محاكمة الثورة والثوار..
الروائى الجزائرى أمين الزاوى: من يشعلون الثورات لا يستطيعون بناء دولة وطنية صلبة
- التاريخ أثبت أن قادة الثورة فشلوا فى بناء دولة الاقتصاد والديمقراطية
- كلما تعقدت الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية قفزت القوى الدينية على الحكم
- التيارات المتطرفة فى العالم العربى نتاج إخفاق بناء الدولة المعاصرة
- «العقلية الفلاحية» المهيمنة على النخب السياسية لا تصنع دولة ذات مؤسسات
- الثوار خاضوا تصفيات جسدية بين إخوة السلاح ورفاق الجبهة الواحدة
- إذا أردت السيطرة على شعب فيكفيك أن تضع له فكرة متخلّفة فى غلاف دينى
- «الثورة تأكل أولادها» ليست عبارة جوفاء بل واقع تاريخى
- «صراع الثوار» لم يكن لبناء الدولة بل بحثًا عن سلطة مطلقة فى أيدى فريق معين
- «الشللية السياسية» سمحت بظهور التيارات المتطرفة التى تقدم نفسها بديلًا
فى روايته الأخيرة «منام القيلولة»، الصادرة عن دار العين بالقاهرة، يفتح الروائى الجزائرى أمين الزاوى نافذة واسعة على واحدة من أعقد الإشكاليات التى واجهت ثورات الاستقلال العربية فى القرن العشرين، وفى مقدمتها الثورة الجزائرية.
العمل لا يكتفى بسرد وقائع أو استعادة ذاكرة، إنما يطرح أسئلة وجودية حول مصير من حملوا السلاح دفاعًا عن الحرية، وكيف وجد كثير منهم أنفسهم بعد عقود «صفر اليدين»، بلا مكاسب حقيقية تعكس حجم التضحيات.
«الزاوى»، المعروف بجرأته الفكرية واشتباكه الدائم مع قضايا الهوية والحداثة، يعيد فى هذه الرواية قراءة المسار التاريخى الذى أعقب الاستقلال، متوقفًا عند صعود التيارات الراديكالية وتراجع المشروع التنويرى الذى شهدته عشرينيات القرن الماضى، ويكشف من خلال شخصياته وأحداثه كيف تغلبت النزعات المغلقة على روح النهضة، وكيف انعكس ذلك على حاضر المجتمعات العربية.
عن دور المثقف فى مساءلة التاريخ وإعادة صياغة الذاكرة الجماعية، وروايته الجديدة، وآرائه فى المشهد الأدبى، أجرت «حرف» مع الروائى الجزائرى أمين الزاوى الحوار التالى.

■ فى روايتك الأحدث «منام القيلولة»، الصادرة عن دار العين بالقاهرة، تسرد حكاية أسرة مناضل لم تجنِ ثمار الاستقلال، وهو ما تطرقت إليه فى أكثر من عمل سردى لك «الأصنام» نموذجًا.. هل أردت تقديم نموذج رمزى لطبقة كاملة عاشت هذا المصير، ومحاكمة من قصّروا فى حق الشهداء والمناضلين ضد الاستعمار؟
- الروائى يكتب البياض الموجود فى كتب التاريخ، الروائى أكثر شجاعة من المؤرخ لأنه يشتغل على الخيال ويدخل فى جدل مع الواقع، بالنسبة لى السرد الروائى هو الحفر فى المنسى الذى سقط قصدًا أو سهوًا من المؤرخين، الحفر فى اللا مفكر فيه، إن أزمة الرواية العربية هو أنها قريبة من الواقع أو رهينة الواقع وبعيدة عن الخيال، الواقع الحرفى لا يمنح الرواية قوة بقدر ما يمارس ضدها طاقة الخيال التى هى الطاقة الكبرى فى العملية الإبداعية.
