الأحد 13 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

قلوبهم معلقة بمصر 4

فلوبير..الفرنسى الذى ارتجف جسده من نظرة «أبوالهول»

حرف

- وجد فى الرحلة إلى مصر الحل الأمثل للتحرر من أسر ذاته اليائسة 

- وصف فى خطاب لأحد أصدقائه القاهرة بأنها بوابة الشرق الذى جاء من أجله

لم يكن الروائى الفرنسى جوستاف فلوبير «1821م - 1880م» يحلم قبل قدومه إلى مصر برؤية الصحراء الصهباء البنفسجية ولا بمشاهدة الجمال وهى تفترش الرمال بجانب صهاريج المياه عندما يحل الليل، ولم يكن يعلم أنه أثناء رحلته إلى مصر وطن الشمس سيخرج من ذاته لينظر إليها منعكسة فى الأشياء والأحياء من حوله أو سيشفى من المرض الرومانسى الذى صاحبه طويلًا منذ سنوات الصبا والشباب الأول ليخطو خطواته الأولى نحو المذهب الواقعى فى الكتابة وليستيقظ بداخله الكاتب والروائى الواقعى. 

إلى القاهرة سافر فلوبير وأمضى فيها قرابة شهرين حافلين بما أثار اهتمامه، وبما غمر وجدانه من مشاعر البهجة، وخلال تجواله فى مصر قرر ألا تشغله الكتابة عن الرحلة عن استقبال مباهج الصور التى تتدفق على عدسة عينيه وتغمر أحاسيسه، واكتفى فى أوقات الراحة من التجوال بكتابة خطابات إلى والدته وأصدقائه أرنست شيفالييه ولويس بويلى وغيرهما، وهى الخطابات التى حفل بها صندوق تذكاراته الذى كشف عن كتابات وصف فيها جمال مصر السامى الذى استولى على وجدانه. لم يكن يأبه كثيرًا بماضى مصر المتمثل فى التاريخ والآثار بقدر اهتمامه بحاضر مصر الذى ينبسط أمامه.. الطبيعة الساحرة استحوذت على عقله وعلى مشاعره بما فيها من صور ورسوم وألوان وأصوات وروائح وعطور.

فلوبير الذى كان لا يؤمن بالحضارة الفاسدة، والذى كان يرى أن الحياة والوجود عبث، وجد فى الرحلة إلى مصر وفى السفر إلى أمكنة جديدة الحل الأمثل للتحرر من أسر ذاته اليائسة من كل شىء، فجاء إليها عبر ميناء الإسكندرية فى منتصف نوفمبر ١٨٤٩م؛ ولم يكن بعد قد كتب «مدام بوفارى، وسلامبو، والتربية العاطفية» وغيرها من رواياته وحكاياته الآسرة، فلاحقًا أثرت رحلته إلى الشرق والتى استمرت حتى عام ١٨٥٠م بشدة على آفاقه الأدبية، وكتب فيها مذكرات وتأملات قيمة.. وكان أول ما استرعى نظره فى مكانه العالى بمقدمة السفينة المبحرة إلى ميناء الإسكندرية، سراى عباس باشا التى على شكل قبة رمادية فوق زرقة البحر بينما أنوار الشرق تتلألأ أمام ناظريه، وعندما بدأت تتضح ملامح الشاطئ شيئًا فشيئًا، شاهد على امتداد رصيف الميناء أشباح أعراب بملابسهم البيضاء جالسين فى سلام يصطادون السمك من البحر المتوسط، وعلى البعد منهم لمح جملين يقودهما أعرابى داكن البشرة.

جوستاف فلوبير
جوستاف فلوبير

فى خطاب إلى أحد أصدقائه وصف فلوبير القاهرة بأنها بوابة الشرق الذى جاء من أجله، وأفاض فى وصف المشاهدات الشعبية، وتحدث عن زيارته لدار الأوبرا المصرية ولمدينة رشيد، وعن لقاء على الغداء جمعه مع سليمان باشا، وعن لقائه المثير الذى لا ينسى بأبوالهول، وعن إقامته بفندق الشرق قبل انتقاله إلى فندق النيل الأقل تكلفة الكائن بشارع صغير متفرع من شارع الموسكى.

وفى رسالته الأولى لصديقه الأديب لويس بويلى قال فلوبير: «أكتب لك فى هذه الساعة التى يتلألأ فيها القمر ويرسل نوره على المآذن، والتى فيها يغرق كل شىء فى صمت مهيب يمزقه من حين لآخر نباح كلاب، ومن خلال الضوء الشاحب للقمر أرى أمام نافذتى كتلة سوداء من أشجار الحديقة».. احتوت هذه الرسالة أيضًا على انطباعات أولية؛ كونها عن رحلته إلى مصر التى تحمل فضولًا نهمًا لكل ما يتعلق بالشرق فى محاولة منه لفهمه واستيعابه وتأمله.

