رحلة الوعى عند الأديب رضا سليمان.. بين الهاجس الفردى وأزمة الإنسان الوجودية
يأخذنا الأديب رضا سليمان في مجموعتة القصصية «رحلة سعيدة للمسافر س»، الصادرة هذا العام عن دار بتانة للنشر، في رحلة تستنهض وعينا يخوضها المتلقي / القاريء مع الأزمات اليومية للإنسان المعاصر، ليكتشف فيها ذاته وعالمه المتقلب، ويصبح فيها هاجسه اليومي سؤالا وجوديا طالما حاول الإنسان سبر أغواره؛ إذ تبدأ الحبكة في أغلب قصص المجموعة بالهاجس النفسي لدى الشخصية والإضطراب والقلق والحيرة التي تدفعه للتساؤل الذي يحرك الحدث السردي، فالأزمة الوجودية يطرحها الأديب هنا كمعادل موضوعي ودلالي لما تعانيه الشخصية / الإنسان في كل زمان ومكان.

ويقدم الأديب رضا سليمان السؤال هنا ليس بوصفه تقنية لغوية تتكرر في قصص المجموعة، وإنما كبنية تشكل حركة الشخصية والحبكة معًا، عبر مواقف سردية ساخرة أو عجائبية أو مأساوية، ويمكن اكتشاف ذلك من خلال البنية العميقة في «رحلة سعيدة للمسافر س» التي تقوم على تحويل السؤال الداخلي للشخصية إلى محرك للحبكة؛ فالسؤال يولّد القلق، والقلق يستفز وعي الشخصية ويضعها في مواجهة اختبار، يتعلق بذاتها أو باختيارها أو بعلاقتها بالآخر أو بالعالم المحيط بها، والاختبار يكشف تناقضاتها وحدودها الأخلاقية والنفسية، لتتجاوز الأزمة مستواها الواقعي إلى أزمة وجودية تتصل بالاختيار والحرية والمسؤولية والانتماء والحب والذاكرة ومعنى الإنسان. بحيث يصبح الحدث الخارجي كاشفًا لأزمة داخلية أعمق، ويغدو المكان والزمان واللغة والشخصيات أدوات متضافرة في نقد اختلال القيم الإنسانية تحت ضغط السلطة والمال والمجتمع والتكنولوجيا.
والمؤلف هنا لا يمنح الشخصية إجابة نهائية، بل يجعل غياب الإجابة أو عجز الشخصية عن الوصول إليها جزءًا من دلالة القصة؛ إذ يصبح السؤال نفسه علامة على اغتراب الإنسان المعاصر وقلقه أمام عالم تتعدد فيه الاحتمالات وتضيق فيه القدرة على اليقين.
ومن ثم يغدو السؤال نقطة التقاء بين المستوى النفسي والمستوى الحكائي؛ إذ يبدأ بوصفه إحساسًا أو قلقًا داخليًا، ثم يتخذ صيغة استفهامية، قبل أن يتحول إلى قوة دافعة للحركة السردية، وينتهي إلى كشف أزمة أعمق تتجاوز حدود الواقعة المباشرة إلى سؤال وجودي.
واللافت أن الأسئلة ليست متشابهة في صياغتها، لكنها تتجمع حول أسئلة كبرى: من أنا ؟ ماذا أفعل ؟ ماذا أختار ؟ ما الذي يستحق أن أتمسك به ؟ هل أستطيع تغيير مصيري ؟ ماذا يبقى من الإنسان حين يفقد المكان أو الحب أو الأمان أو القدرة على الاختيار؟.

نجد ذلك واضحا منذ بداية المجموعة في قصة (الأنف) وحتى القصة السابعة عشر (ريم غزة)، ففي (الأُنف) تبدأ التجربة من إحساس غريب يداهم الشخصية، ويتحول الإحساس الجسدي إلى هاجس يعبر عن اضطراب داخلي، فيبدأ السرد بسؤال دال: (لا أعلم متى بدأ يغزوني هذا الشعور ؟)، ثم يصبح الشعور شيئًا يفسد حتى متعة القهوة والعزلة. وتتساءل الشخصية / الموظف (هل أفعل ذلك فعلا ؟) لتحيلنا من خلال الإتهام الموجه إليها إلى مراجعة أنفسنا ومراجعة الواقع معا، إذ يبدو اتهام المدير للموظف بأنه يتدخل فيما لا يعنيه عيبا شخصيا من خلال الأنف الذي يطول مع التلصص، كتشخيص وأنسنة لعضو في جسد الإنسان، لكنه يضع أيدينا على سؤال أكثر أهمية: من أين أتى كل هذا البذخ الذي يتمتع به المدير ؟، هنا لا يأتي السؤال الوجودي في صورة فلسفية مباشرة، وإنما يتحول إلى علامة جسدية عجائبية تحيل إلى تساؤل ذي مغزي مهم ودال عبر أزمة مجتمع وأزمة إنسان العصر الوجودية.
كما نجد في قصة (المدير العام)، حيث يتساءل الراوي (كيف حدث هذا؟ ولماذا؟) منتقدا الواقع الوظيفي الذي يدفع الكثيرون للتملق والتقنع بصورة مقيتة بالغ الكاتب في تصويرها كي نسخر جميعا من أنفسنا.
فالجماعة تغيّر خطابها تجاه السيدة «ع» بمجرد تغير موقع السلطة، فتصبح الحقيقة أقل أهمية من الموقف الذي تفرضه القوة. حتى إن الموظفين حين يخافون على مستقبلهم يتدافعون ويتوارى كل منهم خلف الآخر.
ومن هنا يظهر سؤال آخر خلف هذه القصص: هل الإنسان يمتلك موقفًا حقيقيًا، أم أنه يتشكل وفق موقع القوة الذي يوجد أمامه ؟ وهذا سؤال وجودي وأخلاقي في الوقت نفسه.
وفي (ضغبوس) يتحول السؤال إلى سؤال عن القدرة والكرامة: من يستطيع أن يواجه السيد ؟، من يملك الجرأة على رفض العمل الإضافي ؟، هذا السؤال الذي يتردد في وعي الجماعة قبل أن يتقدم «رباح»، فيبدو أمام زملائه شديد الجرأة، لكنه حين يدخل على السيد نكتشف هشاشته وحيله أمام السلطة.
وهنا تكشف الحبكة التناقض بين الصورة التي تصنعها الشخصية عن ذاتها والذات الحقيقية حين تواجه القوة، فتصبح الأزمة الوجودية أزمة الكرامة والحرية أمام السلطة.
كما نجد في قصة (كنز قوس قزح)؛ فليلى لا تعاني في البداية من حدث مأساوي، وإنما من سؤال يبدو بسيطًا: أين يوجد الكنز ؟ ومن أي طرف ينبغي أن تبدأ ؟ لكنها تتحول إلى أسيرة لهذا السؤال، فتقف أمام الاحتمالين ولا تستطيع الحركة، ويصف السرد صراحة أنها «مقيدة بحيرتها»، حتى يتحول الزمن نفسه إلى قوة ضدها، فالشخصية تعاني عجزها عن اتخاذ موقف حاسم إزاء الخيارات المتاحة، فتتحول وفرة الاحتمالات إلى شلل وجودي.