فى رواية «منام القيلولة» كتبت فلسفة «الخيانة» بشقيها، الكبرى والصغيرة، الكبرى هى خيانة الوطن الذاكرة والجغرافيا والحرية، والصغيرة هى خيانة الأصدقاء، ولكن حين تكون الخيانة الصغيرة مرتبطة برأسمال الشرف تصبح هى الأخرى خيانة كبرى، الشرف هنا ليس بالمفهوم الأخلاقى ولكن بالمفهوم الفلسفى والسيكولوجى.
وهذا ما سعيت إلى مقاربته فى «منام القيلولة»، ومن خلال هذه الأزمة المركبة خيانة الوطن وخيانة الشرف تفتح الرواية تاريخ الجزائر لتتأمله بكل شجاعة فى مراحل الثورة حيث العدو واضح، أى الاستعمار الفرنسى، وحيث مفهوم النضال واضح أيضًا، لكننا حين ندخل المرحلة التاريخية الوطنية، مع تشكل الدولة الوطنية المعاصرة المستقلة، سيختلف مفهوم العدو، وسيختلف أيضًا مفهوم النضال، وهنا تحتاج الرواية إلى طاقة تخييل وتحليل لمرحلة الإرهاب أو «العشرية السوداء» الدموية التى عاشتها الجزائر «١٩٩٠-٢٠٠٠»، حيث يتحول أخ البارحة إلى عدو دموى، ويضطر من شكّل البارحة حطب الثورة، أى الذى كان فى الخطوط الأولى لمواجهة الاستعمار، العيشَ فى الهامش أو التهميش، والرواية تريد أن تقول من خلال شخصيات مختلفة نسوية ورجالية من أجيال مختلفة بأن بناء الدولة الوطنية المعاصرة والحديثة أمر صعب ومعقد جدًا، وربما هو أصعب من القيام بحروب التحرير.
■ يبدو الجنون فى الرواية حالة فردية وجماعية فى آنٍ.. كيف تفسر هذا التداخل بين النفسى والسياسى؟
- الجنون موضوع فى الرواية ولكنه أيضًا لعبة سردية وجمالية، فمن خلاله يمكن للسان أن يتحرر، فى الجنون تتحقق الحرية الإبداعية. إن الكتابة عن الجنون بجنون دون أن نفقد عقلنا هى أكبر وأصعب معادلة فى الكتابة.
حين تضع الحروب أوزارها، وتعود الأسلحة إلى مكامنها، يتكلم السياسيون والمؤرخون عن عدد الشهداء وعدد المعطوبين ممن فقدوا أجزاء من أجسادهم، لكن فى غالب الأحيان ننسى ما تخلّفه الحروب من جروح وأعطاب فادحة فى النفس البشرية، فأمراض الأعصاب تكثر فى البلدان التى تعرف الحروب وتعيش العنف وثقافة الدم، وهذا ما حاولت مقاربته فى رواية «منام القيلولة».
حين كنت بصدد كتابة هذه الرواية قمت بزيارات متعددة لمستشفى الأمراض العصبية بمدينة البليدة وآخر بسيدى الشحمى بوهران، وتناقشت واستمعت إلى شهادات كثير من الأطباء المتخصصين، وجالست العديد من ضحايا الإرهاب الذين فقدوا قوتهم العصبية والعقلية ويعانون من انهيارات نفسية مختلفة ومتفاوتة، خاصة الأطفال والنساء.
