الألفاظ، فى حين أن دعوة تلحين القرآن أو أداءه أداء منغمًا إذا شئنا أن نبتعد عن الكلمة التى تثير ثائرة البعض.

يحدد عبدالوهاب فكرته بنضج أكبر، يقول: هى دعوة تهدف إلى اقتران التجويد بكل أصوله وقواعده التى لا تفكير بالمساس بها، بالأداء الذى يعبر عن المعنى، فى حدود التفكير فى آيات الذكر الحكيم وتدبرها، والتعمق فى معانيها والاهتمام بتفسيرها، والدراسة الوافية لمخارج الألفاظ فيها وقواعد نطقها.
ويواصل عبدالوهاب: العلم بقواعد التجويد إذن شرط أساسى لمن يتصدى لتلحين القرآن الكريم، أى أن التلحين إضافة للتجويد لا إلغاء له.
ومرة ثانية يكشف عبدالوهاب عن أنه بدأ فى مشروعه بالفعل.
يقول: لى فى هذا المجال- تلحين آيات القرآن- محاولات خاشعة، أشعر بأنها ناضجة، وأنا أقر مع تصميمى على الحاجة إلى تقديم القرآن الكريم فى صورة تشجع الناس على تدبر معانيه وتعمق إيمان المؤمنين، إن هذا المسألة خطيرة، وتحتاج فيمن يتصدى لها إلى تفرغ وحذر وإيمان ودقة.
التقط ضياء الدين بيبرس قلب فكرة عبدالوهاب بعد أن نضجت، فهو لا يقول بتلحين القرآن على إطلاقه، وقد علمته التجارب الفاشلة السابقة أنه لا بد أن يضع لفكرته إطارًا وقواعد.
يقول بيبرس: يبحث عبدالوهاب إذن عن حل لمعادلة صعبة، حدها الأول هو المحافظة على جلال الذكر الحكيم، وحدها الثانى المحافظة على قواعد التجويد، وحدها الثالث هو ضرورة إدخال تطوير جذرى على طريقة ترتيل القرآن أو أدائه، بشكل يساعد على تدبر معانيه والانفعال به وتعميق الإيمان بأهدافها.

انتهى كلام عبدالوهاب، وانتهى أيضًا توضيح ضياء الدين بيبرس، وانتهت محاولات عبدالوهاب لتلحين القرآن، ولم يعد إلى هذا الحديث مرة أخرى، واكتفى بأن يقرأ لنفسه ويسجل ما يرضى عنه، لكن هذه التسجيلات لم تظهر إلى النور.. وأعتقد أنها لن تظهر أبدًا، فقد يتسامح معك المجتمع عندما تفكر، حتى لو كان فى أفكارك شطط، لكنه يقطع رقبتك إذا حاولت تنفيذ ما تفكر فيه.
للدقة عاد عبدالوهاب إلى مسألة تلحين القرآن فى حديثه المطول مع الكاتبة الكبيرة والفنانة التشكيلية وصديقته لوتس عبدالكريم، والتى أصدرت عنه كتابًا مهمًا، جعلت من اسمه «محمد عبدالوهاب» عنوانًا له.
تقول لوتس إن عبدالوهاب أخبرها عن محاولاته لتلحين القرآن بأنه ليس لازمًا استخدام الآلات الموسيقية فى هذا الأمر، لكن كان هدفى هو إعطاء كل كلمة حقها فى اللحن المناسب لموضعها وإحساسها، ولا يترك الأمر للارتجال حسب مزاج كل قارئ.
كانت لدى عبدالوهاب قناعة خاصة بأنه لا يجب أن يغنى أو يلحن أغنيات دينية
ويحكى أنيس منصور -الذى كان صديقًا مقربًا من عبدالوهاب أيضًا- أن الموسيقار الكبير أسمعهم فى جلسة خاصة تلحينه بعض الآيات من سورة «الرحمن»، وسأل الموجودين: هل يمكن أن تصاحب هذا اللحن موسيقى هادئة، ورغم إعجاب الحاضرين بما قدمه عبدالوهاب، فإنهم أجمعوا على عدم ظهور هذه التسجيلات من الأساس، لأن هذا يمكن أن يشكل خطرًا كبيرًا عليه من المتطرفين.. وهم كثيرون.
كانت لدى عبدالوهاب قناعة خاصة بأنه لا يجب أن يغنى أو يلحن أغنيات دينية.
يضع الموسيقار الكبير أيدينا على هذه القناعة فى حواره الخاص مع أحمد عثمان والذى أجراه معه بحكم علاقته الشخصية به، فلم يكن عثمان صحفيًا.
يقول: لم يكن عندى استعداد لعمل أغانٍ دينية بالطريقة التقليدية، أعتمد فى تلحينها على الدفوف والناى، كل الأغانى الدينية التى تم تقديمها بما فيها الأغانى التى لحنها رياض السنباطى للسيدة أم كلثوم كانت قائمة على هذا الشكل التقليدى، الشكل الذى يعطيك شكل الذكر، لكن لأننى كفنان لست من أنصار التقليدية، فأنا أريد أن أقدم شيئًا مختلفًا، ولدىّ بالفعل حاجة أريد أن أقدمها لكن من سكة ثانية، يعنى أريد أن أعتمد على الآلات النحاسية وليس الدفوف والناى، ويمكن أن يتعجب البعض، إذ كيف نستخدم أدوات نحاسية فى أغنية دينية، أقول: هذا هو الفن.. مفيش فيه ليه.

