الثلاثاء 07 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

لوحة فرعونية فى منزل أمريكى!.. كتاب بريطانى جديد يتتبع رحلة الآثار المنهوبة

حرف

- مافيا التهريب تضم: حفارين غير شرعيين ووسطاء محليين وشبكات نقل وخبراء فى تزوير الوثائق وسماسرة دوليين

- «غسل» القطعة الأثرية أهم مرحلة.. وشبكات متخصصة تصنع تاريخًا مزيفًا للقطعة عبر فواتير بيع قديمة وخطابات ملكية مزورة

أعاد كتاب «التعامل مع القطع الأثرية المصرية القديمة فى الحفائر والمتاحف» «Working with Ancient Egyptian Artefacts in the Field and Museums فتح واحد من أكثر الملفات حساسية فى علم المصريات وهو رحلة القطعة الأثرية المصرية من لحظة اكتشافها فى الأرض وحتى استقرارها داخل متحف فى القاهرة أو لندن أو نيويورك أو أى مكان آخر فى العالم.

الكتاب الصادر عن دار نشر UCL Press التابعة لجامعة لندن، بتحرير الباحثتين البريطانيتين المتخصصتين فى علم المصريات وإدارة التراث الثقافى أليس ستيفنسون «Alice Stevenson» وآنا جارنيت «Anna Garnett»، بمشاركة عدد من أبرز الباحثين فى مجالات الحفائر والمتاحف ودراسات التراث- يقدم رؤية جديدة لملف الآثار المصرية المسروقة، وكيف تحولت آثار مصر القديمة إلى هدف لشبكات التهريب والاتجار الدولى؟ وكيف تحاول مصر استعادة أجزاء من تاريخها الموزعة فى أنحاء العالم؟.

ويؤكد الكتاب أن معركة مصر مع ملف آثارها فى الخارج ليست معركة على «الذهب» أو القيمة السوقية للقطع، بل هى فى جوهرها معركة على الذاكرة التاريخية نفسها؛ فتمثال صغير عُثر عليه داخل مقبرة معينة قد يكشف معلومات عن العقائد الجنائزية، أو عن طبيعة العلاقات الاجتماعية، أو عن الوضع الاقتصادى فى عصره. أما إذا انتُزع من مكانه بطريقة غير مشروعة، فإن جزءًا كبيرًا من قصته يضيع إلى الأبد.

بداية يؤكد الكتاب أن عالم تهريب الآثار لم يعد قائمًا على اللصوص التقليديين الذين يتسللون ليلًا إلى المقابر والمعابد كما كان يحدث فى الماضى، بل أصبح صناعة عالمية متكاملة تدر ملايين الدولارات سنويًا؛ فهناك حفارون غير شرعيين، ووسطاء محليون، وشبكات نقل، وخبراء فى تزوير الوثائق، وسماسرة دوليون، وصولًا إلى صالات المزادات والمتاحف والمجموعات الخاصة، ومن ثم تصبح مهمة تتبع قطعة أثرية واحدة أشبه بمحاولة حل لغز يمتد عبر عدة قارات.

يتتبع الكتاب الرحلة الخفية للقطع الأثرية المنهوبة؛ ففى اللحظة التى تُكتشف فيها قطعة أثرية داخل موقع لم يخضع للحراسة الكافية، تتحول إلى هدف لشبكات كاملة من المهربين والمتاجرين بالتراث. 

فى البداية يقوم حفارون غير شرعيين باستخراج القطعة من موقع أثرى، ثم تنتقل إلى وسيط محلى، وبعد ذلك إلى شبكة أوسع من التجار الذين يتخصصون فى تهريب الآثار إلى الخارج، وبعد ذلك تبدأ مرحلة أكثر تعقيدًا؛ مرحلة «غسل» القطعة الأثرية، فالقطعة المهربة لا يمكن بيعها بسهولة فى الأسواق الدولية إذا كانت بلا أوراق أو سجل ملكية واضح.

هنا تظهر شبكات متخصصة فى صناعة تاريخ مزيف للقطعة، إذ تُفبرك فواتير بيع قديمة، وتُكتب خطابات ملكية مزورة، وتُصنع روايات كاملة تزعم أن القطعة كانت موجودة فى مجموعة خاصة منذ خمسين أو ستين عامًا، ومع مرور الوقت تصبح هذه الأكاذيب جزءًا من الملف الرسمى للقطعة، حتى تبدو قانونية تمامًا أمام المشترين والمتاحف.

ومع دخول سوق الفن العالمية، يمكن أن تنتقل القطعة بين عدد كبير من المالكين قبل أن تظهر فى مزاد علنى أو متحف أو معرض خاص.

وخلال هذه الرحلة الطويلة تضيع فى كثير من الأحيان المعلومات المتعلقة بمصدر القطعة وسياق اكتشافها، وهى خسارة علمية قد تكون أخطر من فقدان القطعة نفسها.