■ إلى أى مدى تعكس الرواية تحولات المجتمع الجزائرى بعد الاستقلال، خاصة صعود التيارات الراديكالية؟
- التأسيس للدولة الوطنية الصلبة والقائمة على المؤسسات الخالدة أصعب من القيام بثورة تحريرية يكون فيها العدو واضح المعالم ومقاومته واضحة الأهداف، أى تحقيق الاستقلال ورفع العالم الوطنى، ففى التاريخ يقول لنا إنه وفى كثير من المرات الطبقة السياسية التى نجحت فى قيادة الحرب التحريرية نحو الاستقلال لا تملك القدرة السياسية والفلسفية والاستراتيجية لوضع تصور لبناء دولة الاقتصاد والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتنافس المحلى والجهوى والعلمى، وهذا القلق والارتباك والحماس هو ما يسمح بظهور التيارات الراديكالية، فكلما تعقدت الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية استغلت القوى الراديكالية والشعبوية الدينية خاصة هذا الإخفاق فى الاستجابة لمطالب المواطنين، فتقفز على الفرصة التاريخية وتبدأ فى الاستثمار فى الخطاب الدينى السياسى الشعبوى الذى يقدم حلولًا جاهزة لكل شىء، وأعتقد أن التيارات السياسية الدينية المتطرفة فى العالم العربى وشمال إفريقيا هى نتاج إخفاق بناء الدولة المعاصرة، بل إنها استفادت فى شعبيتها من هذا الإخفاق وبنت مجد خطاباتها عليه.
إن العقلية الفلاحية التى تهيمن على النخب السياسية لا تصنع دولة ذات مؤسسات معاصرة، وهو ما يلاحظ على كثير من التجارب السياسية المابعد- استعمارية، التى قادت بناء الدولة المستقلة فى العالم العربى.
■ شخصية «عبدالقادر المخ» تمثل طموحًا مدنيًا يُغتال.. هل هى إدانة مباشرة للعنف السياسى؟
- بنيت شخصية عبدالقادر المخ بكثير من التأمل، فهى شخصية تحمل أفكارًا جديدة، وتتمتع بذكاء قريب من العبقرية، لكنها تواجه مجتمعًا متشبثًا بقيم تقليدية وضحية تيارات سياسية تقليدية تجاوزها التاريخ، وهو إلى حد كبير ضمير الجزائر الجديدة، هو صوتها الداخلى العميق والحالم بالتغيير والتنوير، ونهايته على يد الإرهاب، وبالأساس على يد زوج أخته الإرهابى، يبين كيف تفككت الجزائر، وكيف أن الأخ أصبح يقتل أخاه، والأب يقتل ابنه والأخ يقتل أخته... لقد دخل المجتمع فى توحش غريب كل ذلك مطعمًا بأيديولوجيا متطرفة تتلبس الخطاب الدينى المسيّس العنيف الذى لا يقبل الاختلاف.

■ كيف ترى العلاقة بين الثورة ضد الاستعمار وما آلت إليه الأوضاع لاحقًا من صراعات داخلية؟
- «الثورة تأكل أولادها» هذه ليست عبارة جوفاء، إنها واقع تاريخى، فمنطق الثورة يدفع إلى حالة من التصفيات الجسدية بين إخوة السلاح ورفاق الجبهة الواحدة، وكثير من الثورات بعد نهايتها تسحب معها مثل هذه الصراعات لتظهر فى لحظة بناء الدولة الوطنية، وبالتالى يستمر الصراع، لا من أجل بناء دولة ومؤسساتها ولكن من أجل مواصلة التصفيات بحثًا عن سلطة مطلقة بين أيدى فريق معين، وهكذا تدخل البلاد فى دوامة من العنف وتظهر جراء ذلك أمراض الشللية السياسية، وهو ما يسمح بظهور التيارات المتطرفة التى تقدم نفسها بديلًا عن هذه الأطراف المتصارعة.
هناك فرق شاسع ما بين حرب تحريرية وبين الثورة، فالحرب التحريرية لها هدف استراتيجى واحد ومركزى وهو الاستقلال، ويتم فيها تأجيل الحديث عن تفاصيل بناء الدولة الوطنية، أما الثورة فهى تحمل فلسفة بناء مشروع مجتمع سياسى واقتصادى واجتماعى وثقافى.