نجد ذلك أيضا في قصة مهمة وهي (ميراث الذكريات)، إذ يصبح السؤال أكثر قسوة: هل أبيع البيت أم أحتفظ به ؟؛ ثم بعد اتهام أخوته له يصبح محاكمة للذات: ماذا فعلت ؟، فالبيت بالنسبة إلى الشخصية ليس ملكية عقارية؛ إنه طفولته ومراهقته وذاكرته، ولذلك يقول صراحة: «أنبيع حياتنا؟!».
يرفض البطل التعامل مع بيت الأهل بوصفه شيئًا يمكن استبداله؛ لأن المكان هنا معادل لماضيه، ووجوده الذي يسعى للحفاظ عليه واستعادته حين يضطر إلى بيعه. وهذا ما يحرك السرد ويدفعنا لسؤال وجودي مركزي أكثر قوة: ماذا يبقى للإنسان إذا فقد ماضيه ؟!. فبالرغم من أن السؤال / الهاجس هنا يبدو ظاهريا سؤالا فرديا، إلا أن السؤال الحقيقي هوسؤال وجودي: هل يمكن للإنسان أن يبيع المكان دون أن يبيع جزءًا من ذاته ؟، لتتحول الأزمة هنا إلى أزمة الانتماء والهوية والذاكرة، نجح الملف من خلاله أن يجعل من الزمن طرفًا في الصراع؛ فمرور السنوات لا يلغي المكان، وإنما يزيد من قوة حضوره في الذاكرة.
وفي قصة (سحابة صيف) نرى نموذجًا آخر للسؤال الوجودي حين تفقد الشخصية السيطرة على الواقع، بعد اختفاء حساب (سحابة صيف) الذي قامت عليه العلاقة فى الفضاء الرقمي، فتتوالى الأسئلة: «ماذا حدث؟» «هل حدث لها مكروه؟» «هل اكتشفت عائلة زوجها الراحل علاقتنا؟» ثم يعود السؤال مرة أخرى: «ماذا حدث، وأين اختفت؟!»، هنا السؤال ليس بحثًا معرفيًا بريئًا؛ إنه نابع من انهيار اليقين، فالشخصية كانت تظن أنها تملك زمام العلاقة، ثم تختفي الصفحة فجأة، فتكتشف أن العالم الذي أقامته على التواصل الافتراضي قابل للاختفاء في لحظة وأنها تتعرض لأزمة أخلاقية تهدد كيانها ووجودها.
وفي قصة (إيصال أمانة) تتكشف لنا المسؤولية الأخلاقية منذ البدايةحتى النهاية موجها سؤالا للمتلقي ذاته إذا ما تعرض لمثل هذا الموقف عبر سؤال مباشر (ماذا أفعل الآن؟!)، فالشخصية تعثر على درج يحتوي على أوراق وإيصالات أمانة وشيكات وتوقيعات، فتبدأ الأزمة الأخلاقية: هل تتدخل ؟ هل تترك الأمر؟ ما مصير أصحاب هذه الأوراق ؟، لتنتابها مشاعر المسؤولية، وهو ما يطرح السؤال الوجودي: ما مسؤولية الإنسان تجاه ما يعرفه ؟
وهذه نقطة تكشف أن (الوجود) في المجموعة ليس وجودًا فلسفيًا مجردًا، وإنما هو وجود أخلاقي: أن تكون موجودًا يعني أن تختار وأن تتحمل تبعات اختيارك.
وفي قصة (تألق خفي) لا يقف الحب وحده في مواجهة الحب، وإنما يقف الحب في مواجهة العجز الاجتماعي والمادي، ليصبح السؤال الضمني عند الشخصية هو: هل يكفي الحب حين لا أملك مقومات الزواج ؟، ومن هنا يصبح الحب اختبارًا للذات: هل قيمة الإنسان بما يشعر به، أم بما يملك؟.
وفي قصة (ليلة العمر) نجد الوجه الآخر؛ فمشروع الزواج موجود اجتماعيًا، لكن المعرفة الحقيقية بين الطرفين محدودة للغاية؛ فالساردة تقول إن حديثهما منذ الخطبة حتى الزفاف كان قليلًا، فيصبح السؤال: هل الزواج الاجتماعي يعني بالضرورة تحقق العلاقة الإنسانية ؟، فالحب هنا لدى المؤلف الأديب رضا سليمان وبذلك لا يعالج الكاتب الحب بوصفه عاطفة فحسب، بل بوصفه اختبارًا لمعنى العلاقة الإنسانية.
وفي قصة (الهارب) يصبح الهروب هنا هروبا وجوديا فهو ليس مجرد انتقال مكاني وإنما محاولة للنجاة، هذه المحاولة التي نجدها أيضا في قصة (صعود معلق) التي تجسد معادلا موضوعيا لخواء الإنسان المعاصر وأزمته مع نفسه وواقعه، إذ أن فقدانه لعظامه تحيل إلى فقده لكينونته وهويته فيغدو كائنا بالونيا مدفوعا للصعود لأعلى دون قدرة على التحكم في عالم مضطرب وهائم، وتصبح أزمته ممثلة في:هل يمكن النجاة من هذا المصير المؤلم ؟ ماذا لو صرخت كي ينقذني أحدهم ؟ لكنه يتذكر أن الآخر هنا يمكن أن يهلكه لأنه قام بتوصيل زر مروحة السقف بزر الإضاءة وأن القادم عندما يحرك هذا الزر سوف يمزق جسده، في دلالة على سحق الواقع لوجودنا وعبثية النجاة وهو سؤال حول ماهية هذا الوجود الصاخب، حتى أنه غير قادر على أن يسمع صوته رغم صراخه، فصوته غير مسموع لأنه أصبح كائنا هشا ضعيفا أمام هذا العالم المتأجج بالصراعات والماديات التي صنعها الأقوياء بجشعهم.
لتصبح أسئلة المجموعة هنا جماع لأزمة الإنسان المعاصر: «ميراث الذكريات»: هل أبيع حياتي حين أبيع البيت؟، «إيصال أمانة»: ماذا أفعل حين تصبح مسؤولًا عن مصير الآخرين؟، «سحابة صيف»: ماذا أفعل حين ينهار العالم الذي وثقت به؟، «كنز قوس قزح»: كيف أختار؟، «ضغبوس»: هل أملك شجاعة مواجهة القوة؟، «ليلة العمر»: هل تكفي العلاقة الاجتماعية لصناعة علاقة إنسانية؟، «الأُنف»: ماذا تكشف أفعالي عن حقيقتي؟، «رحلة سعيدة للمسافر س»: هل أستطيع أن أرى الآخر وأن أتعاطف معه؟
لتلتقي جميعًا حول سؤال وجودي واحد: ما الذي يجعل الإنسان إنسانًا حين يوضع تحت الاختبار؟وهنا تصبح الأزمة اليومية أزمة وجودية.
