الخميس 02 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

السيناريو الأسود.. مثقفون يجيبون عن السؤال الصعب: ماذا لو بقى الإخوان فى الحكم؟

حرف

- إقصاء طه حسين ونجيب محفوظ وعمالقة الفكر لصالح خطاب أحادى

- الفنان سيُسأل: «هذا حلال أم حرام؟» قبل «هذا جميل أم قبيح؟»

منذ بدء اعتصام المثقفين فى مقر وزارة الثقافة بالزمالك وصولًا إلى إعلان الثالث من يوليو، ظل المشهد محتدمًا ومتسارعًا، يمكن اختزاله فى عبارة واحدة: «لحظة فارقة فى تاريخ مصر الحديث»، حيث خرج ملايين المصريين إلى الشوارع والميادين من الإسكندرية حتى أسوان، حاملين هدفًا واحدًا هو إنقاذ الهوية المصرية وحمايتها من محاولات الطمس والتغيير. ولم يكن هذا الحراك مجرد احتجاج عابر، بل جسّد إرادة شعبية واسعة، حيث تلاقت أصوات المثقفين مع الجماهير فى مشهد جمع بين السياسة والثقافة والوعى الوطنى، وكان اعتصام وزارة الثقافة رمزًا لهذا التلاقى، إذ تحوّل إلى منصة للتعبير عن رفض سيطرة الجماعة الإرهابية على مفاصل الدولة، وإلى مساحة مفتوحة للنقاش والتفاعل بين مختلف التيارات الفكرية.

 وفى السطور التالية، ترصد «حرف» شهادات المثقفين باختلاف مشاربهم واتجاهاتهم، سواء ممن شاركوا فى اعتصام الوزارة أو من نظموا اعتصامات مماثلة فى المحافظات، لتشكيل صورة واضحة عن مصر وثقافتها فى حال استمر حكم الجماعة، وكيف كان المثقفون يرون مستقبل الوطن لو لم تتوقف تلك الحقبة.

عمرو منير: سيطرة خفافيش الظلام على كل مفاصل الدولة

عمرو منير
عمرو منير

شاركت فى اعتصام المثقفين بوزارة الثقافة عام ٢٠١٣، وكنت أعد هذه المشاركة حلقة فى مسار بدأ قبلها فى وقفة اتحاد كتاب مصر يوم ٣ مايو ٢٠١٢، دفاعًا عن حرية الإبداع وحق الكاتب والفنان فى التعبير.

فى وقفة اتحاد الكتاب حملت لافتة كتبت عليها: «الحرية أساس الفضيلة» و«يسقط خفافيش الظلام».

كانت تلك اللحظة بالنسبة لى جزءًا من معركة استعادة الوعى وعودة الروح إلى مصر، فى مواجهة محاولات الوصاية على الفن والفكر والخيال والكتابة. قلنا يومها لا لخفافيش الظلام، ولا لكل محاولات تزييف الوعى وشل الإرادة وإهدار المقدرة وفرض منطق العتمة على واقعنا.

ثم جاء اعتصام وزارة الثقافة فى يونيو ٢٠١٣ ليضع المثقفين فى قلب المشهد الوطنى. كنت هناك مع لفيف من الكتاب والفنانين والأصدقاء، من بينهم أحمد عبدالعزيز، ومحمد السيد عيد، وطارق النعمان، وخالد يوسف، وأحمد فؤاد نجم، وإيناس عبدالدايم، ووجوه عديدة يصعب حصرها من رموز الثقافة والفن والإبداع فى مصر، كان الشعور العام أن البلاد تمر بلحظة مفصلية، وأن الوقوف فى خندق واحد مع الإرادة الشعبية صار واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا.

أحكمنا حضورنا حول مبنى وزارة الثقافة فى شارع شجرة الدر، فى دلالة تاريخية عميقة؛ كأن شجرة الدر تستعيد رمزيتها فى حماية الوطن وقت الخطر، كان المكان نفسه يحمل ذاكرة مقاومة، وكانت الوزارة فى تلك اللحظة أكثر من مبنى إدارى؛ صارت علامة على مصر التى تدافع عن وعيها ووجدانها وحريتها.