ويؤكد الكتاب أن علم الآثار الحديث لم يعد يهتم بالقطعة الأثرية منفردة، كما كان يحدث فى الماضى، بل يهتم بالسياق الكامل الذى وجدت فيه؛ فتمثال صغير يتم العثور عليه داخل مقبرة معينة قد يقدم معلومات لا تقدر بثمن عن العقائد أو العلاقات الاجتماعية أو الاقتصاد فى عصره. 

أما إذا جرى انتزاعه من موقعه وبيعه بصورة غير مشروعة، فإن جزءًا كبيرًا من قيمته العلمية يضيع إلى الأبد.

يخصص الكتاب مساحة واسعة للحديث عن مصر باعتبارها واحدة من أكثر الدول التى تعرضت آثارها للنهب على مدار القرنين الماضيين؛ فخلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، كانت مصر، مثل كثير من دول الشرق، ساحة مفتوحة للبعثات الأجنبية وجامعى الآثار والمغامرين الأوروبيين الذين توافدوا بحثًا عن الكنوز القديمة. 

وكانت القوانين المنظمة للعمل الأثرى مختلفة تمامًا عن القوانين الحالية، بل إن نظام «القسمة» الذى كان معمولًا به آنذاك بين السلطات المصرية والبعثات الأجنبية سمح بخروج آلاف القطع الأثرية إلى الخارج بصورة قانونية، وفق معايير ذلك العصر.

ومن هنا جاءت المجموعات المصرية الضخمة الموجودة اليوم فى متاحف العالم؛ فالكثير من القطع الشهيرة الموجودة فى لندن وباريس وبرلين ونيويورك لم تخرج بالضرورة عبر عمليات تهريب سرية، وإنما خرجت فى إطار أنظمة قانونية كان معترفًا بها فى زمنها، ما يجعل ملف الاسترداد أكثر تعقيدًا مما يعتقده كثيرون.

وإلى جانب ذلك خرجت قطع أخرى عبر عمليات شراء، حين كان الأمر مسموحًا به قانونًا، أو إهداءات، وهناك أيضًا آلاف القطع التى تعرضت للسرقة أو التهريب أو الاتجار غير المشروع، خصوصًا خلال فترات الاضطرابات السياسية والحروب وضعف الرقابة على المواقع الأثرية.

يرصد الكتاب، فى أحد أهم فصوله، التحول الكبير فى موقف المتاحف العالمية خلال العقود الأخيرة؛ فبعد سنوات طويلة كانت المؤسسات الكبرى ترفض فيها مناقشة مطالب الاسترداد، أصبحت اليوم أكثر استعدادًا لفحص تاريخ مقتنياتها والكشف عن مصادرها، وأصبح مفهوم «تاريخ الملكية» أو Provenance أحد أهم المعايير التى تحدد شرعية امتلاك أى قطعة أثرية، ومن ثم بدأت تظهر مقاربات جديدة تعترف بحق الدول فى المطالبة بتراثها المنهوب، خصوصًا إذا ثبت خروجه بطرق غير قانونية.

ويشير الكتاب إلى أن مصر من أكثر الدول نشاطًا فى هذا المجال؛ فمنذ مطلع القرن الحادى والعشرين شهد العالم عشرات القضايا المتعلقة باستعادة آثار مصرية من الولايات المتحدة وأوروبا ودول أخرى. وشملت هذه العمليات تماثيل ولوحات جنائزية وتوابيت ومخطوطات وقطعًا نادرة خرجت من البلاد بطرق غير مشروعة.

ويستعرض الكتاب عددًا من القضايا التى أصبحت علامات فارقة فى ملف الاسترداد؛ فهناك توابيت فرعونية وصلت إلى متاحف كبرى بعد أن صاحبتها وثائق تبين لاحقًا أنها مزورة بالكامل، وهناك تماثيل ولوحات جنائزية اختفت من مواقع أثرية مصرية ثم ظهرت بعد سنوات فى مزادات عالمية تعرض للبيع بمبالغ خيالية. 

وفى كل مرة كانت تبدأ رحلة طويلة من التحقيقات والتفاوض وجمع الأدلة قبل أن تتمكن مصر من استعادتها.

وفى هذا الإطار تأتى واحدة من أشهر قضايا استرداد الآثار المصرية فى السنوات الأخيرة؛ قضية تابوت الكاهن نجم عنخ. 

كان التابوت معروضًا داخل متحف المتروبوليتان للفنون فى نيويورك بعد شرائه بمبلغ تجاوز أربعة ملايين دولار. 

وقتها بدا كل شىء قانونيًا، والوثائق المرافقة للقطعة بدت سليمة، لكن التحقيقات كشفت لاحقًا أن مستندات الخروج من مصر مزورة بالكامل، وأن التابوت غادر البلاد عبر شبكة تهريب دولية معقدة. 

وعندما تكشفت الحقيقة، اضطرت المؤسسة المتحفية إلى إعادة القطعة إلى مصر.

