ضريبة «الترينج» و«التايير».. «ترند الثمانينيات»: الـ35 صورة بـ«لتر مياه»!
- «الذكاء الاصطناعى» يستهلك المياه فى التبريد وإنتاج الكهرباء وأشباه الموصلات
بانتشار فيروسى واسع تصدر «ترند الثمانينيات» على مواقع التواصل الاجتماعى، خلال الساعات القليلة الماضية، لتمتلئ الصفحات والحسابات على مختلف المنصات بأجواء فترتىّ الثمانينيات والتسعينيات، سواء الملابس أو قصات الشعر وغيرهما من التفاصيل الأخرى. لكن مع كل أمر لنموذج «الذكاء الاصطناعى»: «كيف سأبدو فى فترة الثمانينيات؟»، وعمله على تنفيذ «طلبك»، تسهم– من غير دراية- فى إهدار المياه على كوكب الأرض!
فالحديث عن الأثر البيئى لـ«الذكاء الاصطناعى» لم يعد مقتصرًا على الكهرباء أو انبعاثات الكربون. ومع الانتشار السريع لنماذج توليد النصوص والصور والفيديو، بدأ سؤال آخر يفرض نفسه: كمية المياه التى تحتاجها هذه النماذج حتى تعمل؟!
السؤال قد يبدو غريبًا، فـ«الذكاء الاصطناعى» برنامج يعمل على أجهزة إلكترونية، ولا يحتاج إلى المياه بالمعنى المباشر الذى تحتاجه الزراعة أو الصناعة. لكن خلف كل إجابة أو صورة مُولَدة توجد مراكز بيانات ضخمة تضم آلاف وحدات معالجة الرسوميات، وهذه الأجهزة تنتج حرارة هائلة، وتحتاج إلى أنظمة تبريد ومن ثم مياه. كما أن إنتاج الكهرباء وتشغيل مصانع أشباه الموصلات يرتبطان بدورهما باستهلاك المياه أيضًا.


هناك أكثر من مرحلة لدخول المياه فى دورة حياة «الذكاء الاصطناعى»، أهمها ما يتعلق بتبريد مراكز البيانات.. فكيف يحدث ذلك؟
عندما تطلب من نموذج مثل «ChatGPT» أو «Gemini» إنشاء صورة، لا تتم العملية على هاتفك، وإنما على خوادم موجودة فى مركز بيانات، حيث وحدات معالجة الرسوميات «GPU» تعمل بكثافة عالية، وتستهلك الكهرباء وتنتج الحرارة.
ولكى تظل الخوادم فى درجات حرارة مناسبة، تستخدم مراكز البيانات تقنيات مختلفة للتبريد. بعض هذه الأنظمة يعتمد على الهواء، وبعضها يستخدم المياه. ومن أشهر الأساليب أن تمر المياه فى أنظمة تبريد ثم يتبخر جزء منها، وهو ما يؤدى إلى استهلاك فعلى للمياه.
تستخدم الصناعة مقياسًا يسمى «WUE» أو «Water Usage Effectiveness» أى «كفاءة استخدام المياه»، والذى يقيس كمية المياه المستخدمة فى التبريد والترطيب مقارنة بالطاقة المستهلكة فى معدات تكنولوجيا المعلومات.
هذه النقطة مهمة، فليست كل مراكز البيانات تستخدم الكمية نفسها من المياه. الموقع الجغرافى، ودرجة الحرارة، والرطوبة، وتصميم مركز البيانات، ونوع نظام التبريد، كلها عوامل تغير الرقم بصورة كبيرة.
بل إن «Microsoft» أعلنت عن تصميمات جديدة لمراكز البيانات تعتمد على تبريد مباشر للشرائح ولا تحتاج إلى مياه للتبريد. وقالت إن أحد التصميمات الجديدة يمكنه تجنب استخدام أكثر من ١٢٥ مليون لتر من المياه سنويًا لكل مركز بيانات مقارنة بالتصميمات السابقة.
هذه صورة من صور استخدام المياه فى نماذج «الذكاء الاصطناعى». أما الصورة الثانية فتتعلق بالمياه المستخدمة بصورة غير مباشرة فى إنتاج الكهرباء. فحتى إذا كان مركز البيانات نفسه لا يستهلك كمية كبيرة من المياه، فإن الكهرباء التى تشغله قد تكون مرتبطة باستهلاك المياه.
لذلك فإن حساب «البصمة المائية» لـ«الذكاء الاصطناعى» لا يقتصر على المياه التى تدخل مركز البيانات مباشرة، بل يمكن أن يشمل المياه المرتبطة بإنتاج الكهرباء التى استهلكتها الخوادم.
وللعلم، هذا أحد أسباب اختلاف التقديرات بين الدراسات: هل نحسب المياه داخل مركز البيانات فقط، أم نضيف المياه المرتبطة بإنتاج الكهرباء؟
هناك استخدام أقل وضوحًا، يتمثل فى تصنيع أشباه الموصلات.
وحدات «GPU» والرقائق المتقدمة تحتاج أثناء تصنيعها إلى مياه فائقة النقاء فى عمليات تنظيف ومعالجة متعددة؛ لذلك، إذا أردنا حساب «البصمة المائية» الكاملة لـ«الذكاء الاصطناعى»، يمكن أن نضيف أيضًا المياه المرتبطة بتصنيع الأجهزة نفسها.
الدراسات الحديثة حول «البصمة المائية» لـ«الذكاء الاصطناعى» تنظر إلى هذه المستويات مجتمعة: التبريد المباشر، والمياه المرتبطة بالكهرباء، وتصنيع المعدات.