ما بقى فى ذاكرتى من الاعتصام هو ذلك الإحساس النادر بأن المثقف استعاد موقعه الطبيعى فى لحظة خطر، وزارة الثقافة تحولت إلى ساحة رمزية للدفاع عن مصر كلها. أتذكر الوجوه والهتافات والقلق والحماس، أتذكر صورتى داخل مكتب الوزير وخلفى علم مصر، وكأن الصورة تختصر معنى اللحظة: كاتب وباحث داخل مؤسسة ثقافية فى لحظة مواجهة، وخلفه علم الوطن.

ورغم سخونة المشهد وارتفاع الغضب، حافظنا على مبنى الوزارة وممتلكاتها ومقتنياتها التاريخية، لأنها ملك الوطن وملكنا جميعًا، كنا ندافع عن المؤسسة من داخلها، ونحمى معناها من التشويه، ونؤكد أن الغضب الوطنى يمكن أن يكون منضبطًا ونبيلًا ومسئولًا.

وأتذكر وقوفنا مع الحشود أمام شجرة الدر فى لحظة تاريخية، حين تردد الهتاف الذى صار علامة على اتساع الرفض الشعبى: يوم ٣٠ العصر ملايين هتروح على القصر، وكنا نقصد قصر الرئاسة. فى تلك اللحظة شعرنا بأن الاعتصام خرج من حدود وزارة الثقافة إلى فضاء الوطن كله، وأن الدفاع عن الثقافة صار دفاعًا عن مصر ووعيها وذاكرتها ومستقبلها.

أحمد سويلم:  السجن أو القتل مصير كل فنان ومثقف ومبدع

أحمد سويلم
أحمد سويلم

ثار المثقفون على حكم الإخوان حينما عينوا وزيرًا منهم فاقد الرؤية ضحل الثقافة، وأسرع عدد منهم واعتصموا فى مبنى الوزارة بالزمالك.

وفى مساء ٢٦ يونيو ٢٠١٣ دعا محمد سلماوى رئيس اتحاد الكتاب أعضاء مجلس الإدارة لاجتماع طارئ. وكان الموضوع الأهم فى هذا الاجتماع هو سحب الثقة من محمد مرسى.

ولم يستغرق الاجتماع طويلًا فقد وافقنا بالإجماع على ذلك، وانطلقت بصفتى سكرتير عام للاتحاد ومعى بعض أعضاء المجلس إلى مبنى وزارة الثقافة والتقينا المعتصمين وأبلغتهم قرار المجلس، وبهذا كان الاتحاد أول كيان ثقافى يسحب الثقة من رئيس الدولة.

وأعتقد أن الإخوان كانوا يخططون فى حكمهم للتخلص من كل مبدع وفنان ومثقف، إما بالسجن أو القتل، وبهذا يقضون على شريان الحياة الذى يغذى العقول ويجدد الوعى، وبهذا يتمكنون من التأثير على البشر بما يملكون من دعاية دينية زائفة.

ماجد عزت: تكميم الأفواه.. وتراجع حرية الفن والإعلام

ماجد عزت
ماجد عزت

كان اعتصام المثقفين عام ٢٠١٣ لحظة فارقة فى تاريخ مصر الحديث، لأنه لم يكن مجرد موقف احتجاجى محدود، بل كان إعلانًا واضحًا بأن الثقافة المصرية ترفض أن تُختزل هوية الوطن فى اتجاه واحد أو فكر مغلق.

لم تكن القضية وقتها سياسية فقط، بل كانت معركة على روح مصر، وعلى حق المصريين فى الحرية والفن والإبداع والتنوع والحياة الكريمة، فقد مثّل المثقفون والنخبة الواعية فى ذلك الوقت ضمير المجتمع، واستطاعوا أن ينقلوا ثورة ٣٠ يونيو إلى صورة أعمق من مجرد خروج شعبى، لتصبح واحدة من تجليات الثورات الكبرى التى تدافع عن حرية الإنسان وكرامة الوطن.

كان اعتصام المثقفين شرارة رمزية مهمة، لأنه كشف عن أن الخطر لم يكن على السلطة وحدها، بل على العقل المصرى، وعلى الفن والإعلام والتعليم، والهوية الوطنية الجامعة.

