الأحد 12 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

CLASH OF LOYALTIES.. «لورنس العرب».. نسخة صدّام حسين!

حرف

- مشاهده صُورت تحت خط النار أثناء الحرب العراقية- الإيرانية

- الجيش العراقى استدعى الممثلين المشاركين فيه للقتال

- الفيلم أُنتج بأوامر الرئيس العراقى ضمن مشروع لتحويل بغداد إلى هوليوود

- صوّروا مشهدًا لانفجار قطار فخرج الإعلام الإيرانى قائلًا: «الحرس الثورى ينجح فى تفجير قطار عراقى»

فى يوليو 1983، عُرض فيلم «Clash of Loyalties / صراع الولاءات»، المعروف أيضًا باسم «المسألة الكبرى» لأول وآخر مرة تقريبًا. أحداث الفيلم تدور فى فترة الاستعمار البريطانى للعراق، حيث يرفض «الشيخ ضارى» وقبيلته هذا الاستعمار، ويقاومه بالسلاح. لذا تستخدم القوات الإنجليزية العنف ضده، وتضرب المواقع الخاصة به، وعندما يتم القبض عليه يتهمونه بأنه قاطع طريق.

الفيلم من ﺇﺧﺮاﺝ محمد شكرى جميل، الذى شارك أيضًا فى تأليفه رفقة رمضان كاطع، ومن بطولة أوليفر ريد وجيمس بولام وهيلين رايان، إلى جانب كل من غازى التكريتى ويوسف العانى وسامى عبدالحميد، ومن إنتاج لطيف جريفانى، الذى شارك أيضًا فى كتابة السيناريو والحوار.

وبعيدًا عن قيمته السينمائية، يرتبط الفيلم بمجموعة من الأحداث الغريبة التى تستحق أن تُروى بعد كل هذه السنوات، بعد أن تحول العمل الذى أراد من خلاله الرئيس العراقى الأسبق صدام حسين «صنع فيلم عراقى على طريقة هوليوود» إلى منصة للحكايات غير المألوفة، التى رواها لطيف جريفانى، فى حوار مع «بى بى سى».. فماذا قال؟ 

مع خالص تحياتى:

بعد أسابيع قليلة على بداية تصوير فيلم «المسألة الكبرى»، فى صحراء قريبة من العاصمة العراقية بغداد، اندلعت الحرب الإيرانية- العراقية فى عام ١٩٨٠.

ترتبت على ذلك عدة مشكلات لصنّاع الفيلم، من بينها استدعاء طاقم العمل والممثلين للقتال، واختفاؤهم فجأة من موقع التصوير دون أى إنذار، إلى جانب صعوبة نقل أسلحة قديمة من الحرب العالمية الأولى عن طريق الحدود التركية، بعدما صادرت سلطات الجمارك فى تركيا السيارات المحملة بها، اعتقادًا منهم بأنها تنقل أسلحة حقيقية لدعم القوات العراقية فى الحرب مع إيران. ورغم صعوبة هذه الأزمات، كان تصوير الفيلم سيتوقف بسبب موقف عارض حدث فى أحد فنادق بغداد، عندما أقدم بطل الفيلم أوليفر ريد، وهو فى حالة سُكر، على التبول فى زجاجة نبيذ فارغة، قبل أن يطلب من «الجرسون» أن يأخذ الزجاجة إلى الطاولة الموجودة بجانبه مع القول للجالسين أمامها: «مع خالص تحياتى»!

وحسب شهادة المنتج البريطانى المولود فى العراق، لطيف جريفانى، فى حديثه مع «بى بى سى»، فإن السلطات العراقية استاءت بشدة من تصرف الممثل الإنجليزى، وأرسلت برقية حكومية عاجلة إلى «جريفانى» جاء فيها: «هذا الرجل يجب أن يغادر العراق فورًا. نحن لا نريده هنا».

«كمنتج لفيلم ميزانيته ملايين الدولارات، كيف يمكننى إبعاد البطل الرئيسى فى منتصف التصوير؟».. سأل «جريفانى» نفسه بمجرد قراءة البرقية، وبدأ فى إجراء اتصالاته الخاصة، التى نجح من خلالها فى إقناع السلطات ببقاء «ريد» وإلا سيضطرون إلى إعادة تصوير الفيلم كله.

هذا موقف واحد من عدة مواقف صعبة واجهت إنتاج فيلم «المسألة الكبرى»، الذى استمر تصويره لمدة ٣ سنوات، ووصلت تكلفة إنتاجه ٣٠ مليون دولار، أى ما يعادل حوالى ١٠٠ مليون دولار الآن. وحسب «بى بى سى»، تقترب هذه الميزانية من ميزانية فيلم «حرب النجوم ٦.. عودة الجيداى»، الذى قُدم فى هذه الفترة.