فالسؤال في مجموعة (رحلة سعيدة للمسافر س) ليس عنصرًا حواريًا فقط، بل هو تقنية لتوليد الحبكة، تبدأ بسؤال داخلي، والإجابات ليست دائمًا موجودة وهذا ملمح مهم جدًا.
فالكاتب لا يجعل وظيفة السرد الإجابة عن السؤال بقدر ما يجعلها لتعميق السؤال. مما يستفز بدوره القاريء للتفكير والإختيار ومساءلة الواقع.
ويقتضي ذلك التمييز بين مستويين للسؤال: أولهما السؤال بوصفه هاجسًا نفسيًا، أي ذلك القلق الذي يتشكل داخل الشخصية قبل أن يجد تعبيره في اللغة؛ وثانيهما السؤال بوصفه مولدًا للحدث، حين ينتقل هذا القلق من الداخل إلى بنية الفعل، فيدفع الشخصية إلى الاختيار أو البحث أو التردد أو المواجهة. وفي الحالتين لا تكون وظيفة السؤال الوصول إلى إجابة بالضرورة؛ فقد تكون قيمته الفنية في استمرار غيابه، لأن عدم العثور على إجابة هو الذي يبقي الأزمة مفتوحة ويمنحها بعدها الوجودي.
وتبدو هذه الآلية بوضوح في قصة «كنز قوس قزح»؛ إذ تتحول لحظة الاختيار إلى مركز الصراع كله. تقف ليلى أمام قوس قزح وتسأل: «أين يقبع الكنز؟!» ثم يتفرع السؤال إلى: أي الطرفين تبدأ منه؟ وأي الاتجاهين تختار؟ لكن السؤال، الذي يبدو في ظاهره متعلقًا بمكان الكنز، ينكشف تدريجيًا باعتباره سؤالًا عن الاختيار نفسه. فليلى لا تعاني نقص المعلومات بقدر ما تعاني عجزًا عن اتخاذ القرار؛ ولذلك يتحول التفكير في الاحتمالين إلى تعطيل للفعل.
وهنا ينتقل السؤال من كونه أداة للبحث عن الكنز إلى كونه مولدًا للأزمة: فكلما ازداد السؤال، ازداد التردد، وكلما ازداد التردد ضاع الزمن، حتى يختفي قوس قزح. وبذلك تصبح الأزمة الوجودية في القصة أزمة الإنسان الذي يدرك تعدد الاحتمالات، لكنه يعجز عن تحويل المعرفة بالاحتمال إلى قرار.
وتتكشف المفارقة في أن المشكلة لم تكن في غياب الطريق، وإنما في العجز عن اختيار الطريق.
وفي «ميراث الذكريات» يتخذ السؤال مسارًا مختلفًا؛ فهو لا يرتبط هنا بعجز عن الاختيار فحسب، وإنما يصطدم بمشكلة العلاقة بين المكان والهوية والذاكرة. فالسؤال «كيف يوافق على بيع المنزل؟!» يتبعه سؤال أكثر عمقًا: «أنبيع حياتنا؟!»؛ وبذلك ينتقل المنزل من كونه ملكية مادية قابلة للبيع إلى كونه وعاءً للوجود الشخصي والعائلي.
وتبلغ الأزمة ذروتها حين يسأل الراوي نفسه: «ماذا فعلت؟!» ثم تأتي العبارة الدالة: «لا إجابات مقنعة». وهنا لا يبحث السؤال عن تفسير لواقعة عابرة، وإنما يكشف مأزقًا في علاقة الإنسان بماضيه؛ فبيع المكان يعني، في وعي الشخصية، تهديدًا لميراث لا يمكن اختزاله في المال. ولذلك يتخذ السؤال طابعًا وجوديًا: هل يستطيع الإنسان أن يتخلى عن المكان دون أن يتخلى عن جزء من ذاته ؟ إن الأزمة هنا ليست أزمة عقار، بل أزمة ذاكرة وهوية وانتماء، ويصبح السؤال الأداة التي تكشف هذا التحول من المادي إلى الوجودي.
أما في «إيصال أمانة» فيتخذ السؤال طابعًا أخلاقيًا مباشرًا؛ فالعثور على الأوراق والشيكات والتوقيعات يضع الشخصية أمام سؤال: «ماذا أفعل الآن؟!». لكن قيمة السؤال لا تكمن في كونه طلبًا لإجراء عملي، وإنما في أنه يضع الشخصية أمام مسؤولية لم تكن تبحث عنها. فالوثائق التي عثرت عليها يمكن أن تتحول إلى وسيلة للمنفعة أو إلى مصدر للخطر على صاحبها، ومن ثم يصبح القرار اختبارًا للضمير. وهكذا يتحول السؤال من استفسار عن التصرف المناسب إلى مواجهة بين المصلحة الشخصية والمسؤولية الأخلاقية. وتصبح الأزمة، في مستواها الأعمق، سؤالًا عن حدود مسؤولية الإنسان تجاه ما يقع في حوزته من حقوق الآخرين، ثم يتطور في نهاية القصة ليصبح سؤالا مفتوحا موجها للشخصية والقاريء معا عندما تجد الشخصية ايصال أمانة باسمها مما يضعها أمام مسؤولية مزدوجة وأزمة حاضرة لما بعد النهاية المفتوحة: ماذا يمكن أن يفعل الآن والأمر أصبح لا يتعلق بالآخرين فقط وإنما به شخصيا، وهل سيظل على رأيه ويبلغ الشرطة ؟ أم أنه ستراجع ؟ وهو سؤال وجودي أيضا لأن كلا منا من الممكن أن يتعرض له.
ويتخذ السؤال في «سحابة صيف» صورة أخرى تقوم على اضطراب اليقين وفقدان القدرة على تفسير ما حدث. فعندما تختفي الصفحة الافتراضية، يتساءل الراوي: «لكن أين الـAccount؟! أين "سحابة صيف"؟!» ثم تتوالى الأسئلة: «ماذا حدث؟! هل حدث لها مكروه؟! هل اكتشفت عائلة زوجها الراحل علاقتنا؟!»، قبل أن يعود السؤال بصورة أكثر إلحاحًا: «ماذا حدث، وأين اختفت؟!» وهنا يعمل السؤال على دفع الحبكة إلى الأمام؛ فكل احتمال يفتحه السؤال يولد احتمالًا آخر، وكل محاولة للتفسير تزيد من توتر الشخصية. ولا يظل الأمر متعلقًا باختفاء حساب إلكتروني، لأن الاختفاء يكشف هشاشة العالم الذي بنت الشخصية يقينها العاطفي عليه. ومن ثم تتحول الأزمة من سؤال عن أين اختفت المرأة؟ إلى سؤال عن مدى قدرة الإنسان على الوثوق بعالم لا يمتلك فيه وسائل التحقق والسيطرة.