وفى ذاكرتى، يبقى هذا الاعتصام شاهدًا على أن الكلمة قد تكون أحيانًا أقوى من الهتاف، وأن المثقف الحقيقى لا ينعزل عن شعبه، بل يقف فى اللحظة الصعبة مدافعًا عن وعى الناس وحقهم فى المستقبل.

لو استمر «الإخوان» فى حكم مصر أعتقد أن المشهد الثقافى كان سيتعرض لضغط كبير، وربما كانت ستُكمم أفواه كثيرة، وتتراجع حرية الفن والإعلام، ويصبح الإبداع محاصرًا برقابة فكرية ودينية ضيقة. 

وقتها، كان من الممكن أن نجد مصر أقل انفتاحًا على العالم، وأبعد عن التطور الثقافى والاقتصادى، لأن المجتمعات لا تنهض بالتشدد ولا بالإقصاء، بل بالعلم والعمل والفكر الحر.

لذلك تبقى ثورة ٣٠ يونيو، وفى قلبها اعتصام المثقفين، لحظة خالدة فى ذاكرة الطبقة المثقفة، لأنها دافعت عن مصر التى نعرفها: مصر الفن والتاريخ والتعدد والحياة.

سمير الأمير:«الأخونة» مصير كل المناصب المهمة

سمير الأمير
سمير الأمير

لم أشارك فى الاعتصام بالقاهرة ولكننى كنت معتصمًا بشكل دائم فى تلك الفترة بميدان أم كلثوم فى المنصورة لا أكاد أغادره لأننى كنت مسئولًا عن الإعلام من قبل  جميع الأحزاب المشاركة فى رفض حكم  الإخوان وبشكل أكثر من قبل جبهة الإنقاذ، حيث عهد إلى بالأمر العالم الجليل الدكتور محمد غنيم وكان لدينا محافظ تم تعيينه من قبل الإخوان فدعونا الجماهير لحصار المبنى وعدم تمكينه من دخول المحافظة.

 ثم توجهت ضمن وفد تم تشكيله من جميع القوى السياسية لمقابلة الملحق العسكرى لمحافظة الدقهلية، ورشحنى الزملاء المشاركون للتحدث إلى الرجل، فبدأت حديثى  بالكلام عن تاريخ ارتباط الجيش المصرى بأحلام وآمال هذا الشعب العظيم منذ العصور القديمة.

وقلت للملحق العسكرى بالمحافظة إن هذه مسألة جوهرية فى بنية الدولة المصرية الحديثة لأن محمد على ربط التحديث فى الصناعة والزراعة والتعليم بالجيش.

 وبعدها عدت إلى مقر لجنة الإعلام  وتحدثت مع الجماهير المحتشدة بالميدان ناقلًا لهم ما دار ومطمئنًا لهم بأن القوات المسلحة على وعى تام بمطالب الناس، وأنها تطمئن الجميع بأنها لن تتخلى عن مطالبهم برفض الأخونة، وأن المحافظ الجديد المعين من قبل الإخوان لن يدخل للمبنى.

كانت الطائرات تعلو سماء الميدان وتقوم بالتصوير حيث امتد اعتصام الناس فى ميدان أم كلثوم، وكان يعرف حينها بميدان الثورة، وامتدت الجماهير المحتشدة لمسافة تقطع كل شارع الجيش من الاستاد وتتجاوز مبنى المحافظة لشارع الجمهورية.

زين عبدالهادى:  مصر كانت ستتحول إلى دولة ثيوقراطية شمولية

زين عبدالهادى
زين عبدالهادى

لم تكن المشاركة فى الثورة للمثقفين خيارًا مفتوحًا، بل كانت اختيارًا حتميًا، كان التغيير هو الهاجس المسيطر، فلا يمكن السماح بدولة دينية يحكمها الإخوان.

أتذكر تلك الليالى التى نمنا فيها جميعًا على سلالم وزارة الثقافة والحوارات الصاخبة حول حتمية الوصول للدولة المدنية، وهكذا قادت الثقافة الحركة الثورية.