بعد انتهاء تصوير الفيلم، عُرض لفترة قصيرة جدًا، وحصل على جائزة من مهرجان موسكو السينمائى، فى يوليو ١٩٨٣، قبل أن يُحفظ فى «عبوة لحفظ الأفلام»، ويوضع فى جراج منزل «جريفانى» بمقاطعة «سرى» فى إنجلترا.

لكن، وفقًا لمنتج الفيلم، كانت هذه النهاية مهينة جدًا، وعكس طموحات الرئيس العراقى صدام حسين، الذى رغب فى صناعة سينما عراقية تستطيع إنتاج أفلام وطنية ضخمة تستهدف الجمهور الغربى، بعد أن تولى الحكم فى يوليو ١٩٧٩ بفترة قصيرة.

وقال «جريفانى»: «صدّام حسين كان متحمسًا جدًا لتحويل العراق إلى مركز لإنتاج الأفلام السينمائية العالمية»، معتبرًا أن الرئيس العراقى الراحل كان يفكر فى أن تكون بغداد «هوليوود على نهر دجلة».

روى المنتج الإنجليزى العراقى، لطيف جريفانى، بدايات فكرة إنتاج الفيلم قائلًا: إن صدام حسين كان يريد تنفيذ سلسلة مشاريع تعزز صورة العراق عالميًا، على رأسها إنتاج فيلم سينمائى ضخم على طريقة أفلام «هوليوود»، ويربط بين حزب «البعث» والثوار العراقيين الذين أسقطوا الحكم البريطانى عام ١٩٢٠، فكان فيلم «المسألة الكبرى»، الذى يحكى قصة نشأة العراق من بلاد ما بين النهرين، ووصفه ممثل بأنه نسخة صدام حسين من فيلم «لورنس العرب».

وأضاف «جريفانى»: «القصة مبنية على حادثة حقيقية حدثت عام ١٩٢٠، من خلال حركة وطنية كان هدفها إنهاء الاحتلال الاستعمارى للعراق، وقتل ضابط شرطة بريطانى اسمه جيرالد ليتشمان على يد عنصر من عناصر هذه الحركة، فى مكان قريب من مدينة الفلوجة».

«جريفانى» يعمل فى صناعة السينما من الخمسينيات، وأنتج أكثر من فيلم بميزانية منخفضة فى الشرق الأوسط، وفى أوائل الثمانينيات تواصل معه مسئولون لهم علاقة بحكومة صدام حسين، وعرضوا عليه المشروع.

يتذكر الرجل: «أصدقاؤنا فى بغداد ذهبوا إلى (الرجل الكبير) وأخبروه بأن دخول صناعة السينما العالمية تحتاج إلى أموال ضخمة، فرد عليهم: مهما كلف الأمر.. أنا مستعد».

واحتاج الفيلم إلى هذه الميزانية الضخمة لعدة أسباب، من بينها بناء ديكورات على طريقة أفلام هوليوود، واستخدام مؤثرات خاصة، ومشاركة مئات من طواقم العمل والممثلين، الذين انتقلوا من عهدة دول إلى بغداد، قبل أن تندلع الحرب العراقية- الإيرانية.

يقول «جريفانى»: «كان لدىّ ١٤٠ شخصًا يعملون فى إنتاج الفيلم بالعراق وقت الحرب. كلهم كانوا يعملون فى صناعة الأفلام فى شيبرتون وباينوود وهوليوود، وغير معتادين أن يكونوا فى منطقة بعيدة، والصواريخ والقنابل الحقيقية تنفجر فى كل مكان».

تسببت الحرب فى تعطيل إنتاج الفيلم أكثر من مرة. يقول «جريفانى»: «بعد توقف التصوير تلقينا تعليمات من جهات عليا بضرورة إعطاء انطباع بأن الأمور طبيعية. من وجهة نظر القيادة العراقية، لم تكن هناك مشكلة، والموضوع سينتهى خلال أسبوع، ويجب أن نستمر فى تصوير الفيلم وكأن شيئًا لم يحدث، وبالفعل، عدنا لتصوير الفيلم بعد أسبوعين».

ورغم حرص السلطات العراقية على إظهار عدم وجود أى شىء يدعو للقلق، رصد طاقم العمل مؤشرات تدل على غير ذلك. يحكى ممثل مثلًا أنه سافر إلى العراق مع نجم الفيلم أوليفر ريد، إلى جانب عدد من الممثلين الآخرين، فلاحظوا أن طائرة مقاتلة كانت ترافق طائرتهم عندما دخلت المجال الجوى العراقى. وحسب هذا الممثل «نزلت الطائرة دون تشغيل أى أضواء لكى تتجنب أى هجوم صاروخى!».

لم تقتصر أزمات الفيلم على ذلك، بل أُعيد تصوير بعض مشاهده بسبب استدعاء ممثلين عراقيين مشاركين فيه للخدمة العسكرية دون أى سابق إنذار. كما ظهرت مشاكل لوجستية فى نقل المعدات العسكرية اللازمة لتصوير الفيلم من المملكة المتحدة عن طريق الحدود التركية.