وفي «ضغبوس» يتصل السؤال بمشكلة السلطة والكرامة. فالسؤال الذي يتردد في وعي الجماعة: من يستطيع أن يطلب من السيد ؟ ومن يمتلك الجرأة على مواجهته ؟ يكشف أن الأزمة الحقيقية ليست في ساعات العمل وحدها، وإنما في الخوف الذي يجعل الإنسان عاجزًا عن الدفاع عن حقه. فالأوامر بتمديد ساعات العمل حتى منتصف الليل تتجاوز قدرة الأجساد على الاحتمال، ومع ذلك يظل السؤال عن المواجهة حاضرًا في خلفية الموقف. وهكذا يصبح السؤال أداة لقياس المسافة بين الرغبة في المقاومة والقدرة على ممارستها. وتتحول أزمة الشخصية من أزمة عمل إلى أزمة كرامة وحرية، لأن السلطة لا تفرض نفسها بالقوة المباشرة وحدها، وإنما بقوة الخوف التي تجعل السؤال نفسه نوعًا من المغامرة.
وتتخذ المسألة في «لص ولكن...» بعدًا أخلاقيًا أكثر تركيبًا؛ فالشخصية تبرر احتيالها بالحاجة والظروف الاقتصادية الصعبة، وفي الوقت نفسه يظل تأنيب الضمير حاضرًا داخلها. وهنا لا يصوغ الكاتب السؤال بالضرورة في جملة استفهامية مباشرة، وإنما يجعله قائمًا في التناقض بين الفعل وتبريره: هل تبرر الحاجة انتهاك حق الآخر؟ وهل يمكن للإنسان أن يعيد تعريف الخطأ أخلاقيًا حين يصبح مرتبطًا بظروفه المعيشية ؟ ومن ثم يصبح الهاجس الأخلاقي هو الذي يولد الأزمة، بينما تتجسد الأزمة في الانقسام الداخلي بين الحاجة والضمير وهو أيض سؤال موجه لنا جميعا من قبل الكاتب، وهل هو تبرير منطقي يقبله القاريء ؟.
أما «ليلة العمر» فتقوم أزمتها على فجوة بين الصورة الاجتماعية للزواج ومعناه الإنساني. فالساردة تشير إلى أن الحديث بينها وبين خطيبها ظل محدودًا منذ الخطبة حتى يوم الزفاف، وأن زياراته كانت خاطفة، بينما تتركز صورة الخاطب في عناصر مثل العمل والراتب والشقة المجهزة. ومن هنا يتشكل السؤال الضمني: هل تكفي الشروط المادية والاجتماعية لكي تقوم علاقة إنسانية ناجحة ؟ ويتضح أن السؤال لا يحتاج إلى أن تنطق به الشخصية بصورة مباشرة؛ فالمفارقة بين «ليلة العمر» المنتظرة وبين حقيقة العلاقة هي التي تنشئه في ذهن القارئ.
ثم تأتي نهاية الموقف لتعيد صياغة السؤال بصورة مفارقة، عندما ترى الساردة أن القرار الذي ظنته الأسرة أزمة كان في الحقيقة تحقيقًا لأمنيتها. وهنا يتحول السؤال من سؤال عن الزواج إلى سؤال عن معنى السعادة ذاتها ومن يملك حق تحديدها.
وفي «الأُنف» يتحول الهاجس النفسي إلى ظاهرة عجائبية؛ فالشخصية لا تستطيع تحديد متى بدأ الشعور الذي يضايقها، ويتحول الإحساس إلى شيء يشبه ذبابة تستقر على الأنف وتفسد صفوها.
وفي هذه القصة لا يبدأ الكاتب بحدث خارجي كبير، وإنما يبدأ من إحساس داخلي غامض، ثم يجسده ماديًا حتى يصبح قابلًا للرؤية والتطور داخل الحكاية. ومن ثم فإن السؤال هنا ليس سؤالًا لفظيًا مباشرًا، بل سؤال عن الذات وما تخفيه من توتر أو خلل؛ وقد استطاع الكاتب أن ينقل الاضطراب الداخلي من مستواه النفسي إلى مستوى عجائبي ملموس، بحيث تصبح العلامة الجسدية وسيلة للكشف عن الأزمة الباطنة، تلك الأزمة التي تمتد من الداخل إلى الخارج ومن كونها هاجسا إلى حالة سردية ترتبط بواقع الشخصية وواقع المجتمع نفسه فهو ليس فضولا شخصيا في رأيي وإنما تساؤلا ضمنيا حول المدير وما يملك وحول طبيعة العلاقة بين السكرتيرة الشقراء وبين مديرها وحول ما وراء الكلمات الحمراء التي تكشف عنها الأنف التي وإن كانت تعبر عن حالة عجائبية فإنها تكشف تشخيص دال عن فضول الشخصية وتساؤلاتها إزاء ما حولها من سلوكيات.
وتظهر آلية السؤال كذلك، ولكن بصورة ضمنية، في «رحلة سعيدة للمسافر س»؛ إذ يوضع السيد «س» أمام موقف كان يمكن أن يكون عابرًا، لكنه يتحول إلى اختبار لقيمه الإنسانية. فعندما يطلب والد الطفل أن يترك له مقعده حتى يجلس بجوار ابنه، يرفض السيد «س» بصورة حاسمة: «لن أترك مقعدي.. تصرف بعيدًا عني». ومن هنا يمكن استنباط السؤال الذي يحكم الموقف: هل يستطيع الإنسان أن يرى معاناة الآخر وأن يعيد ترتيب حقه الشخصي في ضوء حاجته ؟ والسؤال هنا لا يأتي في صيغة استفهام منطوق، وإنما تنتجه الحبكة نفسها؛ فرفض المقعد يشعل الصراع، ويحوّل الرحلة إلى اختبار أخلاقي تتكشف خلاله طبيعة الشخصية. وهكذا يصبح الحدث الخارجي مرآة للسؤال الداخلي حول التعاطف والأنانية وحدود الحق الشخصي.
ومن اللافت أن الكاتب لا يجعل السؤال متشابهًا في جميع القصص، بل ينقله بين مستويات متعددة: ففي «كنز قوس قزح» هو سؤال الاختيار، وفي «ميراث الذكريات» سؤال الذاكرة والانتماء، وفي «إيصال أمانة» سؤال المسؤولية الأخلاقية، وفي «سحابة صيف» سؤال اليقين والثقة، وفي «ضغبوس» سؤال الحرية والكرامة، وفي «لص ولكن...» سؤال الضمير والمصلحة، وفي «ليلة العمر» سؤال العلاقة والسعادة، بينما يتحول في «الأُنف» إلى هاجس نفسي يتجسد عجائبيًا، وفي «رحلة سعيدة للمسافر س» إلى سؤال ضمني عن الآخر والتعاطف معه.