■ كيف تعاملت مع الامتداد الزمنى الطويل للرواية دون أن تفقد تماسكها السردى؟
- الرواية كالنهر تجرى دون توقف بل ودون توقّع، وعلى الكاتب أن يتبع جيدًا هذا المجرى، مرات يتأمله ومرات يجد نفسه محمولًا داخله، وفى هذه العملية المعقدة على الروائى ألا يفقد قوة المراقبة الخارجية وألا يسمح للمجرى كى يجره فيما لا يخدم سردية الرواية. إن فلسفة الزمن أساسية فى كل الرواية، سواء أكان زمنًا طوليًا أو استرجاعيًا أو حلزونيًا أو متشظيًا، فالزمن هو البوصلة التى تدلنا على أسرار تغيرات السلطة وتبدلات الوعى الفردى والجماعى، والزمن هو أيضًا إضاءة ساطعة على الجغرافيا. من ذلك فقد حاولت فى «منام القيلولة» أن يكون الزمن طريقًا إلى فهم تحولات التاريخ دون السقوط فى البيداجوجيا أو الديماجوجيا.
قد نكتب رواية يكون زمنها يومًا واحدًا وقد يكون الزمن قرنًا أو بضع سنين، والنجاح فى ذلك يعود إلى قدرة الروائى على التحكم فى الزمن من خلال علاقته بالشخوص لأن الزمن الروائى ليس معلقًا فى الفراغ، ولكنه يتحقق اجتماعيًا ونفسيًا وجماليًا وسياسيًا داخل مصائر الشخوص الروائية.

■ كيف تفسر تحول «الجبل» من رمز للمقاومة إلى ملاذ للجماعات المتطرفة؟
- هذا سؤال مهم جدًا، وهو بالفعل ما كان يرافقنى وأنا أكتب هذه الرواية، لقد ظلت رمزية الجبل فى مخيلتنا، وفى مخيلة الجيل الذى سبقنا، تعنى المكان الذى يوصل إلى الحرية، هو الطريق إلى الكرامة، هو فضاء للموت النبيل، هو فضاء للحلم الإيجابى، هو نافذة تفتح على مستقبل يراد له أن يكون حرًا وعادلًا، لكن مع مرور الزمن السياسى تغيرت هذه الرمزية بعد أن تحول الجبل إلى مأوى لفلول الإرهاب الذى اتخذ منه جغرافية أسس عليها قوته وعنفه ورأسماله من الرعب والدم والعنف والقتل والتكفير ومصادرة أموال الناس والانتقام والممارسات الوحشية واللا أخلاقية التى أساءت لرمزية الجبل وشوهته ومن ورائه أساءت للدين نفسه.
■ هل استندت إلى وقائع أو تجارب حقيقية أثناء كتابة الرواية؟
- الرواية فيها من الواقع لكنها ليست مرهونة للواقع بقدر ما هى مكتوبة للمطلق، فالشخوص الروائية التى تنتمى إلى المشاهدة العينية، والعلاقات الأسرية بمجرد أن تدخل منطق التخييل الروائى تبتعد عن سرديتها الحقيقية لتتحول إلى معادل رمزى لهذا الواقع فى سردية أدبية روائية، أى تتحول إلى شخوص روائية على مسافة بعيدة من الحقيقة الحرفية وعلى قرب من التاريخ ومن الصدق.
■ لماذا وكيف اعتبرت أن يوميات المثقفين التى تعكسها منشوراتهم عبر مواقع التواصل مرآة حقيقية لحزمة من الأمراض الثقافية والفكرية؟
- لقد مسخت وسائل التواصل الاجتماعى كثيرًا من المثقفين من الكتّاب والروائيين والشعراء الذين حصل لهم ما حصل للغراب فى ضياع مشيته، فمن جهة أرادوا أن يتحولوا إلى «مؤثرين» أو «صنّاع محتوى» كما يسمّون، وذلك بنشر مجموعة من السخافات التى تدخل فى باب الإثارة الدينية أو الجنسية أو العاطفية المراهقة والتى تنتمى إلى ما يسمى بالفكر المشتت والمفكك والمزاجى، وكلما توسعت قاعدتهم الشعبية أصبحوا ضحايا «الشعبوية»، ومن هنا تبدأ عملية التنازل عن القناعات لصالح إرضاء الغوغاء، التنازل عن مواقفهم الفكرية حتى لا يُغضبوا «القطيع». ولعل أكبر خطر يواجه النخب المثقفة هى «الشعبوية» القاتلة لحاسة النقد، وبهذا يصبح حالهم فى النهاية كحال الغراب؛ لا هم من الحمائم ولا من الغربان، لا هم أصبحوا مؤثرين ولا هم حافظوا على مواقعهم النخبوية الصادقة.