لم أتخيل مصر يومًا دولة دينية، بل فى نهاية القرن التاسع عشر ومئوية القرن العشرين ونحن نتحدث تقريبًا عن ١٧٠ عامًا من الدولة المدنية سواء فى الحكم الملكى أو الجمهورى، كان ذلك أمرًا مفروغًا منه للمثقفين، لا يمكن التفكير فى دولة ثيولوجية، فى ظل الحرية العقائدية والفكرية والسياسية والثقافية التى اتسم بها النصف الثانى من القرن التاسع عشر والقرن العشرين كله، السماح بدولة دينية متخفية فى حصان طروادة. 

لم يكن أمرًا مقبولًا تحت أى ظرف للمثقفين المصريين، هذا ما اتفقنا عليه جميعًا فى جلسات تمت داخل وزارة الثقافة وأروقتها فى ذلك الوقت، كانت تلك المهمة الأساسية التى شعرنا بأنها محملة فوق أكتافنا، ناهيك عن أقلام جميع المثقفين المصريين التى دعمت هذه الثورة.

إلهام سيف الدولة: قتل الإبداع.. وتحول قصور الثقافة لمنصات دعوية

إلهام سيف الدولة
إلهام سيف الدولة

لم أشارك ميدانيًا فى خيمة اعتصام مقر وزارة الثقافة بالزمالك صيف ٢٠١٣، لكنى كنت أتابع ما يحدث من مكتبى وأنا أُعد بحثًا عن الخطاب السياسى للجماعة، وكل بيان يصدره المعتصمون، كنت أطبعه وأضعه فى ملف على مكتبى بعنوان «وثائق الوعى».

كنت أكتب الهوامش بقلمى وأشعر بأنى أشاركهم الاعتصام، حتى لو لم أشاركهم الكرسى البلاستيك، فالاعتصام لم يكن حدثًا مكانيًا فقط، كان معركة فكرية خاضها كل مصرى آمن أن الثقافة خط أحمر.

تبقى فى ذاكرتى ٣ صور لا تُمحى لتلك الأيام: أولها صورة الإرادة: مثقفون بلا سلطة ولا ميزانية وقفوا أمام جرافة سياسية تحاول «أخونة» قصور الثقافة، ووقفتهم علمتنى أن الكلمة أقوى من القرار الإدارى حين تؤمن بها الجموع.

ثانيها هى صورة الاتحاد: لأول مرة رأيت يساريًا وقوميًا وليبراليًا يتشاركون كوب شاى واحد تحت لافتة «الثقافة للجميع»، وفهمت وقتها أن الهوية المصرية أوسع من أى أيديولوجيا، وأن الخطر الوجودى يوحد المختلفين.

ثالثها صورة الرسالة: حين تحول قصر الثقافة من مبنى حكومى إلى «منبر شعب»، فالميكروفون المفتوح، والندوات اليومية، والكتب توزع مجانًا، كانت بروفة ٣٠ يونيو: شعب يقرر مصيره بنفسه.

ماذا لو استمر «الإخوان» فى الحكم؟، الإجابة واضحة من مشروعهم: كانت الثقافة ستتحول من «حق» إلى «أداة»، وعلى مستوى المؤسسات: قصور الثقافة ستفقد استقلاليتها وتصبح منصات دعوية، وطه حسين ونجيب محفوظ سيُقصيان لصالح خطاب أحادى، وكذلك عمالقة الفكر والأدب.

على مستوى العقل: الرقابة الأيديولوجية ستقتل الإبداع قبل ولادته، والفنان سيُسأل: «هذا حلال أم حرام؟» قبل «هذا جميل أم قبيح؟»

وعلى مستوى المستقبل: كنا سننتج جيلًا يحفظ ولا يفكر.. يردد ولا يبدع.. جيلًا بلا ذاكرة فنية ولا موسيقى ولا مسرح ولا أى فن من الفنون.

اعتصام ٢٠١٣ علمنى قاعدة واحدة هى: الشعوب التى تدافع عن مكتبتها تعرف كيف تدافع عن وطنها، ولولا تلك الخيام، ما كانت هناك ميادين فى ٣٠ يونيو.