الصورة التى تراها على الشاشة هى النتيجة النهائية لسلسلة عمليات حسابية ضخمة.
فى نماذج توليد الصور المعتمدة على تقنيات الانتشار «Diffusion»، يبدأ النموذج عادة من تمثيل عشوائى، ثم ينفذ سلسلة من الخطوات الحسابية لإعادة تشكيله تدريجيًا حتى يصل إلى الصورة النهائية. وكلما زادت دقة الصورة أو عدد خطوات التوليد، يمكن أن يزيد استهلاك الطاقة والحوسبة.
هذا يفسر لماذا لا يمكن القول ببساطة إن «كل صورة تستهلك X ملليلتر من المياه» باعتبار الرقم قانونًا ثابتًا.
لكن دراسة حديثة حول التكلفة البيئية لاستخدام «الذكاء الاصطناعى» قدرت، كرقم مرجعى عالمى للصورة القياسية، استهلاكًا يبلغ نحو ٢.٩ واط- ساعة من الكهرباء، و٢٨.٦ ملليلتر من المياه للصورة الواحدة.
والـ«٢٨.٦ مل» ليست قراءة فعلية لعداد مياه خاص بـ«ChatGPT» أو ««Gemini، وإنما تقدير مرجعى للصورة مبنى على افتراضات ومتوسطات.
بناءً على هذا الرقم.. ماذا يحدث إذا ولّدنا مليون صورة؟
استهلاك الصورة الواحدة = ٢٨.٦ مل، إذن ١٫٠٠٠٫٠٠٠ × ٢٨.٦ مل = ٢٨٫٦٠٠٫٠٠٠ مل. وبالتحويل إلى اللترات يصبح لدينا الرقم ٢٨٫٦٠٠ لتر، أى ٢٨.٦ متر مكعب من المياه يوميًا. وبالتالى، إذا استمر توليد مليون صورة يوميًا طوال عام، يصبح استهلاك المياه حوالى ١٠.٤٤ مليون لتر من المياه سنويًا أو ١٠٫٤٣٩ متر مكعب تقريب.
وبحسبة بسيطة أخرى للتقريب وتوضيح الصورة أكبر، بناءً على هذه الأرقام نفسها، نجد أن كل ٣٥ صورة مُولَدة بـ«الذكاء الاصطناعى» تستهلك لترًا واحدًا من المياه!
هنا تظهر أهمية الحجم. فالـ«٢٨.٦ مل» للصورة الواحدة تبدو كمية صغيرة جدًا، لكن عندما تتحول إلى مليون عملية فى اليوم تصبح ٢٨.٦ ألف لتر يوميًا.


بالنسبة إلى «ChatGPT» تحديدًا، لا توجد- حتى الآن- بيانات عامة منشورة تسمح لنا بتحديد الرقم بدقة. لكن يمكن استخدام الرقم المرجعى السابق باعتباره «تقديرًا مرجعيًا» وليس قياسًا خاصًا بـ«ChatGPT».
لو طبقنا المعادلة المرجعية على مليون صورة مُولدة عبر «ChatGPT»، فالنتيجة أيضًا نحو ٢٨ ألفًا و٦٠٠ لتر من المياه يوميًا.
نقطة فى غاية الأهمية هنا ينبغى الإشارة إليها، وهى أن هذا الرقم لا يعنى أن «OpenAI» تسحب ٢٨٦٠٠ لتر من المياه فى مصر تحديدًا. فالمستخدم قد يكون فى مصر، بينما تُنفذ العملية فى بنية تحتية موجودة فى بلد آخر.
لذلك الأدق أن نقول: مليون صورة يطلبها مستخدمون فى مصر قد يكون لها «بصمة مائية تقديرية» تبلغ ٢٨٦٠٠ لتر وفق هذا الافتراض. لكن المياه الفعلية تُستهلك فى مواقع مراكز البيانات وشبكات الطاقة التى تعالج الطلبات.