لقد تحول بعض الكتّاب العرب الذين كانوا أصواتًا للجرأة والنقد والفهم إلى أصوات تشبه أصوات الدعاة أو أصوات دجالى التنمية البشرية، وهذا هو وجه من أوجه الأزمة الثقافية والأخلاقية والفلسفية التى تعيشها النخب فى العالم العربى وشمال إفريقيا.
فى ظل «الحماقة» المعممة فى وسائل التواصل الاجتماعى، نحتاج إلى أصوات هادئة قادرة على بناء خطاب جديد، يؤسس لعلاقة جديدة ما بين القارئ الرقمى، قارئ الشاشة، والمثقف منتج الأفكار التى تسائل المجتمع وتفككه بجرأة وبهدوء.
لقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعى لمنصة لمحاكمة الكتاب من خلال قراءة «النوايا» لا النصوص، وأصبحت هذه التكنولوجيا العصرية وسيلة لجر المجتمع إلى القرون الوسطى بدلًا من أن تكون وسيلة للتوعية وتوزيع الخيرات الفكرية والأخلاقية العالية والدفاع عن قيم الديمقراطية.

■ لماذا اعتبرت أن «المثقف فى منطقتنا كائن حاضر بغيابه أو تغييبه أو منعه أو صمته ومرات بضجيجه الذى لا يخلّف سوى الغبار»؟ وما حيثيات رؤيتك هذه؟
- أمام المسخ الثقافى المعمم، والذى يتجلى فى ثقافة وسائل التواصل الاجتماعى وعلى كثير من القنوات التليفزيونية، وأما شعبويات الدجل الثقافى، أصبح تأثير المثقف التنويرى الحقيقى ضعيفًا جدًا وصعب التحقيق، وهناك ظاهرة الذباب الإلكترونى المنظم بشكل كبير، وكأنهم فى ثكنة إلكترونية، حيث بمجرد أن يطلع «قائدهم» على منشور مميز أو مختلف يعطى لأتباعه إشارة الهجوم على صاحبه، وفى ظل هذه الحرب اللا أخلاقية سادت ثقافة الخوف وتعممت فى وسائل التواصل الاجتماعى، فالشتم والقذف والسب والتكفير والتخوين والتهديد أصبحت خطابات عادية يمارسها الذباب الإلكترونى ضد كل فكر تنويرى مختلف ودون وازع ولا رادع، وفى مثل هذا المناخ المرعب أصبح المثقف النقدى يمارس ضد نفسه ما يسمى بالرقابة الذاتية أملًا فى النجاة من شر الذباب الإلكترونى. يبدو لى بأننا بحاجة إلى مسطرة قانونية خاصة بوسائل التواصل الاجتماعى التى أصبحت إرهابًا جديدًا ضد الأصوات المختلفة، وهى فى ذلك لا تقل خطورة الإرهاب الإلكترونى عن الإرهاب الاجتماعى فى الواقع، وقد ينتقل يومًا هذا الإرهاب من وسائل التواصل الاجتماعى إلى إرهاب جسدى فى الواقع اليومى الاجتماعى والسياسى والفكرى.