يحكى «جريفانى» ويقول: «الأتراك قالوا لى: انتظر قليلًا. نحن دولة محايدة فى هذه الحرب، ولا نستطيع نقل هذه المعدات من أراضينا».

حاول المنتج العراقى إقناعهم بقوله: «هذه معدات تصوير فيلم عن الحرب العالمية الأولى، ولا يمكن استخدامها فى إطلاق النار، فهى مخصصة للتصوير السينمائى فقط».. لكن محاولاته باءت بالفشل.

ويضيف: «مع الرفض التركى اضطررنا إلى إرسال السيارات المحملة بهذه المُعدات إلى اليونان، ثم نقلناها بحرًا مرورًا بلبنان، ثم سوريا التى كانت أقرب للإيرانيين منها للعراقيين، وصولًا إلى بغداد عن طريق الصحراء».

امتدت أزمات الفيلم لتشمل مشهدًا خاصًا بانفجار قطار. يقول «جريفانى»: «كان المفترض أنه قطار عسكرى يحمل ذخيرة، ويتعرض لهجوم من متمردين عراقيين. ورغم أن معظم التصوير كان فى أماكن بعيدة عن ساحات القتال الحقيقية، إلا أن خط السكك الحديدية المهجور الوحيد الذى وجدناه كان قريبًا من الحدود الإيرانية».

ويواصل: «فى اليوم التالى لتصوير هذا المشهد، وسائل إعلام إيرانية ادعت أن الحرس الثورى نفذ هجومًا داخل العراق، ودمر قطارًا عسكريًا، ما أدى إلى مقتل عدد كبير من الجنود العراقيين!».

كما أن الأحداث والمواقف بين الممثلين كانت مثيرة جدًا، فإلى جانب حادثة زجاجة النبيذ، التى ذكرناها فى بداية هذا الموضوع، أوليفر ريد كان يحرص على تنظيم مسابقات لمصارعة الأذرع مع زملائه، إلى جانب تكسير أبواب بقدميه، والدخول فى مشاجرات قوية.

زميله مارك سيندن، ابن الممثل دونالد سيندن، قال فى مقابلة مع مجلة «إسكواير» عام ٢٠١٤: «أول مرة رأيت فيها (ريد) كان معلقًا من كاحليه خارج نافذة فى الدور الخامس من فندق (المنصور ميليا) فى بغداد، بعد ما عصب مرافقه، الذى كان جنديًا فرنسيًا سابقًا فى القوات الخاصة»، مضيفًا: «(ريد) كان يصرخ وهو يضحك، وطوال هذه الفترة لم نعرف ما الذى قاله لمرافقه!». أما الممثلة فرجينيا دينهام فقالت عن أوليفر ريد: «كان سلاح دمار شاملًا».

كما أن «سيندن» مر بتجربة أخرى مختلفة ولا يمكن نسيانها وقت تصوير «المسألة الكبرى». قال فى نفس المقابلة: «قبل أن أذهب إلى العراق تم تجنيدى لتصوير بغداد لجهاز استخبارات بريطانى سرى».

وأضاف: «جاء إلىّ رجلان يرتديان أزياء رسمية، وقالا لى إنهما من وزارة الخارجية، وسآلانى إذا ما كنت ذاهبًا إلى العراق، فقلت نعم، ولم أكن فى حاجة لأن أقول لهم تاريخ سفرى، الذى كانوا يعرفونه بالضبط».

وحسب «سيندن»، قال له هذان الرجلان: «أجهزة الأمن ستكون مهتمة برؤية صورك التذكارية، خاصة أى صور يمكن أن تكون لها قيمة عسكرية، مثل هوائيات الاتصالات، أو المبانى الحكومية، أو القصور».

لكن هذه الصور ذهبت بـ«سيندن» إلى مركز تحقيق فى العراق، بعدما لاحقته «شرطة صدام حسين السرية». وبعد فترة قصيرة من وصوله تم التحقيق معه. لكنه استطاع أن يقنع المحقق بتركه بعد أن قال له: «أنا هنا بتكليف من قائدكم العظيم، صدام حسين، هو الذى يمول الفيلم الذى أشارك فيه، وتناولت معه العشاء من أسبوع».

تم الإفراج عنه بالطبع بعد هذه الجملة، وترك العراق فى اليوم التالى مباشرة، وهو يرتدى الزى العسكرى الذى كان يستخدمه فى الفيلم، وهو زى يرجع إلى عشرينيات القرن الماضى، بخوذة استوائية ومسدس!

وبالعودة إلى «جريفانى»، قال إنه أجرى مونتاج فيلم «المسألة الكبرى» فى لندن، وبعدما عُرض فى أكثر من مهرجان، وضع «على الرف». وبعدما احتل صدام حسين الكويت سنة ١٩٩٠، فرضت الأمم المتحدة عقوبات دولية على العراق استمرت إلى سقوط نظامه عام ٢٠٠٣، ولم يُعرض الفيلم من وقتها.