الوضع أكثر إثارة للاهتمام هنا لأن «Google» نشرت بالفعل بيانات حديثة عن استهلاك المياه فى «Gemini Apps».
ففى قياس نشرته «Google» لطلبات «Gemini» النصية، فى مايو ٢٠٢٥، قدرت الشركة أن الطلب النصى الوسيط يستهلك ٠.٢٦ مل من المياه وفق منهجية شاملة، مقابل ٠.١٢ مل وفق منهجية أضيق.
لكن هذه الأرقام تخص طلبات نصية وليست توليد الصور.
لذلك لا يجوز أخذ ٠.٢٦ مل وضربه فى مليون، والقول إن مليون صورة فى «Gemini» تستهلك ٢٦٠ لترًا، فهذا سيكون خلطًا بين مهمتين مختلفتين تمامًا.
وبما أن السؤال هنا عن الصور، فإذا طبقنا نفس تقدير ٢٨.٦ مل للصورة، يصبح الرقم مثل «ChatGPT»: ٢٨.٦ ألف لتر لكل مليون صورة يوميًا.
الأمر لا يختلف فى نماذج توليد الصورة الأخرى مثل «Midjourney» و«DALL·E» و«Stable Diffusion» و«Adobe Firefly»، مع الإشارة إلى أن النتيجة تظل «سيناريو حسابيًا» وليس قياسًا فعليًا خاصًا بكل نموذج.
بالتالى، سواء «ChatGPT» أو «Gemini» أو «Midjourney» أو «DALL·E» و«Stable Diffusion» و«Adobe Firefly»، فإن توليد مليون صورة يوميًا يستهلك ٢٨ ألفًا و٦٠٠ لتر من المياه.
والأرقام هنا متطابقة لأننا نطبق نفس المعامل على الجميع، وليس لأن النماذج متساوية فى استهلاك المياه. فالدراسات التجريبية تظهر بالفعل أن استهلاك الطاقة يختلف بين نماذج توليد الصور بحسب النموذج، والدقة، وعدد خطوات الاستدلال، والعتاد المستخدم.
وهناك جهود بحثية حديثة لإنشاء معايير موحدة لقياس استهلاك الطاقة لنماذج توليد الصور، لأن المقارنة بين النماذج دون توحيد ظروف الاختبار قد تكون مضللة.
بينما درست أبحاث سابقة نماذج مثل «DALL·E ٢» و«Midjourney»، وقدمت تقديرات لاستهلاك الطاقة والانبعاثات، وهو ما يؤكد أن استهلاك كل نموذج ليس بالضرورة متساويًا.


أشهر الدراسات فى هذا المجال هى ورقة بحثية بعنوان « Making AI Less ‹Thirsty›: Uncovering and Addressing the Secret Water Footprint of AI Models» أو «جعل الذكاء الاصطناعى أقل «عطشًا»: الكشف عن بصمة المياه الخفية لنماذج الذكاء الاصطناعى ومعالجتها».
الدراسة التى ظهرت عام ٢٠٢٣ وتطورت لاحقًا، حاولت الكشف عن «البصمة المائية» الخفية لـ«الذكاء الاصطناعى»، مؤكدة أن استهلاك المياه لا يقل أهمية من استهلاك الطاقة والانبعاثات.
وقدرت الدراسة أن تدريب نموذج «GPT-٣» فى مراكز بيانات «Microsoft» بالولايات المتحدة يمكن أن يستهلك إجمالًا حوالى ٥.٤ مليون لتر من المياه عند احتساب المياه التشغيلية وغير المباشرة، منها نحو ٧٠٠ ألف لتر من المياه للاستهلاك المباشر فى الموقع.
الأكثر إثارة للانتباه أن الدراسة قدرت، فى ظروفها النموذجية، أن «GPT-٣» قد يستهلك ما يعادل زجاجة مياه سعة ٥٠٠ مل تقريبًا لكل ١٠ إلى ٥٠ إجابة متوسطة الطول، حسب موقع ووقت تشغيل النموذج.
وتوقعت الدراسة أن يصل الطلب العالمى على «الذكاء الاصطناعى» إلى ٤.٢ – ٦.٦ مليار متر مكعب من سحب المياه بحلول ٢٠٢٧ فى السيناريوهات التى درستها.

وفى ٢٠٢٦ ظهرت دراسة أخرى فى مجلة «Water Research» بعنوان «The water footprint of artificial intelligence: Emerging solutions and governance imperatives» أو «البصمة المائية للذكاء الاصطناعى: الحلول الناشئة وضرورات الحوكمة»، أعادت تأكيد أن «البصمة المائية» لـ«الذكاء الاصطناعى» تشمل التبريد، والمياه المرتبطة بإنتاج الكهرباء، وتصنيع أشباه الموصلات.
وشددت الدراسة على أن تقديرات الطلب العالمى قد تصل إلى نطاق مليارات الأمتار المكعبة، مشيرة فى الوقت ذاته إلى أن جزءًا كبيرًا من مراكز البيانات الحديثة يقع فى مناطق تعانى أصلًا من ضغوط مائية.

إذن، وأنت تكتب لـ«ChatGPT» أو غيره من نماذج «الذكاء الاصطناعى»: «كيف سأبدو فى الثمانينيات؟»، وتنتظر الصورة لنشرها على «فيسبوك» أو «إنستجرام» أو أى منصة أخرى، عليك إدراك أنك تسهم فى زيادة استهلاك المياه على هذا الكوكب، أو ربما إهداره.