ويرى الكتاب أن أهمية هذه القضية لا تكمن فقط فى استرداد تابوت نادر، بل فى أنها كشفت حجم الثغرات الموجودة داخل سوق الآثار العالمية، وأثبتت أن حتى أكبر المؤسسات الثقافية قد تقع ضحية لوثائق مزيفة أُعدت باحتراف شديد.

لكن التابوت الذهبى لم يكن سوى نموذج واحد من معركة أوسع بكثير.

ففى عام ٢٠١٩ أيضًا أثارت قطعة أخرى عاصفة دولية عندما أعلنت إحدى دور المزادات فى لندن عرض رأس منحوتة للملك توت عنخ آمون مصنوعة من الكوارتزيت للبيع مقابل ملايين الدولارات. تحركت مصر سريعًا مطالبة بوقف المزاد، مؤكدة أن القطعة خرجت من البلاد بصورة غير مشروعة، بينما تمسكت الجهة المالكة بوثائق تزعم أن الرأس انتقلت بين مجموعات خاصة منذ عقود.

ويشير الكتاب إلى أن مثل هذه القضايا تكشف المعضلة الكبرى التى تواجه الدول الساعية لاستعادة تراثها؛ فبعد مرور عقود على خروج القطعة يصبح إثبات كيفية خروجها مهمة شديدة التعقيد. وقد تكون الوثائق الأصلية مفقودة، أو تكون القطعة قد انتقلت بين عدة مالكين فى دول مختلفة، ما يجعل عملية التتبع أقرب إلى تحقيق جنائى يمتد عبر قارات عدة.

ثم إن السؤال الذى لا يزال مطروحًا حتى اليوم: من يتحمل مسئولية إثبات الملكية؟ الدولة التى فقدت القطعة أم الجهة التى تعرضها للبيع؟

لا يتوقف الكتاب عند المزادات الشهيرة، بل يسلط الضوء على عشرات الحالات الأقل شهرة التى ظهرت فيها قطع مصرية داخل منازل خاصة أو مجموعات شخصية أو معارض صغيرة فى أوروبا وأمريكا. وفى بعض الحالات لم يكن المالكون أنفسهم يعلمون أن ما يمتلكونه خرج من مصر بصورة غير قانونية؛ فقد تكون القطعة انتقلت عبر أربعة أو خمسة تجار قبل أن تصل إليهم، ما يجعل تحديد المسئولية القانونية والأخلاقية أمرًا بالغ التعقيد؛ فالكثير من المشترين الحاليين قد يكونون اشتروا القطع بحسن نية، بينما تعود الجريمة الأصلية إلى عقود مضت.

ومن القصص التى يوردها الكتاب ما حدث مع عدد من القطع الجنائزية التى اختفت من مواقع أثرية مصرية ثم ظهرت بعد سنوات داخل مجموعات خاصة فى الولايات المتحدة.

يناقش الكتاب أيضًا قضية لا تزال تمثل رمزًا عالميًا للجدل حول ملكية التراث الثقافى، وهى قضية حجر رشيد؛ فالحجر الذى فتح الباب أمام فك رموز اللغة المصرية القديمة لا يزال فى قلب نقاش مستمر حول أحقية الشعوب فى استعادة رموزها الحضارية الكبرى. 

ورغم أن القضية تختلف قانونيًا عن كثير من ملفات التهريب الحديثة، فإنها تكشف كيف تحولت الآثار من مجرد مقتنيات تاريخية إلى رموز للهوية الوطنية والذاكرة الجماعية.

وبينما ترى جهات عديدة أن الحجر جزء من التراث الإنسانى العالمى، يعتبر المصريون أنه أحد أهم الرموز التى ينبغى أن تعود يومًا إلى موطنها الأصلى.

يؤكد الكتاب أن الأرشيف أصبح اليوم أحد أقوى الأسلحة فى معركة استرداد الآثار؛ فالمعركة لا تُخاض فقط فى المحاكم أو عبر القنوات الدبلوماسية، بل داخل المخازن والأرشيفات وقواعد البيانات الرقمية التى تسمح بتتبع تاريخ القطعة عبر الزمن.

ففى عالم الآثار الحديث أصبح السؤال الأول الذى يطرح حول أى قطعة ليس: ما عمرها؟ أو ما قيمتها؟ بل: من أين جاءت؟ وكيف وصلت إلى مكانها الحالى؟.

وقد تحول هذا السؤال إلى كابوس حقيقى لشبكات التهريب. فكل صورة قديمة، وكل سجل حفائر، وكل خطاب محفوظ داخل أرشيف متحف أو جامعة، قد يصبح دليلًا حاسمًا يكشف المسار الحقيقى للقطعة ويقود إلى استعادتها.

وختامًا يؤكد الكتاب أن أخطر ما تفعله عصابات تهريب الآثار ليس سرقة القطعة نفسها، بل تدمير المعلومات المرتبطة بها، فبمجرد أن تُنتزع القطعة من الأرض بعيدًا عن أعين علماء الآثار، تفقد البشرية فرصة معرفة جانب من تاريخها.