أحمد فضل شبلول:مصر تصبح تجربة ممسوخة من بلاد أخرى

أحمد فضل شبلول
أحمد فضل شبلول

كثيرًا ما كنت أسأل نفسى: ماذا لو استمر «الإخوان» فى الحكم حتى الآن؟، وأتخيل سيناريوهات كثيرة لو حدث هذا فرضًا، منها أننا سنجد الدولة المصرية قد تفككت أوصالها، وصرنا أحزابًا وشيعًا كثيرة تتقاتل وتتحارب وتتصارع وتتحزَّب، ووجدنا الكثير من الأغراب فى البلد لا نعرف أصلًا لهم ولا فصلًا، ووجدنا قوانين كثيرة وأحكامًا وأعرافًا غريبة تطبق على المصريين دون مراعاة تاريخ هذا البلد ولا جغرافيته، ولا خصوصيته وثقافته.

كنا سنجد أفكارًا وأقوالًا وتجارب منسوخة وممسوخة من بلاد أخرى تُطبق على المصريين فى حياتهم اليومية، وسيجد معظم المصريين أنفسهم غرباء فى بلادهم، وربما لا نجد اسم مصر أصلًا فى شعارات ولافتات مثل هذه الدولة، وربما تتغير الحدود بالانكماش الكبير، والتقسيم الخطير، ويتم التلاعب فى الهوية المصرية نفسها.

عندما بدأتُ أقرأ بعض المراجع وأعودُ إلى بعض المصادر لإنجاز روايتى الأخيرة «المقبرة ٥٥»، التى تدور أحداثها فى عصر أخناتون فى الأسرة الثامنة عشرة، وجدتُ أن ما حدث فى عصره كان يمكن أن يحدث فى عصرنا، حيث وقف كهنة طيبة «الأقصر»، والتى كانت هى العاصمة المصرية فى ذلك الوقت، أمام دعوة التوحيد، وحاربوا الفكر الأخناتونى، وأثاروا الشعب على أخناتون، بل امتدت أياديهم لعقد مؤامرات خارجية على الدولة المصرية، لزعزعة استقرارها، وتآكل حدودها وضياع هيبة الدولة. 

وقتها استطاع كهنة آمون أن يتحكموا فى اقتصاد البلد، وأن يزرعوا الفتنة، ويدبروا المظاهرات، ويخططوا للانقلابات الداخلية والخارجية، حتى يضعفوا مليكهم فيضطر للاستجابة لمطالبهم، ويتخلى عن الإيمان بالإله الواحد الأحد، فيستمرون هم فى السيطرة على مقدرات البلاد وخيراتها والتحكم فى اقتصادها وأفكارها وثقافتها ومواردها.

من أجل ذلك نعتوا أخناتون بأنه «المارق، مجهول الأب، فاقد الرجولة، مؤنَّث الصورة، متنافر القسمات»، وكل هذا لأهداف سياسية واقتصادية وثقافية، والسيطرة على دفة الحكم، والتحكم فى مصائر الناس، ونجحوا فى ذلك، ويقال إنهم استطاعوا اغتيال أخناتون، بعد أن نجحوا فى مخططاتهم، وإقناع معظم الشعب بأنه فرعون مزيف.

ظلت البلاد فى صراع وانقسامات خطيرة ما بين أتباع أخناتون والمؤمنين برسالته وكهنة آمون الذين ساروا فى كل الاتجاهات التى كان معظمها غير شريف، ولكن استطاع القائد العسكرى، حورمحب عندما تولى قيادة الدولة المصرية أن يعيد الاستقرار والهدوء والهيبة للدولة، وأن ينتصر على أعدائها فى الداخل والخارج، فيعود الازدهار، وتعود القوة للدولة المصرية، خاصة فى عهد رمسيس الثانى، أو رمسيس الأكبر.

سيد ضيف الله: إضفاء طابع طائفى على الدولة

سيد ضيف الله
سيد ضيف الله

لم أشارك فى اعتصام المثقفين فى مكتب وزير ثقافة «الإخوان» عام ٢٠١٣، لكنى شاركت فى ثورة ٣٠ يونيو من أجل استرداد الهوية المصرية، واستكمال ثورة ٢٥ يناير.

كنت أتصور وقتئذ، وما زلت أرى، أن «الإخوان» ركبوا ثورة ٢٥ يناير وسرقوها، وأن الاستمرار فى ظل حكم فشل فى أن يتحرر من فكره الطائفى ليكون فكرًا مناسبًا لدولة حديثة، يصعب الاطمئنان لصلابة الأرض التى نقف عليها جميعًا، وهى فكرة الدولة.