يدلل عبدالوهاب على قناعته بأنه ليس فى الفن لماذا، بموقف جمعه بالشاعر الكبير على محمود طه الذى لحن له قصيدة «كليوباترا».
قرأ عبدالوهاب فى القصيدة: أسمر الجبهة كالخمرة فى النور المذاب، فسأل على محمود طه: ما معنى الخمرة فى النور المذاب، لست أفهم المعنى، فرد الشاعر بتلقائية: لا تعنى شيئًا.. والفن ليس فيه يعنى إيه، إنما فيه حلو ولا وحش، إنت شايف إيه؟
رد عبدالوهاب: حلو.
فأغلق على محمود طه النقاش بقوله: يبقى خلاص.
يعود عبدالوهاب إلى حديثه عن الأغنية الدينية.
يقول: نحن أمام دين قوى، ليس فيه خضوع ولا خنوع ولا رهبنة ولا روحانية زيادة، فلا بد أن أعبر عن هذا الدين بقوة وبدون دروشة، فالفرق أو الميزة فى ديننا أنه يقول لك «ولا تنس نصيبك من الدنيا»، الدنيا متعتها لا عيب ولا حرام، ونبينا- صلى الله عليه وسلم- كان رجل دين ودنيا، يعنى نبيًا وحاكمًا ومحاربًا وزوجًا وأبًا، والدين فى الواقع له تأثير قوى، ومن يتجه إليه يحدث له أمر من أمرين: إما أن يصبح متزمتًا، أو يصبح ثائرًا، وهذا حال أغلب من تخرجوا فى الأزهر، منهم من وقف عند العلم الجامد والتشدد وكل شىء عندهم حرام ومكروه، وهناك من رفض التزمت غير المقبول وغير المعقول وثار، وكانت الثورة درجات، وهناك من ثار بعقلانية واعتدال مثل طه حسين وعلى عبدالرازق ومصطفى عبدالرازق، كل هؤلاء تخرجوا فى الأزهر، وكان يمكن أن يكونوا مجرد شيوخ متزمتين ومتشددين مثل الآخرين، لكن التشدد ولّد عندهم الثورة على الجمود والموجود.
ليس معنى هذا أن عبدالوهاب لم يدخل باب الغناء الدينى، الفارق أنه فعله على طريقته الخاصة، وأعتقد أنه كان يغنى تلبية لحاجة روحية لديه هو، فهو ليس لديه أغان دينية، بل مجرد حالة بكلمات محدودة ومكثفة.
فعلها أول مرة فى العام ١٩٦٨، عندما أخذ من كلمات حسين السيد جملتين فقط هما: أغثنا أدركنا يا رسول الله.. أغثنا أدركنا يا منى عينى.
صنع عبدالوهاب من هذه الكلمات القليلة حالة روحانية، على العود بدأ كورال فى ترديد كلمة الله على طريقة الحضرة الصوفية، ثم أدى الكلمات بدون فذلكة موسيقية، بل بلحن بسيط هادئ خاطف، فقد كانت الكلمات هنا هى البطل.