وبذلك يتضح أن السؤال في المجموعة يؤدي وظيفتين متداخلتين: وظيفة نفسية تتمثل في الكشف عن القلق الكامن في وعي الشخصية، ووظيفة سردية تتمثل في دفعها إلى الحركة أو التردد أو المواجهة أو البحث.
وما إن يتحول السؤال إلى فعل حتى تبدأ الأزمة في التشكل؛ فالشخصية لا تعاني لأن العالم يفرض عليها حدثًا خارجيًا فقط، وإنما لأن الحدث يوقظ داخلها سؤالًا لا تستطيع تجاوزه. ولذلك فإن الحبكة في عدد من هذه القصص يمكن قراءتها باعتبارها حركة السؤال داخل الشخصية ومن الشخصية إلى الحدث ليعود ويصبح سؤالا للقاريء نفسه الذي يجسد له الكاتب هذا الفضاء السردي الواقعي المألوف عبر شخصيات بسيطة وعادية ليدفعه للإجابة بدوره ومشاركته الفعالة إزاء الموقف.
ويتصل بذلك توظيف الزمن والمكان؛ فالسؤال لا يتحرك في فراغ، وإنما يرتبط بزمن يضغط على الشخصية أو يفلت من يدها، كما في «كنز قوس قزح»، حيث يؤدي مرور الزمن إلى ضياع فرصة الاختيار، وبمكان يحمل قيمة تتجاوز وجوده المادي، كما في «ميراث الذكريات»، حيث يتحول البيت إلى مستودع للذاكرة والهوية. وفي «سحابة صيف» يتخذ المكان بعدًا افتراضيًا، بحيث يصبح اختفاء الحساب أشبه باختفاء المكان الذي كانت الشخصية تبني داخله علاقة عاطفية. ومن ثم فإن السؤال يعيد تشكيل علاقة الشخصية بالزمان والمكان، ويجعل كليهما جزءًا من بنيتها النفسية.
كما تتخذ اللغة نفسها شكلًا متناسبًا مع طبيعة السؤال؛ فحين يكون القلق حادًا تتكاثر علامات الاستفهام والتعجب وتتلاحق الجمل القصيرة، كما في «سحابة صيف»، وحين يكون السؤال أخلاقيًا يظهر من خلال المفارقة والتبرير والتردد، كما في «لص ولكن...»، وحين يكون وجوديًا يتجاوز اللغة المباشرة إلى موقف حكائي، كما في «رحلة سعيدة للمسافر س». وبذلك لا تكون الاستفهامات مجرد علامات ترقيم أو صياغات لغوية، وإنما تصبح جزءًا من إيقاع الأزمة؛ إذ يتسارع السرد حين تتلاحق الأسئلة، ويتباطأ حين تستسلم الشخصية للتردد، ويظل مفتوحًا حين لا تجد الشخصية جوابًا حاسمًا.
ومن هنا يمكن القول إن خصوصية بناء الأزمة في «رحلة سعيدة للمسافر س» لا تكمن في حجم الأحداث التي تتعرض لها الشخصيات، بل في قدرة الحدث البسيط على استثارة سؤال كبير داخلها وداخلنا نحن. فالبيت، والحساب الإلكتروني، والمقعد في الطائرة، وأوراق الأمانة، والعمل، والاختيار بين طرفي قوس قزح، كلها وقائع محدودة في ظاهرها، لكنها تتحول بفعل السؤال إلى مواقف تكشف أزمة الإنسان في علاقته بذاته وبالآخر وبالقيم التي تحكم وجوده.
وبهذا وظف الأديب رضا سليمان أسئلته هنا لتصبح بناء ينطلق من الداخل النفسي لبنية السرد نفسها ومن الجزئي المتمثل في الهاجس / السؤال / الشخصية إلى الموقف / الواقع / الكلي ومن الداخل إلى الخارج. فهو يبدأ هاجسًا داخليًا، ثم يتحول إلى توتر، ويستدعي فعلًا أو يمنع الفعل، ومن خلال ذلك يولد الأزمة، ثم يكشف في النهاية عن سؤال أعمق موجه بشكل غير مباشر للقاريء يتصل بالوجود الإنساني سواء ضمنيا أو سرديا.
ولذلك لا تبدو القصص مجرد حكايات عن مواقف متفرقة، وإنما تتشكل خلف تنوعها شبكة من الأسئلة التي تعيد صياغة التجربة الإنسانية في صور مختلفة: كيف أختار؟ ماذا أفعل؟ ماذا أفقد حين أتنازل؟ هل أستطيع الوثوق بالآخر؟ هل أملك حرية المواجهة؟ أين ينتهي الحق وتبدأ المصلحة؟ وما الذي يجعل الإنسان إنسانًا حين يوضع تحت الاختبار؟
هنا الأزمة الوجودية في المجموعة لا تُقدَّم بوصفها فكرة فلسفية مجردة، وإنما تُستخرج من داخل السؤال الذي تعيشه الشخصية. فالشخصية لا تدخل أزمتها لأنها تواجه واقعة فحسب، بل لأن الواقعة تستفز فيها سؤالًا عن ذاتها ومصيرها واختيارها وعلاقتها بالآخر.
وحين يعجز السؤال عن الوصول إلى جواب، يتحول إلى قلق، ويتحول القلق إلى أزمة، وتغدو الأزمة اختبارًا للوجود الإنساني. ومن هنا تتخذ قصص المجموعة طابعها الوجودي دون أن تتحول إلى خطاب فلسفي مباشر؛ إذ تتجسد الأسئلة في أفعال الشخصيات وترددها، وفي علاقتها بالزمان والمكان، وفي اللغة التي تتراوح بين الاستفهام والمفارقة والسخرية، وفي نهايات لا تقدم دائمًا إجابة نهائية، وإنما تترك القارئ أمام السؤال ذاته بوصفه أعمق من الإجابة.
فالسؤال هنا يتحول من البنية دلالية إلى البنية السردية ليحرك السرد بوصفها الأداة التي جعلت هذا السؤال محسوسًا داخل وعي الشخصية. فالسؤال لا يصل إلى القارئ في المجموعة مجرد فكرة، وإنما يتجسد لغويًا من خلال الاستفهام، والتكرار، والجمل القصيرة، والتعليق الداخلي، والمفارقة، والحذف، وتفاوت الإيقاع، وتداخل السرد والوصف والحوار.