أعلم أن ثورة ٢٥ يناير لم تحقق أهدافها المباشرة كما كنت أرجو، لكنها حققت هدفًا غير مباشر، لم يكن من ضمن أهدافها المرفوعة فى الميادين، وأعتقد أنه هدف مهم، وهو فك الارتباط بين جماعة «الإخوان» والنظام الحاكم لمصر. هذا فى حد ذاته مهم للابتعاد عن  إضفاء طابع طائفى على الدولة، وإدخالها فى نفق مظلم لا نخرج منه أبدًا.

إذا كانت ثورتا «٢٥ يناير»، و«٣٠ يونيو» قد نجحتا فى فك هذا الارتباط بين فكر الدولة وفكر الطائفة أو الجماعة، ليكون هذا ملمحًا أساسيًا من ملامح مستقبل مصر السياسى على المدى البعيد، فإنهما نجحتا أيضًا فى سد الطريق أمام أى عقل سياسى يفكر فى أن يفتح ملف توريث الحكم تحت أى مسمى.

ما يبقى فى ذاكرتى، منذ لحظة شرارة ثورة ٢٠١٣ المتمثل فى اعتصام المثقفين بمكتب وزير ثقافة «الإخوان»، هو الخوف على الحريات الشخصية، خاصة لدى المواطنين غير المنشغلين بالخلافات السياسية، بل الخوف على الحياة عند الاختلاف فى التعبير عن الهوية الشخصية فى سلوكيات الناس اليومية.

ما قام به المثقفون المعتصمون ضد وزير ثقافة «الإخوان» هو فعل شجاع بكل المقاييس، لأنهم استشعروا بشكل مضاعف خطورة انتقال الصراع بين السياسيين إلى منطقة يحظر على السياسيين الاقتراب منها، وهى أمن المواطن على حياته، بغض النظر عن عقيدته وأفكاره وملابسه وسلوكياته الحياتية، طالما يحترم قوانين الدولة التى تكفل له هذا الأمان، وتلك المساحة من الحريات الشخصية.

فى اعتقادى الشخصى أن الله حمى مصر بعدم إدخالها فى تجربة «الإخوان» لفترة طويلة، واكتفى بأن يريها لعام واحد مدى فضله عليها بأنه أنقذها من نفق مظلم لا ينجو منه من يدخل فيه ولا يستطيع الرجوع بسرعة.

ولا شك عندى أن استمرار «الإخوان» كان يعنى فقدان الهوية المصرية، بل الدولة المصرية ذاتها. لذلك فى ظنى أن الخبرة السياسية بالنسبة لى من تجارب الماضى قد تتلخص فى أن الانتقال من «مربع الثورة» إلى «مربع الإصلاح» هو ما يضمن الحفاظ على الدولة المصرية، ويكفل تطوير نظام حكم حديث يمكنه إدارة شئونها بما يحسن جودة حياة كل المصريين.

زياد عبدالتواب:  وضع أكثر قتامة من أكثر عصور الاحتلال ظلامًا

زياد عبدالتواب
زياد عبدالتواب

بيان المثقفين فى الخامس من يونيو عام ٢٠١٣ لرفض الوزير المحسوب على جماعة الاخوان الإرهابية، وما أصدره من قرارات كان البداية الحقيقية لإظهار اعتراضهم وذلك بعد أقل من ٤٠ يومًا على إطلاق حركة «تمرد».

الاعتصام كان بمكتب وزير الثقافة بالزمالك والمار فى طريق الكورنيش كان يستطيع وبسهولة تمييز وجوه رموز مصر فى مختلف المجالات من كُتاب وأدباء وموسيقيين وفنانين ومخرجين، بالإضافة إلى نسبة لا بأس بها من موظفى وزارة الثقافة نفسها، بالإضافة إلى مواطنين عاديين شعروا بخطورة الأمر وضرورة الالتفاف والتصدى.

الحقيقة أن محاولة الإجابة عن السؤال الافتراضى عن ما هو تصورك فى حالة استمرار حكم الإخوان يحتاج إلى دراسات متعمقة تشغل آلاف الصفحات، فمثل هذا التصور يلقى بظلاله على كل شىء، سواء على مستوى السياسة والعلاقات الدولية وعلى الاقتصاد، وصولًا إلى التهديد المباشر لهوية أقدم دولة على وجه الأرض.