وفى الثمانينيات تغنى للرسول- صلى الله عليه وسلم- أيضًا بكلمات تقول: محمد يا رسول الله، محمد يا حبيب الله، الله أكبر، لبيك اللهم لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، لبيتك وجيتك، لحد باب بيتك، يا رسول الله، يا حبيب الله، يا نبى الله.
وقبل وفاته بشهور- توفى فى ٤ مايو ١٩٩١- كانت مفاجأة عبدالوهاب لجمهوره أغنيته لبيك اللهم لبيك، التى كتبها أحمد شفيق كامل، وكانت هذه آخر أغنية لحنها وغناها عبدالوهاب، وتقول كلماتها: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.. أنا فى رحابك أنا أنا فى الرحاب، أنا فى رحابك يا رب يا تواب، حبيبى يا رب، لبيتك وجيتك، وعند الباب ملانى الخوف، وفكرت أرجع وأهرب من ذنوبى، فضلت أعمل ده كله وأخش بيتك.
غنت الفنانة الكبيرة نجاة الأغنية نفسها بعد وفاة عبدالوهاب، ورغم روعة وروقان أداء نجاة لها، فإن الحالة الروحانية التى أدى بها عبدالوهاب الأغنية كانت لافتة، فكأنها كانت أغنية وداع لطريق طويل لفنان أدرك معنى الفن وقيمته.
فى تسجيل متداول على شبكات التواصل الاجتماعى فيه كثير من الاستظراف من الدكتور مصطفى محمود، يتحدث عنه أنه كان جالسًا مع محمد عبدالوهاب فى سنواته الأخيرة، ودار بينهما حوار على نحو قريب من هذا:
مصطفى: اسمع بقى.. اللى إحنا بنعمله ده كلام فاضى، كتب وأغانى، إيه فايدتها؟
عبدالوهاب: لا أختلف معاك.. اللى بنعمله ده اسمه فن.
مصطفى: فن آه.. لكن موقفك مش مضمون، يعنى هتقابل ربنا بإيه؟ بـ«بلاش تبوسنى فى عنيا» ولا بـ«الدنيا سيجارة وكاس».
عبدالوهاب: إحنا قدمنا فن.. والفن شىء ممكن يغير الدنيا.
مصطفى: فى النهاية كلام.. يعنى واحد بتاع كورة هيقابل ربنا بإيه؟ بشوية أجوان؟ أو ملاكم، هيقابل ربنا بشوية لكمات؟ لا بد يكون فيه أعمال جنب الأقوال.

عبدالوهاب: أعمال.. أعمال زى إيه؟
مصطفى: أعمال.. يعنى إطعام جائع أو كسوة عريان أو كفالة يتيم أو مشروع خير، واحد بيموت تسعفه، هتسعفه بإيه؟ بغنوة؟ مش هينفع طبعًا.
عبدالوهاب: أنا عند رأيى إن الفن شىء عظيم، ولا يصح أبدًا أن تشكك فى الفن.
لم يغضب محمد عبدالوهاب من كلام مصطفى محمود، فرغم شطحات الكاتب فإن الموسيقار كان يأنس إليه.
تقول لوتس عبدالكريم: كان مصطفى محمود أقرب إلى عبدالوهاب بسبب الدين، فعبدالوهاب كان متدينًا ولم تكن تفوته صلاة، وكان يلجأ إلى مصطفى محمود كى يسأله فى الدين.
وكان للإيمان عنده معنى منفتحًا للغاية، وهو ما يفسر لنا إعجابه بكلمة قالها مكرم عبيد إلى صديقه عبدالرحمن فهمى.
فى كتابه «عبدالوهاب وأوراقه الخاصة» ينقل لنا فاروق جويدة تحت عنوان «الإيمان» ما قاله عبدالوهاب: أعجبنى حوار بين عبدالعزيز فهمى ومكرم عبيد، وكانا يترافعان ضد بعضهما فى قضية كمحامين كل عن موكله، وكان مكرم يستشهد فى مرافعته بآيات قرآنية كريمة، ومكرم كان يحفظ آيات كثيرة من القرآن، وعندما استشهد بالآيات القرآنية فى مرافعته قال له عبدالعزيز فهمى: يا مكرم باشا هل تؤمن بما تقول؟.. أجاب مكرم على الفور: إنى أقول بما تؤمنون.
بهذه القناعة لم يهتز محمد عبدالوهاب أبدًا، وأعتقد أنه ضحك مما قاله الشيخ كشك عنه فى إحدى خطبه الزاعقة التى بلا معنى.