اللغة السردية وتجسيد السؤال وأزمة الشخصية في «رحلة سعيدة للمسافر س»
إذا كان السؤال يمثل محورًا بنائيًا تنتظم حوله أزمات الشخصيات في مجموعة «رحلة سعيدة للمسافر س»، فإن اللغة السردية تمثل الأداة التي أتاحت للكاتب نقل هذا السؤال من مستواه المجرد إلى مستوى التجربة الحية للشخصية. فالسؤال لا يظهر في القصص بوصفه فكرة فلسفية منفصلة عن مجرى الحكاية، وإنما يتشكل من داخل اللغة ذاتها؛ إذ تكشف الجملة السردية حركة الوعي، وتلاحق التردد، وتضخم الحيرة، وتلتقط لحظة الانفعال، كما تجعل الحوار والمونولوج والوصف وسائل للكشف التدريجي عن الأزمة الداخلية.
كما ان فاعلية اللغة في المجموعة لا تتمثل في نقل الأحداث فحسب، وإنما في تمثيل الحالة النفسية التي تنتج الحدث أو تتولد عنه. فالكاتب لا يقول للقارئ إن الشخصية حائرة أو قلقة بالضرورة، وإنما يجعل الحيرة تتجسد في بنية العبارة نفسها: في تتابع الأسئلة، وفي التكرار، وفي الانتقال المفاجئ بين الجمل، وفي الاستطراد الذهني، وفي المفارقة بين ما تقوله الشخصية وما يفعله سلوكها. وبهذا تصبح اللغة جزءًا من بناء الأزمة، لا مجرد وسيلة لوصفها.
فاللغة السردية - على بساطتها ورشاقتها وسخريتها المريرة من الواقع - في المجموعة تؤدي ثلاث وظائف متعاقبة في بناء الشخصية: تكشف الهاجس، وتجسد السؤال، ثم تكشف الأزمة الكامنة وراء السؤال.
فالهاجس النفسي يحتاج إلى لغة تستبطن وعي الشخصية، والسؤال يحتاج إلى لغة تمنحه صورة ملموسة، أما الأزمة فتحتاج إلى لغة تكشف التناقض بين ما تريده الشخصية وما تستطيع فعله، أو بين ما تتصوره عن نفسها وما يكشفه موقفها الفعلي.
ويستخدم المؤلف الأديب رضا سليمان هنا تقنيات لغوية أسلوبية نجح من خلالها في تصوير رحلة الوعي الإنساني في مجموعته مثل: الإستفهام الذي يعبر عن حيرة الشخصية، فعلامات الاستفهام والتعجب تؤدي وظيفة سردية ونفسية في آن واحد؛ فهي تضغط الزمن السردي، وتسرع إيقاع التفكير، وتضع القارئ داخل حالة القلق نفسها، وأيضا التكرار المقصود الذي يتصل بالإستفهام؛ إذ لا يكتفي الكاتب بعرض السؤال مرة واحدة، وإنما يعيده حين يستمر أثر الأزمة في وعي الشخصية. وهنا يتحول التكرار من مجرد ظاهرة أسلوبية إلى محاكاة لحركة التفكير القَلِق؛ فالإنسان المأزوم لا ينتقل ذهنيًا من سؤال إلى جواب بصورة خطية، وإنما يعود إلى السؤال ذاته، ويعيد فحص الاحتمالات، ويستعيد التفاصيل.
والأمر نفسه يمكن ملاحظته في القصص التي تقوم أزمتها على التردد؛ إذ يصبح تكرار الفكرة أو السؤال صورة من صور الدوران داخل الأزمة. وهذا ما يجعل اللغة السردية متوافقة مع البنية النفسية للشخصية: كلما عجزت الشخصية عن الحسم، طال حضور السؤال في اللغة.
الجملة القصيرة وتسارع الانفعال
كما وظف الأديب رضا سليمان الجمل القصيرة والمتتابعة في لحظات الانفعال. فالجملة القصيرة لا تقدم الحدث فقط، وإنما تخلق إيقاعًا يعادل اضطراب الشخصية. ويظهر ذلك في «رحلة سعيدة للمسافر س» في الحوار الذي يجري بين السيد «س» ووالد الطفل؛ فبعد الطلب المهذب من الأب أن يتبادل معه المقعد، يأتي رد السيد «س» مقتضبًا وحاسمًا: «لا.. لن أترك مقعدي.. تصرف بعيدًا عني».
فتتناسب بنية القول مع طبيعة الشخصية؛ فالاختصار ليس مجرد اقتصاد لغوي، وإنما يعكس انغلاق الشخصية على رغبتها ورفضها الحوار. وفي الوقت نفسه يقطع الرد مسار التواصل الإنساني، ويحوّل الكلام من وسيلة للتفاهم إلى أداة للصدام. ولذلك فإن اللغة الحوارية لا تكشف موقف الشخصية فقط، بل تكشف بنيتها النفسية أيضًا، لتتعدى اللغة وظيفة الوصف للصراع إلى صناعة إيقاع الصراع نفسه.
ويتطور هذا الإيقاع في المشهد اللاحق، حيث تتصاعد الأصوات بين الأطراف، ويرتفع صوت السيد «س» وصوت والد الطفل، ثم صوت الأم، ثم صراخ الطفل، حتى يتحول الحوار إلى حالة جماعية من التوتر. وبذلك تتحول اللغة من وصف للصراع إلى صناعة إيقاع الصراع نفسه.
واستخدم الكاتب أيضا المفارقة بكتقنية ترصد الظاهر والباطن للكشف عن المسافة بين الصورة التي تصنعها الشخصية عن نفسها والحقيقة التي يكشفها سلوكها. وتصبح المفارقة هنا أداة أساسية لكشف الأزمة؛ لأن الشخصية قد لا تعترف بتناقضها، لكن اللغة السردية تكشفها للقارئ.
ويبرز ذلك في «لص ولكن...»؛ فالشخصية تحاول تبرير احتيالها بالظروف الاقتصادية الصعبة، وتتقاضى مبالغ تساعدها على المعيشة، لكنها في الوقت نفسه تعاني (عقدة تأنيب الضمير) التي تؤرقها أحيانًا.
وتنبني الأزمة هنا على ازدواج لغوي وأخلاقي: لغة التبرير في مواجهة لغة الضمير. فالشخصية تريد أن تمنح فعلها شرعية الضرورة، بينما يكشف القلق الداخلي أن هذا التبرير لم ينجح في إسكات صوتها الأخلاقي. وهكذا لا تحتاج الشخصية إلى إعلان أزمتها؛ فالتناقض بين التبرير وتأنيب الضمير يكفي للكشف عنها.
وفي قصة الأنف تتعجب الشخصية م وصفها بأنها تتدخل في أمور الآخرين من قبل المدير رغم أنه بالفعل يقوم بذلك وتتساءل هل أفعل ذلك ؟!.. في مفارقة لفظية وسردية بين القول والفعل وبين الظاهروالباطن.