مصر سبيكة خاصة وخالصة، هوية تشكلت عبر آلاف السنين، ومحاولات الجماعة لقمع و طمس الهوية وتكميم الأصوات وحظر الأنشطة الثقافية والإبداعية، كان سيستمر وبصورة أكثر فجاجة من الإرهاصات والبدايات التى حدثت خلال عام حكمهم، والذى وجدنا فيه الكثير من الأفعال المناقضة للأقوال.

فالحديث عن حرية الإبداع شىء، والممارسات الواقعية شىء آخر، والحقيقة أن تلك الجماعة وأفرادها لا يرون أهمية لوطن أو لأرض أو لهوية أو ثقافة، يكفى أن نستمع إلى تجارب المنشقين عن تلك الجماعة لنتعرف على كيفية إعداد عناصر الجماعة، فالقراءة لكتب محددة بعينها وما دونها محظور.

نفس الشىء فى باقى المجالات الثقافية، بل يصل الأمر إلى حظر أنشطة ثقافية بالكامل، فالإخوانى لا يفكر، والمثقف لا يوجد لديه إلا التفكير والتنوير، لذلك فإن خطورة الثقافة على المشروع الإخوانى أكبر كثيرًا مما يعتقده البعض.

ببساطة من يتفاعل مع العناصر الثقافية المختلفة يتولد لديه حس وفكر وقدرة على الفرز والتمحيص والاعتراض والاختيار، وهى مصطلحات لا وجود لها فى أبجديات تلك الجماعة.

لذلك فإن التصور للوضع فى حالة استمرار حكم الإخوان سيكون أكثر قتامة من أكثر عصور الاحتلال ظلامًا فى منطقتنا أو العصور الوسطى فى أوروبا، والتى يطلق عليها أيضًا عصور الظلام أو انحدار الثقافة، وسيطرة الفاشية الدينية على كل شىء.

عمر قناوى: استمرار مسلسل الكذب والصدام مع القضاء

عمر قناوى
عمر قناوى

لم أشارك فى اعتصام المثقفين، والذى أرى أنه كان له عدة مبررات، على رأسها سلوكيات «الإخوان» غير المطمئنة، خلال العام الذى تولوا فيه السلطة.

كمواطن مصرى أولًا، إلى جانب كونى كاتبًا ومؤلفًا، مشكلتى الحقيقية مع «الإخوان» هى التلفيق والكذب والتدليس والاستحقاقية غير المبررة. الخلاف الأيديولوجى موضوع آخر. هذا فصيل يكذب ويدعى كثيرًا أمورًا هى على خلاف الحقيقة.

مثلًا، بعد أيام قليلة من تولى الرئيس محمد مرسى الحكم، عقدوا جلسة للبرلمان رغم أنه تم حله بقرار قضائى من المحكمة الدستورية العليا. ألا يعد هذا مؤشرًا خطيرًا؟ رئيس تولى الحكم قبل أيام، يبعث رسالة عبر أنصاره ونوابه أنهم لا يحترمون القضاء؟! 

بعدها حاصروا «الدستورية العليا» واتهموا القضاء بالفساد. أليس هذا القضاء هو ذاته الذى أشرف على الانتخابات الرئاسية التى صعدت بمرشحهم محمد مرسى لمنصب رئيس الجمهورية؟!

تبقى فى ذاكرتى من الاعتصام الفرق الفنية وهى تقدم عروضها فى الشارع بجوار وزارة الثقافة، وتفاعل السكان مع المعتصمين.

محمد أبوز يد: المصريون لم يكونوا ليقبلوا ببقاء حكمهم مدة أطول

محمد أبوزيد
محمد أبوزيد

لم يحالفنى الحظ فى حضور اعتصام المثقفين المصريين فى وزارة الثقافة عام ٢٠١٣ ضد حكم الإخوان، لأننى كنت خارج مصر وقتئذ. لكننى كنت أتابع تفاصيله يومًا بيوم، وأقرأ بياناته، وأشاهد صوره ومقاطع الفيديو التى وثقت تلك اللحظة الفارقة فى تاريخ الثقافة المصرية الحديثة. 