كانت الخطبة فى منتصف السبعينيات، وقال فيها الشيخ الزاعق: إننى أوجه هذه النصيحة إلى الدكتور الموسيقار، يا عبدالوهاب لقد بلغت من العمر ٦٦ سنة، وبينك وبين ظلمة القبر شبر أو قيد شبر، اتقِ الله وجدد إيمانك، فقد ظللت لسنوات طويلة تقول: جئت لا أعلم من أين ولكنى أتيت، ولقد أبصرت أمامى طريقًا فمشيت، سأبقى سائرًا إن شئت هذا أم أبيت، كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقى؟ لست أدرى.
يتحدث كشك عن قصيدة إيليا أبوماضى التى غناها عبدالوهاب فى فيلمه «رصاصة فى القلب»، ويتهكم على عبدالوهاب، قائلًا: لا تدرى من أين جئت، اقرأ سورة «المؤمنون» لتعلم من أين جئت، أتنكر وجود الخالق وأنت محمد يا عبدالوهاب؟
لم يلتفت محمد عبدالوهاب إلى هذا الزعيق الفارغ، فقد أدرك أن ما يفلعه كشك ليس إلا محاولة لمحاربة الفن والغناء، فهو لم يدرك معانى قصيدة إيليا أبوماضى، ولا ما فيها من أسئلة وجودية، ولا ما تتضمنه من حيرة الإنسان فى كل وقت ومكان، ولا تعنى أبدًا أنه يشكك فى وجود الله، بقدر ما تعبر عن معاناة من الحياة وما فيها، فهى حيرة ليست فى المطلق ولكنها فى النسبى.
الغريب أن الأمر تكرر مع عبدالوهاب فى نهايات حياته، عندما قدم أغنيته الشهيرة «من غير ليه» فى العام ١٩٨٩، وقبل عامين من وفاته، وهى الأغنية التى كتبها مرسى جميل عزيز وكان مفروضًا أن يغنيها عبدالحليم حافظ، لكنه توفى قبل أن يقدمها لجمهوره.
ما جرى وثقه لنا الكاتب الكبير والناقد غالى شكرى فى كتابه «أقنعة الإرهاب»
ففى شهرى نوفمبر وديسمبر ١٩٨٩ جرى أن أحد المواطنين تقدم ببلاغ إلى النائب العام يتهم فيه الفنان المصرى بترويج الإلحاد، لأن كلمات الأغنية تصرح بما يعد فى الدين من الكفر، وقال المواطن فى بلاغه إنه قد سأل أحد رجال الدين بشأن هذه الكلمات، وقد أفتاه بأنه من حقه أن ينهى عن المنكر، وأن أضعف الإيمان هو اللجوء إلى المحكمة.

نسبت الصحف هذه الفتوى إلى الشيخ عبدالله المشد رئيس لجنة الفتوى بالأزهر، وقالت عريضة الدعوى «إن بعض كلمات الأغنية تمثل مخالفة صريحة للشرع الإسلامى، وتضمنت عبارات تدخل كاتبها ومرددها دائرة الشك، وتحمل معنى الاستهانة بالقدر، وبناء عليه أقام محامى الادعاء دعوى حسبة أمام محكمة الأمور المستعجلة ضد محمد عبدالوهاب وآخرين، بمقولة إن واجبه كمسلم دفعه لرفع هذه الدعوى ضد كل من يعتدى على الإسلام وطالب بمصادرة الأغنية.
ولكن الشيخ عبدالله المشد فاجأ المحكمة بمذكرة ينفى فيها أنه أصدر أى فتوى بهذا الشأن، وتحدى فى الصحف أن يثبت المدعى هذا الزعم من توقيع للشيخ على فتوى مكتوبة أو صوت مسجل له، وأضاف أن الحديث الشريف يقول: روحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلوب إذا أكلت عميت، وإذا عميت لم تفقه شيئًا، ومن ثم فإن الأغانى مباحة ما لم تحرض على فعل محرم، ولا يجوز أن يحكم أحد بكفر مسلم إلا إذا ثبت كفره بدليل قطعى الثبوت أو إجماع، وليس بما يفيد الظن والاحتمال.
وقال الشيخ المشد فى مقال نشره بجريدة الأهرام فى ٤ ديسمبر ١٩٨٩: ومن هنا نستطيع أن نقرر أن مؤلف أغنية «من غير ليه» أو مغنيها أو مرددها لا ينطبق عليه الحرمة أو الكفر، لأن خلط المديح بالغزل لا حرمة فيه.
ثم يتساءل رئيس لجنة الفتوى: ماذا فى كلام الأغنية التى تقول «جايين الدنيا ما نعرف ليه، ولا رايحين فين، ولا عاوزين إيه»، إن استعمال الشك للوصول إلى الحقيقة هو مذهب الإمام الغزالى، إننا لم نجد من العلماء أحدًا أطلق حكمًا بكفر من قال بمثل هذه الأغنية، ولكننا للأسف وجدنا ذلك من قوم ادعوا غرورًا أنهم العلماء، وأنهم المدافعون عن الإسلام، والعارفون بأدلته وأحكامه وقواعده وأصوله.
وبعد جلسة استغرقت أربع ساعات فى محكمة القاهرة للأمور المستعجلة حكمت المحكمة برفض الدعوى، وكان محامى الادعاء قد طلب حضور عبدالوهاب، ليعلن أمام المحكمة توبته عما اقترفه بحق الإسلام فى أداء هذه الأغنية.