عند بلوغه صحراء الجيزة حيث تنتصب الأهرامات الثلاثة أمامه، أرخى فلوبير لجام حصانه، فانطلق به يعدو فى اتجاه تمثال أبوالهول حتى خُيل إليه أن أبوالهول ينهض من الأرض رويدًا رويدًا ويزداد ضخامة، ورأى الصحراء والأهرامات وأبوالهول وكل شىء من حوله يكتسى بلون رمادى يمتزج بمحيط وردى رحب وسماء شديدة الزرقة، وعلى البعد فوق قمم الأهرامات تطير عقبان وتحلق ببطء، وأخيرًا وجد نفسه أمام أبوالهول الذى ينظر إليه نظرة أشاعت رجفة بجسده على أثرها لم يتمالك نفسه ولم يسيطر على انفعاله ولم يعد يقوى على الحديث فعاد أدراجه مسرعًا.

معبد الأقصر عام ١٨٥٦
معبد الأقصر عام ١٨٥٦

نطالع فى صندوق التذكارات مشهد صعوده هرم خوفو حتى يتمكن من تأمل شروق الشمس ومن رؤية القاهرة من أعلى: «كانت الشمس تشرق قبالتى ووادى النيل يسبح فى لجة من الضباب، والصحارى تتبدى بتلالها الرملية محيطًا بنفسجيًا داكنًا يتخذ شكل أمواج متحجرة.. وتواصل الشمس صعودها فيتمزق الضباب إلى رقع كبيرة من نسيج شفاف، والمروج التى تشقها قنوات المياه ترسم بساطًا أخضر جميلًا.. كان الوجود تغمره ثلاثة ألوان: خضرة رحبة فى الأرض، وحمرة ذهبية فى السماء، وفى الخلفية لون قرمزى شاحب، وعلى البعد تتبدى للرائى نتوءات صهباء هى مآذن القاهرة وباقات نخيل وزوارق عابرة».. وأمام هذا المشهد اخترقت جسد فلوبير رجفة سكت بعده عن الحديث والبوح.

ما استحوذ على عقله ومشاعره درجات المشهد الطبيعى المصرى، ورسم لرأس جميل، ونحت لجسد متناسق، وروائح بخور وعطور منبعثة من محال العطارة، وعرض للسحر، ورقص للدراويش والعوالم، وتسبب اهتمامه بالتفاصيل التشكيلية - المكونة لظلال وأضواء وألوان المشهد - فى جعله يتقن وصف ما رأى وذكر ما جرى. فى خطاب إلى والدته كتب عن مظاهر الاحتفال بذكرى مولد أحد الأولياء الصالحين الذى دخل القاهرة قديمًا وهو يمتطى حصانًا يسير به فوق أوعية من زجاج دون أن تتكسر، وعن دراويش يمررون أسياخ الحديد فى أنوفهم وصدورهم ويبتلعون النار.

شارع المحطة بالأقصر
شارع المحطة بالأقصر

الحياة فى تجددها الخالد وواقعيتها الأصيلة، وبمختلف ألوانها وأشكالها، هى وحدها التى استأثرت بإعجاب فلوبير فى مصر، وكان لا يتوقف إلا أمام الانطباعات الموحية والتفاصيل المثيرة والأشياء والأحياء ذات الطابع الفريد والخاص والتى قد لا تمت بصلة لتاريخ أو لأثر موغل فى القدم.

حفل صندوق تذكاراته بالعديد من الصور الملونة: فلاحون يمتطون ظهور حمير - محملة بالحشائش الخضراء- وكل منهم منفرج الساقين، قس يونانى بلحية طويلة يسير فى الطريق الترابى راكبًا بغلته، قبطى مصرى يرتدى عمامة سوداء يتجه ناحية الدير، بدو الصحراء بوجوههم التى يقترب لونها من لون القهوة وتحيط بها أغطية بيضاء فضفاضة تحركها ريح الصحراء وهم فوق ظهور الجمال، شيخ ذو لحية بيضاء يرتدى معطفًا مبطنًا بالفرو يجلس القرفصاء على أريكة عارى القدمين.