وهى لحظة يحق لنا أن نستعيدها دائمًا، لأنها تؤكد أن المثقفين المصريين قادرون على التغيير والتأثير متى توحدت كلمتهم، وشعروا بأن الخطر يهدد الهوية المصرية، فتجاوزوا اختلافاتهم الأيديولوجية والشخصية دفاعًا عن قضية أكبر منهم جميعًا.

لم يكن ذلك الاعتصام مجرد احتجاج على وزير أو على قرار إدارى، ولا مجرد رفض لمحاولات إخضاع المؤسسات الثقافية لرؤية أيديولوجية ضيقة، بل كان دفاعًا عن فكرة الثقافة نفسها، وعن روح الهوية المصرية، وعن حق المجتمع فى التفكير الحر والإبداع والتعدد والاختلاف. 

وقد كشف الاعتصام عن أن الثقافة ليست شأنًا نخبويًا معزولًا، وإنما هى إحدى ركائز المجتمع، وأن المساس بها يعنى المساس بضمير الأمة وذاكرتها.

ومن الصعب تصور ما كان يمكن أن تؤول إليه الثقافة المصرية لو استمر حكم الإخوان سنوات أطول، لأننى لا أعتقد أن المصريين كانوا سيقبلون ببقاء الإخوان مدة أطول، فقد بدأ الرفض الشعبى لحكم المرشد منذ الساعات الأولى لتولى الجماعة الحكم، وشارك فى هذا الرفض جميع شرائح المصريين، واستمر فى التصاعد حتى انتهى بسقوط النظام خلال عام واحد.

وما جرى خلال ذلك العام يمكن أن يعطينا تصورًا عن طبيعة حكم الإخوان لو استمر، من محاولات التأثير فى المؤسسات الثقافية والصحف الأدبية، ومحاولة تغيير المناهج التعليمية، وإعادة تشكيل مشهد الصحافة والفضائيات بما يخدم توجهاتهم، وبما يمكن اعتباره تهديدًا للتنوع الذى قامت عليه الشخصية المصرية عبر تاريخها.

واليوم، وبعد مرور سنوات على تلك الأحداث، أعتقد أن اعتصام وزارة الثقافة سيظل واحدًا من أهم لحظات التضامن الثقافى فى مصر، لأنه جسد إيمان المثقفين بأن الدفاع عن الثقافة هو فى جوهره دفاع عن الهوية المصرية وعن حرية التفكير والاختلاف. 

وستبقى تلك التجربة شاهدًا على أن الثقافة تستطيع، حين تتعرض للخطر، أن تتحول إلى قوة مجتمعية قادرة على حماية الهوية المصرية.

حسين عبدالبصرى:الدفاع عن الفكر دفاع عن الدولة الوطنية

حسين عبدالبصرى
حسين عبدالبصرى

كواحد من بين مئات المثقفين المصريين، شاركت فى اعتصام وزارة الثقافة، فى صيف عام ٢٠١٣، ولم يكن فى ذهنى آنذاك سوى الدفاع عن الثقافة المصرية وهويتها الوطنية، فلم يكن الاعتصام مجرد احتجاج على قرارات بعينها، بل كان موقفًا أخلاقيًا وثقافيًا يؤكد أن الثقافة المصرية أكبر من أن تُختزل فى توجه سياسى أو أيديولوجى.

ما بقى راسخًا فى ذاكرتى هو ذلك المشهد الإنسانى الفريد؛ شعراء وروائيون وفنانون وأثريون ومسرحيون وموسيقيون، من أجيال واتجاهات مختلفة، اجتمعوا تحت هدف واحد هو حماية حرية الإبداع واستقلال المؤسسات الثقافية. كانت المناقشات لا تنقطع، وكانت تلك اللقاءات مع المثقفين تمنح الاعتصام طابعًا حضاريًا يعكس الوجه الحقيقى لمصر.

فى تقديرى، كان اعتصام المثقفين إحدى الشرارات المهمة التى سبقت ثورة ٣٠ يونيو، لأنه كشف مبكرًا عن حجم الرفض داخل النخبة الثقافية لمحاولات إعادة تشكيل المجال الثقافى وفق رؤية أحادية، وقد أسهم فى ترسيخ قناعة بأن الدفاع عن الثقافة هو دفاع عن الدولة الوطنية نفسها.