أيضا في قصة المدير العام هناك ذلك التناقض الصارخ يتجلى بوضوح في شخصية السيدة (ع) من ناحية وكيفية اختيارها للمنصب وصدمة الموظفين من هذا الإختيار ثم من ذلك التحول من السؤال المتمثل في كيف إلى التدافع من أجل تملقها ثم تناقض آخر يصفه الكاتب ساخرا من سلوك المديرة التي ترفض اتخاذ أي قرار؛ لأن الذي يعمل كثيرا يخطأ كثيرا وهو مثل دارج وظفه الكاتب هنا بسخرية متناهية بلغت ذروتها عندما تم التجديد لهذه المديرة في النهاية كمفارقة واقعية نعاني منها في مجتمعنا، إضافة إلى ذروة التملق حين يستسلم الموظفون مرة أخرى متملقين المسؤول والمديرة بعد أن كانوا مرعوبين من أن توقع عليهم الجزاءات بسبب فشل الإدارة أو عدم اتخاذهم أي رد فعل تجاه ما يحدث من تجاوزات !.
وتظهر الآلية نفسها في «سحابة صيف»، حيث يصف الراوي عالم وسائل التواصل بأنه عالم خيالي، ويشكك في الصور الملائكية التي يقدم بها المستخدمون أنفسهم، بينما ينخرط هو ذاته تدريجيًا في علاقة افتراضية ويمنحها قيمة عاطفية متزايدة. وهنا تكشف اللغة عن مفارقة الشخصية بين وعيها النقدي بالعالم الافتراضي وممارستها الفعلية له، وهي مفارقة تمهد لأزمتها اللاحقة.
كذلك عمد الكاتب لإستخدام الوصف الداخلي وتحويل الهاجس إلى تجربة محسوسة، وهو أهم ما يميز اللغة السردية في المجموعة أنها لا تفصل بين الخارج والداخل؛ فالوصف الخارجي كثيرًا ما يتحول إلى وسيلة لتمثيل الحالة النفسية، وبذلك يستطيع الكاتب أن يجعل الهاجس الداخلي مرئيًا أو محسوسًا، فيتحول المجرد إلى صورة سردية.
ويبلغ ذلك مداه في «الأُنف»، حيث يبدأ الاضطراب من إحساس داخلي غامض، ثم يتخذ شكلًا حسيًا عجائبيًا. وهنا لا تكون اللغة مجرد أداة لوصف الظاهرة، وإنما وسيلة لتجسيد ما تعجز الشخصية عن الإمساك به نفسيًا. فالهاجس الذي كان داخليًا يصبح علامة خارجية يمكن ملاحظتها ومتابعة تطورها، وبذلك تنتقل الأزمة من الوعي إلى الجسد، ومن التجربة النفسية إلى الحدث العجائبي.
وهذا الأسلوب مهم في بنية المجموعة عمومًا؛ لأن الكاتب لا يقدم الأزمة في صورة خطاب تأملي مباشر، وإنما يبحث لها عن معادل سردي: مقعد، بيت، حساب إلكتروني، أوراق، سيارة، جسد، أو موقف اجتماعي. وتقوم اللغة بعملية الربط بين هذا المعادل الخارجي وبين الاضطراب الداخلي وبين المجرد والمحسوس.
وقد كان لإستخدام الأديب لتقنية التعميم عبر تعريف الشخصيات بحروف مثل: س، و ع متماسا مع تأكيده على شيوع السلوك الإنساني ومشابهته من جهة، وعلى أن القاري في كل زمان ومكان هو هدف محتمل لإستقبال الرسالة السردية للمجموعة.
كما كشف لنا الحوار الصراع الداخلي لتتجاوز وظيفته تبادل المعلومات بين الشخصيات؛ فهو يكشف مواقع القوة والضعف، ويظهر ما تعجز الشخصية عن قوله في السرد المباشر. ففي «رحلة سعيدة للمسافر س»، مثلًا، يكشف الحوار بين الأب والسيد «س» اختلاف الرؤيتين الأخلاقيتين للموقف؛ فالأب يتحدث من موقع الحاجة الإنسانية، بينما يتحدث السيد «س» من موقع التمسك بالحق الشخصي، ويأتي الاختلاف في نبرة الكلام نفسها.
وفي «ليلة العمر» تصبح اللغة السردية القائمة على المقارنة والمفارقة وسيلة لإظهار الفجوة بين المظهر الاجتماعي للزواج وحقيقته العاطفية؛ فالساردة لا تقدم الخطيب بوصفه شخصية عاطفية، وإنما تقدم عناصر مادية واجتماعية: راتب جيد، شقة مجهزة، وعمل مقبول، في مقابل ندرة الحديث بينهما. ومن خلال هذا الترتيب اللغوي للمعلومات يتولد السؤال الذي يحكم التجربة: هل تكفي هذه الشروط لصناعة علاقة حقيقية ؟
ففي «ليلة العمر» تبدو المناسبة في ظاهرها ذروة الفرح، لكن السرد يبدأ بنفي الصورة التقليدية لليلة العمر: «لم نتحدث كثيرًا» منذ الخطبة حتى الزفاف، وكانت الزيارات خاطفة. ثم تأتي النهاية لتعيد المفارقة بصورة أشد، حين ترى الساردة في الانفصال عن «جمال» تحقيقًا لأمنيتها. وبذلك لا يكشف الكاتب الأزمة من خلال تصريح فلسفي، وإنما يجعل المفارقة اللغوية والسردية نفسها تنتج السؤال.
كذلك نجح الكاتب في استخدام اللغة الحركية وتصوير التردد والقرار لتعبر عن الحالة النفسية. فالنظر، والالتفات، والتراجع، والابتسام، والصمت، كلها تتحول إلى علامات على ما يدور داخل الشخصية.
ويظهر ذلك في «رحلة سعيدة للمسافر س»، حين يلتفت السيد «س» إلى السيدة الجالسة بجواره قبل أن يرد على والد الطفل، ثم يعود إلى الرجل ويجيب بحسم. إن الالتفات هنا ليس حركة محايدة؛ إنه يكشف أن القرار يمر عبر حساب داخلي، وأن الشخصية توازن بين حاجتها الشخصية وحاجة الآخر، قبل أن تختار في النهاية الانحياز إلى رغبتها.
وتتكرر هذه التقنية في «الصفقة»، حيث يصف السرد البطل وهو يفحص السيارة فحصًا سريعًا، فتكشف الأفعال الحركية عن سطحية القرار قبل أن تكشف نتيجته؛ فاللغة لا تقول إن الشخصية متسرعة فحسب، بل تجعل القارئ يرى التسرع في طريقة الفحص والنظر والحكم، وهو ما يمكن اكتشافه أيضا من خلال قصة (صعود معلق) فاللغة الحركية هنا تجعلنا نعايش رحلة الشخصية وشعورها بلذة التحليق والتوتر في آن ومن ثم رغبتها في الفكاك، لتجمع بين ذلك الشعور وبين رعبها من الموت وسوء تصرف أهل البيت ليأتي الصوت غير المسموع ليعبر عن غربة الشخصية واغترابها وعزلتها التامة.