وقالت المحكمة فى حيثيات الرفض: إن كلمات الأغنية لا تعنى سخرية الإنسان من سر وجوده فى الحياة أو اعتراضه على ذلك، بل إنها تعنى سخرية الإنسان من نفسه وضعفه وقلة حيلته، فهو حقًا لا يعرف سر وجوده، ولا إلى أين المصير، كما لا ترى المحكمة تعارضًا بين كلمات الأغنية وبين قوله تعالى «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون»، وإن معنى الأغنية بوجه عام بعيد عن المساس بالناحية الدينية، وإنما هى أغنية عاطفية عبارة عن رسالة موجهة من حبيب إلى ما يحب، وأن عبدالوهاب ونشأته الدينية وحفظه القرآن الكريم ينأى به عن التردى فى دائرة الشك أو السخرية من القدر، ولكل ما تقدم فإن الدعوى تبدو وقد فقدت أى سند لها من الواقع والشريعة ويتعين رفضها.
بعد أن استعرض غالى شكرى ما جرى، وضع نقاطًا مهمة على هوامشها على النحو التالى:
أولًا: إن هناك من يرى ضرورة فرض الوصاية على الفن من حيث المبدأ، وأيًا كانت الكلمات والألحان والغناء، فالفن متهم حتى تثبت براءته.
ثانيًا: هذا الفريق من الناس يرى أن الشك يستوجب المساءلة، سواء كان هذا الشك فى الشعر الجاهلى منذ أكثر من ستين عامًا «معركة طه حسين»، أو فى حياة الإنسان ومصيره كما هو الحال فى أغنية محمد عبدالوهاب.
ثالثًا: اعتمدت براءة الأغنية والمغنى على أن الكلمات ليست مما يدخل فى باب التحريم أو الكفر، وأن تدين عبدالوهاب يضعه فوق مستوى الشبهات، وليس هناك كلام عن مؤلف الأغنية نفسه، فلم يكن عبدالوهاب إلا مؤديًا وملحنًا.
رابعًا: كان من الواضح أن هناك رغبة من الأزهر ورغبة من القضاء فى تبرئة الأغنية والمغنى، فبالنسبة للأزهر هناك النفى القاطع لصدور فتوى فى هذا الشأن، وقد استند القضاء على هذا النفى.
وهذا يعنى أن شخصية عبدالوهاب فى المجتمع المصرى لعبت دورًا حاسمًا فى إنهاء المشكلة عند هذا الحد، لأن الاستشهاد بالغزالى أو بالسيرة الدينية لعبدالوهاب لا يكفى للإقرار بحرية الفكر والتعبير، وإنما تؤكد الواقعة أن المناخ السلفى يدعو للتسلط والقمع.

دخل على الخط الكاتب والمفكر الكبير فرج فودة عندما كان يتحدث إلى التليفزيون التونسى، صحيح أنه وقع فى خطأ أن هناك فتوى صدرت من المؤسسة الدينية بتكفير الأغنية، وهو ما لم يحدث، فقد قام بتكفير عبدالوهاب بعض ممن لم ينتموا للمؤسسة الرسمية، إلا أن فرج وضع يده على نقطة مهمة، وصك مصطلحًا أعتقد أنه لا يزال فاعلًا وفعالًا وهو «فقه النكد».
يقول فرج: إن بعض العلماء أضافوا للإسلام ما يمكن أن نسميه «فقه النكد»، فهناك أغنية جميلة قدمها الأستاذ محمد عبدالوهاب وهى «من غير ليه»، وهى أغنية أسعدت الناس وأطربتهم، لكن هيئة الفتوى فى الأزهر أصدرت فتوى أو قرارًا بأن عبدالوهاب مرتد، وهذا هو «فقه النكد» بعينه.
ويضيف فرج: محمد عبدالوهاب يغنى ويقول «جايين الدنيا ما نعرف ليه»، فسألوه: جايين الدنيا منعرفش ليه يا سى عبده؟ «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون»، فهل هذا معقول.. إن عبدالوهاب كان يغنى ولم يكن يقدم موعظة دينية حتى يتم التعامل معه بهذه الطريقة، لكن ماذا نفعل وهذه أصول «فقه النكد»؟