■ تطرقت إلى سلطة «الفقيه» وتحولاتها منذ مطلع القرن العشرين.. هل ما زال يحظى بنفس السطوة والنفوذ أم تراجعت سيطرته؟ كيف ولماذا؟
- لقد انزاحت صورة الفقيه التى عرفناها فى التراث العربى والإسلامى، حيث كان الفقيه هو الشاعر والفيلسوف والمؤرخ واللغوى. إننا نحتاج فعلًا إلى قراءة أو قراءات جديدة لتاريخ طبقات الفقهاء فى مختلف معاركهم السياسية والفلسفية والأدبية واللغوية والأخلاقية التى كانت بينهم من جهة، وصراعاتهم مع السلطات المركزية السياسية من جهة أخرى كى نعيد ترميم ملامح صورة الفقيه ونعرف ما تعرضت إليه من تشويه وتزوير وتقزيم فى هذا الزمن المعطوب، فبمثل هذه القراءات التى تقف على أسرار تاريخ هذه النخبة الفاعلة والمؤثرة صانعة الوعى بكل متناقضاته سنكتشف الحقيقة التالية: إن كثيرًا من فقهاء الأزمان الغابرة من عصر المعتزلة إلى عصر الشيخ على عبدالرازق كانوا أكثر شجاعة وأكثر حداثة مما نقرأه اليوم عند بعض دعاة الحداثة من الفلاسفة ومنظّرى الأدب والجامعيين.
لقد تغيرت صورة الفقيه اليوم كثيرًا، إذ انزاحت من موقع كان يحتله بوصفه المنتج للأفكار والرؤى والاجتهادات، نحو موقع الدجل السياسى والثقافى والأدبى والطبى والسيكولوجى، فهناك أمراض فكرية وسلوكية لا حصر لها يمارسها بعض «فقهاء» اليوم باسم الدين، الذى هو براء منهم، كدجل الطب المتمثل فى محاربة السحر والعين والجنون وما إلى ذلك، وهو ما كرّس من التخلّف الشامل وشوّه صورة الدين. ومنذ القديم كان «ابن رشد» قد نبهنا إلى ذلك بقوله: إذا أردت السيطرة على شعب، يكفيك أن تضع له أى فكرة متخلّفة فى غلاف دينى فسيؤمن بها.
■ ما السؤال الذى توقعته ولم يُطرح عليك بعد؟
- ربما هما سؤالان: الأول فلسفى فكرى: كيف تلعب الأسرة الجديدة دورها فى تشكيل المثقف النقدى التنويرى؟ والثانى أدبى: هل ضعف الرواية العربية قادم من ارتهانها الكبير للواقع وابتعادها عن التخييل الإنسانى؟
وفيما يخص السؤال الأول، الواقع يتغير بشكل انقلابى، كل لحظة هى زلزال اجتماعى وسيكولوجى وأخلاقى، يحدث هذا مع زحف التكنولوجيا المتوحشة التى تجفف الإنسان من البعد الروحى يومًا بعد يوم، وأمام هذه التغيرات تفقد الأسرة مفهومها الذى تأسست عليه منذ قرون، الأسرة التقليدية كما الأسرة المعاصرة، لقد تحرر الفرد من سلطة الأسرة ليدخل سجنًا أكبر وأقسى هو سجن هذه التكنولوجيا الاستهلاكية، أصبح سجين شاشة لا تتعدى مساحتها راحة الكف، كما انتهت الأسرة التقليدية والمعاصرة كمدرسة تلعب دورًا محوريًا فى تنشئة أجيال من المثقفين على اختلاف توجهاتهم السياسية والأيديولوجية، ها هى المدرسة التقليدية نفسها كمؤسسة تختفى شيئًا فشيئًا أمام الذكاء الاصطناعى، وهى التى كان لها الفعل الحاسم فى تكوين المثقف، يحدث هذا الانقلاب بسبب التكنولوجيا التى غيرت عادات العمل وعلاقات العمل ووسائل الإنتاج نفسها. إن المثقف الراهن يدخل منطقة حضارية جديدة، وبالتالى عليه فقه تفاصيلها التى تصنع دوره الجديد فى العمل والتفكير والسياسة والأخلاق.