وبهذا فإن اللغة في المجموعة القصصية (رحلة سعيدة للمسافر س) تؤدي دور الوسيط بين السؤال النفسي والحبكة الخارجية. فالهاجس لا يبقى حبيس وعي الشخصية، وإنما تمنحه اللغة صورة وإيقاعًا وحركة؛ فيتحول السؤال إلى تردد، ويتحول التردد إلى فعل أو امتناع عن الفعل، ثم ينتهي إلى أزمة.
ومن ثم فإن اللغة السردية لا تقوم بوظيفة وصفية تابعة للحدث، بل تؤدي وظيفة بنائية؛ فهي التي تمنح الأزمة شكلها المحسوس، فإذا كان السؤال هو المحور الذي يحرك الشخصية، فإن اللغة هي التي تكشف للقارئ حركة هذا السؤال داخلها.
ولهذا يمكن النظر إلى الاستفهام والتكرار والحوار والمفارقة الساخرة والوصف الداخلي والإيقاع السردي والسخرية والمبالغة باعتبارها آليات متضافرة تجعل الأزمة النفسية قابلة للرؤية والقراءة بعيدا عن الحس المأساوي ليدفع القاريء إلى التفكير بدلا من تماهيه مع مأساوية الحدث.
وبهذا تتأسس خصوصية البناء اللغوي في المجموعة على أن الكاتب لا يقدم الشخصيات من الخارج، ولا يفسر أزماتها تفسيرًا مباشرًا، وإنما يترك اللغة نفسها تقوم بعملية الكشف.
ومنها فإن العلاقة بين السؤال والأزمة واللغة يمكن اختزالها في مسار بنائي متكامل: هاجس داخلي يولّد سؤالًا، والسؤال يتجسد في لغة مضطربة، واللغة تدفع الشخصية إلى الفعل أو التردد، والفعل يكشف التناقض، والتناقض يفضي إلى الأزمة، ثم تتجاوز الأزمة الواقعة المباشرة لتكشف مأزقًا وجوديًا أعمق.
ومن هنا تكتسب الأسئلة المتناثرة في القصص قيمتها الفنية؛ إذ لا تبقى أسئلة تبحث عن إجابات، وإنما تتحول إلى علامات على هشاشة الإنسان أمام الاختيار، والآخر، والذاكرة، والرغبة، والسلطة، والمصلحة، والمصير.
وهوما يجعل اللغة تلتقي بالسؤال ليصلا معًا إلى جوهر الأزمة الوجودية في المجموعة داخل بنية سردية متكاملة تتمثل في سؤال عام وهو: ماذا يحدث للإنسان حين يعجز عن العثور على إجابة تمنحه اليقين، أو عن اتخاذ قرار يستطيع أن يتعايش معه ؟، لننتقل في النهاية إلى قصة (ريم غزة) آخر قصص المجموعة التي تطرح علينا جميعا السؤال المصيري حول قدرتنا على الإستمرار في ظل الحروب والقتل المتعمد المهدد للحياة، لتحسم حيرة الأب وتساؤله عن ضرورة الرحيل من عدمه بعد استشهاد الأم، فيحاول أن يحمي ابنته ويحمي نفسه من هذا المصير بالرحيل، ويقوم بكتابة اسم الطفلة واسمه بقلم أسود على جسدها وجسده، بعد أن توالت عمليات القتل وتحولت المنازل إلى أهداف لهو للقتلة ! ولم يستطع الأهل أن يتعرفوا على أطراف ذويهم، هذا السؤال حول البقاء / الرحيل صنع تكاملية فلسفيا، بدأت من الإنسان في أول قصة المجموعة لتتصاعد في بناء كريشيندو متصاعد، وتستدرجنا للسؤال الأهم في قصة (ريم غزة) سؤال موجه لكل منا حول اختفاء الضمير الإنساني إزاء الإبادة المتعمدة التي تحدث أمام أعين العالم لأهل فلسطين.
من هنا شكل «السؤال» نقطة الإنطلاق والهجوم في بنية السرد التي تفجر الحدث بينما «اللغة» هي الآلية الأسلوبية التي تجعل السؤال مرئيًا ومسموعًا داخل وعي الشخصية، ليفسر حيرة السرد وأزمة الشخصية وتدافع الحدث منتهيا بسؤال ا موجه للقاريء، وهي آلية ذكية من الأديب رضا سلميان أحييه عليها.
كل ذلك يصب في سؤال فلسفي وجودي واحد عن حيرة الإنسان في هذا العالم: وعزلته النابعة من اغترابه وعدم قدرته على تجاوز هذا الواقع: الوظيفي، الإقتصادي، الإجتماعي، والأخلاقي من خلال أزمة كل شخصية.
ومن هنا يمكن النظر إلى السؤال في المجموعة بوصفه محورًا بنائيًا تنتظم حوله أزمات الشخصيات، لا بوصفه مجرد عنصر حواري أو أسلوب لغوي. فالسؤال يسبق الحدث أحيانًا، ويولد الحدث أحيانًا أخرى، وفي الحالتين يؤدي وظيفة كاشفة لما تخفيه الشخصية من خوف أو رغبة أو عجز أو إحساس بالذنب، ويضعها أمام مفترق لا تستطيع تجاوزه بسهولة.
وهو ما يسم المسار البنائي للمجموعة القصصية ويتكرر بصور مختلفة ليصل إلى دلالة وجودية عامة، عبر تحويل المجرد القابع في ذهن الشخصية إلى واقع محسوس لتعود وتشكله مرة أخرى كي يصبح هاجسا عاما وسؤالا إنسانيا يصلح لكل زمان ومكان، ومن هنا تصبح الحيرة والتساؤل جزءًا من نسيج الخطاب السردي لا موضوعًا خارجيًا مقحما عليه.
إن «رحلة سعيدة للمسافر س» ليست مجموعة قصصية تجمع موضوعات متفرقة بقدر ما هي مجموعة تتكرر فيها رؤية واحدة للإنسان: إنسان يعيش وسط منظومة اجتماعية ونفسية واقتصادية وتقنية تضغط عليه باستمرار، فتضعه أمام أسئلة المال والسلطة والضمير والحب والانتماء والذاكرة والآخر.
ليكشف لنا السرد عن رحلة وعي خاضها المسافر/ القاريء لقصص مجموعة (رحلة سعيدة للمسافر س) للأديب رضا سليمان - عبر مفارقة مقصودة بين اختيار اسم المجموعة كإحدى قصص المجموعة وطبيعة موضوعاتها وتأزم شخصياتها – ترصد هشاشة الإنسان وترديه ومحاولته الخروج من أسر هواجسه وأزماته الداخلية مع الواقع، والتي تتشابه وتتنوع من إنسان لآخر، لكنها في مجملها تعكس أزمته الوجودية الكبرى، التي يحاول الفكاك منها عبر رحلة تبدأ من وعيه الشخصي لتنتهي بالوعي الجمعي الذي يشكل مرادفا للخلاص الإنساني ذاته.