فى رحلته النيلية- التى امتدت حتى الشلال الثانى- وأثناء اقتراب زورقه من طيبة مدينة المائة باب، كانت الشمس تغرب، والجبال تكتسى بلون أزرق قاتم يتدرج من أعلى إلى أسفل من الأزرق النيلى إلى الرمادى، ثم الأسود الذى يلف أشجار النخيل وحمرة السماء وصفحة النيل التى تشبه بحيرة من فولاذ منصهر.. وبينما كان يستمتع بالنظر إلى المشهد اجتاحه من أعماقه شعور طاغٍ من النشوة الفريدة.

وصف فلوبير فى إحدى رسائله إلى أمه لحظات دخوله النوبة، إذ تمتد الصخور السمراء على جانبى النهر الذى أخذ يضيق مجراه، وإذ ترتفع أشجار النخيل العملاقة لتصل إلى خمسين قدمًا على الأقل، وإذ تتلألأ جبال من الرمال بلون ذهبى تحت أشعة الشمس الباذخة.. وأكثر ما أدخل السرور والبهجة إلى نفسه خلال رحلته النيلية ما شاهده فى معابد الأقصر والكرنك وفيلة وأبوسمبل من لوحات جدارية تروى مشاهد الرعى وقطعان الماعز وأعمال الحرث والبذر والحصاد التى تحدث عنها إلى أمه سعيدًا: «ليس هناك ما يضاهى هذه اللوحات جمالًا».

من طيبة التى أمضى فيها أكثر من ١٥ يومًا أبحر إلى مدينة قنا، ثم على ظهور الجمال وفى درجة حرارة بلغت ٤٥ درجة مئوية عبر الصحراء الشرقية - بصحبة عدد من ندمائه فى فندق النيل بالقاهرة الذين التقاهم فى جزيرة فيلة- بمحاذاة البحر الأحمر إلى مدينة القصير، وكانت قوافل الحجاج تظهر وتختفى من بعيد على الطريق المظلم مثل أشباح وسط السحاب.. وكانت مياه البحر الأحمر التى سبح فيها مبتهجًا بمثابة المكافأة له على ما كابده من مشقة فى السفر لمدة أربعة أيام فى دروب الصحراء الشرقية الوعرة.

وحيدًا جلس على شاطئ البحر الأحمر لساعات ينظر إلى الأمواج، وإلى البحر الثرى بمختلف ألوان وأشكال القواقع والأصداف والشعاب المرجانية، وإلى المسطح المائى الذى يتحول من لحظة لأخرى إلى كل الألوان، من البنى الداكن إلى الأرجوانى ومن الوردى إلى السماوى ثم الأخضر الفاتح.. وما أكثر ما التقى فى هذه البقعة النائية فى جهة الشرق من مصر مع بدو سيناء ببشرتهم الداكنة، وتجار قادمين من الجزيرة العربية، وتتار من بخارى يرتدون قبعات من الفرو، ويصنعون الحساء فى ظل مركب جانح مصنوع من الخشب الهندى الأحمر.

كم كان يداهمه الليل أثناء خروجه فى رحلات قصيرة فى قرى مصر، فيجد نفسه نائمًا داخل بيت من الطين الجاف له سقف من عيدان نبات قصب السكر به ثغرات تتيح له تأمل النجوم، وإذ يستيقظ فى الصباح يجد الشيخ الذى نزل عليه ضيفًا فى الليلة الماضية قد ذبح خرافًا، وأقام وليمة على شرفه يحضرها شيوخ القرية وكبارها.. وكثيرًا ما قص فلوبير على أصدقائه عن استمتاعه بقرى مصر الهاجعة فى سلام عند تخوم صحراء الفيوم بالقرب من بحيرة قارون.

المدينة المصرية كما بدت لفلوبير هى مدينة اللحظة الآنية بحيوية وعنفوان مشاهدها البصرية والحركية، وهى المدينة التى استطاع ببصيرته أن يكشف عن حقيقة مفردات جمالها المتوارية خلف المظهر غير الجميل للأشياء والأحياء فى كثير من الأحيان، لذلك كان تناوله لها فى رسائله التى كان يبعث بها من مصر إلى باريس تناولًا إبداعيًا يخضع لما تخضع له الحقيقة الفنية، ويليق كذلك بفلوبير الذى يعد نفسه ليكون كاتبًا روائيًا واقعيًا.

تلك الصور والمشاهد والأشكال والألوان والأضواء التى كانت حصيلة رحلة فلوبير إلى مصر، والتى انعكست على عدسة عينه، وتشربت بها أعماقه المتعطشة لمباهج الشرق، امتزجت بأفكاره ورؤاه وصارت مصدر إلهام له عندما شرع فى كتابة رواياته التى ضمنها خبرته بأجواء الشرق وصخبه وضجيجه وحركته وعنفوانه.