أما السؤال الثانى: يبدو لى أن الرواية العربية بشكل عام ساقطة فى فخين كبيرين، هما سبب ضعفها، وهما: أولًا، ارتهانها للواقع ارتهانًا كبيرًا، مما يخلق جفافها وتشابه نصوصها بشكل عام، وبالتالى تبدو النصوص الروائية العربية وكأنها نصوص محلية تفتقد إلى البعد الإنسانى الذى يدخل النصوص من خلال ربط المحلى بالعالمى الإنسانى، وأمام هذا الالتصاق بالواقع تفتقر الرواية إلى الرؤية الفلسفية، إلى السؤال الفلسفى. وأما الفخ الثانى فهو فخ السياسة، لقد غلب على الرواية العربية الخطاب السياسى فبدت وكأنها جاءت لتصفية حساب مع عدو معين، نقرأ الرواية اليابانية والأمريكية والصينية والفرنسية والألمانية فنجد سؤال السياسة داخل سؤال الفلسفة، أما عندنا فالهم المركزى عند الكاتب هو تحديد عدو سياسى فى النص، وهو ما يجعل الرواية العربية أيضًا رواية محلية وموسمية، تنتهى بنهاية عصر سياسى معين، تموت بموت عدو سياسى أو حليف سياسى، وهذان الفخان لا يسمحان بتطوير اللغة السردية بل ينتجان جفافًا فى الإنشاء الروائى.

■ إلى أى مدى يمكن قراءة الرواية كتحذير من تكرار التاريخ؟
- هذا سؤال خطير أيضًا، أنا لا أومن بأن التاريخ يعيد نفسه، إننا حين لا نعرف قراءة مرحلة تاريخية معينة اختفت نعتقد بأنها عادت من جديد، والحقيقة أننا مرات نعتقد بأننا عبرنا مرحلة تاريخية معينة وأننا أغلقنا الباب عليها سياسيًا واجتماعيًا وأننا مررنا إلى مرحلة تالية، لكن الحقيقة التاريخية هى غير ذلك، فكثير من بقايا هذه المرحلة تظل نائمة فقط ولم تتم تصفيتها أو محوها ولم تمت، ومن هنا حين تسمح الظروف بإيقاظها من نومها نعتقد بأن التاريخ يعيد نفسه، والحقيقة أن هذا التاريخ كان فى استراحة فقط.
■ ما الفخاخ التى نُصبت للنخب الفكرية والإبداعية فى شمال إفريقيا والشرق الأوسط فى الإبداع والسياسة والدين؟
- أعتقد أن مسيرة التنوير فى البلدان العربية وشمال إفريقيا أخفقت حين انتصرت الصحوة الإسلامية على النهضة الليبرالية، فالحلم الذى حمله الجيل الأول للنهضة على جبهات متعددة، جبهة تحرير الأوطان من الاستعمار التقليدى، جبهة تحرير المرأة، جبهة تحرير التراث، جبهة تحرير اللغة، جبهة تحرير الاقتصاد، جبهة النهضة العلمية التقنية، جبهة تحرير الشعر، جبهة الفن من السينما والمسرح والموسيقى- كل هذه الأحلام الجميلة كانت تقودها نخب متنورة وطنية وقومية، ليبرالية ويسارية وعلمانية، وليدة الواقع الوطنى وعلى علاقة بالعالم الغربى.. هذا الحلم المركّب قضت عليه الصحوة الإسلامية التى جاءت لتكفّر وتخوّن وتهوّد كل من شارك فى صناعة هذا الحلم، وأعتقد أن إجهاض النهضة الليبرالية فى العالم العربى وشمال إفريقيا هو نتيجة مؤامرة خارجية كانت تقف وراء هذه الصحوة كى تفرمل كل تحرر حقيقى اجتماعى وسياسى وثقافى وعلمى.







